وليد الصراف: قصائد الغزل تخرج من الحزن العراقي كوردة من خراب

قال إن اللغة الفصحى حين تحضر قاعة الشعر تشطب على جميع الهويات الأخرى

الشاعر العراقي وليد الصراف
الشاعر العراقي وليد الصراف
TT

وليد الصراف: قصائد الغزل تخرج من الحزن العراقي كوردة من خراب

الشاعر العراقي وليد الصراف
الشاعر العراقي وليد الصراف

يشارك الشاعر العراقي د. وليد الصراف، في الأمسيات الشعرية التي يحفل بها برنامج معرض الرياض الدولي للكتاب. وهو أحد المبدعين الذين جمعوا بين الشعر والقصة والرواية والمقالة. والصراف من مواليد الموصل (1964)، وله مجموعة من الدواوين الشعرية والأعمال الروائية والقصصية، من بينها «رسالة من قابيل» (شعر)، و«قصص للنسيان» (مجموعة قصصية)، وغيرهما.
التقينا بالشاعر وليد الصراف، على هامش مشاركته في معرض الرياض الدولي للكتاب، وكان الحوار التالي:

> كيف وجدت احتفاء الجمهور السعودي بالحضور العراقي... في معرض الرياض الدولي للكتاب؟
- حضور رائع كان فيه نخبة من الشعراء والنقاد والممثلين والموسيقيين. وجدنا الترحيب من الجميع بدءاً من القائمين على المعرض انتهاء بأبسط الناس. أقول لهذا الجمهور: أنتم اطيب الناس وأنبلهم وأصدقهم عروبة، وقد أخجلنا كرمكم وحفاوتكم.
> كيف وجدت استجابة الجمهور للشعر خصوصاً؟
- حين تحضر اللغة الفصحى قاعةَ الشعر؛ فإنها تشطب على جميع الهويات الأخرى، فلا عراقي ولا سعودي ولا شامي ولا مغربي. وحين تقول «قفا نبكِ» فإنك توّحد الجالسين في القاعة، وتجعل منهم كائناً واحداً عمره أربعة عشر قرناً، له خصوصيته في الحنين، ونسبة ملوحة دمعته، وطريقة انفعاله. يأتي الشاعر ليقود هذا الجمهور إلى منطقة سامية من الشعور الإنساني.

القصيدة سمكة

> أصدرت عدداً من الدواوين، وكتبت في مختلف الأجناس الشعرية، لكنك تقول إنك متمسك بالعَروض الخليلي وإنك «لا تعرف وجوداً للقصيدة خارج العروض، فالقصيدة سمكة إذا خرجت من البحر الشعري ماتت»... ألا يعد هذا الرأي تقييداً لحركة الشاعر في قوالب محددة؟
- العَروض ليس قالباً، إنه جناحان. انثر شعر المتنبي، انثر شعر القباني، ماذا يتبقى منه؟ بالوزن تطير هذه المعاني وتحلّق، وتحط في القلوب، وتبني أعشاشها في الذاكرة. وعندما أقول العروض فإنني أعني شعر التفعيلة أيضاً، وغالباً ما قلت إن السياب ضرب عصاه فانشق البحر السابع عشر الذي أعني به قصيدة التفعيلة. الماغوط استطاع أن يصطاد غزالة الشعر من منطقة خارج حدود الخليل، ولكننا لا يمكن أن نحل الماغوط محل الخليل، فالقاعدة هي الوزن. وإذا كان لكل قاعدة شواذ، فإنك لا يمكن أن تضع الشواذ محل القاعدة، فتشطب على الوزن وتشيع النثر. نعم كان الماغوط استثناء من القاعدة، ولكننا لا نستطيع أن نحل هذا الاستثناء محل القاعدة. لا نستطيع أن نشطب على القانون ونشيع اللاقانون فيدخل الآلاف ممن آذانهم لا تعي الوزن ليصبحوا شعراء.
> ماذا تعني لك الحداثة الشعرية؟ فأنت تقول إن «التجديـد يجــب ألا يكون شغلنا الشـاغل والأهـم هـو التـأثير والتوصـيل»...
- لعلك ذهبت إلى موضع لم يذهب إليه قصدي، أنا متطرف للتجديد ولكن التجديد لا يستطيعه إلا من أتقن القديم إلى حد الملل، خذ أبا نواس؛ إنه يتمرد على الأطلال ويسخر منها وهو أثبت الواقفين على الأطلال وأغزرهم دموعاً، اقرأ قصيدته «يا دار ما فعلت بك الأيام» وقصيدته «يا ابنة الشيخ اصبحينا». التجديد لا يأتي بقرار وتخطيط، والحبلى لا تعي ما يدور في بطنها، وإذا شغلت نفسها بالآليات التي تدور ستجهض. والحديث يطول...

