قلق وتوتر يسيطران على السودان عشية «موكب المليونية» اليوم

الإشاعات تنتشر بين السكان بسبب قطع خدمة الإنترنت

جانب من الاحتجاجات الليلية المتواصلة في الخرطوم (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات الليلية المتواصلة في الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

قلق وتوتر يسيطران على السودان عشية «موكب المليونية» اليوم

جانب من الاحتجاجات الليلية المتواصلة في الخرطوم (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات الليلية المتواصلة في الخرطوم (أ.ف.ب)

بدت العاصمة السودانية الخرطوم مرتبكة وحذرة يسيطر عليها القلق والتوتر، عشية المواكب المليونية التي يجري الإعداد لها اليوم (السبت)، لاستعادة المدنية التي فقدتها بانقلاب قيادة الجيش على حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك واحتجازه ووزرائه وحاضنته السياسية. وتسبب قطع خدمة الإنترنت في شح المعلومات، وبالتالي خلو المساحة للإشاعات والأجندات المتقاطعة والمتضاربة، ما جعل الخرطوم مدينة عمياء لا تعرف هوية الطارق على الباب، وما إذا كان صديقاً أم عدواً أم متحرشاً.
وأدت حالة التوتر التي أعقبت استيلاء قيادة الجيش على مقاليد الأمور، إلى حالة من عدم اليقين مما قد يحدث اليوم (السبت)، أو في أي لحظة، لأن الكل قلق من المجهول الذي ينتظر البلاد. ففي مقابل التحشيد العسكري الكثيف وانتشار العربات المدرعة والمسلحة التي تحتل وسط المدينة وتجعلها تبدو مثل «ثكنة عسكرية» مترامية الأطراف، هناك تحشيد وتعبئة شعبية مضادة تستخدم كل وسائل التواصل - وليس الاتصال - الممكنة لرص صفوفها استعداداً لمواكب اليوم لإثبات قوة ثورتهم ورفضهم للانقلاب العسكري.

- قوة سلمية
ويعمل شباب المقاومة ورافضو الانقلاب ودعاة المدنية على حشد قواهم السلمية ليواجهوا «الآلة العسكرية الوحشية» التي قتلت منهم حتى يوم الخميس، نحو 11 محتجاً سلمياً سقطوا في الشوارع، وشعارهم «لا يوجد رصاص كافٍ لقتل أحلامنا»، ويرفضون حتى ما يتسرب عن وساطات وشعارهم «الردة مستحيلة». وبين التحشيد والتحشيد المضاد، يخشى حكماء من يوم دامٍ، استناداً إلى تجربة الصدام بين الثوار والقوات العسكرية الكثيفة العدد والعتاد، فعلى مستوى منطقة «السوق»، ووسط تلك المخاوف تأثر وسط الخرطوم صبيحة الجمعة، فبدا كأنه مشهد منتزع من تاريخ الحروب، أو رسمه خيال جامح.
ولا تزال المتاجر ومحلات التسوق مغلقة لليوم الخامس على التوالي، بفعل العصيان المدني، وأعداد الناس في الأماكن العامة قليلة للغاية في مدينة يقدر عدد سكانها بعشرة ملايين نسمة، والمؤسسات العامة ظلت مغلقة منذ الانقلاب، رغم إعادة فتح الجسور الرابطة بين أنحاء المدينة الكبيرة التي يطلق عليها شعبياً «كرش الفيل» لسعة ما تحتويه. ووسط كل عدم اليقين أصبحت الإشاعات هي الأصل، والحقائق والمعلومات نادرة للغاية، ففي الصباح الباكر، انتشرت إشاعة بأن ثمة وساطة تقوم بها قوى إعلان الحرية والتغيير مع العسكر، استقبلها الثوار برفض مطلق، ثم سرعان ما اتضح أنها «بالون اختبار»، قال أحد قادة الحرية والتغيير إن الهدف من إطلاقها «شق الصف المقاوم، الذي يرفض أي مساومة أو تفاوض».

- قطع الإنترنت
وبغياب «الإنترنت»، لجأ شباب المقاومة للحشد عبر طرق الأبواب من بيت لبيت، وتوزيع القصاصات الداعية للاحتشاد، فوسائل التواصل الخاصة والجماهيرية متعطلة منذ الانقلاب، وعطلت السلطات العسكرية وكالة السودان للأنباء وأغلقتها، أما الصحف المستقلة فلم تصدر منذ تاريخ الانقلاب، أيضاً بسبب الإضراب والعصيان المدني. وقال شباب من لجان المقاومة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أمس، إنهم جاهزون لاسترداد الدولة المدنية من قبضة العسكريين، وإن الإجراءات التعسفية التي استخدموها لن تعيق تحركهم، وإن الدماء التي أراقوها والشباب الذين أزهقوا أرواحهم سيكونون مهراً لسودان مدني ديمقراطي متطور.
واستشهد أمس أحد شباب المقاومة وجرح اثنان في مدينة أم درمان خلال احتجاجات تمهيدية ليوم الموكب المليوني، ظلت مستمرة منذ استيلاء الجيش على السلطة في البلاد، ليبلغ عدد القتلى المؤكدين حتى الآن 11 قتيلاً، بالإضافة إلى عدد غير معروف من الجرحى والمصابين بالرصاص وبغيره. وفيما شهدت بعض الأحياء هدوءاً مشوباً بالحذر، فإن احتجاجات متفرقة نظمت في أحياء أخرى، بينما ظلت المتاريس تسد معظم مداخل وطرقات أحياء المدن الثلاث، واتبع المحتجون سياسة الكر والفر، لإبقاء المتاريس التي ما إن تزيلها السلطات العسكرية، حتى يعيدوا بناءها مجدداً.

