لعبة الأرقام... العمل الخفي للمتخصصين في إحصائيات كرة القدم

قبل بث أي مباراة في الدوري الإنجليزي يقوم متخصص بتجميع وثيقة من 25 ألف كلمة توضح كل التفاصيل والاحتمالات

TT

لعبة الأرقام... العمل الخفي للمتخصصين في إحصائيات كرة القدم

أنت لا تعرف وجهه أو اسمه، لكنك ترى عمله عدة مرات أثناء مشاهدة أي مباراة لكرة القدم منقولة عبر شاشات التليفزيون. وبصفته صحافياً إذاعياً مستقلاً ومساعداً للإخراج، يعمل ديف لصالح عدة جهات من بينها «بي تي سبورت» و«بريميير ليغ برودكشنز»، وهي الشركة المسؤولة عن بث مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز في جميع أنحاء العالم.
إنه واحد من جيش من الإحصائيين الذين يقدمون مجموعة واسعة من الحقائق والأرقام لأولئك الذين يعملون أمام الكاميرا أو خلفها. وعندما يقوم المعلقان الشهيران بيتر دروري أو مارتن تايلر بالحديث عن إحصائية معينة على الهواء مباشرة أثناء إحدى المباريات، فمن الممكن أن تكون هذه الإحصائية من بين كثير منها التي جمعها ووثقها ديف ليقدمها لهما.
يصف ديف هذه المهنة بأنها الوظيفة المثالية لعشاق كرة القدم، ويؤكد دروري أن هؤلاء الإحصائيين «من نوع معين». وبعد أن بدأ ديف مسيرته المهنية أثناء وجوده في إسبانيا، كجزء من دراسته في مجال الصحافة الرياضية، عمل في القناة التلفزيونية الخاصة بنادي ريال مدريد، قبل أن ينضم إلى شركة «صانصيت آند فاين»، وهي شركة الإنتاج التي تقف وراء قناة «بي تي سبورت» الإنجليزية عندما أطلقت تغطيتها لكرة القدم في عام 2013. ويعمل ديف مع هذه الشركة، فضلاً عن عدد من القنوات الأخرى، منذ ذلك الحين. وينصب تركيزه بشكل أساسي على تجميع الإحصائيات المتعلقة بكل مباراة.
يقول ديف: «الإحصائيات التي نجمعها ليست للمعلقين فقط، حيث يتم استخدامها أيضاً من قبل مقدمي البرامج والضيوف في استوديوهات التحليل، والنقاد وحتى المعدين والمخرجين». لقد أصبحت هذه الإحصائيات هي المرجع الأساسي لمجموعة كاملة من الأشخاص المشاركين في بث المباريات. ويضيف ديف: «يعتمد بعض الناس اعتماداً كلياً على هذه الإحصائيات، بينما يستخدمها آخرون كنقطة مرجعية، عندما يحتاجون إلى شيء ما».
وتجب الإشارة إلى أن حزمة الإحصائيات هذه هي عبارة عن ملف ضخم يحتوي على كمية هائلة من البيانات التي تهتم بالتفاصيل الدقيقة لكل جانب من جوانب اللعبة. وتتضمن معلومات عن كل فريق، بما في ذلك تاريخه ونتائجه الأخيرة، ونتائج المباريات بين الفريقين، وكل لاعب في الفريقين، وتاريخ وأرقام المديرين الفنيين، وما إلى ذلك. ويمكن لحزمة الإحصائيات الخاصة بمباراة واحدة في الدوري الإنجليزي الممتاز أن تصل إلى 25 ألف كلمة، لكن المعلقين من الممكن أن يستخدموا ما يصل إلى واحد في المائة فقط منها خلال التعليق على أحداث المباراة.
لا يعرف كثيرون ديف أو العمل الذي يقوم به، لكن اسمه قد يرد على لسان أحد المعلقين أثناء الإشارة إلى الإحصائيات. يقول ديف: «ذكر مقدم البرامج جيمس ريتشاردسون اسمي خلال استعراضه لأهداف دوري أبطال أوروبا على شاشة قناة (بي تي سبورت) قبل أسبوعين. لقد كان ذلك رائعاً، لكنه نادر جداً». وفي مصادفة غريبة، أشار المذيع الفرنسي جوليان لورينز الأسبوع الماضي إلى اسم ديف عندما ساعده في معرفة آخر هدف سجله أندرياس كريستنسن قبل الهدف الذي سجله في مرمى مالمو بدوري أبطال أوروبا.
