اختبارات الميكروبات البشرية... ادعاءات وحقائق

تركيبة الميكروبيوم تتشكل بفعل العوامل الجينية والبيئية والغذائية والسلوكية

اختبارات الميكروبات البشرية... ادعاءات وحقائق
TT

اختبارات الميكروبات البشرية... ادعاءات وحقائق

اختبارات الميكروبات البشرية... ادعاءات وحقائق

تتكاثر التساؤلات المطروحة حاليا مثل: كيف أعلم ما إذا كانت الميكروبات الموجودة في أمعائي سليمة؟ هل يوجد فحص يمكنني الخضوع له لمعرفة ذلك؟ ذلك، أن عدداً متزايدا من الشركات يقدم فحوصات تعطي لمحة عن حال الميكروبيوم microbiome المعوي (النبيت الجرثومي المعوي)، أي مجموع الميكروبات المعوية، وهي تريليونات الكائنات المجهرية التي تعيش في الجهاز الهضمي.

ادعاءات وحقائق
يدرك العلماء جيداً أن هذه الكائنات المجهرية الحية تلعب دوراً حيوياً في صحة الإنسان وتؤثر على كل شيء من الحالة الصحية مع التقدم في السن ومحاربة الأمراض، إلى مخاطر المعاناة من السمنة وأمراض القلب والسكري من النوع الثاني. وتتطلب «اختبارات الميكروبيوم» microbiome tests المباشرة التي تصل إلى المستخدم تعبئة نموذج استمارة إلكترونية ودفع رسوم وإرسال عينة من البراز. وبعد أسبوعين أو ثلاثة، يحصل صاحب الفحص على تقرير يزوده بلمحة عامة عن الكائنات المجهرية الموجودة في أمعائه، وما إذا كانت مرتبطة بأمراض أو اضطرابات.
ويصل الحد إلى ادعاء عدد أقل من الشركات أنها قادرة على تقديم قائمة بالأطعمة المناسبة للشخص الخاضع للفحص له بناءً على تركيبة الميكروبات وغيرها من المعلومات الشخصية. ولكن بعض الخبراء يعتبرون أنه رغم الوعود التي يحملها هذا الميدان من العلم، لا تزال الأدلة العلمية التي تدعمه غير ناضجة. وتعتقد آيمي لوهمان، الباحثة الرئيسية المسؤولة عن أبحاث الميكروبات البشرية في مختبر «فود أند مود» Food & Mood Centre التابع لجامعة ديكن Deakin University في أستراليا، أن «العلماء سيكونون قادرين خلال خمس إلى عشر سنوات على تقديم عروض موثوقة ومثبتة يستطيع الأطباء والعاملون في مجال العناية الصحية التوصية باستخدامها دون ارتياب. ولكننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد وأظن أن الوعود أكبر مما قد يحققه هذا الحلم على أرض الواقع».

نبيت جرثومي مفيد
لا شك في أن الميكروبات البشرية تلعب دوراً حيوياً في الصحة بشكل عام، كونها تحول الطعام الذي نتناوله إلى مجموعة من المركبات المفيدة لجسمنا. تنتج ميكروبات الأمعاء مجموعة متنوعة من الفيتامينات وتركب هورمونات مثل السيروتونين الذي يؤثر على الصحة الأيضية والمزاج، وتخمر الألياف التي نتناولها وتحولها إلى سلسلة قصيرة من الأحماض الدهنية التي تعمل على تخفيف الالتهابات.
وتتشكل تركيبة الميكروبات البشرية في الجسم بفعل العوامل الجينية والبيئة والغذاء والأدوية والمشروبات التي نستهلكها.
وقد أثبت العلماء أن ميكروبات الأمعاء مرتبطة بمقاومة الأنسولين والسمنة والأمراض الأيضية، ووجدوا أيضاً أن امتلاك عدد كبير من المجموعات المتنوعة من الفصائل البكتيرية أمر مفيد. إذ يواجه الأشخاص الذين يملكون تنوعاً بكتيرياً في أمعائهم خطراً أقل بالمعاناة من السمنة والاكتئاب والسكري، كما أنهم أقل عرضة للمعاناة من علامات الهشاشة مع التقدم في السن.
ولكن البكتيريا البشرية فريدة كبصمات الأصابع إلى درجة أنها تختلف حتى بين التوائم. وقد حال هذا التنوع الكبير بين الأفراد دون التوصل إلى إجماع على التركيبة الدقيقة للميكروبات «الصحيحة»، ومنع العلماء أيضاً من تأكيد ما إذا كانت سلالات محددة من هذه البكتيريا والمستويات المنخفضة من التنوع الميكروبي قد تسبب السمنة أو الأمراض الأيضية أو العكس. ولكن الظاهر حتى اليوم هو أن ميكروبات الأمعاء مفيدة لبعض الأشخاص ومدمرة لآخرين.
اعتبر جاستن سوننبرغ، أستاذ في علم الأحياء المجهري وعلم المناعة في جامعة ستانفورد الذي يتابع دراساته في مجال الميكروبات البشرية أن «هذا المجال تقدم كثيراً ونحن في طور تحديد الجيد والسيئ من هذه الميكروبات. ولكن البكتيريا هي عبارة عن كائنات حية معقدة وسريعة التطور، ما يصعب التأكيد على أنها مفيدة بالكامل أو مضرة بالكامل».

