أزمة الطاقة الأوروبية تُشكل التحالفات في البحر المتوسط

بين حسابات النفط والغاز والسياسة الإقليمية

أزمة الطاقة الأوروبية تُشكل التحالفات في البحر المتوسط
TT

أزمة الطاقة الأوروبية تُشكل التحالفات في البحر المتوسط

أزمة الطاقة الأوروبية تُشكل التحالفات في البحر المتوسط

مثلما جاء حاملاً «صدمة» للعالم بأسره، يبدو أن فيروس «كورونا» لا يرغب في التواري التدريجي إلا بـ«أزمة» جديدة لكنها ليست صحية فقط هذه المرة.
ذلك أنه بفضل استمرار حملات التلقيح وبدء تعافي أسواق كبرى فضلاً عن عوامل مناخية وبيئية أخرى، ارتفع الطلب على الطاقة اللازمة لاستئناف عمليات الإنتاج، وهو ما انعكس زيادة قياسية في أسعار النفط والغاز... وتواكبت هذه التطورات مع موسم شتاء يُتوقع أن يكون برده قارساً خصوصاً في أوروبا... فكيف أثرت هذه المخاوف على شكل التحالفات بين دول الإقليم؟ وما العواصم التي سعت لتعزيز تعاونها من بوابة الطاقة؟ وما العواصم الأخرى التي ستدفعها الأزمة إلى التباعد أو ربما تخفيف وتيرة التقارب؟

كان صدى التحذيرات الأميركية من استغلال قضية إمدادات الطاقة عبر «التلاعب» بأسعار الغاز المقدّمة لحلفائها الأوروبيين المترددة حول العالم خلال الأسابيع الماضية. وأعقب ذلك إجراء تحقيقات داخل أسرة «الاتحاد الأوروبي» بشأن شكاوى بعض دوله من أن «روسيا تستخدم وضعها كمورد رئيسي (قدمت 43% من واردات الاتحاد من الغاز العام الماضي) لخلق زيادة حادة في سعر الغاز في أوروبا».
كانت هذه من الإشارات التي التقطتها كل من مصر واليونان وقبرص، خصوصاً مع انخراط هذه الدول في «تحالف ثلاثي» متنامٍ يضع قضية الطاقة بصوَرها المختلفة من بين أولوياته، وأخصّها الغاز الموجود بكثافة في مياه شرق المتوسط.
الاهتمام الثلاثي لم يكن مجرد استجابة طارئة لأزمة بدأت في البروز خلال الشهور القليلة الماضية، لكنه جاء متّسقاً مع توقيع مصر وقبرص اتفاقاً في مايو (أيار) 2018 لمد خط أنابيب من حقل «أفروديتي» القبرصي الذي تقدر احتياطياته بما بين 3.6 و6 تريليونات قدم مكعبة تقريباً؛ بغرض تسييلها في مصر وإعادة تصديرها إلى أوروبا، وتقدر تكلفته بنحو مليار دولار أميركي.
ومع نمو الحاجة الأوروبية للغاز والمخاوف من ظهور أزمة خانقة، بدت الحاجة ملحّة لتسريع وتيرة التعاون الثلاثي في الإطار نفسه. وهو ما عبّر عن بوضوح اللقاء الذي جمع بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره القبرصي نيكوس أناستاسياديس، ورئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس، في العاصمة اليونانية أثينا أواخر الشهر الماضي. خلال اللقاء أظهرت القاهرة حرصاً على علاقاتها المتنامية مع كل من أثينا ونيقوسيا لإزالة أي عقبات تواجه الإسراع في خطوات تنفيذ مشروع خط الأنابيب الذي سيربط حقل «أفروديتي» القبرصي بمحطات الإسالة المصرية؛ تمهيداً للتصدير للأسواق الأوروبية.
أيضاً خلال لقاءات ثنائية بين الرئيس المصري ونظيره القبرصي، أكد الزعيمان أهمية متابعة نتائج اللجنة العليا المشتركة وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلالها، «خصوصاً في مجال الطاقة، والربط الكهربائي، مع التوافق بشأن أهمية إزالة أي عقبات تواجه الإسراع في خطوات تنفيذ مشروع خط أنابيب الغاز تجاه الأسواق الأوروبية».
الدكتور أحمد قنديل رئيس «برنامج دراسات الطاقة» بمركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، يشرح الأمر فيقول إن «قبرص ليست لديها منشآت لتسييل الغاز أو خطوط أنابيب لنقله للأسواق الأوروبية. وبالتالي، فهي بحاجة إلى مشروع خط الأنابيب الذي يربط حقلها (أفروديتي) مع محطات الإسالة المصرية المقدّر تكلفته بمليار دولار أميركي، ومن ثم سيكون هذا هو المنفذ الوحيد لقبرص لتصدير الغاز».
ويضيف قنديل أن «الجدوى الاقتصادية للمشروع الرابط بين قبرص ومصر أصبحت كبيرة. وعليه، صار العمل أكثر جدية وسرعة، وذلك كله بسبب ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا والتوقعات باستمرار تلك الزيادة في المدى المنظور».