ربما كان المشاهدون يعرفون أن هذا هو أول هدف يسجله اللاعب الدنماركي بقميص تشيلسي بعد انتظار دام لمدة 137 مباراة، لكن عدداً قليلاً من المشاهدين يتذكرون الهدف الذي أحرزه مع نادي بوروسيا مونشنغلادباخ في مرمى شالكه في الدوري الأوروبي في عام 2017. لكن كريستنسن كان متألقاً في ذلك الوقت، حيث كان قد سجل هدفاً قبل ذلك بأربعة أيام في الدوري الألماني الممتاز ضد هامبورغ، كما سجل هدفاً قبل أسابيع قليلة من ذلك في مرمى فيورنتينا أيضاً ببطولة الدوري الأوروبي. من المؤكد أن عدداً قليلاً للغاية من الناس لديهم مثل هذه المعلومات، لكن من المؤكد أن هذه المعلومات وأكثر كانت لدى ديف.
هناك كثير من التفاعل والتعاون بين المعلقين والمنتجين والإحصائيين، بدءاً من الإعداد للمباريات ومروراً بأوقات المباريات نفسها ووصولاً إلى تحليلات ما بعد المباراة. ومن المؤكد أن هؤلاء الجنود المجهولين يقومون بعمل رائع ويحدثون فرقاً كبيراً، لذلك عندما يقع حدث نادر مثل تسجيل كريستنسن لهذا الهدف، يجب أن تكون المعلومة سريعة ودقيقة. يقول دروري عن ذلك: «يمكنك القيام بكل الاستعدادات التي يمكنك القيام بها في العالم، لكن عندما يظهر شيء لم تكن تتوقعه على الإطلاق، فإنني أضغط على ما يُعرف باسم (الزر البطيء) الذي يسمح لي بطلب فحص هذه المعلومة أو تلك على الهواء مباشرة. وهنا يقوم هؤلاء المتخصصون في الإحصائيات بدورهم».
يقول دروري: «في عالم مثالي، أحب أن أقوم بكل الاستعدادات الخاصة بنفسي، لكن لا توجد مباراة لا أعتمد فيها على حزمة الإحصائيات التي يقدمها هؤلاء المتخصصون، حيث أذهب إليها للتأكد من أحد الأشياء، وفي بعض الأحيان أحصل منها على بعض المعلومات ثم أواصل البحث بنفسي عن أشياء أخرى. لنفترض مثلاً أن هذه الإحصائيات تقول إن نوريتش سيتي قد حقق أسوأ نتائج له في الدوري الإنجليزي الممتاز منذ عام 1953، فإن هذا يجعلني أتفقد ما حدث طوال تلك السنوات، إذا سمح لي الوقت بذلك».
ولم تبدأ شركة «أوبتا» في جمع الإحصائيات الشاملة إلا في موسم 2006 - 2007، لذلك يعتمد دروري على مصادر أخرى عندما يعود إلى إحصائيات تعود إلى ما قبل هذا الموسم. ويقول: «أنا مشترك في الأرشيف الوطني لكرة القدم الإنجليزية، والذي يحتوي على تشكيلة كل مباراة من مباريات الدوري الإنجليزي، وهو مصدري الموثوق به للمعلومات التاريخية». ويحتوي هذا الأرشيف على معلومات مفصلة بشأن - وفق آخر إحصاء - 234.182 مباراة و46.151 لاعباً، منذ موسم 1888 - 1889».
يقول دروري: «غالباً ما أستخدم مثل هذه المعلومات لتلك اللحظات المؤثرة بعد وفاة اللاعبين. في الآونة الأخيرة عندما رحل عن عالمنا جيمي غريفز، كان الجميع يعرف الكثير عن سجل أهدافه المذهل، لكنني أردت معرفة مزيد من التفاصيل حول أهدافه، وعلى وجه التحديد أهدافه في مباريات توتنهام وتشيلسي. وحدث الأمر نفسه أيضاً فيما يتعلق بروغر هانت، الذي اكتشفت أنه منذ ما يقرب من 60 عاماً سجل هدفه الأول في الدوري الممتاز مع ليفربول في مرمى مانشستر سيتي، وذكرت ذلك في المباراة التي لعبها الفريقان ووقفا فيها دقيقة حداداً عليه».
لكن هناك اختلافاً بين المعلقين على المباريات في هذا الأمر. يقول ديف: «بينما يحرص البعض على معرفة كل التفاصيل لأنهم يريدون تجنب تعرضهم للانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن البعض الآخر لا يهتم بشكل خاص. على سبيل المثال، هناك معلق رائع ومن أفضل المعلقين في العالم، لكنه كان يجد صعوبة في النطق الصحيح لاسم الظهير الأيسر لفريق كبير في أوروبا أثناء اللعب أمام نادٍ إنجليزي، لكنه لم يكلف نفسه عناء البحث».
