«تكي»... دراما سعودية تتألق مجدداً عبر «نتفليكس»

أبطال المسلسل لـ «الشرق الأوسط»: فخورون بالوصول للعالمية

لقطة من الموسم الثالث لمسلسل «تكي» (الشرق الأوسط)
لقطة من الموسم الثالث لمسلسل «تكي» (الشرق الأوسط)
TT

«تكي»... دراما سعودية تتألق مجدداً عبر «نتفليكس»

لقطة من الموسم الثالث لمسلسل «تكي» (الشرق الأوسط)
لقطة من الموسم الثالث لمسلسل «تكي» (الشرق الأوسط)

بعد انقطاع دام نحو 7 سنوات، يعود أبطال المسلسل السعودي الشبابي «تكي» للتألق مجدداً عبر الجزء الثالث المكون من 8 حلقات والذي بدأ عرضه الخميس على شبكة «نتفليكس» العالمية، وذلك بعد نجاحهم في الجزء الأول الذي تم تقديمه عبر موقع «يوتيوب» في عام 2012. وحقق أكثر من 30 مليون مشاهدة، قبل تقديم الجزء الثاني منه عبر شاشة التلفاز.
المسلسل الشبابي الذي فتح باب الأمل والإلهام أمام المواهب الصاعدة بالمملكة خلال السنوات العشر الماضية، استفاد من أجواء الانفتاح الثقافي الحالي، لا سيما بعد اعتماده على مجموعة من الممثلين الموهوبين الذين ظهروا في أجواء واقعية في أحياء مدينة جدة التاريخية، بعيداً عن القصور والسيارات الفارهة، مما أضفى على العمل أجواء صادقة أحبها الجمهور وتعايش معها على مدار موسمين، بحسب أبطال العمل.
لكن هل كانت استعادة شخصيات المسلسل مرة أخرى بعد مرور كل تلك السنوات وانشغال الممثلين في أعمال مختلفة، عملية صعبة؟. طرحنا السؤال على أبطال المسلسل عبر لقاء صحافي افتراضي بمناسبة عرض الموسم الثالث. وجاءت الإجابة في البداية على لسان علي الشريف الذي جسد شخصية (ماجد) قائلاً: «بالطبع كانت عملية صعبة، لكن لم تستغرق وقتاً طويلاً بسبب كتابة الحلقات بطريقة سلسة ومميزة، مؤكداً أنه «وزملاؤه قدموا أدوارهم بمزيد من النضج والتطور الفني والإنساني والذي اكتسبوه خلال السنوات الماضية من خلال أعمالهم المتعددة التي أعقبت (تكي)».
و(ماجد) هو الشاب المهووس بـ(بيان)، والذي يكره (مالك) وتسبب بدخوله السجن رغم أنهما كانا أصدقاء في البداية، وفي الموسم الثالث يمر (ماجد) بمرحلة صعبة في حياته بعد زواجه من (بيان) لكن يساعده أصدقاؤه في النهاية، بعد دخوله مصحة نفسية للعلاج.
وشارك الشريف في عدد من المسلسلات السعودية عقب الموسم الأول والثاني من «تكي» على غرار «حارة الشيخ»، و«بشر»، و«العاصوف»، و«حب الطيبين»، و«التدوينة الأخيرة»، و«وساوس» الذي يعد أول مسلسل سعودي يعرض على منصة «نتفليكس» العام الماضي، ويقول الشريف لـ«الشرق الأوسط»: «يوجد الكثير من الاختلاف بين بدايات عملي في (تكي) والفترة الأخيرة، فأنا الآن صرت أكثر نضجاً على المستوى المهني والشخصي»، مشيراً إلى «الشهرة التي يتمتع بها مع فريق عمل المسلسل بالمملكة عقدت حياته بعض الشيء، لكنه تأقلم مع ذلك وتقبله».
ويرى الشريف أن «تكي» شجع الكثير من المواهب السعودية على التمثيل، وخصوصاً في ظل التوسع في عمليات الإنتاج الدرامي بالمملكة. لافتاً إلى أن أبطال «تكي» يقدمون رسالة مهمة للأجيال الشابة مفادها «البحث عن الوصول للحلم، والتمسك بالشغف والطموح».
مؤكداً أنه «يسعى حالياً لرفع تصنيف الإيقاعات الخليجية وتوسيع دائرتها عبر دمج هذه الإيقاعات مع الموسيقى الحديثة».