- مسألة الكهرباء
ولا يقتصر الأمر، وفق الآلية المصرية - القبرصية – اليونانية، على الغاز، إذ وُقّعت مذكرة تفاهم خلال اللقاء الأحدث لقادة الدول يتعلق بإنجاز ربط كهربائي من شرق البحر المتوسط وإليه. وقال رئيس وزراء اليونان صراحةً إنه «في زمن تنويع مصادر الطاقة، يمكن أن تصبح مصر مَصدراً للتيار الكهربائي الذي سيصار إلى إنتاجه أساساً من الطاقة الشمسية، وستغدو اليونان محطة توزيع نحو أوروبا».
وفضلاً عن آلية التعاون الثلاثي، تنخرط كل من مصر واليونان وقبرص مع «إيطاليا، وفلسطين، والأردن، وإسرائيل، وفرنسا»، في منتدى غاز شرق المتوسط.
لقد بُني على مُخرَجات تعاظم الجدوى الاقتصادية للتحالف السياسي المصري - اليوناني القبرصي، خلال الأسبوع الماضي في القاهرة. إذ كثّف مسؤولون مصريون لقاءاتهم، في غضون الأسبوع الماضي مع مسؤولين من قبرص وفرنسا في اجتماعات استهدفت «دفع العلاقات بمجالات الطاقة والتنقيب عن البترول والغاز». ولم يقتصر الأمر على بحث تصدير الغاز والطاقة إلى أوروبا، بل شمل أيضاً تعزيز التعاون في التنقيب عن موارد الطاقة في البحر الأبيض المتوسط.
إذ بحث طارق الملا، وزير البترول والثروة المعدنية المصرية، مع مارك باريتي، السفير الفرنسي في القاهرة، «التعاون المشترك في قطاع البترول والغاز وموقف التعاون القائم مع الشركات الفرنسية». واستعرض السفير الفرنسي مع الوزير المصري «موقف التعاون الجاري مع عدد من الشركات الفرنسية لإنجاز المشاريع الجديدة في قطاع البترول والغاز المصري، حيث جارٍ العمل مع شركة فرنسية في إنجاز الأعمال الهندسية لرُخص التصنيع الخاصة بمجمّع البحر الأحمر للبتروكيماويات كأكبر مشروع للبتروكيماويات سينفّذ في مصر وأفريقيا، كما ناقشا مجالات التعاون مع الشركات الفرنسية الأخرى سواءً في مجالات توزيع وتداول الوقود أو البحث عن الغاز الطبيعي في المناطق الجديدة والواعدة بحوض البحر المتوسط».
الوزير المصري والسفير الفرنسي ناقشا كذلك «الفرص الاستثمارية الجديدة في قطاع البترول والغاز، لا سيما في مجالات البحث والاستكشاف والإنتاج والبتروكيماويات والتكرير». وحرص الملا على استعراض خطط «تطوير وتحديث منظومة العمل في قطاع البحث والاستكشاف لتهيئة فرص جديدة جاذبة أمام الشركات العالمية للبحث عن الغاز والبترول المصريين في مناطق البحر المتوسط والصحراء الغربية وخليج السويس وغيرها».
غير أن اللقاء الفرنسي - المصري، سبقه بيوم واحد، انعقاد «جولة مشاورات سياسية بين مصر وقبرص»، استضافتها القاهرة، وكانت برئاسة مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأوروبية السفير د. بدر عبد العاطي، والسكرتير الدائم لوزارة الخارجية القبرصية كورنيليوس كوميلو، وحضرها عدد من مسؤولي البلدين.
وحسب إفادة مصرية بشأن اللقاء، فإنه جرى خلال المباحثات «تناول تطور العلاقات الثنائية، لا سيما، فيما يتعلق بسبل توسيع التبادل التجاري، وزيادة الاستثمارات في البلدين في مجالات الطاقة وبخاصة الربط الكهربائي، وغيرها من الملفات».

