اجتماع طارئ لمجلس الأمن غداً بشأن أزمة المهاجرين بين بولندا وبيلاروسيا

وارسو اتهمت مينسك بممارسة «إرهاب دولة»... واستعراض قوة روسي بقاذفات نووية

مهاجرون من الشرق الأوسط ودول أخرى يتجمعون حول نار مشتعلة للتدفئة على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا (أ.ب)
مهاجرون من الشرق الأوسط ودول أخرى يتجمعون حول نار مشتعلة للتدفئة على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا (أ.ب)
TT

اجتماع طارئ لمجلس الأمن غداً بشأن أزمة المهاجرين بين بولندا وبيلاروسيا

مهاجرون من الشرق الأوسط ودول أخرى يتجمعون حول نار مشتعلة للتدفئة على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا (أ.ب)
مهاجرون من الشرق الأوسط ودول أخرى يتجمعون حول نار مشتعلة للتدفئة على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا (أ.ب)

طلبت إستونيا وفرنسا وآيرلندا اجتماعاً طارئاً لمجلس الأمن الدولي بشأن أزمة المهاجرين على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا، ومن المفترض أن يعقد الاجتماع ظهر غد الخميس.
وأوضحت المصادر لوكالة الصحافة الفرنسية أن الاجتماع سيُعقد خلف أبواب مغلقة، في وقت لا تزال التوترات تتصاعد بين بولندا وبيلاروسيا المدعومة من روسيا والتي اتهمتها وارسو الأربعاء بممارسة «إرهاب الدولة».
وتتزايد المخاوف بشأن مصير أكثر من ألفي مهاجر غالبيتهم من أكراد الشرق الأوسط، عالقين عند الحدود، في ظروف وصفتها الأمم المتحدة بأنها «لا تحتمل» مطالبة بتحرك لمعالجة الأمر.
ويتهم الأوروبيون منذ أسابيع الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشنكو بتأجيج التوتر من خلال إصدار تأشيرات للمهاجرين وإحضارهم إلى الحدود انتقاما للعقوبات الأوروبية التي فرضت على بلده لقمعه حركة المعارضة بعد الانتخابات الرئاسية في 2020.
وقال رئيس الوزراء البولندي ماتوش مورافيتسكي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال الذي يجري زيارة إلى وارسو: «ما نواجهه هنا، ويجب أن نكون واضحين، هو شكل من أشكال إرهاب الدولة».
من جهته قال ميشال إن عقوبات جديدة بحق بيلاروسيا «مطروحة على الطاولة»، وإن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ستبحث هذه المسألة الاثنين.
وفي هذا السياق، اتفق ممثلو دول الاتحاد الأوروبي الأربعاء على توسيع العقوبات المفروضة على بيلاروسيا لاستهداف النظام، على ما أفاد دبلوماسيون، في خطوة قانونية تمهد لموافقة وزراء خارجية الدول الـ27 على إضافة مجموعة من الأفراد والشركات على القائمة السوداء خلال اجتماعهم الاثنين المقبل.
كما تطرق ميشال إلى مسألة التمويل الأوروبي لمد سياج سعيا لمنع عبور المهاجرين، وهو ما تطالب به بولندا ودول أوروبية أخرى غير أن المفوضية ترفضه حتى الآن، فقال إنه «من الممكن قانونيا» أن يمول الاتحاد الأوروبي مثل هذه البنى التحتية.
ومنذ أشهر يسعى مهاجرون لعبور الحدود، إلا أن الأزمة تفاقمت مؤخرا بعدما حاول المئات الاثنين توحيد جهودهم لدخول بولندا مما دفع حرس الحدود البولنديين إلى التصدي لهم ودفعهم للتراجع.
واستحدث المهاجرون مخيما عند الحدود حيث يقيمون في خيم ويشعلون النار للتدفئة بعدما أن نصب حرس الحدود البولنديون أسلاكا شائكة عند حدود بلادهم.
وفي جنيف أعربت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه عن استيائها إزاء «وجود أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين متروكين في وضع يائس وسط درجات حرارة تقارب الصفر عند الحدود بين بيلاروسيا وبولندا».
وحضت الدول المعنية على «اتخاذ خطوات فورية لاحتواء التصعيد وإيجاد حل لهذا الوضع الذي لا يحتمل».
والأربعاء قال مسؤولون بولنديون إن محاولات عبور الحدود ازدادت في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، وإن مئات المهاجرين خرقوا الحدود قبل أن يلقى القبض عليهم وتتم إعادتهم.
وصرح وزير الدفاع البولندي ماريوش بلاشتشاك للإذاعة أن «الوضع ليس هادئا». وقال إنه بعدما حاولت مجموعة كبيرة اقتحام الحدود الاثنين، تقوم مجموعات عدة صغيرة الأربعاء «بمهاجمة الحدود البولندية في أماكن عدة في وقت واحد».
وقالت وزارة الدفاع البولندية إن بيلاروسيا تستخدم الترهيب لدفع المهاجرين لخرق الحدود بعدما نشرت مقطعي فيديو على تويتر قالت إنهما يظهران رجلا بزي قوات نظامية يطلق النار من الجانب البيلاروسي.
وجاء في تغريدة لبلاشتشاك أن 15 ألف جندي تم نشرهم على طول الحدود لمؤازرة الشرطة وحرس الحدود «لحماية أرض بلادنا من هجوم نظام لوكاشنكو».
من جهتها اتهمت بيلاروسيا بولندا بخرق الأنظمة الدولية بمنعها دخول المهاجرين وبصدهم بالضرب وأعمال العنف.
وأغلقت الطرق المؤدية إلى الموقع أمام الصحافيين المستقلين. لكن في بلدة سوكولكا القريبة أفاد مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية بأنهم شاهدوا دورية توقف السيارات وتفتشها بحثها عن مهاجرين، وكما ودوريات للجيش والشرطة تغادر البلدة.
واتهم الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة لوكاشنكو بافتعال هذه الأزمة ردا على العقوبات الغربية المفروضة على نظامه.
وذهبت بولندا أبعد من ذلك بتحميلها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحليف الرئيسي لمينسك مسؤولية عن الأزمة. لكن الكرملين نفى الاتهامات ووصفها بأنها «غير مسؤولة وغير مقبولة».
ودعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الأربعاء بوتين إلى «ممارسة نفوذه» لدى مينسك من أجل وضع حد لما اعتبرته استغلالا «غير إنساني» للمهاجرين، وذلك بعد دعوة أوروبية مماثلة.
وردت مينسك وموسكو على هذه الاتهامات بتحميل الغرب مسؤولية تدفق المهاجرين بسبب تدخلاته العسكرية في الشرق الأوسط.
وقال وزير الخارجية البيلاروسي فلاديمير ماكي خلال زيارة إلى موسكو إن الاتحاد الأوروبي تسبب بهذه الأزمة لاستخدامها ذريعة لفرض عقوبات جديدة على مينسك، داعيا إلى «رد فعل مشترك» مع روسيا، خلال زيارة لموسكو الأربعاء.
من جهته اتهم وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف المؤسسات الغربية بشن «حملة مناهضة لبيلاروسيا»، وقال إن مينسك وموسكو «عززتا تعاونهما بشكل فعال لمواجهة» هذه الحملة.
وفي استعراض للقوة أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قاذفتين روسيتين بقدرات نووية من نوع «تو - 22ام3» حلقتا في أجواء بيلاروسيا الأربعاء في إطار جهود التكامل العسكري بين البلدين.
وفي الأشهر الأخيرة سجلت محاولات عدة، نجح قسم منها، لعبور الحدود من بيلاروسيا إلى لاتفيا وليتوانيا وبولندا، الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
والثلاثاء صوت المشرعون الليتوانيون لصالح فرض حالة الطوارئ على طول الحدود مع بيلاروسيا، اعتبارا من منتصف الليل.
ولقي عشرة مهاجرين على الأقل مصرعهم في المنطقة منذ بداية الأزمة بينهم سبعة على الجانب البولندي من الحدود، حسب صحيفة «غازيتا فيبورتشا» اليومية البولندية.


