«ريش» يربح الجائزة... وتهمة الإساءة لمصر

مع نهاية مهرجان الجونة في دورته الخامسة

لقطة للزوج وعائلته من «ريش»
لقطة للزوج وعائلته من «ريش»
TT

«ريش» يربح الجائزة... وتهمة الإساءة لمصر

لقطة للزوج وعائلته من «ريش»
لقطة للزوج وعائلته من «ريش»

شهد المجتمع السينمائي المصري خلال الأيام القليلة الماضية نقاشاً كبيراً حول فيلم «ريش» لمخرجه عمر الزهيري، وذلك انطلاقاً من فوزه بجائزة أفضل فيلم عربي في الدورة الخامسة من مهرجان «الجونة» السينمائي الذي تم انعقاده من 12 إلى 21 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.
سبب الجدال من حوله أنّه فيلم يعرض واقعاً قبِل به بعض الذين شاهدوه ورفضه البعض الآخر. وهذا البعض في كلا الموقفين لم يكن عبارة عن حفنة قليلة من المشاهدين، بل كناية عن حجم لا بأس به اتخذ قراره إما مع الفيلم أو ضدّه، وغالباً لما قدّمه من صورة وصفها الفريق الأول بأنها «حقيقية» و«واقعية»، ورفضها الفريق الثاني على أساس أنها «تُسيء إلى مصر».
هوية مفقودة
إنّها تُهمة قديمة دأب على إطلاقها سينمائيون وإعلاميون مصريون عندما يتقدّم فيلم ليعرض حكاية تدور في رحى بيئة اقتصادية وشعبية فقيرة تفرض شروطها وحدود طموحات الذين يعيشون فيها ومشاكلهم الفردية والاجتماعية. في السبعينات أطلق المخرج الراحل حسام الدين مصطفى وصف «الشيوعيون» على كل مخرج يلتمس درباً من السينما المختلفة عن السائد، هذا شمل حينها أفلام علي عبد الخالق الأولى وخيري بشارة ومحمد خان ونقاداً سينمائيين مالوا إلى تلك الأعمال، نابذين السينما التقليدية من النوع الذي دأب حسام الدين مصطفى والعديد سواه على تقديمها.
‫جوهر الموضوع هو أنّ المخرجين السينمائيين، مصريين أو غير مصريين أحياناً، يجدون أنفسهم ‬ملزمين بتقديم أفلام ذات قضايا اجتماعية. أحياناً ما تدور في رحى القطاع الاجتماعي المرتاح مادياً، وأحياناً ما تقع في البيئات المعدمة كحال فيلم عمر الزهيري «ريش» الذي خرج فائزاً بذهبية الدورة الخامسة من مهرجان الجونة كأفضل فيلم عربي في المسابقة الروائية الرسمية (من بين ثلاثة أفلام عربية فقط هي «أميرة» لمحمد دياب، من مصر والأردن و«إيقاع كازابلانكا» لنبيل عيوش من المغرب).‬
رفض الفيلم بدأ من وقت عرضه عندما بدأت الجموع تُغادر القاعة بنسبة كبيرة. المغادرون انتظروا، على الأرجح، فيلماً سعيداً أو على الأقل مقبولاً ومفهوماً. وجدوا عكس ذلك منذ أن شاهدوا الزوج يتحوّل إلى دجاجة والكاميرا تتصب على الزوجة التي تبحث عن وسيلة لاستمرار الحياة وسط البؤس الذي تعيش فيه.
فيلم عمر الزهيري يدور في صلبه حول رجل فاقد لهويّته ووظيفته الاجتماعية. وهو يبدأ بمشهد صادم (رجل يحرق نفسه) وننتقل بعد ذلك إلى الرجل ذاته (قبل الحرق) وهو يعيش مع زوجته وأطفاله الثلاثة في فقر شديد في بيت ملاصق لمصنع ما يبث دخان محروقاته الملوّثة على نحو شبه دائم.
ذات يوم خلال حفل «على قد الحال» بمناسبة عيد ميلاد أحد أطفاله يُدخله ساحر صندوقاً ويُخرجه دجاجة. عندما حاول الساحر إعادة الدجاجة إلى رجل فشل وهرب. هذا ما يترك الزوجة أمام مهمّة رعاية دجاجة تعتقد أنّه زوجها والبحث عن عمل تعتاش وصغارها منه.
لن يترك الفيلم الزوج بلا عودة. سنراه هو نفسه الذي حرق نفسه وستستقبله ثانية قبل نهاية الفيلم لترعاه (ولو إلى حين).
ميل للفانتازيا
«ريش» مدروس جيّداً تبعاً لرغبة المخرج في كيفية سرده وكيفية معالجته كبعد اجتماعي ما وكحكاية. من شروط عمله إبقاء معظم المشاهد بعيدة عن وجوه أصحابها وإذا اقتربت ففي الغالب هي غير واضحة وبالتأكيد - وعن قصد - غير منفعلة. هذه قيمة جيّدة لفيلم خارج المعهود كذلك لعمل يعكس بيئة مكانية ملوّثة ومباني مهجورة ومتسخة توازي بيئة نفسية اجتماعية قاهرة ضحيّتها امرأة كل ما ترغب فيه هو استمرار حياتها وحياة أولادها بزوج أو من دونه.