بين الشعر والسرد

> كتبت عدداً من الأعمال القصصية بعضها حقق جوائز محلية وعربية، كما كتبت الرواية، وأدب الطفل، ماذا تعني لك ممارسة هذه الأصناف الأدبية؟ هل تجد أنها تمنحك فضاء إضافياً؟
- أحياناً أضيق بالبيت الخليلي فأخرج لأتمشى في زقاق السرد، أو في براري المقال، أو أي أرض أحسّ أنني بحاجة لأن اكتشفها، ثم أعود إلى البيت الخليلي لأقيم فيه. وكنت كثير الخروج منه ولكن د. علي جواد الطاهر أكبر نقادنا كتب: «ونراه يكتب القصة والمسرحية والمقالة فنخشى عليه أن ينزلق إلى واحدة من هذه التي قد يجيد فيها، ولكنها ليست المطلوبة منه، المطلوب هو الشعر ويشاركنا في الخشية من يهمهم ظهور الشاعر، الشاعر بعد أن أقفرت الديار»، فاقتنعت بما قال هذا الناقد الكبير ولزمت البيت الخليلي.
> حين نقرأ قصائدك لا نجد أنها مغموسة بالحزن والألم كطبيعة الشعر العراقي، هي تمر عليه لكنها تسير نحو الغزل...
- لا أرى ذلك، بل أرى أن قصائد الغزل نفسها طالعة من الحزن العراقي كوردة من خراب.