وكما يشير دروري، هناك قدر من التوازن بين الدورين، حيث يقول: «ليس من وظيفة محللي المباريات معرفة كل التفاصيل. فبصفتهم لاعبين سابقين، فهم موجودون في الاستوديو للحديث عن كيفية حدوث شيء ما، ولتوضيح الرؤية الثاقبة التي لا يمكن أن يقدمها سوى اللاعبين الذين خاضوا المباريات على أعلى مستوى. بينما نحن كمعلقين على المباريات يتعين علينا أن نتحدث عن كل شيء، بدءاً من الأشخاص وصولاً إلى الزمان والمكان».
وكما الحال مع ديف، يعمل كريس مور في شركة «صانصيت آند فاين» منذ أن بدأت قناة «بي تي سبورت» العمل قبل ثماني سنوات. ومن وجهة نظره كمخرج، يرى مور حزمة الإحصائيات على أنها الشيء الذي يقدم له الراحة التامة خلال المباريات، ويقول: «إنها تساعدني في التعرف على شيء ربما لا أعرفه، وتكون بمثابة نقطة مرجعية لي طوال المباراة». ودائماً ما يقرأ مور الصفحات القليلة الأولى في هذه الإحصائيات، لأنها تقدم ملخصاً يمنحه كثيراً من المعلومات التي يستغلها في اللحظات الماسبة. يقول مور عن ذلك: «سحر الصفحات الأولى يكمن في أنها تحتوي على جميع القصص الرئيسية التي يمكننا البحث عنها خلال المباراة. على مدى السنوات القليلة الماضية أصبحت كرة القدم لعبة تعتمد على الأرقام إلى حد كبير».
ويشير مور إلى أن التحدي الحقيقي يأتي بمجرد بدء المباراة، ويقول: «هذا هو الوقت الذي نحتاج فيه حقاً إلى أن نكون مدركين لكل ما يحدث. يستعد الإحصائيون والمخرجون دائماً لما قد يحدث خلال المباراة. فعندما سجل باتسون داكا هدفه الثاني لصالح ليستر سيتي في مباراة الدوري الأوروبي أمام سبارتاك موسكو الأسبوع الماضي، بدأ ديف ومور يبحثان بسرعة عن أسرع هاتريك في تاريخ الدوري الأوروبي».
واكتشف ديف أن الثلاثية (الهاتريك) التي أحرزها داكا كانت أول هاتريك يحرزه لاعب لفريق زائر في مرمى سبارتاك موسكو منذ يوليو (تموز) 2008، عندما سجل فاغنر لوف هاتريك لصالح سيسكا موسكو، لذلك أرسل ديف رسالة نصية بهذه المعلومة إلى آدم سمرتون، الذي ذكرها في التعليق على أحداث المباراة. ولحسن حظ مور، شهدت هذه المباراة إحصائية مذهلة أخرى، فعندما سجل داكا هدفه الرابع في تلك الليلة، أصبح المهاجم الزامبي هو الهداف الأول لليستر سيتي في كرة القدم الأوروبية رغم مشاركته في ثلاث مباريات فقط مع النادي ببطولة الدوري الأوروبي.
وبالحديث عن اللاعبين الذين سجلوا أربعة أهداف خارج ملعبهم، كان هناك مثال آخر على التفاعل والتواصل بين الإحصائي والمعلق عندما كان ديف يعمل جنباً إلى جنب مع دروري في يناير (كانون الثاني) 2017. يقول ديف: «عملت أنا وبيتر معاً خلال مباراة ليفربول ضد سوانزي سيتي، التي شهدت تسجيل فرناندو يورينتي هدفين في بداية المباراة. ونظراً لأنه لا يوجد عدد كبير من اللاعبين الذين سجلوا ثلاثة أهداف في مرمى ليفربول على ملعب أنفيلد، سألني بيتر عن آخر مرة حدث فيها ذلك. ولحسن الحظ أنني من مشجعي ليفربول، لذلك أخبرته على الفور أن آخر من أحرز هاتريك في مرمى ليفربول على ملعب أنفيلد هو أندريه أرشافين في عام 2009».
في الواقع، سجل اللاعب الروسي الأهداف الأربعة التي سجلها فريقه في المباراة التي انتهت بالتعادل بأربعة أهداف لكل فريق، ليصبح بذلك اللاعب الوحيد الذي سجل أربعة أهداف لفريق زائر على ملعب «أنفيلد» في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز. وكما يقول مايكل كين: «وهو الأمر الذي لا يعرفه كثير من الناس».


