الأرمن... صراع الماضي والحاضر روائياً

أحمد مجدي همام يتناول تاريخهم المأساوي في «موت منظَّم»

الأرمن... صراع الماضي والحاضر روائياً
TT

الأرمن... صراع الماضي والحاضر روائياً

الأرمن... صراع الماضي والحاضر روائياً

يشكل النبش في التاريخ معول السرد الأساس في رواية «موت منظَّم»، للكاتب أحمد مجدي همام، الصادرة حديثاً عن دار «هاشيت أنطوان» ببيروت، في إطار منحة من المورد الثقافي. لكن التاريخ هنا ليس على إطلاقه، إنما يتعلق بمذابح الأرمن الشهيرة على يد الأتراك، تستدعيها الرواية في تقاطعات ومفاصل زمنية، ومن نقطة فاصلة تحددها بعام 1915، مشكلة إطاراً لرؤية ذات طبيعة خاصة بالأرمن المصريين: نشأتهم وجذورهم، ومن أين جاءوا، وكيف تأقلموا وحافظوا على عادتهم ولغتهم، وعاشوا حياتهم في وطن أصبح حاضناً لهوية مزدوجة اكتسبوها تحت مظلته.
تمثل عائلة «آرام سيمونيان»، بمن نجوا منها، شاهداً على هذه المأساة، وكوابيسها الدامية المحفورة في الوجدان الأرميني. فبعد صراع مضنٍ، وصل الأب «آرام» إلى مصر، واستطاع أن يلم شمل ما تبقى من عائلته، عدا زوجته التي راحت ضحية تلك المجازر. يقول الكاتب في مستهل الرواية بعنوان توثيق (أ)، على لسان آرام: «كنت ابن تسع سنوات عندما أصدر الباشاوات الثلاثة مرسومهم بترحيل الأرمن من سيس في ربيع 1915. شيخ المسجد القديم في القرية قال للجندرمة التركية التي جاءت لترحيلنا إن والدي هو عامل البناء الذي يتولى تشييد المسجد الجديد في مدخل القرية، وطلب منهم أن يتركوه، وأبي اشترط عليهم أن ينتقي العمال الذين سيعملون معه في بناء المسجد. قال أحد الجنود: المسجد سينقذك أيها الكافر؛ ألن تصبح مسلماً؟ وهكذا، أُنقذ أبي وأخوتي وبعض أقاربنا من الترحيل في مسيرات الموت، كنا نعرف ممن سبقونا، ومن أقاربنا في باقي الأرض الأرمينية في الأناضول، أن من يمضي في مسيرة لا يظهر ثانية».
تتسع هذه الرؤية على مدار أربعة فصول (شتاء طويل - ربيع في القوقاز - مواعيد صيفية - خريف أسود)، تضمها 190 صفحة، كأنها أنشودة للطبيعية بتحولاتها الدراماتيكية، تصعد وتتبلور في سياق علاقة من التضايف بينها وبين أجواء أحداث ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 في مصر، وما أعقبها من اضطراب سياسي وانفلات أمنى شهد بعض الأعمال الإرهابية التي أعادت إلى الأذهان صدى حوادث بشعة، من أبرزها مذبحة الأقصر في معبد حتشبسوت عام 1997.
تتناثر تلك الأحداث والوقائع كشظايا في طوايا النص، لكنها لا تصنع ذاكرة خاصة له، يعزز ذلك أن الكاتب لا يتعامل مع التاريخ بصفته خطاباً موازياً، فهو حالة مبثوثة في السرد، لها ملمسها وروائحها، تومض وتتفتح في مساراته الراهنة التي تعيشها الذات الساردة من واقع الشخوص الرواة. ومن خلال تأملها وسبر أغوارها، تتشكل هذه الذاكرة الخاصة، وتتحول إلى جغرافيا بديلة. ربما من هنا يمكن أن نفهم دلالة مقولة نابليون بونابرت «الجغرافيا قدر» التي صدر بها الكاتب الرواية.
