«أنا وديور» فيلم وثائقي يدخل دهاليز الموضة ويكشف المستور

كاميرا تتبع راف سيمونز وهو يصمم أول تشكيلة للدار

«ذي نيو لوك» كما ترجمه راف سيمونز  في أول عرض «هوت كوتير» لـ«ديور»
«ذي نيو لوك» كما ترجمه راف سيمونز في أول عرض «هوت كوتير» لـ«ديور»
TT

«أنا وديور» فيلم وثائقي يدخل دهاليز الموضة ويكشف المستور

«ذي نيو لوك» كما ترجمه راف سيمونز  في أول عرض «هوت كوتير» لـ«ديور»
«ذي نيو لوك» كما ترجمه راف سيمونز في أول عرض «هوت كوتير» لـ«ديور»

في عام 2012 تسلم المصمم البلجيكي الأصل، راف سيمونز، مقاليد دار «ديور» الفرنسية، بعد عام تقريبا من طرد جون غاليانو. كان من أولوياته أن يعيد الثقة إلى 5.200 شخص يعملون في الدار بعد الزلزال الذي خلفه خروج غاليانو بالطريقة التي خرج بها، وأن يجهز، خلال 8 أسابيع فقط، تشكيلة «هوت كوتير» تعزز مكانة «ديور» كواحد من أهم بيوت الأزياء العالمية المتخصصة في هذا المجال من جهة، واستحقاقه للوظيفة من جهة ثانية.
لم تكن المهمة سهلة، لأن راف سيمونز لم يعمل في مجال الـ«هوت كوتير» من قبل. ما زاد من حجم التحدي أن فكرة الفشل لم تكن واردة، لا بالنسبة للدار التي راهنت عليه، ولا بالنسبة له بعد محاولاته المستميتة للحصول على الوظيفة التي كان يحلم بها أي مصمم شاب. وكأن هذه الظروف المحفوفة بالمطبات، والمسؤوليات الملقاة على كتفه، لم تكن كافية، كان مقررا أن يتتبع فريق سينمائي، بإشراف المخرج فريدريك تشانغ، كل خطوة يقوم بها المصمم، ويحولها إلى تاريخ مسجل في فيلم وثائقي بعنوان «ديور وأنا» (Dior and I) صدر في صالات السينما مؤخرا.
العنوان مأخوذ من كتاب نشرته الدار، وحاولت فيه التفريق بين ديور الرجل المؤسس، وديور كدار أزياء تحقق أرباحا تقدر بـ21 مليار جنيه إسترليني، إضافة إلى إنجازاتها في مجال الموضة عموما والـ«هوت كوتير» تحديدا. ففي عام 1949 وبعد عامين فقط من تأسيسها وإطلاقها، أصبحت واحدة من بين أهم المؤسسات الفرنسية، حيث تشكل 75 في المائة من صادرات الموضة و5 في المائة من كل الصادرات الفرنسية.
ما تعرفه الدار جيدا أن نجاحها التجاري لا يتحقق من دون نجاحها الفني والإبداعي. وهنا تكمن أهمية الفيلم في تعزيز صورتها كمؤسسة فرنسية قوية، يحركها بشر لهم عواطف وأحاسيس لا مجرد أشخاص ينصب اهتمامهم على تحقيق الربح بأي ثمن.
من هذا المنطلق يمكن القول إنه من أفلام الموضة التي تستحق المشاهدة، لأنه يشرح الكثير عن كيف يجري العمل في مجال الـ«هوت كوتير» النخبوي، كما يكشف شخصية مصمم خجول إلى حد الانطواء على النفس، وعازف عن الأضواء، وجد نفسه فجأة في بؤرة الضوء. فكل حركة يقوم بها تحت المجهر، بما في ذلك انخراطه في البكاء تحت الضغط قبيل تقديم تشكيلته الأولى. ما يُحسب له أنه لم يمنع تسجيل لحظة الضعف هذه، رغم أنه لم يكن سعيدا بتتبع الكاميرا له، وهو يصمم واحدة من أهم التشكيلات التي سيقدمها في مشواره المهني.
كل من يعرف راف سيمونز استغرب كيف وافق على الأمر من الأساس، لأنه خجول أولا، ولأن مخرج الفيلم في فرنسا له الكلمة الأخيرة في المونتاج وما سيعرضه، الأمر الذي قد لا يخدم صورة أي أحد، عدا أن المخرج فريدريك تشانغ حصل على وعد من الدار بعدم تدخلها في النتيجة النهائية. والجواب أن بذور الفكرة كانت مزروعة قبل اختيار راف سيمونز لوظيفة مصمم فني، وهذا يعني أنه لم يكن له رأي في الأمر. المخرج اعترف بأنه لكي يُقنعه، أو بالأحرى يطمئنه، طلب منه أن يشاهد فيلم «ذي آي هاز تو ترافيل» (The Eye Has to Travel) الذي تناول قصة دايانا فريلاند، وشارك في إخراجه في عام 2011. لحسن الحظ أن سيمونز أعجب به وبطريقة تناوله. في البداية تشعر بالتوتر بين المصمم والمخرج، لكن بعد رحلة قاما بها من باريس إلى أنتويرب، مسقط رأس راف سيمونز، ذاب الجليد بينهما، وتغيرت ديناميكية الفيلم.