مقالات ذات صلة


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».


اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
TT

اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)

بين فريق بدأ الموسم بطريقة قوية، وآخر لا يزال يبحث عن نفسه بعد عودته إلى دوري الأضواء، يحل بايرن ميونيخ ضيفاً ثقيلاً على مستضيفه شالكه (السبت) في الجولة الثانية من دوري الدرجة الأولى الألماني لكرة القدم. ويخوض النادي البافاري مباراته الثانية في «البوندسليغا» بثقة كبيرة بعد البداية التي قدَّمها في حملة الدفاع عن لقبه، عندما تغلَّب على شتوتغارت (5-1) في الجولة الأولى. ولم يستغرق بايرن وقتاً طويلاً لإظهار ما يمكن أن يقدِّمه هذا الموسم. وجاء الفوز الكبير على شتوتغارت بعد الانتصار على بروسيا دورتموند في كأس السوبر، وأعقب ذلك الفوز على أوسنابروك (4-1) في كأس ألمانيا.

ويحظى النادي البافاري بميزة استثنائية، إذ إنه لم يعد يعتمد على مصدر واحد للخطورة، في ظلِّ قدرته على صناعة الفرص من الأطراف والعمق، مع دور بارز لجوشوا كيميتش في تنظيم اللعب، والفرنسي مايكل أوليسيه في الثلث الهجومي، كما بدأ الوافد المغربي الجديد إسماعيل صيباري مشواره مع الفريق بصورة لافتة بعدما صنع هدفين أمام شتوتغارت. ولا يزال الهداف الإنجليزي هاري كين يمثّل النقطة الأهم في هجوم بايرن، حتى لو لم يسجِّل في المباراة الأولى، حيث إنَّ وجوده يمنح الفريق أكثر من خيار في الثلث الأخير، سواء عندما يتحرَّك داخل منطقة الجزاء أو عندما يتراجع لتسلُّم الكرة والمشاركة في بناء الهجمة. ومع لويس دياز وأوليسيه وبقية العناصر الهجومية، سيكون لدى بايرن ما يكفي من الحلول إذا حاول شالكه إغلاق المساحات أمام المرمى.

وعلى الجانب الآخر، لم تكن بداية شالكه بالهدوء نفسه. الفريق خسر أمام أوغسبورغ بثلاثية نظيفة في الجولة الأولى، بعدما تلقَّى هزائم ثقيلة أمام أتالانتا، وريال مدريد في فترة الإعداد. وبينما أظهر شالكه قدرته على التسجيل عندما فاز (5-2) على هالهشير في كأس ألمانيا و(5-صفر) على هيسن كاسل ودياً، فإنَّ مشكلته الأساسية حتى الآن تتمثَّل في الحفاظ على التوازن عندما يواجه منافساً قادراً على الضغط المستمر. وتميل كفة المواجهات المباشرة لصالح بايرن الذي فاز في آخر 12 مباراة أمام شالكه، وسجَّل خلالها 42 هدفاً مقابل هدفين فقط سكنت شباكه.