يتميز المسلسل بانسجام نجومه الشباب أمام الكاميرا وخلفها، مما يمنح مَشاهده درجة عالية من المصداقية، فخلال اللقاء الصحافي الحي مع أبطاله كانت بعض التفاعلات الكوميدية حاضرة بقوة بين أبطاله كما هي في مشاهد العمل. فيما أشارت هند الصايغ (لمى) إلى أنها لم تشعر بأي صعوبة خلال تمثيل مشاهدها رغم مرور بضع سنوات على عرض الجزء الثاني من «تكي» وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «لو كتب المسلسل مؤلف واحد كان سيكتبه من منظوره هو فقط، لكن تعدد المؤلفين أفاد العمل، وأضاف للشخصيات».
ويركز الموسم الثالث من المسلسل على صراعات الأصدقاء من أجل المصالح الشخصية، ففي الحلقة الأولى منه يتأمّل (مالك) ماضيه ويوثّقه أثناء وجوده خلف القضبان، ثمّ يُفاجأ بزيارة من رجل غامض يقدّم له فرصة ضخمة للانطلاق في مسيرته المهنية، بينما تحمل (بيان) خبراً قد يؤثّر على حياتها المهنية.
وفي الحلقة الثانية التي يكرّس فيها (مالك) أيضاً طاقته في دورة كتابة نصوص الأفلام، يكتشف لاحقاً الدافع وراء دعم صديقه (سارية) له، ويواصل (مالك) استمتاعه بالتغيير الذي يطرأ على مدينة جدة، ويعيد صلته بأصدقائه وأعدائه السابقين، خلال الحلقة الثالثة التي تشهد حالة من التوتر عندما يصر على نيل موافقتهم على نصّه.
وفي الحلقة الرابعة من الموسم الجديد يعود (أحمد) إلى الظهور بعد سنوات نادماً وعازماً على استعادة (لمى)، ثمّ يبدأ بالتحرّي في فضيحة قديمة دمّرت حياتها وحياة صديقتها (بيان)، ثم تأخذ الأحداث منحنى جديداً في الحلقة الخامسة، إذ يتراجع (مالك) عن صنع فيلمه بعد خبر جديد رغم العرض المُغري الذي تلقّاه، وتواجه (بيان) (ماجد) غاضبة بعد معرفتها بالحقيقة حول الفضيحة التي تعرضت لها، فيما يتعاون أصدقاء (مالك) لإقناعه بإنتاج فيلمه بالحلقة السادسة، وحين تبدأ التحضيرات، تتقدّم شخصيّة غير متوقّعة لتجارب الأداء، أمّا (ماجد)، فيتحدر نحو مكان مُظلم، وفي الحلقتين الأخيرتين بالمسلسل تقوم مجموعة الأصدقاء برحلة عبر الذكريات في موقع تصوير، ويتعطّل جدول العمل الضيق حين تطلب أم (ماجد) مساعدة (بيان) بعد فقدان ابنها للسيطرة على نفسه، وتزداد الإثارة مع عودة (سارية) لينتقم بشراسة مهدّداً سلامة المجموعة ومشروعها بشكل يختبر مدى ولاء أفرادها، فيما تستقبل (بيان) مكالمة تغيّر حياتها.
ويأمل مخرج المسلسل في تقديم المزيد من الأجزاء خلال الفترة المقبلة عبر «نتفليكس» التي وفرت أجواءً فنية مميزة. مشيراً إلى أنه عندما تم التواصل مع فريق «نتفليكس» لعرض إنتاج الجزء الثالث من العمل رحبوا بشدة، وتحمسوا له وكان هناك تطابق تام في وجهات النظر.
ويعتبر محمد مكي عرض المسلسل على «نتفليكس» إنجازاً كبيراً له ولزملائه، حيث سيتمكن الآن عدد كبير من الجمهور حول العالم مشاهدة قصص الشباب السعودي وتسليط الضوء على أهم مشاكلهم وأحلامهم.
وتتشابه قصة (مكي) الخيالية مع قصة مخرجه الواقعية الذي يطمح لتمثيل المملكة في جائزة «الأوسكار العالمية» على حد قوله لـ«الشرق الأوسط»: «بدأنا مشوارنا عبر (يوتيوب) والآن نعرض عملنا في منصة دولية يشاهدها الملايين حول العالم، لذلك فإننا فخورون بوصول عملنا للعالمية».
وعمل مكي على إنتاج أفلام قصيرة وشارك من خلالها في مهرجان الخليج السينمائي في دبي وفاز بالمركز الثالث، وشارك في عدة مسابقات محلية أخرى وحصل على المركز الأول. وبسؤال «الشرق الأوسط» له هل وصلت إلى حلمك مع نجاح «تكي» ونجاحك في إنتاج الأفلام القصيرة؟ أجاب: نعم، وصلت إلى جزء كبير من حلمي، وهو صناعة عمل درامي مؤثر يحبه الجمهور، ويتفاعل معه مع تطلعي خلال الفترة المقبلة إلى إخراج أفلام روائية طويلة تمثل المملكة في المحافل الدولية في ظل الانفتاح والتطور الحالي».
