جرعات «التطبيع» مع دمشق... و«قانون قيصر»

شاحنة تعبر الحدود السورية - الأردنية بعد افتتاحها يوم الأربعاء (رويترز)
شاحنة تعبر الحدود السورية - الأردنية بعد افتتاحها يوم الأربعاء (رويترز)
TT

جرعات «التطبيع» مع دمشق... و«قانون قيصر»

شاحنة تعبر الحدود السورية - الأردنية بعد افتتاحها يوم الأربعاء (رويترز)
شاحنة تعبر الحدود السورية - الأردنية بعد افتتاحها يوم الأربعاء (رويترز)

قطار التطبيع انطلق إلى دمشق، والاتجاه معروف، لكن الخلاف هو حول السرعة والمحطات والتحديات والإصلاحات التي تتطلبها السكة إلى العاصمة السورية.
بعض الأطراف ركب القطار علناً أو سراً، وبعضها الآخر حجز بطاقة، أو يضع شروطاً قبل الإقدام، فيما ينتظر آخرون نتائج الاختبار أو يراقبون «سلوك النظام» ويراهنون على نتائج «العقوبات» و«العزلة».
الجرعة الأولى من التطبيع العربي، تلقتها دمشق في نهاية 2018 إذ أعادت الإمارات والبحرين ودول عربية أخرى فتح سفاراتها، وانضمت إلى دول أخرى مثل مصر والأردن وعُمان والعراق والجزائر، التي لم تغلق سفاراتها بعد تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية في نهاية 2011.
وكانت جمهورية التشيك الدولة الأوروبية الوحيدة التي أبقت على سفيرتها في دمشق، لتمثل بلادها ومصالح أميركا. ومنذ ربيع 2012 كان موقف الدول الغربية إما القطيعة الكاملة وإغلاق السفارات، أو نقل السفير إلى بيروت لـ«أسباب أمنية» والسماح له بزيارات دورية إلى سوريا. وينطبق الأمر نفسه على سفارات سوريا في الخارج، التي أُغلق معظمها، عدا بعض العواصم، التي إما أنها تقيم علاقة سياسية جيدة مع دمشق (مثل بوخارست) أو فيها مؤسسات أممية تقتضي وجود ممثل للحكومة السورية، مثل فيينا وجنيف وباريس ونيويورك.
الجرعة الثانية من التطبيع، حصلت في العام الجاري، إذ إن دولاً أوروبية وسعت اتصالاتها مع دمشق. بعض الدول، مثل قبرص واليونان وإسبانيا، مددت إقامة دبلوماسييها في سوريا، أو بدأت بنفض الغبار عن مقرات الدبلوماسية في دمشق، ووسعت اتصالاتها معها. يضاف إلى ذلك أنه، ولأول مرة منذ سنوات، وافقت أثينا على وجود دبلوماسيين سوريين، كما وافقت أنقرة على استبدال دبلوماسيين في القنصلية السورية في إسطنبول.
أمنياً، كان معظم هذه الدول يقيم أو استأنف الاتصالات الاستخباراتية مع دمشق، إذ قام مدير مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك بزيارات إلى عواصم أوروبية بينها روما، كما زار عواصم عربية عدة سراً أو علناً، واستقبل مديري أو مسؤولي أجهزة استخبارات غربية، بما في ذلك دول أوروبية كبرى ومبعوثون من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، لبحث ملف الصحافي الأميركي المفقود جوستن تايس.
ما جديد التطبيع؟
دمشق تتلقى الجرعة الثالثة المعززة، متمثلة بالانتقال من البعد الأمني أو الدبلوماسي أو السري إلى المستوى السياسي العلني، سواء عبر اللقاءات الوزارية في نيويورك مع وفد الحكومة مقابل تراجع التعاطي مع وفد المعارضة، أو بشكل مباشر مع الرئيس بشار الأسد في دمشق. وكانت دول عدة تتجنب سابقاً الاتصالات السياسية أو التواصل المباشر علناً مع الأسد، بل إن بعض الدول تجنبت تغيير سفيرها أو عينت قائماً بالأعمال في دمشق، كي لا يقدم أوراق الاعتماد إلى الرئيس السوري.
لكن يبدو أن الأمر تغير الآن. لم يكن جديداً أن يزور دمشق مسؤولون من إيران أو روسيا و«الدول» التي تدور في فلكها، للقاء الأسد. لكن الجديد كان أن وزير الخارجية الصيني وانغ يي قام بأول زيارة علنية له خلال عشر سنوات، وتعمد أن تكون يوم أداء الأسد اليمين الدستورية في 17 يوليو (تموز) الماضي، وما تضمن هذا من بعد رمزي بـ«الاعتراف بالانتخابات الرئاسية» التي قوبلت بانتقادات من دول غربية ومعارضين سوريين.
وكان ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد اتصل بالأسد لتقديم الدعم «الإنساني» في مواجهة «كورونا» بداية العام الماضي، ثم اتصل الرئيس العراقي برهم صالح بالأسد لشرح أسباب عدم دعوته إلى قمة بغداد الأخيرة. لكن اتصال العاهل الأردني الملك عبد الله بالأسد قبل أيام له أبعاد مختلفة:
أولاً، أنه جاء بعد لقاء العاهل الأردني مع الرئيسين جو بايدن في يوليو وفلاديمير بوتين في أغسطس (آب)، إذ أشار الديوان الملكي إلى تأكيد الملك عبد الله على «دعم الأردن لجهود الحفاظ على سيادة سوريا واستقرارها ووحدة أراضيها وشعبها».
ثانياً، أنه يأتي بعد قول الملك عبد الله لمحطة «سي إن إن» الأميركية، إن «النظام السوري باقٍ».