وكانت آخر مواجهة بين الفريقين في مايو (أيار) 2023 وانتهت بفوز بايرن بنصف دستة أهداف، في حين انتهت آخر مباراة على ملعب شالكه بفوز النادي البافاري بهدفين دون رد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. ويدخل بايرن المباراة مع بعض الغيابات، أبرزها طارق بوخمان، وسيرج غنابري، وجمال موسيالا. أما شالكه فيغيب عنه بريان لاسمه، وأدريان غانتنباين؛ بسبب الإصابة، بالإضافة إلى رون شالنبرغ للإيقاف.

من جانبه، يبدو بروسيا دورتموند الطرف الأكثر جاهزية قبل رحلته إلى هوفنهايم (السبت)، بعدما افتتح الموسم بالفوز على هامبورغ بهدفين نظيفين، ثم أكد بدايته القوية بانتصار كبير بخماسية نظيفة على إتش إي بي سي هامبورغ في كأس ألمانيا، في مباراتين حافظ خلالهما على نظافة شباكه. وفي المقابل، يدخل هوفنهايم المواجهة بعد خسارة مثيرة (2-3) أمام كولن، رغم أنه تقدَّم مرتين وكان قريباً من الخروج بنتيجة إيجابية. وتشير البداية إلى أن هوفنهايم يملك ما يكفي من الحلول الهجومية لإزعاج دورتموند، لكنه لا يزال بحاجة إلى معالجة مشكلاته الدفاعية. بعد استقبال 3 أهداف في المباراة الأولى.

ويفتقر دورتموند إلى جهود نيكو شلوتربيك؛ بسبب إصابة في الكاحل، إلى جانب إيقاف صامويل إيناسيو وإصابة الوافد الجديد جيانيس كونستانتيلياس. ويمثّل القناص الغيني سيرهو غيراسي أحد أبرز مفاتيح دورتموند الهجومية، فيما سيبقى أندريه كراماريتش مصدر الخطورة الأهم لهوفنهايم، خصوصاً بعد تسجيله هدفي فريقه من ركلتَي جزاء أمام دورتموند في المواجهة الأخيرة بين الفريقين. ويلتقي (السبت) أيضاً باير ليفركوزن مع ضيفه يونيون برلين، رافعاً شعار «لا بديل عن الفوز»، وبعرض مقنع لمصالحة جماهيره بعد حسرة الخسارة (2-3) أمام إلفرسبرغ الصاعد لـ«البوندسليغا» للمرة الأولى في تاريخه.

ويملك ليفركوزن أيضاً سجلاً يمنحه بعض الثقة، بعدما خسر مرة واحدة فقط في آخر 11 مواجهة له أمام يونيون برلين في «البوندسليغا». لكن يونيون فاز في آخر لقاء بينهما بهدف راني خضيرة في فبراير (شباط) الماضي. واستهل يونيون برلين مشواره في «البوندسليغا» بتعادل مثير أمام آينتراخت فرانكفورت (3-3) بعدما كان متأخراً (1-3). ويتطلع لايبزيغ لمواصلة بدايته الرائعة للموسم الجديد من «البوندسليغا» حينما يحل ضيفاً على فيردر بريمن (السبت). وسجَّل لايبزيغ 9 أهداف دون أن تهتز شباكه في أول مباراتين له بالموسم، حيث تغلب على بروسيا مونشنغلادباخ بثلاثية نظيفة في «البوندسليغا» بجانب فوزه على آينتراخت ترير بـ6 أهداف دون رد في كأس ألمانيا، في الوقت الذي يحتاج فيه بريمن إلى رد فعل سريع بعد خسارته الثقيلة (1-4) أمام فرايبورغ في الجولة الأولى، عقب موسم سابق نجا فيه الفريق بصعوبة من صراع الهبوط. ويلتقي (السبت) مونشنغلادباخ مع إلفرسبرغ، وبادربورن مع فرايبورغ، على أن يلتقي (الأحد) هامبورغ مع ماينز، وآينتراخت فرانكفورت مع أوغسبورغ.


ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)

في ليلة من ليالي خريف عام 2000، رصيف ميناء بوينس آيرس كان شاهداً على خطى فتى نحيل، تملأ عينيه دهشة مشوبة بالقلق، يحمل في حقيبته الصغيرة أحلاماً تفوق بنيته الجسدية الضعيفة. لم يكن يملك ليونيل أندريس ميسي حينها سوى موهبة فطرية خارقة، ونقص في هرمونات النمو كاد يعصف بمسيرته قبل أن تبدأ.