مجاهيل الأنواع الميكروبية
صحيح أن العلماء اكتشفوا الكثير في هذا المجال في السنوات الأخيرة، ولكن لا يزال هناك الكثير لمعرفته حول آلاف الأنواع الميكروبية التي تعيش في الأمعاء.
كتبت لوهمان وزملاء لها أخيراً في ورقة بحثية حديثة نشروها في دورية «ذا لانست غاسترو إنتيرولوجي أند هيباتولوجي» The Lancet Gastroenterology & Hepatology. أن «الأنواع المجهولة من الميكروبات البشرية المعلومة مذهلة، إذ أن ما يقارب 20 في المائة من سلاسل البكتيريا الجينية لم تعرف بعد، و40 في المائة من مجموع العشرة ملايين جين بكتيري المقدرة لا تزال غير معروفة».
أظهرت الدراسات في هذا المجال أنه لا يوجد نظام غذائي موحد يناسب الجميع بتأثيرات موحدة على عوامل كالصحة الأيضية أو خسارة الوزن، لأن الميكروبيوم البشري يلعب دوراً في هذا الأمر. لهذا السبب، تعمد بعض الشركات إلى دمج تحاليل الميكروبات البشرية مع بيانات أخرى لمنح الناس توصيات غذائية خاصة بهم. وتتابع دراسة عالمية مستمرة اسمها «بريدكت» Predict عن الغذاء الموجه لكل فرد personalized nutrition، ألفا ومائة شخص في الولايات المتحدة وبريطانيا ومن بينهم مئات من التوائم المتطابقة وغير المتطابقة. ووجدت هذه الدراسة أن الأشخاص قد يملكون استجابات أيضية مختلفة كلياً لنفس الأنواع الغذائية وأن عوامل فريدة كالجينات والنوم والتوتر ومستوى التمارين الرياضية، وتنوع الميكروبات في أمعائهم، توثر جميعها على شكل التمثيل الغذائي.