- اعتراضات تركية
من جهة أخرى، دائماً ما تواجَه صيغة التقارب السياسي والاقتصادي والعسكري بين مصر واليونان وقبرص باعتراضات من تركيا، خصوصاً إذا ما تعلّق الأمر بمكامن الطاقة في شرق المتوسط، وذلك في ظل ما ترى أنقرة أنه «تجاهُل» لها ولـ«قبرص التركية».
وبالفعل، فور صدور البيان الثلاثي الرامي إلى إعلان تسريع التعاون بشأن نقل الغاز إلى أوروبا عبر «أفروديتي»، صعّدت تركيا من خطابها. وقالت عبر وزارة خارجيتها إنه (أي البيان) «يُعد مثالاً جديداً على السياسات العدائية التي ينتهجها الثنائي اليوناني - القبرصي، ضد تركيا وقبرص التركية».
وعلى الرغم من تخفيف حدة التصريحات العدائية بين القاهرة وأنقرة إبّان الأشهر الماضية وخوض الطرفين مباحثات استكشافية عبر جولتين في عاصمتي البلدين بشأن «تطبيع العلاقات»، فإن هذا لم يمنع الخارجية التركية من القول إن «انضمام مصر لهذا البيان، مؤشر على أن الإدارة المصرية لم تدرك بعد العنوان الحقيقي الذي يمكنها أن تتعاون معه شرقي المتوسط».
وأضافت الخارجية التركية «لقد أظهرنا للصديق والعدو أنه لا يمكن أن يُكتب النجاح لأي مبادرة شرقي المتوسط لا تشارك فيها تركيا، وجمهورية شمال قبرص التركية». وللعلم، نفّذت تركيا عمليات للتنقيب عن مكامن الطاقة قبالة سواحل قبرص واجهتها اعتراضات دولية وإقليمية، كما وقّعت اتفاقية لترسيم الحدود مع ليبيا جوبهت أيضاً برفض كبير.
ومع الأخذ في الاعتبار أن القاهرة وأنقرة استضافتا بالترتيب جولتين في مايو (أيار) وسبتمبر (أيلول) الماضيين لمباحثات استكشافية أدارها مسؤولون في خارجية البلدين بشأن تطبيع العلاقات، فإن السؤال بشأن تأثر مسار التهدئة بين الجانبين بمستجدات تعزيز التقارب الثلاثي (المصري - اليوناني - القبرصي) يبدو ملحاً ومهماً. وعن ذلك يقول حسن الشاغل، الباحث المقيم في تركيا، وهو متخصص في شؤون الطاقة إن «العلاقات بين مصر وتركيا ذاهبة في الوقت القريب والمتوسط إلى التطبيع. وعلى سبيل المثال وتأكيداً لهذا المعني، فإن التبادل التجاري بين الجانبين لم ينخفض خلال السنوات السبع الماضية على الرغم من الخلافات السياسية».
وأردف الشاغل: «فيما يخصّ تحرّكات الأطراف في شرق المتوسط لتصدير الغاز إلى أوروبا، فإنه لن تكون إمكانية لتصدير الغاز عبر المنطقة إلا عبر توافق كامل ومقنع لكل الأطراف، وذلك بسبب وقوع المنطقة أساساً تحت خلافات تقسيم الحدود البحرية من النواحي القانونية والفنية والطبيعية»... ثم استدرك منبهاً: «الاتفاق الذي يمكن العمل عليه بين دول شرق المتوسط في المدى المنظور لن يكون موجوداً إلا إذا كانت هناك حلحلة متطوّرة وبشكل كبير في العلاقات التركية - المصرية».
ثم إن هناك بُعداً يراه الشاغل «مهماً» في إطار مناقشة إمكانية تعزيز مشاريع تصدير دول منطقة شرق البحر المتوسط للغاز إلى أوروبا ويتعلق بالدول الخليجية. إذ يقول: «وضع آلية للاتفاق بين الدول المعنية لترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط هو السبيل الوحيد لتطور المشروع المقترح، بالإضافة إلى أن يصل هذا المشروع إلى احتياطيات الغاز الموجودة في منطقة الخليج العربي».
وحسب الشاغل فإن «تركيا استطاعت أخيراً أن تنشئ محطتين جديدتين لتسييل الغاز بإجمالي 4 محطات، وهذا ما يسمح لها باستيراد الغاز من دول مثل نيجيريا والجزائر وقطر. وهناك زيادة بالفعل ارتفاع في استيراد الغاز من هذه الدول في الفترة الأخيرة»، وفق تقدير الباحث المقيم في تركيا.

