قلق وتوتر يسيطران على السودان عشية «موكب المليونية» اليوم

الإشاعات تنتشر بين السكان بسبب قطع خدمة الإنترنت

جانب من الاحتجاجات الليلية المتواصلة في الخرطوم (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات الليلية المتواصلة في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

قلق وتوتر يسيطران على السودان عشية «موكب المليونية» اليوم

جانب من الاحتجاجات الليلية المتواصلة في الخرطوم (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات الليلية المتواصلة في الخرطوم (أ.ف.ب)

بدت العاصمة السودانية الخرطوم مرتبكة وحذرة يسيطر عليها القلق والتوتر، عشية المواكب المليونية التي يجري الإعداد لها اليوم (السبت)، لاستعادة المدنية التي فقدتها بانقلاب قيادة الجيش على حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك واحتجازه ووزرائه وحاضنته السياسية. وتسبب قطع خدمة الإنترنت في شح المعلومات، وبالتالي خلو المساحة للإشاعات والأجندات المتقاطعة والمتضاربة، ما جعل الخرطوم مدينة عمياء لا تعرف هوية الطارق على الباب، وما إذا كان صديقاً أم عدواً أم متحرشاً.
وأدت حالة التوتر التي أعقبت استيلاء قيادة الجيش على مقاليد الأمور، إلى حالة من عدم اليقين مما قد يحدث اليوم (السبت)، أو في أي لحظة، لأن الكل قلق من المجهول الذي ينتظر البلاد. ففي مقابل التحشيد العسكري الكثيف وانتشار العربات المدرعة والمسلحة التي تحتل وسط المدينة وتجعلها تبدو مثل «ثكنة عسكرية» مترامية الأطراف، هناك تحشيد وتعبئة شعبية مضادة تستخدم كل وسائل التواصل - وليس الاتصال - الممكنة لرص صفوفها استعداداً لمواكب اليوم لإثبات قوة ثورتهم ورفضهم للانقلاب العسكري.

- قوة سلمية
ويعمل شباب المقاومة ورافضو الانقلاب ودعاة المدنية على حشد قواهم السلمية ليواجهوا «الآلة العسكرية الوحشية» التي قتلت منهم حتى يوم الخميس، نحو 11 محتجاً سلمياً سقطوا في الشوارع، وشعارهم «لا يوجد رصاص كافٍ لقتل أحلامنا»، ويرفضون حتى ما يتسرب عن وساطات وشعارهم «الردة مستحيلة». وبين التحشيد والتحشيد المضاد، يخشى حكماء من يوم دامٍ، استناداً إلى تجربة الصدام بين الثوار والقوات العسكرية الكثيفة العدد والعتاد، فعلى مستوى منطقة «السوق»، ووسط تلك المخاوف تأثر وسط الخرطوم صبيحة الجمعة، فبدا كأنه مشهد منتزع من تاريخ الحروب، أو رسمه خيال جامح.
ولا تزال المتاجر ومحلات التسوق مغلقة لليوم الخامس على التوالي، بفعل العصيان المدني، وأعداد الناس في الأماكن العامة قليلة للغاية في مدينة يقدر عدد سكانها بعشرة ملايين نسمة، والمؤسسات العامة ظلت مغلقة منذ الانقلاب، رغم إعادة فتح الجسور الرابطة بين أنحاء المدينة الكبيرة التي يطلق عليها شعبياً «كرش الفيل» لسعة ما تحتويه. ووسط كل عدم اليقين أصبحت الإشاعات هي الأصل، والحقائق والمعلومات نادرة للغاية، ففي الصباح الباكر، انتشرت إشاعة بأن ثمة وساطة تقوم بها قوى إعلان الحرية والتغيير مع العسكر، استقبلها الثوار برفض مطلق، ثم سرعان ما اتضح أنها «بالون اختبار»، قال أحد قادة الحرية والتغيير إن الهدف من إطلاقها «شق الصف المقاوم، الذي يرفض أي مساومة أو تفاوض».

- قطع الإنترنت
وبغياب «الإنترنت»، لجأ شباب المقاومة للحشد عبر طرق الأبواب من بيت لبيت، وتوزيع القصاصات الداعية للاحتشاد، فوسائل التواصل الخاصة والجماهيرية متعطلة منذ الانقلاب، وعطلت السلطات العسكرية وكالة السودان للأنباء وأغلقتها، أما الصحف المستقلة فلم تصدر منذ تاريخ الانقلاب، أيضاً بسبب الإضراب والعصيان المدني. وقال شباب من لجان المقاومة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أمس، إنهم جاهزون لاسترداد الدولة المدنية من قبضة العسكريين، وإن الإجراءات التعسفية التي استخدموها لن تعيق تحركهم، وإن الدماء التي أراقوها والشباب الذين أزهقوا أرواحهم سيكونون مهراً لسودان مدني ديمقراطي متطور.
واستشهد أمس أحد شباب المقاومة وجرح اثنان في مدينة أم درمان خلال احتجاجات تمهيدية ليوم الموكب المليوني، ظلت مستمرة منذ استيلاء الجيش على السلطة في البلاد، ليبلغ عدد القتلى المؤكدين حتى الآن 11 قتيلاً، بالإضافة إلى عدد غير معروف من الجرحى والمصابين بالرصاص وبغيره. وفيما شهدت بعض الأحياء هدوءاً مشوباً بالحذر، فإن احتجاجات متفرقة نظمت في أحياء أخرى، بينما ظلت المتاريس تسد معظم مداخل وطرقات أحياء المدن الثلاث، واتبع المحتجون سياسة الكر والفر، لإبقاء المتاريس التي ما إن تزيلها السلطات العسكرية، حتى يعيدوا بناءها مجدداً.