ومن ثم، تتكشف أجواء الرواية، وتشف بسلاستها وتنقلاتها الرشيقة بين الأزمنة والأمكنة، عن حركتين أساسيتين تتناغمان صعوداً وهبوطاً تحكمان مدارات الرؤية، وما تطرحه من دلالات وأسئلة. تتسم الأولى بنزعة توثيقية تحاول أن تُخرج صورة مجازر الأرمن من جراب التاريخ، وتتأملها بعين تختصر مسافة شاسعة من الجغرافيا والحنين الحارق تجاوزت قرناً من الزمان، وينحو السرد منحى التقصي والنبش في منحنيات وكواليس تلك المجازر، وتنحصر طاقة التخييل في محاولة الربط والفهم والاستيعاب وردم الفجوات والمفارقات التي حفرتها تلك المأساة في البشر والأزمنة والذكريات. أما الحركة الثانية فتكمن في العاطفة المستترة بين الصحافي الشاب عبد الرحمن أسعد وبطلة الرواية ماجدة سيمونيان، الأرمينية المصرية المولد (57 عاماً) التي هجرها منذ 19 عاماً زوجها «أرمن»، الصيدلي الشاطر ابن عمها، وارتبط بامرأة ألمانية من أصل تركي تعرف عليها في أثناء دراسته للماجستير بألمانيا، ثم تزوجها وعاش معها في كندا، بصحبة ولديه آرثر وفيكتور، بينما ظلت ماجدة وحيدة تعيش من ريع صيدلية تركها لها من بين ثلاث كان يمتلكها.
يلتقي عبد الرحمن وماجدة في قسم الشرطة بالصدفة؛ كانت تحرر محضراً لبواب العمارة وزوجته وأولاده لأنهم يصدرون لها طاقة سلبية، وقد حولوا العمارة إلى وكر للبلطجة وتجارة المخدرات، مما اضطر كثيراً من السكان إلى مغادرتها، بينما عبد الرحمن كان بصدد تحرير محضر عن سرقة هاتفه المحمول. لكن تهمة الطاقة السلبية، مثلما أثارت ضابط الشرطة أثارته أيضاً. وبعد تعارف سريع بينهما، يقرر أن يكتب مادة صحافية عن الأرمن المصريين تكون ماجدة طرف الخيط فيها، وتتسع دائرة التعارف بينهما وتتوثق من خلال لقاءاتهما في نادي الأرمن «آرارات» الاجتماعي بضاحية مصر الجديدة، أو في بيتها، وتزوده بصور ووثائق وشهادات نادرة لبعض ضحايا المجزرة، فيكتشف عالم الأرمن المهمش، وبشاعة ما تعرضوا له من قتل وتطهير عرقي. كما رشحته لحضور الاحتفال الوطني معها بـمدينة «بريفان»، عاصمة أرمينيا، لإحياء ذكرى الضحايا الأرمن، ضمن وفد مصري ضخم على رأسه البابا تواضروس، ومشاركة وفود أخرى من شتى دول العالم.
نحو أسبوع عاشه عبد الرحمن في ظلال وطن حديث النشأة أقتطع من جسد جغرافيا عريقة حولها الطغاة إلى مسرح هزلي لعبث الأقدار. في هذا الوطن، بطبيعته الساحرة وبشره المتمسكين بلغتهم وعاداتهم وتقاليدهم وطقوسهم، اتسعت عين الحياة، وتحركت مياه العاطفة الراكدة في الداخل بين ماجدة وعبد الرحمن، وأصبحت لها علامات لافتة. ساعد على ذلك أجواء المكان والاحتفال، وشعور ماجدة بأنها في الفضاء الأصلي للأحلام والرؤى والمشاعر، حتى أنها قررت ألا تعود مع الوفد المصري، وتمكث بعض الوقت لترى البلاد على طريقتها الخاصة، وتزور قرية جارني ومعبدها الأثري العريق: «لم أذكر عبد الرحمن في صلاتي، ولم أتمنى أن يتزوجني. هذا مستحيل بكل الأعراف؛ أنا مسيحية وهو مسلم؛ عمري 57 سنة وهو في الثلاثينيات؛ أنا منفصلة عن أرمن منذ 16 عاماً وهو لا يضع دبلة في يديه. أنا صليت لكي يكون عبد الرحمن في الجوار ليس إلا، هل خلطت بين الحماية والحب؟» (ص 110).
تضع ماجدة العلاقة عاطفياً على المحك، رابطة الحب بالحماية والاستقرار، لكنها مع ذلك لا تستطيع أن تفلت؛ ثمة شيء حميم في داخلها تجاه الشخص الذي وفر لها هذه الحماية جسدياً وروحياً، وكان السبب وراء الحملة الأمنية التي طهرت المنطقة من إمبراطورية أبو سيد، وأودعته هو وأولاده وزوجته السجن.