ثالثاً، الأردن كان يستضيف غرفة العمليات التي قادتها «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي آي إيه) بدءاً من 2013 لتدريب آلاف المقاتلين السوريين المعارضين ضد دمشق.
رابعاً، يأتي بعد دفع روسيا والأردن المقاتلين في درعا للاستسلام وتسليم السلاح، ومساعدة الحكومة للعودة الكاملة إلى الجنوب.
خامساً، بعد استضافة عمان لوزراء سوريين بينهم وزير الدفاع علي أيوب لبحث «ضبط الحدود أمام الإرهابيين»، وفتحها رسميا لتنقل الأشخاص والبضائع.
سادساً، بعد حصول عمان على دعم أميركي لتشغيل خطي «الغاز العربي» والربط الكهربائي من مصر إلى سوريا، والحصول على تأكيدات بأن هذا غير مشمول بالعقوبات الأميركية.
ما الفرق بين التطبيع والعقوبات؟
هناك أكثر من 600 شخص وكيان من المدرجين على قائمة عقوبات واشنطن و«قانون قيصر»، الذي بدأ تنفيذه منتصف العام الماضي، وشمل 114 شخصاً وكياناً، وهناك 350 فرداً وكياناً أدرجوا في القوائم الأوروبية، كما أن بريطانيا أصدرت قائمتها الخاصة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي (حذفت ستة أسماء منها في الأيام الأخيرة)، وهناك 7 شروط قانونية لرفع «قيصر» عن دمشق، و6 شروط سياسية لـ«التطبيع» معها، 4 منها تعود إلى ما قبل 2011.
قانونياً، أي تغيير في «قيصر» يتطلب تصويت الكونغرس، لكن يحق للرئيس تعليق تنفيذ كامل العقوبات أو جزءٍ منها لفترات قابلة للتجديد لا تتجاوز 180 يوماً، إذا توفرت بعض الشروط:
«أولاً: إذا لم يعد المجال الجوي السوري يجري استغلاله من الحكومة السورية أو روسيا، لاستهداف مدنيين.
ثانياً: إذا لم تعد المناطق المحاصرة من جانب حكومات سوريا وروسيا الفيدرالية وإيران بمعزل عن المساعدات الدولية، ولديها القدرة على الحصول بانتظام على مساعدات إنسانية.
ثالثاً: أن تطلق حكومة سوريا سراح جميع السجناء السياسيين المحتجزين قسراً (...) وأن تسمح حكومة سوريا بإمكانية الوصول الكامل للمنشآت (...) لإجراء تحقيقات من المنظمات الدولية.
رابعاً: إذا لم تعد قوات حكومات سوريا وروسيا وإيران متورطة في استهداف منشآت طبية ومدارس.
خامساً: أن تتخذ دمشق خطوات للتنفيذ الكامل لالتزامات معاهدتي حظر تطوير الأسلحة الكيماوية، والحد من انتشار الأسلحة النووية.
سادساً: أن تسمح حكومة سوريا بالعودة الآمنة والطوعية والكريمة للسوريين.
سابعاً: أن تتخذ حكومة سوريا خطوات لمساءلة حقيقية لمرتكبي جرائم الحرب التي ارتكبها نظام الأسد».
الواضح أن «جرعات التطبيع» تصطدم بـ«فيروس قيصر» الذي يتطلب تحولاً استراتيجياً في سوريا وتصويتا في الكونغرس، وهذا ما يفسر حذر تحركات الإدارة والانتقادات العلنية من بعض مسؤوليها وأعضاء في الكونغرس لخطوات عمان مع دمشق.
لكن الأمر يختلف بالنسبة إلى «التطبيع» الأميركي، إذ إن إدارة ترمب اتبعت أسلوب «الضغط الأقصى» على دمشق وسعت لتوحيد حلفائها الأوروبيين والإقليميين وراء موقفها، ووضعت ستة شروط لفك العزلة، هي: «أولاً: وقف دعم الإرهاب. ثانياً: وقف دعم الحرس الإيراني و«حزب الله». ثالثاً: عدم تهديد دول الجوار. رابعاً: التخلي عن أسلحة الدمار الشامل. خامساً: العودة الطوعية للاجئين والنازحين. سادساً: محاكمة مجرمي الحرب».
ماذا تغير الآن؟
وضعت إدارة ترمب السابقة، خمسة أهداف مباشرة، تتمثل بـ«أولاً: هزيمة (تنظيم داعش)، ومنع عودته. ثانياً: دعم مسار الأمم المتحدة لتنفيذ القرار الدولي 2254. ثالثاً: إخراج إيران من سوريا. رابعاً: منع النظام من استعمال أسلحة الدمار الشامل والتخلص من السلاح الكيماوي. خامساً: الاستجابة للأزمة الإنسانية، ورفع المعاناة عن الشعب السوري داخل البلاد وخارجها».
لكن إدارة بايدن غيرت أهدافها، إذ إن وزير الخارجية أنتوني بلينكن قال في مؤتمر عن سوريا في روما نهاية يونيو (حزيران) إن هناك ثلاثة أهداف أميركية هي: «المساعدات الإنسانية، التركيز على القضاء على (داعش) ومنع ظهوره، واستمرار تنفيذ وقف النار على أرض الواقع».
عملياً، يعني هذا البقاء شرق الفرات، خصوصاً بعد فوضى الانسحاب من أفغانستان، والعمل مع روسيا لتقديم المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وقف النار. لكن فريق بايدن لن يضغط على دول عربية كي لا تطبع مع دمشق، بل سيقدم إعفاءات تنفيذية من العقوبات وفق ما يسمح بها «قانون قيصر»، ولن يعلن أن الهدف إخراج إيران، لكنه سيقدم دعماً لوجيستياً للضربات الإسرائيلية لـ«مواقع إيران» في سوريا، مع تذكير حلفائه بأن «قيصر» يهدف إلى تخفيف النفوذ الإيراني... وألا يكون التطبيع مع دمشق «مجانياً»، و«لا بد من الحصول على ثمن».



ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.


منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
TT

منفذ البحر الأحمر... مساعٍ إثيوبية متواصلة وتحركات مصرية مضادة

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يلتقي نظيره اليمني في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

لا تخلو لقاءات مصرية مع مسؤولين في إريتريا، الجارة الشمالية لإثيوبيا، ثم اليمن، البوابة الاستراتيجية بالبحر الأحمر، من التأكيد على رفض وجود دول غير مشاطئة على ذلك البحر المهم لأمنها القومي، في مقابل مساع متواصلة من جانب إثيوبيا التي تُعد من دون ميناء للوصول لمنفذ على تلك السواحل.

هذه التحركات المصرية، حسب خبيرة مصرية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تتفق مع القانون والأمن القومي المصري واستقرار منطقة القرن الأفريقي، فيما يرى محللون إثيوبيون أن الميناء بالنسبة لأديس أبابا «رئة تتنفس بها»، وأنها ستواصل تحركاتها بشأنه.

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

وخلال لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الأحد، برئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني في القاهرة، حيث ترأسا أعمال الجولة التاسعة من الحوار الاستراتيجي المصري - اليمني، تناولت المباحثات مسألة أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وشدّد عبد العاطي على «الرفض المصري القاطع لأي مساع لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

وأكد أن «تحقيق أمن وحوكمة هذا الممر الملاحي الاستراتيجي يمثل مسؤولية حصرية للدول العربية والأفريقية المشاطئة له»، داعياً إلى «أهمية سرعة تفعيل آليات مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن».