- منافسة «إيست ميد»
ومع توقع الجدوى الكبيرة لفكرة نقل غاز حقل «أفروديتي» إلى مصر وتسييله لتصديره إلى أوروبا، فإنه لم يعدم المنافسة، وفي هذه الحالة مثّلها مشروع «إيست ميد»، الذي وقّعت كل من قبرص واليونان وإسرائيل اتفاقاً بشأنه مطلع العام الماضي. وخط أنابيب «إيست ميد» هذا يُقدّر طوله بألفي كيلومتر تقريباً، ويُتوقع أن ينقل بين 9 و11 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من الاحتياطيات البحرية لحوض شرق المتوسط قبالة قبرص وإسرائيل إلى اليونان، وكذلك إلى إيطاليا ودول أخرى في جنوب شرقي أوروبا.
من جهته، يؤكد خبير الطاقة الدكتور أحمد قنديل أن «الجدوى الاقتصادية لمشروع (إيست ميد) ضعيفة، لأن تكلفته عالية للغاية (تذهب تقديرات إلى 10 مليارات يورو)، إذ إن الأعماق التي يُفترض أن تسير فيها خطوط الغاز تزيد على 3 آلاف متر، فضلاً عن المشكلات الفنية والمالية التي تواجهه». ثم إنه ينبه: «إسرائيل أيضاً منافس لقبرص في مسألة تصدير الغاز، ومع نمو عمليات الاستكشاف للغاز في قبرص باتت مسألة التعاون بين الجانبين مشكوكاً في جدواها».
كذلك ازدادت مؤشرات التشكيك في المشروع، بسبب غياب إيطاليا بوصفها طرفاً رئيساً ومستفيداً من استيراد الغاز عبر «إيست ميد» عن مراسم الاتفاق والتوقيع على تأسيس الخط، وهو ما بدا انعكاساً للخلاف بشأن جدوى المشروع بين إيطاليا ومؤسسات التمويل الأوروبية بشأن توفير مخصّصات لعمل المشروع، خصوصاً في ظل الاتجاه لمشاريع الطاقة الخضراء.

- خط «ليفاياثان - جيهان»
وفي سياق متصل، تتداخل العلاقات الاقتصادية والسياسية بطبيعة الحال وتتبادلان التأثيرات، غير أن ما تطرحه أزمة «الطاقة الأوروبية» يعيد التذكير بـ«مشروع خط الأنابيب الإسرائيلي - التركي» الذي تعتمد فكرته على نقل الغاز من حقل «ليفاياثان» الإسرائيلي إلى ميناء «جيهان» التركي في مسافة قصيرة -مقارنةً بالبدائل- ومنه إلى أوروبا. وخلال السنوات الماضية تبادلت أنقرة وتل أبيب الاتهامات والتنافس والخلاف في ملفات إقليمية وثنائية مختلفة، يبدو أنها حالت دون إتمام المشروع.
وحسب قنديل فإنه «في ضوء الخلافات السياسية بين تركيا وإسرائيل من ناحية، وما بين تركيا مقابل اليونان وقبرص من ناحية أخرى، وأيضاً اضطراب الأوضاع في سوريا ولبنان، وفشل التوصل لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وكذلك قلة الثقة الأوروبية في تركيا كمنفذ لهذا المشروع المهم... كل هذه العوامل تقلل من فرص تنفيذه».