الفتى الذي لم يتوقف عن الركض خلف حلمه

عائلته المثقلة بالأعباء الاقتصادية في روزاريو بالأرجنتين، لم تكن تبحث عن مجد كروي بقدر ما كانت تبحث عن نادٍ يتكفل بنفقات علاجه الباهظة.

عندما وقعت عينا كشافي نادي برشلونة على هذا الساحر الصغير، لم يكن لديهم متسع من الوقت لإحضار عقد رسمي، فصيغ أول التزام على منديل ورقي في مقهى كاتالوني. ذلك المنديل لم يكن مجرد ورقة، بل كان وثيقة إعادة كتابة تاريخ كرة القدم الحديثة.

ليونيل ميسي وضع بصمة تهديفية لا تُنسى بفضل التسجيل والصناعة (أ.ف.ب)

على مدار أكثر من ربع قرن، لم يكن ميسي مجرد لاعب يركض بركل الكرة، بل كان رساماً يخط برجليه اليسرى لوحات سريالية على العشب الأخضر، وموسيقياً يضبط إيقاع الملاعب العالمية، ليمسي عبر السنين الفكرة الثابتة في عالم دائم التغير، والأسطورة الحية التي روضت المستديرة حتى انصاعت له طواعية.

من أزقة روزاريو إلى أضواء لاماسيا

ولد ليونيل ميسي في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين بمدينة روزاريو الأرجنتينية، ونشأ في عائلة عاشقة لكرة القدم بدأت تلمح عبقريته منذ سن الخامسة. انضم الصغير إلى نادي نيويلز أولد بويز المحلي، لكن تشخيص إصابته بنقص هرمون النمو وهو في الحادية عشرة من عمره مَثّل المنعطف الأبرز في حياته.

وفي ظل عجز الأندية الأرجنتينية عن تمويل علاجه، ظهرت أكاديمية لاماسيا التابعة لنادي برشلونة باعتبارها طوق نجاة، لينتقل الفتى إلى إسبانيا وتبدأ رحلة صقل الجوهرة النادرة التي غَيّرت موازين اللعبة عالمياً.

العصر الذهبي وتأسيس الإمبراطورية الكاتالونية

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

تمثل مسيرة ميسي مع نادي برشلونة الإسباني العصر الأزهى في تاريخ النادي الكاتالوني، حيث صعد إلى الفريق الأول عام ألفين وأربعة ليتعلم بجانب الساحر البرازيلي رونالدينيو قبل أن يصبح المحرك الأساسي لمنظومة التيكي تاكا الشهيرة. وعلى مدار سبعة عشر عاماً بالقميص البلوغرانا، خاض ميسي سبعمائة وثمانية وسبعين مباراة، ومزق شباك الخصوم بستمائة واثنين وسبعين هدفاً، محققاً عشرة ألقاب في الدوري الإسباني، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وسبعة كؤوس لملك إسبانيا، بالإضافة إلى ثلاثية تاريخية في كل من كأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبية.

ليونيل ميسي وجوزيه مورينيو (رويترز)

محطات الارتحال من حديقة باريس إلى شمس ميامي

في صيف عام ألفين وواحد وعشرين، وفي مشهد درامي أبكى الملايين، غادر ميسي كامب نو مجبراً بسبب الأزمة المالية الخانقة للنادي، ليتجه إلى العاصمة الفرنسية وينضم إلى باريس سان جيرمان.

ورغم أن التجربة الباريسية لم تحمل الزخم العاطفي ذاته، فإنه أضاف إلى خزائنه لقبين في الدوري الفرنسي ولقباً في كأس السوبر الفرنسية، قبل أن يقرر خوض تجربة جديدة في الملاعب الأميركية رفقة إنتر ميامي، ليقود الفريق سريعاً لتحقيق أول ألقابه التاريخية بالفوز بكأس الدوريات، ويحدث ثورة شعبية غير مسبوقة للعبة في الولايات المتحدة.

ليونيل ميسي (رويترز)

ملحمة الآلام والآمال والتتويج بالذهب العالمي

لطالما كانت العلاقة بين ميسي والقميص الأرجنتيني مزيجاً معقداً من الحب الجارف والانتقادات الحادة بسبب المقارنات المستمرة مع الراحل دييغو مارادونا، خاصة بعد خسارته لثلاثة نهائيات متتالية في كوبا أميركا ونهائي كأس العالم عام 2014.