أما مؤيد الثقفي (مالك) الذي يخرج من السجن في الموسم الثالث ويبدأ بالعمل على نص الفيلم الذي طالما حلم به، فيدخل في نزاع مع صديقه (ماجد) بسبب حبه لـ(بيان) وبسبب هذا الحب يضع نفسه في مواقف عديدة صعبة يختبر فيها صداقته مع رفاقه.
وانطلقت شهرة الثقفي الممثل والطبيب السعودي، عام 2012 عندما لعب دور البطولة في «تكي»، قبل مشاركته في فيلم و«من كآبة المنظر»، الذي عرض على منصة «نتفليكس» كما شارك في عدة أفلام قصيرة عرضت في مهرجانات عدة، بجانب مسلسلات مميزة من بينها «حارة الشيخ»، و«حب بلا حدود»، و«دون»، والمسلسل التاريخي «سنوات الحب والحرب».
يقول مؤيد لـ«الشرق الأوسط»: «حقق المسلسل لي شهرة لافتة في المملكة عقب عرض الموسم الأول منه عبر (يوتيوب)، وخصوصاً بين الشباب، وحاولت الاستفادة من هذا الزخم بالمشاركة في أعمال أخرى ساهمت في نضجي فنياً. مشيراً إلى أن الجمهور السعودي كان يسأله باستمرار عن عودة إنتاج (تكي) بعد تعقلهم به وبشخصياته».
مؤكداً أنه «تمكن من تجسيد الرومانسية والدراما الاجتماعية بشكل مختلف في أكثر من عمل»، ولفت إلى أنه فخور بعرض المسلسل عبر «نتفليكس» قائلاً: «شعور جميل أن تعرف أن مواطناً صينياً أو مواطناً بأميركا اللاتينية يشاهد مسلسلنا عبر هذه المنصة».
ويعد دور (بيان) الذي تجسده الفنانة خيرية أبو لبن، من الأدوار المحورية بالعمل، فهي تمر بنزاعات مع أهلها والمجتمع للوصول لهدفها، ورغم أنها تحب (مالك) فإنها تتزوج (ماجد) في الموسم الثالث.
وشاركت خيرية أبو لبن في عدة مسلسلات من بينها «أنت طالق»، «التدوينة الأخيرة»، «يلا نسوق»، «أوريم» ومسلسل «ممنوع التجول»، وكانت خيرية جزءاً من مسرحيات «مسرح السعودية» تحت إشراف الفنان المصري أشرف عبد الباقي. وتقول خيرية لـ«الشرق الأوسط» عن هذه التجربة: «رغم أن طبيعة العمل في (تكي) و(مسرح السعودية) مختلفة تماماً فإن الأخيرة أضافت لي قدراً كبيراً من التعمق في الشخصيات والتعلم منها».
مشيرة إلى أن «إعادة تقديم دور (بيان) في الموسم الثالث كان أمراً ممتعاً ومشوقاً بالنسبة لها»، ولفتت خيرية إلى أن «الكثير من الفتيات بالمملكة كان يعبرن لها عن إعجابهن بدورها بالمسلسل، إذ كن يرون أنفسهن في الشخصية»، على حد تعبير خيرية.
ورغم أن الممثل وطبيب الأسنان الشاب عادل رضوان، يجد نفسه أكثر في الكوميديا منذ أن كان طالباً في المرحلة الجامعية وما بعدها، فإنه قدم دراما اجتماعية مختلفة في «تكي» الذي يجسد فيه دور (عبد الله) الصديق المشترك بين (مالك) و(ماجد)، الذي يحاول دائماً إبقاء السلام بينهما بسبب خلافتهما الدائمة. وعلى مدار المواسم الثالثة يصبح عبد الله من الطهاة المعروفين في جدة ويصبح شريكاً في المطعم الخاص بماجد ولكنه يطمح لأن يفتح مطعمه الخاص في المستقبل.
يقول رضوان لـ«الشرق الأوسط»: «في (تكي) لعبت دور الشخص الظريف الذي يحب أصدقاءه»، لكن بسبب أحداث المسلسل لم يتمكن من تقديم الإطار الكوميدي بشكل كبير، ولفت إلى أنه يتمنى لعب أدوار كوميدية في المستقبل.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».