وزير الخارجية المصري يترأس مع نظيره اليمني الجولة التاسعة للحوار الاستراتيجي بين البلدين (وزارة الخارجية المصرية)

واتفق الجانبان خلال اللقاء على «ضرورة تبني مقاربة شاملة لأمن البحر الأحمر لا تختزل في المنظور الأمني والعسكري، بل تستوعب الأبعاد الاقتصادية والتنموية للدول المشاطئة».

ما بين «الأمن القومي» و«القضية المصيرية»

وخلال زيارته أسمرة في 17 مايو (أيار) الحالي، التقى الوزير المصري مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، حسب البيان المصري.

ولم يُسم عبد العاطي وقتها الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر.

وترى الخبيرة المصرية في الشؤون الأفريقية، أسماء الحسيني، أن تحركات القاهرة «تستهدف الحفاظ على الأمن القومي المصري في البحر الأحمر، ومن حقها قانوناً أن تتمسك برفض حصول أديس أبابا على منفذ بحري»، متوقعة أن تظل تلك القضية على جدول أعمال الخارجية المصرية الفترة المقبلة حرصاً على أمنها ومصالحها.

في المقابل، تصر إثيوبيا على تصدير ذلك الملف قبيل انتخابات عامة تشهدها البلاد يونيو (حزيران) المقبل.

وعدَّ رئيس الكتلة البرلمانية للحكومة الإثيوبية، تسفاي بلجيجي، أن سعي بلاده من أجل امتلاك ميناء بحري «قضية وجودية ومصيرية»، مشيراً إلى أن إثيوبيا تواصل العمل لامتلاك ميناء بحري بالوسائل السلمية وعلى أساس المنفعة المتبادلة، حسبما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية، الأحد.

احتمالات القلاقل

وجاء ذلك بعد أيام من انتقاد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، نبيات غيتاتشو، خلال مؤتمر صحافي يوم 21 مايو الحالي، الحكومة المصرية بأنها «تحاول تطويق وعرقلة» وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية ومستدامة.

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الوصول إلى البحر الأحمر. وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو، والقاهرة، والجامعة العربية.

وقالت أسماء الحسيني: «إصرار إثيوبيا، الدولة الحبيسة، على الوصول لمنفذ بحري أمر لا يعقل. فلو أن كل دولة حبيسة أو غير مطلة على منفذ بحري فعلت ما تفعله أديس أبابا لتصاعدت الصراعات بالمنطقة»، لافتة إلى أن المساعي الإثيوبية «عدائية ومن شأنها إثارة حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني والعسكري في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر».

وشككت في حديث أديس أبابا بخصوص الوصول لهذا المنفذ بالوسائل السلمية، متوقعة أن تخوض حرباً ضد إريتريا بشأنه، وأن حديثها مجرد تمهيد لذلك.

ووفق تصريحات إثيوبية سابقة، فإن المنفذ البحري يعد بمثابة «رئة لإثيوبيا»، ولن تترك أي محفل في التأكيد على حقها به، والتحرك إليه عبر الطرق السلمية.


أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
TT

أزمات المعيشة تُطفئ فرحة العيد بمناطق سيطرة الحوثيين

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)
غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (الشرق الأوسط)

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، لا تبدو أسواق المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية كما اعتادها اليمنيون في مواسم الأعياد السابقة؛ فالأزقة التي كانت تضجّ بالحركة وشراء الملابس والأضاحي، باتت مثقلة بوجوه مُرهقة وأيادٍ خاوية، في ظل أزمة معيشية متفاقمة أرهقت ملايين السكان.

ويتحول الحديث عن العيد في العاصمة المختطفة صنعاء وريفها وبقية المدن الواقعة تحت سيطرة الحوثيين إلى عبء جديد يُضاف إلى سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي، بينما تقف آلاف الأسر عاجزة حتى عن توفير أبسط متطلبات المناسبة التي ارتبطت طويلاً بالفرح والتكافل الاجتماعي.

ويستقبل معظم اليمنيين هذا العام عيد الأضحى وسط ظروف معيشية تُوصف بأنها الأشد قسوة منذ سنوات، مع موجة غلاء غير مسبوقة بشأن أسعار الأضاحي والملابس والمواد الغذائية، بالتزامن مع استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع مصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة.

