عمر مرزوق يقدم سيرة شخصية وفكرية لـ«عبقري العباقرة وفيلسوف الفلاسفة»

ابن سينا وفّق بين الفلسفة والدين أو بين العقل والإيمان

ابن سينا... رسم تخطيطي
ابن سينا... رسم تخطيطي
TT

عمر مرزوق يقدم سيرة شخصية وفكرية لـ«عبقري العباقرة وفيلسوف الفلاسفة»

ابن سينا... رسم تخطيطي
ابن سينا... رسم تخطيطي

صدر في باريس مؤخراً كتاب هام بعنوان: «ابن سينا، أو إسلام الأنوار». ومؤلفه باحث جزائري الأصل اسمه عمر مرزوق. وأعترف بأني لم أكن قد سمعت باسمه من قبل قط. وهذا من نواقصي الشخصية التي ألوم نفسي عليها. وذلك لأن الرجل مفكر حقيقي من الطراز الأول. وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، ومختص عموماً بفكر القرون الوسطى. ولكنه مطلع أيضاً على فكر الحداثة بشكل متين. وكان قد نشر سابقاً كتاباً بعنوان: هل توجد فلسفة إسلامية؟ منشورات دفاتر الإسلام عام 2018. وكان خلال سبع سنوات أستاذاً للفلسفة والحضارة الإسلامية في معهد الإمام الغزالي، التابع لجامع باريس الكبير. وهو الآن ينشر كتاباً ضخماً يتجاوز الأربعمائة صفحة عن واحد من أكبر فلاسفة العرب والإسلام: الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا. وهو كتاب مشوق لأنه يتخذ أحياناً شكل الرواية أو حتى الملحمة القصصية الممتعة. ولكنه كتاب علمي أكاديمي في الوقت ذاته. بمعنى أنه لا يلقي الكلام على عواهنه وإنما يقدم لنا لأول مرة السيرة الشخصية والفكرية لعبقري العباقرة وفيلسوف الفلاسفة. بصراحة كنا بحاجة ماسة إلى كتاب من هذا النوع. لقد طال انتظاره. والسؤال الذي يطرحه الكتاب هو التالي: هل يمكن أن تكون مسلماً مؤمناً، ومع ذلك تمارس روحك النقدية على التراث؟ بمعنى آخر: هل يمكن أن تكون مسلماً حقيقياً وفيلسوفاً تنويرياً في آنٍ معاً؟ والجواب نعم، يمكن بشرط أن تكون في مستوى ابن سينا. من المعلوم أن هذا المفكر لم يكن فقط طبيباً عظيماً سيطر على جامعات أوروبا طيلة سبعة قرون متواصلة. وإنما كان أيضاً فيلسوفاً ضخماً مطلعاً على كل علوم عصره وبالأخص على مؤلفات أفلاطون وأرسطو وأبقراط وبطليموس وغالينوس... إلخ، ولهذا السبب كان يريد إدخال العقل والمنطق والفلسفة إلى عالم الإسلام، فلا يبقى محصوراً بالأفكار التقليدية والعقليات الضيقة. كان يريد أن يقدم للمسلم الوسائل المعرفية التي تمكنه من التحرر من الظلاميات الدينية. من هنا عنوان الكتاب: «ابن سينا، أو إسلام الأنوار». هذا الكتاب يروي لنا قصة ابن سينا، أو بالأحرى ملحمته الشخصية الهادفة إلى إصلاح الفكر العربي الإسلامي وتنويره وتوسيع آفاقه في عالم هائج مائج وظروف قلقة مضطربة.
الشيء اللافت في شخصية ابن سينا هو عبقريته المبكرة التي أدهشت معاصريه وأذهلتهم. إنه يفهم «على الطائر» إذا جاز التعبير. ما يحتاجه الآخرون إلى سنوات لفهمه واستيعابه يفهمه هو في بضعة أيام. كان يستوعب أصعب النظريات العلمية أو الطبية أو الفلسفية وهو لا يزال حدثاً صغيراً في السن. يقول لنا المؤلف بهذا الصدد ما معناه: ما إن اكتشف والده هذه المواهب المتفجرة فيه حتى راح يؤمن له أفضل الأساتذة لتربيته وتعليمه. ولكن المشكلة أنه بعد فترة قصيرة سرعان ما تفوق على الأساتذة أنفسهم! بل وأصبح يفحمهم. بل وأصبح يخيفهم. فماذا تفعل بطفل كهذا؟ فلتة الفلتات. أعتقد أنه يشبه من هذه الناحية باسكال الفرنسي أو نيتشه الألماني، أو ربما أينشتاين ذاته. لم لا؟ لحسن الحظ فإن المجتمع الذي ولد فيه ابن سينا لم يكن منغلقاً كارهاً للمعرفة على عكس ما نظن. لم يكن عصراً معادياً للفلسفة والعلوم الدخيلة التي ولدت خارج أرض الإسلام: كعلم المنطق، وعلم النفس، والفلسفة... إلخ. وذلك لأن عصر ابن سينا كان امتداداً للعصر الذهبي الذي ازدهر بين القرنين الثامن والتاسع للميلاد. أما هو فقد ولد في القرن العاشر ومات في القرن الحادي عشر. لم يكن التزمت الفكري الكبير قد حصل بعد. لم يكن باب الاجتهاد قد أغلق بعد. هنا يكمن حظ ابن سينا.