صدقية الاختبارات
شكل هذا البحث الأساس لشركة «زوي» Zoe التي تقدم توصيات غذائية مخصصة عبر تحليل ميكروبات زبائنها المعوية وجمع مجموعة كبيرة من البيانات الصحية منهم. تطلب «زوي» من زبائنها ارتداء أجهزة مراقبة للغلوكوز بشكل متواصل، وتسحب منهم عينات دم لرصد تأثيرات الوجبات المختلفة على مستويات الدهون والغلوكوز في دوراتهم الدموية. تبدأ أسعار البرامج التي تقدمها الشركة من 354 دولاراً مقسمة على ستة أشهر (القسط الواحد 59 دولاراً).
من جهة أخرى نشرت مجموعة من الباحثين من معهد وايزمان للعلوم في إسرائيل عام 2015 دراسةً شملت 800 مشارك أظهرت أيضاً أن الناس يملكون استجابات غلوكوز مختلفة (أحد المؤشرات المهمة على خطر الإصابة بالسكري) لنفس نوع الطعام. طور هؤلاء الباحثون خوارزمية باستخدام بيانات عن استجابات الغلوكوز لدى المشاركين، وميكروباتهم المعوية، وتاريخهم العائلي وأسلوب حياتهم، سمحت لهم بالتنبؤ بشكل استجابة الغلوكوز لمختلف أنواع الأطعمة. ساهم هذا البحث في بروز شركة تدعى «داي تو» DayTwo تقدم نصائح غذائية مخصصة لأشخاص مصابين بالسكري لمساعدتهم في السيطرة على حالتهم.
وتعلق لوهمان من جامعة ديكن بالقول إن دراسات الميكروبات البشرية التي كانت خلف نشأة شركات كـ«زوي» و«داي تو» مثيرة للاهتمام، ولكن يجب القيام بمزيد من البحوث. ولا تقف استنتاجات الباحثة عائقاً أمام الناس الذين يرغبون بفحص تسلسل ميكروباتهم لمعرفة المزيد عن صحتهم، ولكنها تلفت الانتباه إلى أنه يمكنهم أيضاً القيام بخطوات لتغذية ميكروباتهم المعوية مثل تناول كمية كبيرة من النباتات الغنية بالألياف والأطعمة المخمرة التي ستفيد صحتهم بكل عام.
وأخيراً، تقول لوهمان: «إذا كنتم تملكون 300 دولار لا تحتاجونها، أنتم أحرار لتجربة برامج الشركات. ولكن ألن تكون صحتكم أفضل بكثير إذا زرتم طبيبا ونظر إلى ملفكم وقال إنكم وصلتم إلى الأربعين وتعانون من مشاكل صحية كامنة – إذن يجب أن تتناولوا المزيد من الخضراوات؟ هذا الأمر مثير للجدل».
*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

نظام يتيح للروبوتات رباعية الأرجل تفادي العوائق قبل الاصطدام

تكنولوجيا يعتمد النظام على دمج الإدراك الذاتي مع الرؤية الخارجية لمساعدة الروبوت على فهم العوائق قبل ملامستها (KAIST)

نظام يتيح للروبوتات رباعية الأرجل تفادي العوائق قبل الاصطدام

النظام يدمج الرؤية والإحساس الذاتي لتمكين الروبوتات رباعية الأرجل من تفادي العوائق مبكراً والتحرك بكفاءة أكبر.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يركز «إيزينغ» على معالجة اثنتين من أصعب العقبات الهندسية التي تعوق الاستخدام العملي للأنظمة الكمية (غيتي)

خاص «إنفيديا» تطرح نموذج «إيزينغ» لتقريب الحوسبة الكمية من الاستخدام العملي

تطرح «إنفيديا» نموذج «إيزينغ» المفتوح لتحسين معايرة المعالجات الكمية وتصحيح الأخطاء، في محاولة لتقريب الحوسبة الكمية من الاستخدام العملي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يشير استعداد المستخدمين للدفع مقابل أداء أفضل إلى فرصة إيرادية قد تضيف للمشغلين ما يصل إلى شهرين إضافيين من متوسط العائد السنوي لكل مستخدم (شاترستوك)

خاص «إريكسون» لـ«الشرق الأوسط»: جودة الشبكة المضمونة تحسم 53 % من قرار الاشتراك

تظهر دراسة «إريكسون» أن المستهلك السعودي بات يمنح الأداء المضمون وزناً أكبر في اختيار الشبكة مع فرص نمو مدفوعة بالجيل الخامس والذكاء الاصطناعي.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا التحديث الأمني العاجل يعالج ثغرة حرجة في برنامجي «Reader» و«Acrobat» على «ويندوز» و«ماك أو إس» (شاترستوك)

ثغرة خطيرة في «Reader» و«Acrobat » تدفع «أدوبي» إلى تحديث عاجل

أصدرت «أدوبي» تحديثاً عاجلاً لسد ثغرة خطيرة في «Reader» و«Acrobat» استُغلت فعلياً عبر ملفات «PDF» ما يتطلب التحديث فوراً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا قالت الشركة إن بيانات الدفع وحسابات المستخدمين نفسها لم تتعرض للاختراق لكنها لم تكشف عدد المتضررين (شاترستوك)

«Booking.com» تؤكد اختراق بعض بيانات حجوزات العملاء

أكدت «Booking.com» اختراق بعض بيانات الحجوزات، ما يثير مخاوف من استغلالها في التصيد، والاحتيال، رغم عدم تسرب بيانات الدفع.

نسيم رمضان (لندن)

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»