- خطوط الغاز بين مصر وإسرائيل
تنقسم العلاقات المصرية - الإسرائيلية في مجال خطوط الغاز إلى قسمين:
القسم الأول يتعلق باستيراد مصر للغاز من إسرائيل عبر اتفاق بين شركات غير حكومية، وبدأت عمليات ضخه في يناير (كانون الثاني) 2020، وبلغت قيمة التعاقد 15 مليار دولار أميركي ومدتها 15 سنة، وذلك عبر خطوط لنقل الغاز كانت مخصصة سابقاً لتصدير الغاز من مصر إلى إسرائيل.
والقسم الثاني يرتبط بالمساعي الثنائية لبناء «خط أنابيب جديد للغاز» يربط حقل «ليفاياثان» البحري في شرق البحر المتوسط بمصر، وفي مباحثات هاتفية بين وزير البترول المصري طارق الملا ووزيرة الطاقة الإسرائيلية كارين الحرار، خلال أغسطس (آب) الماضي، تطرّق الوزيران إلى «الخطط المستقبلية لنقل الغاز الإسرائيلي إلى المصانع المصرية لإعادة تصديره.
ورأى الملا أن «تعزيز التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف في مجال الغاز الطبيعي بين أعضاء منتدى غاز شرق المتوسط سيكون له تأثير جوهري وسيمتد ليتخطى منطقة شرق المتوسط»، في إشارة إلى الفرص السانحة في السوق الأوروبية.


مقالات ذات صلة

«مراجل السياسة» تشعل التنافس على غاز المتوسط

خاص مؤشر قياس ضغط الغاز بإحدى المحطات الأوروبية التي زاد عليها الطلب نتيجة برودة الطقس (رويترز) p-circle

«مراجل السياسة» تشعل التنافس على غاز المتوسط

أمام ازدياد الاكتشافات البترولية في حوض المتوسط ارتفع منسوب التوتر وبدأت الشكاوى المتبادلة تُرفع لدى الأمم المتحدة إلى جانب تحركات دبلوماسية ورسائل مبطَّنة.

جمال جوهر (القاهرة)
المشرق العربي الرئيسان اللبناني جوزيف عون والقبرصي نيكوس خريستودوليدس ووزير الأشغال فايز رسامني بعد توقيع الاتفاق في بيروت (أ.ف.ب)

لبنان ينجز ترسيم حدوده البحرية مع قبرص

أعلن الرئيسان اللبناني جوزيف عون والقبرصي نيكوس خريستودوليدس إنجاز ترسيم الحدود البحرية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس يوقع مع وزير الأشغال اللبناني فايز رسامني الاتفاقية الحدودية بحضور الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

خاص ترسيم الحدود مع قبرص... نافذة لبنانية لاستثمار الثروات البحرية

يفتح لبنان نافذة لاستثمار ثرواته البحرية، بتوقيعه مع قبرص اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية، وهي خطوة لم تخلُ من تحذيرات من نزاعات حدودية إقليمية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا إردوغان مستقبِلاً الدبيبة بالقصر الرئاسي بأنقرة في يناير الماضي (الرئاسة التركية)

الدبيبة وإردوغان يتفقان على حماية مصالح بلدَيهما في «المتوسط»

قال مكتب رئيس الحكومة الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، إنه بحث هاتفياً مع الرئيس التركي المصالحة المشتركة في شرق البحر المتوسط.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مباحثات وزيري الخارجية الليبي واليوناني في أثينا الشهر الماضي (وزارة الخارجية بحكومة الوحدة)

ترسيم الحدود البحرية... «عقدة جديدة» أمام أفرقاء ليبيا

تتواصل إشكالية الحدود البحرية بين ليبيا ومصر واليونان بالإضافة إلى تركيا في ظل تباين المواقف بين أفرقاء السياسة بالبلد المنقسم.

علاء حموده (القاهرة)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.