- رصاص في الليل
ورغم تصاعد العنف في الخرطوم، يحشد أنصار الحكم المدني لتعبئة عامة ومسيرات يريدونها «مليونية»، فيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمس، الجيش السوداني إلى «ضبط النفس»، في التعامل مع المتظاهرين. وقال هيثم محمد الجمعة لوكالة الصحافة الفرنسية: «حصد أرواح المتظاهرين بالرصاص غير مقبول ولن يجعلنا نتراجع». وانهمر أثناء الليل وابل من الرصاص والرصاص المطاطي والغازات المسيلة للدموع على المتظاهرين في اثنين على الأقل من أحياء العاصمة، هما حي بري بشرق الخرطوم وبحري في شمالها. لكن محمد قال «إن هذا لن يزيدنا إلا تصميماً».
ومنذ الاثنين تغير المشهد تماماً في السودان بعد سنتين من حكم انتقالي هش. ففي عام 2019، اتفق العسكريون الذين تولوا السلطة بعد الإطاحة بالبشير إثر حركة احتجاجات شعبية عارمة غير مسبوقة، والمدنيون الذين قادوا تلك الاحتجاجات، على تقاسم السلطة لمرحلة انتقالية يتم في نهايتها تسليم الحكم إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطياً. لكن البرهان أعلن الاثنين الماضي، حل مؤسسات الحكم الانتقالي، مطيحاً بشركائه المدنيين من السلطة، وأيضاً بآمال التحوّل الديمقراطي.
وفجر الاثنين، اعتقل جنود رئيس الوزراء عبد الله حمدوك والعديد من أعضاء حكومته والأعضاء المدنيين في مجلس السيادة المسؤول عن قيادة المرحلة الانتقالية. وأعيد حمدوك بعد أيام إلى منزله، لكنه «لا يتمتع بحرية الحركة»، بحسب مسؤولين دوليين تمكنوا من الحديث معه عبر الهاتف، لكن لم يتمكن أحد من مقابلته. وأصبح وزراء حكومة حمدوك الذين لم يعتقلوا، الناطقين باسم المطالبين بعودة «السلطات الشرعية»، ووضع حد لحكم العسكر الذي تواصل بشكل شبه مستمر في السودان منذ استقلاله قبل 65 عاماً.
وقال هيثم محمد: «الجيش مثل النظام السابق تماماً»، في إشارة إلى عمر البشير الذي وصل إلى السلطة عام 1989 بانقلاب أطاح آنذاك بحكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطياً، واستمر ثلاثين عاماً.
ويواجه الفريق أول البرهان مقاومة على الأرض. فرغم قطع الإنترنت في البلاد، ينظّم المتظاهرون أنفسهم للنزول إلى الشوارع في الخرطوم ومدن أخرى. ورغم إعلانه حل النقابات المهنية، فإن هذه المؤسسات تبدو ناجحة في تنفيذ العصيان المدني، وما زالت تحشد أعضاءها وقادرة على تنظيم «إضراب عام» حوّل العاصمة السودانية إلى مدينة أشباح منذ الاثنين.

- اعتقالات
ويحاول العسكريون إسكات المعارضة عبر اعتقال شخصيات سياسية وناشطين وأشخاص بشكل عشوائي، وكذلك بالسيطرة على وسائل الإعلام. واقتحم جنود مقرّ التلفزيون الرسمي الذي أقيل رئيسه الخميس، وقد كان مدافعاً شرساً عن الحكم المدني. كما اقتحموا مقرّ وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا). وتتعرّض وسائل الإعلام الخاصة كذلك إلى الترهيب.
فقد استهدفت الجمعة صحيفة «الديموقراطي»، عندما جاء جنود وأرغموا حارس المبنى على الرحيل، وقالوا له: «لا تعُد»، وفق ما روى أحد الصحافيين في الوسيلة الإعلامية.
والخميس، تمّ وقف جميع المحطات الإذاعية التي تبث على موجة «إف إم»، ومن بينها راديو «هلا».
ونقل التلفزيون الرسمي خطبة الجمعة التي دعت إلى دعم العسكريين. وقال الخطيب الذي جلس قبالته العديد من الجنود بزيهم العسكري: «لا بدّ أن يكون لنا ولاء وحبّ للقوات النظامية وألا نسيء إليها». وأضاف: «إن أسأت لقواتك النظامية، فكأنك أسأت إلى وطنك». ويؤكد البرهان أن قراراته «ليست انقلاباً»، إنما هي إجراءات «لتصحيح مسار الثورة».
في هذا الوقت، يصعّد المجتمع الدولي الضغوط على العسكريين. وطالب مجلس الأمن الدولي في بيان صدر بإجماع أعضائه الخميس العسكريين في السودان «بعودة حكومة انتقالية يديرها مدنيون»، مبدياً «قلقه البالغ حيال الاستيلاء العسكري على السلطة».
وقال الرئيس الأميركي جو بايدن: «رسالتنا معاً إلى السلطات العسكرية في السودان واضحة، ينبغي السماح للشعب السوداني بالتظاهر سلمياً، وإعادة السلطة إلى الحكومة الانتقالية التي يقودها مدنيون»، مؤكداً أن «الولايات المتحدة ستواصل الوقوف إلى جانب الشعب السوداني ونضاله اللاعنفي للمضي قدماً نحو أهداف الثورة السودانية».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.