التوتر الأولي التقطه المخرج بطريقة شاعرية، كما التقط لحظات الانفعال عندما يدخل المصمم إلى «أتيلييه» الدار ليتعامل لأول مرة مع الخياطات والأيادي الناعمة المسؤولة عن تنفيذ التفاصيل التي تجعل فستانا بمثابة تحفة فنية تقدر بمئات الآلاف من الدولارات. كان المصمم يلقي بتعليماته وهو ينتقل من الفرنسية إلى الإنجليزية في صراع تستشف منه صراعا بين التقاليد التي تمثلها الخياطات، والحداثة التي يتميز بها المصمم، ومن المفترض أن يصب بعضا منها في جينات الدار العريقة. في هذه اللقطات ينتابك الإحساس بأن راف سيمونز ليس البطل الوحيد في الفيلم، فالأنامل الناعمة اللاتي ورثهن عن أسلافه جزء لا يتجزأ من عالم «ديور» والـ«هوت كوتير» على حد سواء. تلمس بإعجاب ولاءهن شبه الأعمى تجاه الاثنين، «ديور» والـ«هوت كوتير». يتعاملن مع كل قطعة وكأنها طفل يجب أن يقدمنه للعالم في أجمل حلة وحالة، في علاقة عاطفية مدهشة، ويتحدثن عن المسيو كريستيان ديور كما لو كان بينهن حيا يُرزق. وهذا ما أثار انتباه المخرج وركز عليه في بداية الفيلم. فقد افتتحه بلقطة أرشيفية للمؤسس كريستيان ديور تشير إلى أن روحه لا تزال تحوم حول الدار ولا تفارقها.
يقول المخرج تشانغ «لا شك أن كل المصممين الذين توالوا على المنصب شعروا في لحظة من اللحظات بأنهم مثل الزوجة الثانية»، ملمحا لفيلم «ريبيكا» الشهير للمخرج ألفريد هيتشكوك، والمقتبس من رواية دافني دي مورييه. وهو فيلم يدور حول زوجة شابة تشعر بأن الزوجة الأولى المتوفاة لا تزال سيدة البيت، لأن كل شيء في جوانبه يذكر بها، كما أن الخدم لا يتوقفون عن الاستشهاد والتذكير بها. طبعا في نهاية الفيلم تنجح في فرض نفسها وسلطتها، وهو ما نجح فيه راف سيمونز بعد عدة مواسم.
ما لا يختلف عليه اثنان أنه من الصعب إنجاز فيلم عن الموضة ينجح على المستويين الجماهيري والفني، لأن موضوع الموضة نفسه إما يثير الكثير من الولاء والحب لدى البعض، أو الكثير من الاستهجان والرفض من قبل البعض الآخر. بالنسبة للشريحة الأولى فهي تفهمها وتقدر فنيتها والساعات الطويلة والمضنية التي تستغرقها قطعة «هوت كوتير»، بينما لا تفهم الشريحة الثانية الاهتمام الذي تثيره أو ما يبرر أسعارها النارية. هذا الفيلم يشرح لهم ما خفي عنهم، وما تثيره الموضة من مشاعر قد تجعل خياطة تبكي تأثرا بجمال قطعة أشرفت على تنفيذها وهي تتابعها على منصة العرض أو مصمما يبكي خوفا أو تأثرا.
وهذا ما يميزه عن أفلام أخرى تناولت الموضة كموضوع مثل «الشيطان يلبس برادا» أو «بريت أبورتيه» للمخرج روبرت ألتمان. فهذه الأفلام تعتمد على بهارات من الإبهار وجرعات من الخيال للزيادة من عنصر من التشويق وشد الأنفاس وتحقيق النجاح التجاري باستقطاب جماهير لا تعرف بالضرورة ما يجري خلف الكواليس لكن تريد أن تُرفه عن نفسها. في المقابل، يدخل فيلم «أنا وديور» ضمن الأفلام الوثائقية.
هل سينجح الفيلم جماهيريا؟ ربما لا، لأنه يتوجه إلى المتخصصين والمهتمين من أوساط الموضة، وكل من يتابعها أو يعشقها. فعندما يقول راف سيمونز في لحظة من اللحظات إنه أنجز «كوتير جديدا» أو مفهوما جديدا لـ«الكوتير» في دار «ديور»، فإنه يتكلم بلغة متخصصة لا يفهمها الشخص العادي، الذي لا يعرف ما هو المفهوم القديم لـ«الكوتير» حتى يفهم الجديد فيه. كما أن المتخصص والمتابع وحده قد يربط بين ما قاله سيمونز وما حققه المؤسس في عام 1947 عندما أطلق تشكيلة جديدة بكل المقاييس أطلقت عليها أوساط الموضة «ذي نيو لوك». لكن ما نجح فيه الفيلم أنه يجيب عن بعض الأسئلة التي كانت تثير الفضول، بكشفه المستور وما كانت تغلفه بيوت الأزياء بالكثير من السرية. فلا أحد لحد الآن يعرف سعر فستان بالتحديد، ولا اسم الزبونة التي اشترته، بل لا أحد يعرف من هن زبونات هذا الجانب أساسا، بحكم أنهن يجلسن في مقاعد بعيدا عن وسائل الإعلام، أو تنظم لهن عروض خاصة بعيدا عن عيون الفضوليين.
كما نجح في تغيير صورة مصمم الأزياء النمطية، من خلال شخصية راف سيمونز وطريقته في العمل، لأنك تخرج وأنت متأكدا أنه ليس كل من يعملون في مجال الموضة طاووسا يحبون الأضواء والاستعراض، وأن منهم من يريد أن يعمل بجد في الظل وبتواضع للإبقاء على هذه الصناعة كفن، وفي الوقت نفسه ضرورة تسويقها لزبونة مقتدرة تشتريها وتلبسها في أرض الواقع. هذه كانت مهمة راف سيمونز، ويبدو أنه حقق المعادلة الصعبة رغم المطبات التي واجهته في البداية.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».