مقالات ذات صلة

ترحيل مهاجرين بموجب خطة بريطانية - فرنسية تم دون توفير مترجمين

أوروبا نزول مهاجرين من زورق عند ميناء دوفر البريطاني بعد إنقاذهم في أثناء محاولتهم عبور بحر المانش (أرشيفية - أ.ف.ب)

ترحيل مهاجرين بموجب خطة بريطانية - فرنسية تم دون توفير مترجمين

قال مفتشون في تقرير نشر اليوم الاثنين إن مهاجرين جرى ترحيلهم من بريطانيا إلى فرنسا بموجب خطة «واحد مقابل واحد» الجديدة لم يتوفر لهم ما يكفي من المترجمين.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا ​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

قال متحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، إن 53 مهاجراً بينهم رضيعان لقوا حتفهم أو فُقدوا إثر انقلاب قارب مطاطي كان يقل 55 شخصاً قبالة السواحل الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
أوروبا مشاة يسيرون في أحد شوارع البلدة القديمة في استوكهولم عاصمة السويد يوم 17 أكتوبر 2024 (رويترز)

وسط مساعٍ لخفض الهجرة... السويد تشدد قواعد الحصول على الجنسية

قالت حكومة يمين الوسط في السويد، اليوم (الاثنين)، إن البلاد تعتزم تشديد قواعد الحصول على الجنسية.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
المشرق العربي مهاجرون على متن قارب مطاطي يتلقون سترات نجاة في حين يقوم أفراد طاقم سفينة بعملية إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا 16 يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

53 مهاجراً في عداد القتلى أو المفقودين إثر غرق قارب قبالة ليبيا

أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، أن 53 شخصاً لقوا حتفهم أو فُقد أثرهم إثر غرق قارب في المتوسط قبالة السواحل الليبية، في حين لم ينجُ سوى شخصين.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الولايات المتحدة​ احتجاز فنزويلي من قبل عملاء فيدراليين ملثمين بعد جلسة استماع في محكمة الهجرة بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

محكمة أميركية تؤيد سياسة ترمب بشأن احتجاز المهاجرين

أيدت محكمة استئناف اتحادية سياسة إدارة ترمب المتمثلة في وضع مَن قُبض عليهم في حملة مكافحة الهجرة غير الشرعية في الحبس دون فرصة للإفراج عنهم بكفالة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