ظاهرة رونالدو... كيف حطم لاعب واحد كل الأرقام القياسية؟

عودة اللاعب إلى مانشستر يونايتد تبدو كأنها بيان قوة من رجل كان شعاره دائماً التفاني والإصرار

هل عادت أيام مانشستر يونايتد الرائعة مع رونالدو؟ (غيتي)
هل عادت أيام مانشستر يونايتد الرائعة مع رونالدو؟ (غيتي)
TT

ظاهرة رونالدو... كيف حطم لاعب واحد كل الأرقام القياسية؟

هل عادت أيام مانشستر يونايتد الرائعة مع رونالدو؟ (غيتي)
هل عادت أيام مانشستر يونايتد الرائعة مع رونالدو؟ (غيتي)

في أعقاب عودة النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو المفاجئة إلى مانشستر يونايتد الأسبوع الماضي، كان هناك قدر كبير من التكهنات بشأن ما إذا كان سيستعيد، أم لا، القميص الشهير رقم 7 الذي ارتداه عدد كبير من أساطير النادي عبر التاريخ، مثل جورج بيست وبريان روبسون وإريك كانتونا، والذي يشكل الآن جزءاً أساسياً من علامته التجارية الشخصية «CR7»، في إشارة إلى أول حرفين من اسمه ورقم القميص الذي يرتديه.
لكن في الحقيقة كان الأمر يتجاوز مجرد الحنين إلى الماضي، حيث كان القميص رقم 7 يرتديه بالفعل المهاجم إدينسون كافاني، وبموجب قواعد الدوري الإنجليزي الممتاز، كان يتعين على كافاني اللعب بالرقم نفسه هذا الموسم. ومع ذلك، عندما تكون بشهرة وحجم رونالدو، يتضح أن هناك حداً يمكنك من خلاله وضع القواعد الخاصة بك! وعندما ترى شيئاً تريده، لا تشغل بالك كثيراً بالتفاصيل الدقيقة والحدود المفروضة، وكل ما يتعين عليك القيام به هو أن تتعامل مع الأمور بكل حزم وثقة كما تفعل دائماً.
لقد كان هناك شكل من أشكال القسوة المذهلة في الطريقة التي استعاد بها رونالدو وبكل بساطة القميص رقم 7 في مانشستر يونايتد في غضون ساعات قليلة، حيث تم التغلب على كل العقبات، وتخفيف القواعد الضرورية، واتخاذ الترتيبات اللازمة، فتم بيع دانيال جيمس إلى ليدز يونايتد، وإقناع كافاني بالتخلي عن القميص رقم 7 وارتداء القميص رقم 21 الذي كان يرتديه جيمس، وهو القميص الذي ارتداه أساطير أيضاً في تاريخ مانشستر يونايتد، مثل هينينغ بيرج، ودييغو فورلان ودونغ فانغزهو!
لقد حصل الجميع، ربما باستثناء كافاني، على ما يريدونه. وفي أول يوم طُرح فيه القميص رقم 7 لرونالدو للبيع، كسرت مبيعات القميص الرقم القياسي اليومي لأعلى مبيعات القمصان في تاريخ النادي. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، حظي منشور الإعلان عن انتقال رونالدو إلى مانشستر يونايتد بـ13 مليون إعجاب على «إنستغرام»، كما أن انتقال رونالدو إلى مانشستر يونايتد قد تفوق على انتقال النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي إلى باريس سان جيرمان بـ700 ألف تغريدة على «تويتر». في الحقيقة، يتماشى هذا تماماً مع طبيعة ما يمكن أن نطلق عليه اسم «ظاهرة رونالدو» بشكل عام، حيث نجح هذا اللاعب في تحطيم كل الأرقام القياسية. هذا لا يعني أن الأمر كله متعلق بالأرقام والإحصائيات، وأن رونالدو لا يلهب حماس ومشاعر الجماهير التي تعشقه في كل مكان، لكن الغريب أن هذا اللاعب نجح في الاستحواذ على كل الأرقام تقريباً في هذه الرياضة الجماعية.
وإذا تعمقنا في الحياة الصاخبة للإنترنت، على مواقع مثل «ريديت» و«4تشان» ومنتديات اللياقة البدنية للرجال، سنجد أن ما يجسده وما يمثله رونالدو أكبر بكثير من مجرد تسجيل الأهداف والفوز بالبطولات والألقاب. فبالنسبة إلى قطاع عريض من الذكور الشباب الساخطين الذين يبدو أنه يستمد منهم جوهر قاعدته الجماهيرية، يمثل رونالدو نوعاً من الذكورة المطلقة: التبرير، والانتقام، والفخر، والقوة البدنية، والقدرة على سحق الأعداء. وبالتالي يرى هؤلاء أنه عندما يفوز رونالدو، فإن أي شخص آخر - بما في ذلك المهووسون بميسي - يخسر.
قد تكون هذه هي الطبيعة الوقحة للموهووسين بالمشاهير على شبكة الإنترنت، لكن الحقيقة هي أن رونالدو قد تمكن - أكثر من أي لاعب كرة قدم في تاريخ اللعبة - من بناء وتغذية هذا الشكل من أشكال التفاني الفردي حول نفسه. وعلى النقيض من ذلك، عندما نشاهد ميسي في كثير من الإعلانات فإنه دائماً ما يكون ضمن بيئة اجتماعية أكبر، فيمكن أن تراه وهو يصعد على متن طائرة ويبدأ في ركل الكرة، أو يظهر في محطة بنزين ويبدأ في ركل علبة من المشروبات الغازية، أو يظهر في حفل اجتماعي وهو يأكل رقائق البطاطس.