ويشكو سكان في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين لـ«الشرق الأوسط» من تدهور أوضاعهم المادية والنفسية مع اقتراب العيد، مؤكدين أن المناسبة التي كانت تمثل موسماً للفرح وصلة الرحم تحولت إلى مصدر للقلق والحسابات الصعبة.

الأسواق بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (الشرق الأوسط)

ويقف «أمين.ع»، وهو موظف حكومي انقطعت رواتبه منذ سنوات، أمام واجهة متجر لبيع الملابس والمواد الغذائية في إحدى الأسواق الشعبية بصنعاء القديمة، وهو يُقارن بين احتياجات أسرته الضرورية وما تبقى في جيبه من نصف راتب يصرفه الحوثيون كل ثلاثة أشهر، ولا يكاد يغطي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

ويقول أمين لـ«الشرق الأوسط» إنه اضطر هذا العام إلى شراء ملابس العيد لطفلين فقط من أصل خمسة أبناء، مضيفاً بصوت يملؤه الحزن: «كل شيء ارتفع سعره، حتى الأضاحي وأبسط مستلزمات العيد أصبحت فوق طاقتنا».

وأضاف: «كنا نستعد للعيد قبل أسابيع، أما اليوم فأكبر همّنا توفير الدقيق والسكر، ناهيك عن ملابس الأطفال أو الأضحية».

بدورها، تقول «أم خالد»، وهي أم لثلاثة أطفال تسكن منزلاً بالإيجار في منطقة حزيز جنوب صنعاء، إنها قررت هذا العام الاستغناء عن شراء الأضحية للمرة الثالثة على التوالي، والاكتفاء بتوفير الاحتياجات الأساسية للطعام، أملاً في تجنب الوقوع تحت أعباء ديون جديدة.

وأوضحت أن أطفالها ينتظرون العيد بفرح، لكنها تخشى مرور المناسبة دون قدرتها على شراء ملابس جديدة لهم، مؤكدة أنها تحاول إخفاء قلقها حتى لا يشعر أطفالها بالحزن.

ركود الأسواق

تعيش الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين ظروفاً معيشية متدهورة جراء استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الاقتصادية، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية والملابس والأضاحي بشكل لافت، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وانقطاع المرتبات عن آلاف الموظفين.

ويقول أحد باعة الملابس في شارع هائل بصنعاء إن حركة البيع هذا العام تُعد الأضعف منذ سنوات، مشيراً إلى أن كثيراً من المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء.

في المقابل، يؤكد تاجر ماشية لـ«الشرق الأوسط» أن ارتفاع أسعار الأعلاف والنقل انعكس بصورة مباشرة على أسعار الأضاحي، ما دفع كثيراً من الأسر إلى العزوف عن الشراء أو الاتجاه إلى الاشتراك في أضحية واحدة بين أكثر من عائلة.

يمني تخرج في الجامعة يعمل ببيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة الاقتصادية وانقطاع الرواتب وارتفاع معدلات البطالة دفعت كثيراً من الأسر اليمنية إلى تقليص نفقات العيد إلى الحد الأدنى، والتركيز فقط على الاحتياجات الأساسية.

وأشاروا إلى أن الأعباء التي تثقل كاهل المواطنين لم تعد تقتصر على ارتفاع الأسعار وانقطاع الرواتب، بل امتدت إلى فقدان كثير من الأسر قدرتها على الحفاظ على الحد الأدنى من مظاهر العيد التي اعتادها اليمنيون لعقود.

تفاقم سوء التغذية

على وقع ذلك، حذّرت تقارير أممية ومنظمات دولية من استمرار التدهور الغذائي في اليمن، مع تسجيل معدلات مرتفعة لسوء التغذية بين الأطفال، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وقالت منظمة «أطباء بلا حدود» إن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم في محافظة عمران ارتفع خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، مؤكدة استقبال 599 حالة في مستشفى السلام بمديرية خمر بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) 2026، بزيادة بلغت 48 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

الحوثيون متهمون بتوسيع دائرة المجاعة بمناطق سيطرتهم (الشرق الأوسط)

ووفق بيانات الأمم المتحدة، يعاني نحو 2.2 مليون طفل يمني دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يواجهون سوء تغذية حاداً ووخيماً يهدد حياتهم.

كما أشار برنامج الغذاء العالمي إلى أن معدلات الفقر الغذائي بين الأطفال بلغت 56 في المائة في مناطق سيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في حال غياب المعالجات الاقتصادية والإنسانية العاجلة.