لكن القصة لم تكن لتنتهي دون إنصاف تاريخي، إذ عاد البرغوث ليقود بلاده إلى حقبة ذهبية بدأت بالتتويج بكأس كوبا أميركا عام 2021 في قلب البرازيل، تلاها الفوز بكأس فيناليسيما، ثم الذروة التاريخية في مونديال قطر 2022 برفع كأس العالم المستعصية، قبل أن يختتم مشواره القاري بالحفاظ على لقب كوبا أميركا لعام 2024.

لتتواصل رحلته الدولية المذهلة حتى بصم على ظهوره الأخير والمونديالي السادس في نهائي كأس العالم الولايات المتحدة كندا والمكسيك 2026 أمام إسبانيا.

العناق بين ميسي ويامال بدا وكأنه إعلان رمزي عن انتقال الشعلة بين جيلين (رويترز)

جوائز فردية غير قابلة للكسر على عرش البالون دور

طوال هذه المسيرة، احتكر النجم الأرجنتيني المنصات الفردية محققاً أرقاماً قياسية تبدو عصية على التحطيم في المستقبل القريب. وتربع ميسي على عرش جائزة الكرة الذهبية لثماني مرات باعتباره أكثر لاعب في التاريخ تحقيقاً لهذا الإنجاز، ونال الحذاء الذهبي الأوروبي في ست مناسبات، بالإضافة إلى تتويجه بجائزة الأفضل من الاتحاد الدولي لكرة القدم ثلاث مرات، وهو اللاعب الوحيد في التاريخ الذي حصد جائزة أفضل لاعب في بطولة كأس العالم مرتين، وذلك في نسختي البرازيل وقطر.

لقطة ميسي الأيقونية وهو يرفع كأس العالم 2022 (أ.ف.ب)

الصدمة المدوية وبيان الوداع التاريخي عبر «إنستغرام»

بعد مسيرة دولية ملحمية دامت لواحد وعشرين عاماً بقميص لالبيلسيستي، صدم ليونيل ميسي الأوساط الرياضية العالمية بإعلان اعتزاله اللعب دولياً رسمياً. وجاء الوداع الأخير عبر بيان مؤثر للغاية نشره الساحر الأرجنتيني على حسابه الرسمي في منصة «إنستغرام»، مؤكداً بكلمات حزينة تقطر شجناً أن القرار كان مؤلماً ويمس روحه في الأعماق، لكنه أدرك أن الوقت قد حان ليترجل عن صهوة جواده الدولي ويفسح المجال أمام المواهب الشابة الصاعدة.

كان مورينيو قد واجه ميسي مراراً خلال فترات قيادته لريال مدريد قبل أن يوجّه إليه الرسالة التقديرية (حساب ميسي في «إنستغرام»)

وكشف ميسي في ثنايا رسالته الوداعية أنه خطّ كلمات هذا البيان يدوياً في الحادي والعشرين من يوليو (تموز)، أي بعد يومين فقط من نهائي المونديال الأخير، غير أن الرحيل المفجع لوالده «خورخي ميسي» في شهر أغسطس (آب) عزز لديه اليقين التام بالاعتزال، لينهي النجم البالغ من العمر 39 عاماً مسيرته برصيد إعجازي يبلغ 207 مباريات دولية سجل خلالها 125 هدفاً، مغادراً من الباب الكبير وبراحة بال تامة بعد أن أفرغ كل ما في جعبته لوطنه.

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي ووالده خورخي (رويترز)

عندما تودع كرة القدم جزءاً من روحها الجميلة

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

لم تكن مسيرة ليونيل ميسي مجرد إحصائيات جافة تُسجل في دفاتر الاتحاد الدولي، بل كانت مدرسة في الإصرار والعبقرية التي تثبت كيف يمكن للجسد الضئيل أن يقهر العمالقة بالفطرة والذكاء. ومع إغلاق هذا الفصل الدولي الأخير وتحول ميسي إلى مشجع يناصر بلاده من المدرجات، تدرك كرة القدم أنها لن تودع مجرد لاعب عظيم، بل ستودع حقبة بأكملها وجزءاً من روحها التي جعلت الملايين يعشقون المستديرة.