- رصاص في الليل
ورغم تصاعد العنف في الخرطوم، يحشد أنصار الحكم المدني لتعبئة عامة ومسيرات يريدونها «مليونية»، فيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمس، الجيش السوداني إلى «ضبط النفس»، في التعامل مع المتظاهرين. وقال هيثم محمد الجمعة لوكالة الصحافة الفرنسية: «حصد أرواح المتظاهرين بالرصاص غير مقبول ولن يجعلنا نتراجع». وانهمر أثناء الليل وابل من الرصاص والرصاص المطاطي والغازات المسيلة للدموع على المتظاهرين في اثنين على الأقل من أحياء العاصمة، هما حي بري بشرق الخرطوم وبحري في شمالها. لكن محمد قال «إن هذا لن يزيدنا إلا تصميماً».
ومنذ الاثنين تغير المشهد تماماً في السودان بعد سنتين من حكم انتقالي هش. ففي عام 2019، اتفق العسكريون الذين تولوا السلطة بعد الإطاحة بالبشير إثر حركة احتجاجات شعبية عارمة غير مسبوقة، والمدنيون الذين قادوا تلك الاحتجاجات، على تقاسم السلطة لمرحلة انتقالية يتم في نهايتها تسليم الحكم إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطياً. لكن البرهان أعلن الاثنين الماضي، حل مؤسسات الحكم الانتقالي، مطيحاً بشركائه المدنيين من السلطة، وأيضاً بآمال التحوّل الديمقراطي.
وفجر الاثنين، اعتقل جنود رئيس الوزراء عبد الله حمدوك والعديد من أعضاء حكومته والأعضاء المدنيين في مجلس السيادة المسؤول عن قيادة المرحلة الانتقالية. وأعيد حمدوك بعد أيام إلى منزله، لكنه «لا يتمتع بحرية الحركة»، بحسب مسؤولين دوليين تمكنوا من الحديث معه عبر الهاتف، لكن لم يتمكن أحد من مقابلته. وأصبح وزراء حكومة حمدوك الذين لم يعتقلوا، الناطقين باسم المطالبين بعودة «السلطات الشرعية»، ووضع حد لحكم العسكر الذي تواصل بشكل شبه مستمر في السودان منذ استقلاله قبل 65 عاماً.
وقال هيثم محمد: «الجيش مثل النظام السابق تماماً»، في إشارة إلى عمر البشير الذي وصل إلى السلطة عام 1989 بانقلاب أطاح آنذاك بحكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطياً، واستمر ثلاثين عاماً.
ويواجه الفريق أول البرهان مقاومة على الأرض. فرغم قطع الإنترنت في البلاد، ينظّم المتظاهرون أنفسهم للنزول إلى الشوارع في الخرطوم ومدن أخرى. ورغم إعلانه حل النقابات المهنية، فإن هذه المؤسسات تبدو ناجحة في تنفيذ العصيان المدني، وما زالت تحشد أعضاءها وقادرة على تنظيم «إضراب عام» حوّل العاصمة السودانية إلى مدينة أشباح منذ الاثنين.

- اعتقالات
ويحاول العسكريون إسكات المعارضة عبر اعتقال شخصيات سياسية وناشطين وأشخاص بشكل عشوائي، وكذلك بالسيطرة على وسائل الإعلام. واقتحم جنود مقرّ التلفزيون الرسمي الذي أقيل رئيسه الخميس، وقد كان مدافعاً شرساً عن الحكم المدني. كما اقتحموا مقرّ وكالة الأنباء السودانية الرسمية (سونا). وتتعرّض وسائل الإعلام الخاصة كذلك إلى الترهيب.
فقد استهدفت الجمعة صحيفة «الديموقراطي»، عندما جاء جنود وأرغموا حارس المبنى على الرحيل، وقالوا له: «لا تعُد»، وفق ما روى أحد الصحافيين في الوسيلة الإعلامية.
والخميس، تمّ وقف جميع المحطات الإذاعية التي تبث على موجة «إف إم»، ومن بينها راديو «هلا».
ونقل التلفزيون الرسمي خطبة الجمعة التي دعت إلى دعم العسكريين. وقال الخطيب الذي جلس قبالته العديد من الجنود بزيهم العسكري: «لا بدّ أن يكون لنا ولاء وحبّ للقوات النظامية وألا نسيء إليها». وأضاف: «إن أسأت لقواتك النظامية، فكأنك أسأت إلى وطنك». ويؤكد البرهان أن قراراته «ليست انقلاباً»، إنما هي إجراءات «لتصحيح مسار الثورة».
في هذا الوقت، يصعّد المجتمع الدولي الضغوط على العسكريين. وطالب مجلس الأمن الدولي في بيان صدر بإجماع أعضائه الخميس العسكريين في السودان «بعودة حكومة انتقالية يديرها مدنيون»، مبدياً «قلقه البالغ حيال الاستيلاء العسكري على السلطة».
وقال الرئيس الأميركي جو بايدن: «رسالتنا معاً إلى السلطات العسكرية في السودان واضحة، ينبغي السماح للشعب السوداني بالتظاهر سلمياً، وإعادة السلطة إلى الحكومة الانتقالية التي يقودها مدنيون»، مؤكداً أن «الولايات المتحدة ستواصل الوقوف إلى جانب الشعب السوداني ونضاله اللاعنفي للمضي قدماً نحو أهداف الثورة السودانية».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.