ومع ذلك فإن الدكتور عمر مرزوق يقول لنا إن أكبر مشكلة واجهت ابن سينا في حياته وظلت تلاحقه حتى النهاية هي: معارضة الفقهاء المتشددين له وتركيزهم الشديد عليه حتى أقضوا مضجعه. نعم لقد كان رد فعل رجال الدين عليه وعلى أفكاره ومؤلفاته سلبياً جداً. وسوف تلاحقه هذه المشكلة طيلة حياته كلها. علاوة على ذلك فسوف يظلون يحسدونه ويغارون منه بسبب مواهبه الهائلة في المجالات كافة وذكائه المنقطع النظير. وحتى بعد موته مرغوا سمعته في الوحل واغتابوه وشتموه! وأكبر مثال على ذلك الغزالي الذي كفره رغم أنه استفاد من علمه الغزير وأخذ بعض أفكاره دون أن يعترف بذلك صراحة. لم ير في فلسفة ابن سينا إلا تقليداً باهتاً لأرسطو وأفلاطون في حين أنه كان مبدعاً حقيقياً. كان الفقهاء يمتلكون سلاحاً فعالاً وفتاكاً لتشويه سمعته وإسكات صوت شخص عبقري موهوب مثله. ما هو؟ إنه اتهامه بالكفر والإلحاد! ينبغي العلم أن حملة الإشاعات المغرضة التي استهدفت العلماء والمفكرين الحقيقيين اتخذت أبعاداً هائلة ومخيفة. وإذا كان هناك علماء كرههم الفقهاء، فهم بالدرجة الأولى الفلاسفة. لهذا السبب اضطهدوا الكندي وابن رشد والسهروردي وسواهم كثيرين. وتمت ملاحقتهم بل واغتيال بعضهم كالسهروردي وابن المقفع وابن باجة... إلخ. ويرى الدكتور عمر مرزوق أن هذه الممارسات استمرت حتى يومنا هذا، حيث اضطهد نصر حامد أبو زيد من قبل علماء الأزهر الذين اعتبروه ملحداً مرتداً، في حين أنه كان مسلماً حقيقياً، ولكن بعقلية فلسفية متنورة.
من جهة أخرى، يرى المؤلف أن الصفة الأساسية لابن سينا هي عطش إلى المعرفة لا يرتوي، وجوع إلى الفكر لا يشبع. كان فضوله المعرفي يشمل كل شيء: الفيزياء، وعلم الفلك، والكيمياء، والسياسة، والطب، وعلم النفس، وعلم المنطق، وعلم الرياضيات، وبالطبع الفلسفة. كان مفكراً موسوعياً بالمعنى الحرفي للكلمة. بل وينبغي أن نضيف الشعر أيضاً! فقد كان شاعراً موهوباً حقاً. لقد جمع المجد من طرفيه، أو من جميع أطرافه دفعة واحدة.
ثم يقول لنا المؤلف إن فكر ابن سينا كان نقدياً ومنفتحاً في آن. نقصد بالمنفتح أنه كان يأخذ الأفكار الآتية من الخارج ولكن بعد إعادة صياغتها وتعديلها والإضافة إليها. لم يكن يأخذها جاهزة كما هي. عبقري مثله لا يمكن أن يقلد الآخرين حرفياً. وهذا ما فعله مع علم النفس الموروث عن أرسطو. فلم يأخذه كلياً، وإنما جزئياً فقط ثم أضاف إليه. وكان فكره نقدياً لأنه كان يخضع أفكار الفلاسفة الذين سبقوه للغربلة النقدية والتمحيص الشديد. فما صمد منها أخذ به وما لم يصمد طرحه وتخلى عنه. وهذه هي سمة العباقرة في الأخذ: الهضم والاستيعاب والتجاوز.
لكن ماذا عن موقفه من العقل والنقل؟
هنا يموضع الدكتور عمر مرزوق الإشكالية ضمن إطارها الواسع ويقول لنا ما معناه:
تسود في أيامنا هذه أطروحة مغلوطة تقول بوجود تضاد بين الإسلام والعقل. فالبعض يتوهمون أن الفلسفة تؤدي إلى الكفر، أو الابتعاد عن الله، أو فقدان الإيمان والورع. وبالتالي فالمسلم مطالب بالاختيار بين شيئين: إما الفلسفة، وإما الدين. لقد أدت قرون متواصلة من الحملات الهجومية على الفلسفة إلى هذه النتيجة المؤسفة. ولكن الحل الصحيح هو التوفيق بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والإيمان كما فعل ابن سينا، وكما فعل ابن رشد من بعده. وكذلك كما فعل طه حسين ومحمد أركون وعبد النور بيدار في عصرنا الراهن.
إننا لنشعر بالألم إذ نقول هذا الكلام. ولكننا نشعر بالغضب أيضاً على أولئك الذين أدانوا الفلسفة في العالم الإسلامي وأوصلونا إلى هذه النتيجة الكارثية التي أدت إلى تأخرنا وتخلفنا عن ركب الحضارة والتقدم. نقول ذلك، وبخاصة أن العقلانية الفلسفية هي التي جعلت الغرب ينطلق حضارياً ويتفوق على العالم العربي والإسلامي كله بدءاً من لحظة ديكارت. فقد أعطى هذا المفكر العملاق للغرب المفاتيح المنهجية التي مكنته من التحرر من السلاسل والأغلال القروسطية وتشكيل حضارة عقلانية وتكنولوجية هائلة. وهي حضارة أصبحت لاحقاً كونية بحجم العالم.


مقالات ذات صلة

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».