لكن رونالدو لا يظهر سوى بمفرده فقط في كل الإعلانات، فيظهر على خلفية مظلمة حاملاً زجاجة شامبو، أو يظهر وحده في قصره الفارغ محاطاً بالنباتات الشائكة والحلي الذهبية. وحتى لو ظهر شخص آخر في الإعلان بجوار رونالدو فإن هذا الشخص يكون دائماً امرأة تشعر بإعجاب شديد تجاه النجم البرتغالي بسبب وسامته ورائحته الجذابة وقدرته على القيام بأشياء استثنائية! في الحقيقة، هناك وجهة نظر يتم تقديمها بشكل غريب في هذه الإعلانات: نظرة تتجاوز النرجسية البسيطة وتعيد تخيل الذات على أنها آلة يتم صقلها وتحسينها باستمرار. من المؤكد أن رونالدو شخص أكثر تعقيداً مما يعتقد الجمهور العادي. إن الطريقة التي أخرج بها نفسه من نشأته الفقيرة في ماديرا من خلال الطموح الواضح وأخلاقيات العمل الخارقة لا تزال تقدم مصدر إلهام حقيقي للكثيرين. ومع ذلك، هناك أوقات ليس من الواضح فيها تماماً أين ينتهي رونالدو الرجل العادي، وأين يبدأ رونالدو الأسطورة!
في عام 2018، اتُهم رونالدو علناً باغتصاب كاثرين مايورغا، وهي معلمة سابقة قالت لمجلة «دير شبيغل» الألمانية إن رونالدو اغتصبها في غرفة فندق بلاس فيغاس في عام 2009 (في عام 2019، خلصت الشرطة إلى أنه لا يمكن توجيه تهم جنائية لأنه لا يمكن «إثبات الاتهام بما لا يدع مجالاً للشك»). ودائماً ما ينفي رونالدو أنه اغتصب مايورغا، واصفاً تلك الادعاءات بأنها «لا أساس لها من الصحة». في غضون ذلك، حشد كل من حوله على الفور استراتيجية مضادة. ففي الأسابيع التي تلت نشر مجلة «دير شبيغل» لهذه القضية، نشرت والدة رونالدو وأخته صورة لرونالدو مرتدياً رداء سوبرمان، وحثتا معجبيه على فعل الشيء نفسه. ووصف محامو رونالدو الاتهامات بأنها «شائنة»، وبأنها محاولة «لتدمير سمعة بُنيت بفضل العمل الجاد والقدرة الرياضية الفائقة والتصحيح السلوكي». وحتى يومنا هذا، لا تزال مايورغا تتعرض لهجمات شخصية شرسة معادية للمرأة على وسائل التواصل الاجتماعي.
بالطبع، لا يمكن أن يتحمل رونالدو مسؤولية الإساءات التي ينشرها الآلاف من محبيه، لكن من الواضح أن ما يقدمه رونالدو داخل ملاعب كرة القدم قد جذب إليه شريحة معينة من الشباب الغاضب، الذي يبدو أنه لا يحب رونالدو بسبب ما يقدمه داخل المستطيل الأخضر فحسب، ولكن بسبب تصرفاته الشخصية وما يقوم به خارج الملعب. وبينما رحل ميسي عن برشلونة والدموع تملأ عينيه ليبدأ رحلة جديدة مع باريس سان جيرمان، عاد رونالدو إلى مانشستر يونايتد في صورة المنتصر الذي يتحكم في مصيره، كأنه يُسخر جاذبية كرة القدم لإرادته مرة أخرى. وهذا هو السبب في سرعة وصوله وطريقة وصوله إلى مانشستر يونايتد - والتغطية الهائلة التي صاحبت وصوله - كأنه يعلن للجميع أنه قد تفوق على ميسي وعلى مانشستر سيتي وعلى كافاني في ضربة واحدة.
لكن بطبيعة الحال سيكون هناك كارهون ومشككون في قدرات رونالدو وسيقولون إنه لا يقوم بواجبه الدفاعي كما ينبغي ولا يضغط على لاعبي الفريق المنافس، وإن مستواه قد تراجع بفعل تقدمه في السن، وإن مانشستر يونايتد لا يزال بحاجة إلى تدعيم خط وسطه حتى يتمكن من المنافسة على البطولات والألقاب. من الواضح أن المعركة أبدية، وهناك دائماً أعداء جدد يجب التغلب عليهم وطرق جديدة لهزيمتهم. ورغم تألق رونالدو في مباراته الأولى بعد العودة إلى ملعب «أولد ترافورد» وتسجيله هدفين وقيادة مانشستر يونايتد للفوز على نيوكاسل بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد يوم السبت الماضي، لا تزال شروط النجاح غير واضحة. ومن المؤكد أن حالة الجدل هذه ستستمر ولن تتوقف حتى يتمكن مانشستر يونايتد من الحصول على أول بطولة كبرى بعد غياب طويل. لكن في النهاية، لا يمكننا أن نشكك أو نقلل من الأرقام القياسية الهائلة التي حققها النجم البرتغالي.



هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟
TT

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

هل يعيد إندريك كتابة التاريخ على الأراضي الأميركية بعباءة رونالدو؟

تتجه أنظار عشاق الساحرة المستديرة يوم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، ليس لمتابعة القمة المونديالية المرتقبة بين البرازيل والمغرب فحسب، بل لرصد ولادة شرارة النجومية الحقيقية لفتى السامبا الذهبي إندريك.

ومع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، عاد إلى الأذهان شريط ذكريات مونديال 1994 على الأراضي الأميركية ذاتها، عندما حطّ الفتى النحيل رونالدو نازاريو رحاله كبديل واعد، قبل أن يُصبح المهاجم الأسطوري الأكثر رعباً في تاريخ اللعبة.

اليوم، يجد إندريك نفسه تحت المجهر ذاته، يحمل إرث القميص الأصفر الثقيل وآمال أمة لا ترضى بغير الذهب، وسط تساؤلات ملحة: هل يملك الشاب الموهوب مقومات إعادة زمن «الظاهرة» الجميل؟

إندريك تحت مجهر «المستر»: صناعة البطل بأسلوب أنشيلوتي

لا يمكن فصل الانفجار الكروي المنتظر لإندريك عن وجود المحنك الإيطالي كارلو أنشيلوتي على رأس القيادة الفنية للسيليساو. أنشيلوتي، الذي يشتهر بقدرته الفائقة على ترويض المواهب الشابة وتحويلها إلى قوى ضاربة دون حرق المراحل، يمثل الأب الروحي المثالي لإندريك في هذه المرحلة الحرجة. الفيلسوف الإيطالي يعلم جيداً حجم الضغوطات الإعلامية التي تقارن الفتى برونالدو أو بيليه، لذلك ينتهج معه سياسة «الهدوء الذكي»، مانحاً إياه مساحات حرة للتعبير عن غريزته التهديفية الفطرية دون قيود تكتيكية صارمة قد تكبل موهبته.

يرتكز رهان أنشيلوتي على عقلية إندريك الانضباطية ونضجه المبكر الذي أظهره في فترات الحسم، إذ يرى فيه المهاجم العصري المتكامل القادر على التحرك بين الخطوط، والربط مع أجنحة مرعبة مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا. ومع غياب نيمار جونيور عن التشكيل الأساسي في ضربة البداية، تتهيأ المساحة تماماً أمام إندريك ليكون الورقة الرابحة والوجه الجديد للهجوم البرازيلي.