يبرر فعل الحماية قبولها عرض «أرمن» للصلح معها، ولم شمل العائلة بعد غياب طويل قاسٍ، وتعويضها بنصف مليون دولار، مقابل نظرة وداع أخيرة يحتاجها بعد وفاة زوجته الألمانية، وإصابته بسرطان الكبد. ينجح ابنها أرثر في إتمام الصفقة، وتصر على أن يحضر عبد الرحمن جلسة الصلح: «سأضع خمس المبلغ وديعة باسمي في البنك، وسأتبرع بالأخماس الباقية كالتالي: خمس لمطرانية الأرمن الأرثوذكس، وخمس لدار عش العصافير للأيتام الأرمن في جبيل بلبنان لأنها الدار التي احتضنت أكبر عدد من أيتام آل سمونيان منذ 1915، وخمس للجمعية الأرمينية الخيرية، وخمس لبيت الزكاة والصداقات التي يشرف عليها الأزهر» (ص 141). ثم ينطلقان معاً إلى وداع أخير، صبيحة 11 ديسمبر (كانون الأول) 2016، حيث اختارت ماجدة أن تؤدي صلاتها في كنيسة قبطية، بدلاً من كنيستها الأرمينية.
يتضافر مع كل هذا مجموعة من السمات الجمالية اللافتة ساهمت في أن تضفي على أنساق السرد جواً من المتعة، من بينها المهارة الفائقة في رسم الشخصيات، فالكاتب يسكنها من الداخل والخارج معاً، ومعني أساساً بطريقة تفاعلها مع الحياة، ورصد مساحة الحب والأمل في خطواتها، يصاحب ذلك حيوية سردية في الوصف، بصفته مقوم حياة ورؤية وطقساً يتجاوز حيز التوثيق الضيق للمكان والعناصر والأشياء. كما أن الزمن في الرواية ليس استرجاعياً محضاً للماضي ينعكس «فلاش باك» على ما تفرزه الرواية من وقائع وأحداث، إنما يتوزع رأسياً وأفقياً في شكل شرائح من الكولاج، يضفرها الكاتب بذكاء شديد في نسيج السرد، صانعاً نوعاً من التواشج بين عناصر السرد وأزمنته. تفترش هذه الشرائح فضاء الشخوص، وتلون ذكرياتهم ومشاعرهم وهواجسهم، ما يجعل الرواية مفتوحة بانسيابية أسلوبية على تخوم الماضي والحاضر معاً. الكولاج رؤية بصرية، وهو فن صناعة الصورة من خلال المِزق والقصاقيص والشظايا، وبرأيي هو المنطق الفني الذي يشكل محور إيقاع السرد في الرواية... تطالعنا هذه الصورة بقوة على غلاف الرواية، حيث ثمرات الرمان المشقوقة نصفين تشي برمزية العقد المنفرط التي تكاد تشكل تلخيصاً جذرياً لمأساة الأرمن المشقوقة إلى زمنين وهويتين، في نوستالجيا مزدوجة أصبحت تلازمهم أينما حلوا أو رحلوا، ناهيك من أن الرمان، وكما تشير الرواية، يمثل أيقونة وطنية في أرمينيا وطن الأرمن.
بحيوية التضفير الكولاجي، يتجاوز التوثيق مهمته التراتبية، بصفته مقوماً سردياً، ويصبح فعل معايشة للمشهد، يقرّبه ويبعدّه بعين الراوي والشخصيات، كاسراً حيادية التلقي. لتفاجئنا هذه الرواية الممتعة بنهاية مفتوحة بقوة على البداية: «بسرعة، شبكت يدي في يد عبد الرحمن.
كان جسده يشع دفئاً ويغمرني ببهجة لا أعرف ماذا أسميها؟». لكن لم تكد تجف أحبار اللوحة التي رسمها لهما طالب بكلية الفنون وهما في مسجد الحاكم بأمر الله الأثري، حتى تحول المشهد كله إلى صرخة في قوس حياة ستبقى رغم أنف الإرهاب، سواء في مجازر الأرمن، أو إرهاب الجماعات الإسلامية الذي أودي بأرواح 25 شخصاً، معظمهم من النساء، بينهم ماجدة وصديقتها إنجي، وأصاب العشرات، في حادث تفجير بالكنيسة البطرسية بالقاهرة... كانوا يؤدون الصلاة، ويدعون أن يعم الأمن والسلام العالم.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.