ليس أنّ الفيلم بلا مشاكل وأهمها تفسير الوضع الماثل على نحو لا يضر بالفانتازيا الغريبة التي يوفرها الفيلم لمشاهديه. ومنها بعض التفاصيل التي لا تتطلّب إلا حسن الملاحظة، ومنها المشهد الذي تقع فيه الزوجة في المسبح لكن حين تخرج منه نجد ثيابها ناشفة. على صعيد الزوج كان يمكن أيضاً الإتيان بما يوضح أن روح الزوج تسكن الدجاجة فعلاً. هناك الكثير من لقطات للدجاجة (استعان المخرج بأكثر من دجاجة، وهذا يفسّر كيف أن كل دجاجة تختلف فجأة عن الأخرى) وهي على فراش غرفة النوم. لو أنّها اقتربت مرّة من الزوجة كما لو كانت تريد التواصل معها لكان ذلك أنفع لفكرة هي من بداياتها غريبة.
لكن هذه التفاصيل لم تستوقف أحداً ولم تمنع لجنة التحكيم التي ترأسها المنتج الأميركي روب ألين من منحه جائزة أفضل فيلم عربي. كذلك لم يتحدّث أحد عن الفانتازيا وشروطها الحاضرة منها أو الغائبة في هذا الفيلم.
كان عمر الزهيري كشف عن ميله لزرع وضع فانتازي ما في بنية أفكاره عندما قام، سنة 2014. بإخراج فيلمه القصير «ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمّام بالكيلو 375». حمل ذلك الفيلم فكرة نيّـرة منفّذة ببعض التسرّع: خلال قيام مدير عام إحدى الشركات بوضع حجر الأساس لمشروع حمّـام في مكان قصي عن العالم، يرتكب موظف صغير هفوة لا تغتفر. أخطأ بذكر الاسم. تركه الجميع وحده وغادروا المكان الصحراوي. قصّـة المخرج الزهيري لا تقف هنا. حال الموظف تسوء بعدما أدرك أنه أغضب المدير العام والخوف ينتابه. يحاول الاعتذار مرّة تلو المرّة لكن اعتذاره لا ينفع. يحيل المخرج فيلمه إلى وضع شبه كيفكاوي وينجح في توطيد العلاقة بين الفرد المقهور والسُـلطة القاهرة من دون كثير جهد. أماكن التصوير مجرّدة والحوار قليل والمشكلة في بعض التفاصيل.
سجالات سابقة
بالعودة إلى الجدال القائم حول «ريش» فإنّ المسألة لا تخلو من الغرابة والانفعال. لقد سبق لأفلام مصرية حديثة أن تناولت أوضاعاً اجتماعية داكنة كما فعل «فتاة المصنع» لمحمد خان (2014) و«أخضر يابس» لمحمد حمّاد (2016) و«آخر أيام المدينة» لتامر السعيد (2016) و«زهرة الصبار» لهالة القوصي (2017) و«يوم الدين» لأبو بكر شوقي (2017) و«ورد مسموم» لأحمد شوقي صالح (2018).
حيال كل فيلم من هذه الأفلام دار سجال بين النقاد وبعض أهل المهنة السينمائية حول جودة الفيلم من عدمها وحول واقعيّته. لكن لم يحدث أن ووجه الفيلم بمثل هذا القدر من النقد بناءً على ما يعرضه. هذا رغم أنّ «آخر أيام المدينة» لم يُعرض حينها في مهرجان القاهرة لسبب غير مقنع (بعدما تم إدراجه ثم سحبه) ورغم أن ما عرضه «ورد مسموم» (الذي شوهد في مهرجان القاهرة كذلك) هو تماماً ما يعرضه «ريش» إن لم يكن أفدح (يبدأ الفيلم بمشهد لمياه ملوّثة تخرج من أنبوب تصريف مصنع نسيج وتمتزج بمياه مواسير الصرف) بفارق أن «ورد مسموم» لم يعمد للفانتازيا بل أمّ الواقع كما هو.
التهمة الجاهزة لفيلم «ريش» وسواه هو أنه فيلم مسيء لمصر، والمثير للملاحظة أن مطلقي التهمة هم من الذين لا يعيشون الحياة الصعبة ذاتها وربما هذا أوضح ما في المسألة. ويزيدها وضوحاً أن الذين يحضرون مهرجان الجونة، في الغالب، القسم الذي يتدثر بفساتين السهرة وثياب السموكينغ ويعيش على الطرف الآخر من الفاصل الاجتماعي الذي عبّر عنه فيلم عمر الزهيري.
مهرجان الجونة مهرجان سينمائي جاد يديره انتشال التميمي بنجاح. هذا يعود إلى أنه يجمع بين الرؤية والخبرة ودائماً ما يدفع بالمهرجان صوب تحديات جديدة. لكن المهرجان في الوقت ذاته يتّكل على الكثير من المناسبات الاجتماعية والمظاهر الاحتفائية وبساطه الأحمر الذي يبدو فعل السير فوقه لبعض المدعوّين والمدعوّات شهادة تقدير من نوع خاص بحد ذاتها.
يبقى أنّ كل مخرج مصري يحب وطنه (وكل مخرجي مصر يشتركون في هذا الحب بلا ريب بمن فيهم حمّاد وشوقي والقوصي وصالح والزهيري) يُصاب بجرح دفين إذا ما اتهم بأن فيلمه يسيء لوطنه. الإساءة هي آخر ما في بال هؤلاء أو سواهم. التميّز بأعمال فنية لا تلتزم بالمعهود من إنتاجات السينما التجارية هو حق لهم يرغبون فيه لأداء رسالاتهم الاجتماعية. وربما الإساءة الفعلية الأساسية هي تلك الأفلام الركيكة التي تبتعد عن الواقع في سبيل النكتة أو مشاهد الأكشن ولا سبيل ثالث.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».