الموصل ستقوم

> أنت ابن الموصل التي يصفها عبد الرزاق عبد الواحد بأنها «ليست مدينة أدب بل مدينة علم»، وأنت جمعت بين العلم كطبيب والأدب... حدثنا عن الموصل كشاعر يقف على أطلال مدينة مزقتها الحرب...
- الموصل الجميلة التي ريقها دجلة ونبرة صوتها خرير دجلة وابتسامتها البيوت المطلة على ضفافه، الموصل الطاغية الجمال التي إذا رفع الفجر خمار الليل عن وجهها تكبّر المآذن إعجاباً... الموصل الحسناء التي يتنفس الورد الجوري والياسمين والنرجس والبيبون من مسامات جلدها، الموصل التي لا تعرف لها عمراً فإذا نظرت إلى تجاعيد سورها قلت إن عمرها ألوف السنين، وإذا أصغيت إلى وردة تتفتح الآن قلت إنها لم تولد بعد. وكل وردة تتفتح يرد دجلة في اسمها الثلاثي: إياكم أن تصدقوا البنايات المهدمة والزجاج المتشظي والمرمر المكسور، إياكم أن تصدّقوا عيون الكاميرات، الموصل ليست هناك، الموصل في نبض قلوبنا، خذ شارع النجفي مثلاً، هذا الشارع المفتوح على أزقة، وعلى سوق للصاغة، حيث الذهب، هذا الشارع مفتوح على ما هو أغلى من الذهب، مفتوح على ذكرياتنا في الطفولة، فيه طريق سرية مفتوحة على ضمائرنا بيضاء كما خلقها الله ترتسم فيها براءة الأطفال الذين كنّاهم. مشينا فيه أطفالاً ومشينا كهولاً يصحبنا أطفالنا، مشينا فيه فرادى ومشينا بصحبة أصدقائنا، مشينا فيه ونحن فرحون ومشينا والحزن يسكننا، في آب اللهاب مشينا فيه وفي برد كانون، وهذا كله ليس بمقدور حرب أن تزيله، لا توجد قوة في الأرض أقوى من ذاكرة تستعيد وقلب يخفق، إذا أردت أن تمحو زماناً فاهدم المكان الذي دار فيه هذا الزمان، وهذا لن يكون... لأن الموصل لم تنهدم وإنما لجأت إلى ملجأ آمن هو ذاكرتنا، وستقوم وتغسل وجهها في دجلة وتعود أبهى مما كان، فالتاريخ ينتظرها على مائدة الإفطار، الموصل لم تتهدم، الموصل فينا.
> هل يمكن للشعر أن يرمم كل تلك الخرائب التي سببتها السياسة؟
- الشعر صوت المدن المنكوبة. لو كانت المدينة امرأة لكانت حنجرتها الشعر. أما لغة الإعلام أو السياسة فهي مجرد إيماءات ولغة جسد. ما زالت أجساد بعض الموصليين تحت الأنقاض. الإعلام يرينا الأنقاض والشعر يُسمعنا صوت الناس الذين هم تحت الأنقاض، ويسلط الضوء على المناطق السرية من القلوب، ويفتح الكاميرا على ما يدور في الضمائر الآن لأزمان مقبلة. اللحظة المعني بها الإعلام هي مجرد اهتزاز لعقرب الثواني، ولكن لحظة الشعر عميقة مفتوحة على آلاف السنين، والموصل حسب الشعر ليست النائحة المفجوعة الثكول، بل العنقاء:
تحت هذي الأنقاض طفل يَهمُّ
بارتضاعٍ تدني له الثديَ أمُّ
جدةٌ تبدأ الحكاية ليلاً
لحفيد ينام قبل تتم
وورود بيضٌ تفتّحن توّاً
وأريجٌ عن الورود ينمّ
وقلوبٌ خلف الأضالع تصغي
لعيونٍ ترنو وأنف يشمُّ
نائمٌ كان في الصباح سيصحو
يتراءى له من الغيب حلم
أهلك القصف حلمه حين دوّى
مخطئاً نومَهُ فطال النوم
تحت هذي الأنقاض صحبٌ تراضوا
لم يفرّقهمُ على العِرق خصم
صورةٌ أُطّرت لجدّ وخفٌّ
لصغيٍر ودميةٌ تستحم
وأخٌ غاضب وأختٌ تنادي
لعشاءٍ أباً، وخالٌ وعم
من سنين يستنجدون صراخاً
بيد أن المارّين في الدرب صُمُّ
> يصفك عبد الرزاق عبد الواحد بالقول: «وليد الصراف من أخطر الشعراء العرب»، ماذا يعني لك هذا الكلام، وقول الناقد الراحل د. علي جواد الطاهر «سر يا وليد كما أنت وفي الذي قدمته ما يغرينا بالأمل ولا يغرك فيه الثناء»؟
- لا يعني شيئاً أن يقول ناقد لا تتحسس أذنه الوزن في حق شاعر كلمة، ولكن د. علي جواد الطاهر العظيم الذي إذا أخطأ شاعر في الوزن يصحح له هو أمر آخر، لقد وعى الآداب العالمية، فأنا إن كنت أفخر بشيء فإنني أفخر بأنه كتب عني مرتين، وشهادة الكبير عبد الرزاق عبد الواحد هي وسام من معدن يحسده في سرّه الذهب.
مرة في مسابقة اختيار شاعر الشباب الأول في العراق وكنت دون الثلاثين قال للتلفزيون: «أنا اليوم لا أقف أمام وليد الصراف»، لو سمعها أي شاعر شاب لاغتر وأصيب بالسكتة الإبداعية، ولكنني بمجرد أن عدت إلى الفندق قلت إنه سمع مني قصيدة لم يتوقع أن يسمعها من شاعر شاب فانفعل وبالغ فيما يقول وغمرني بفضل وكرم لا أستحقهما، ولو أعاد قراءة قصيدتي لاكتشف عيوبها كلها، وعدت إلى طبيعتي حيث أرى في نفسي العميقة أنني لست شاعراً بين قصيدة وأخرى، وما زلت أحسّ صادقاً أنني في بداياتي بعد أكثر من ربع قرن، وظل الغرور لفظاً أسمعه ولا أعرف معناه.
> ما رأيك بالمسابقات الشعرية، خصوصاً أن لك تجربة في مسابقة «أمير الشعراء»؟
- لكل زمن وسيلته للتعريف بالشعراء. في العصر الأموي والعباسي مثلاً وفي القرن العشرين، كان الاقتراب من السلطة هو ما يشيع قصائد الشعراء في الخمسينات، كانت مجلة كـ«الآداب البيروتية» هي التي تلعب هذا الدور وحناجر المطربين مثلاً. وفي زمننا أصبحت المسابقات هي الشرفة التي يطل منها الشاعر على الناس. نحن جيل المسابقات بامتياز، فالمسابقات تتيح للسان شاعر أن يخاطب ملايين الآذان في مشارق الأرض ومغاربها.
ربما أطلقت المسابقات أسماء لا علاقة لها بالشعر، ولكنها أيضاً وصلت بين شعراء حقيقيين وجمهور عريض وأخرجت الشعر من زنزانته وأطلقته في العالم الواسع.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.