بين عمر الفتى وذكريات «الظاهرة»

يخوض إندريك غمار مونديال 2026 وهو في سن التاسعة عشرة (ولد في 21 يوليو / تموز 2006)، ليُعيد إلى الأذهان شريط ذكريات الأسطورة رونالدو «الظاهرة» الذي وطئت قدماه الملاعب الأميركية في مونديال 1994 وهو ابن 17 ربيعاً فقط. ومع ذلك، تفترق المقارنة الفنية عند عتبة المشاركة الفعلية، فرونالدو تُوّج باللقب العالمي آنذاك دون أن يطأ المستطيل الأخضر لدقيقة واحدة في ظل سطوة الثنائي روماريو وبيبيتو، بينما يدخل إندريك البطولة الحالية كركيزة أساسية مرتقبة وورقة هجومية حاسمة يعول عليها كارلو أنشيلوتي لكسر التكتلات الدفاعية.

التوهج الأوروبي: أرقام الموهبة في الملاعب الفرنسية

رغم أن ملكيته الأصلية تعود لعملاق إسبانيا ريال مدريد، فإن إندريك صقل موهبته هذا الموسم عبر بوابة الإعارة مع نادي أولمبيك ليون الفرنسي منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث بصم على أرقام لافتة تعكس جاهزيته للمونديال، إذ خاض 16 مباراة، نجح خلالها في تسجيل 5 أهداف وصناعة 7 أهداف أخرى (إجمالي 12 مساهمة) في الدوري الفرنسي. لتكون الحصيلة الإجمالية 8 أهداف و8 تمريرات حاسمة في جميع المسابقات بعد تدوينه لهدفين في كأس فرنسا وهدف في الدوري الأوروبي، وكان أبرزها زيارته لشباك باريس سان جيرمان وثنائيته التاريخية الأولى في أوروبا.

ميزان الخصائص: هل يتطابق الفتى مع «الظاهرة» الأصلي؟

حين نضع الخصائص الفنية والظروف التاريخية للنجمين في ميزان المقارنة، نجد تبايناً مثيراً يرسم معالم «الظاهرة الجديدة»، فرغم أن رونالدو نازاريو استُدعي لمونديال 1994 بعمر 17 عاماً فقط حين كان لاعباً في كروزيرو البرازيلي، فإنه ظل حبيساً لدكة البدلاء طوال البطولة دون أن يشارك في أي دقيقة. في المقابل، يدخل إندريك مونديال 2026 وهو في سن 19 عاماً متسلحاً بخبرة الملاعب الأوروبية مع أولمبيك ليون الفرنسي (معاراً من ريال مدريد)، كركيزة أساسية ينتظرها دور محوري. وتكتيكياً، تميز رونالدو الأصلي بالسرعة الانفجارية الخارقة والمراوغة في المساحات الضيقة مع إنهاء أسطوري بالقدمين مستنداً إلى ثقة مطلقة وهدوء بارد أمام المرمى منذ صغره، بينما يمتاز إندريك بالقوة البدنية الهائلة، ودقة التسديد بعيد المدى، والذكاء الحاد في التموقع، مدفوعاً بنضج عائلي كبير وشغف جارف لإثبات ذاته وكتابة مجده الخاص.

طريق الخلود الكروي: شباك «الأسود» بوابته الأولى

إن كتابة الاسم بأحرف من ذهب في تاريخ الكرة البرازيلية تبدأ من ترويض المواعيد الكبرى، وسيكون الدفاع المغربي الحديدي غداً هو الاختبار الحقيقي الأول لإندريك. يدرك المهاجم الشاب أن مواجهة منظومة دفاعية قائدها أشرف حكيمي، ويحرسها ياسين بونو، تتطلب ما هو أكثر من مجرد المهارة، تتطلب دهاءً وحسماً من نصف فرصة. إذا نجح إندريك في فك الشفرة المغربية وقيادة السامبا لمنصات التتويج في هذا المونديال، فلن يكون مجرد «رونالدو جديد»، بل سيصنع سلالته الخاصة كظاهرة كروية خالدة تنطلق من أميركا لتسيطر على العقد المقبل.


صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»
TT

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

صراع العقول بنيوجيرسي... وهبي يقود «الأسود» لتثبيت الهوية وأنشيلوتي لمجد «السيليساو»

تتجه أنظار الملايين من عشاق كرة القدم السبت 13 يونيو (حزيران) 2026 صوب ملعب ميتلايف في نيوجيرسي، الذي يحتضن قمة نارية مبكرة في دور المجموعات (المجموعة الثالثة) لمونديال 2026 بين المنتخبين المغربي والبرازيلي. لا تمثل هذه المواجهة صراعاً بين النجوم داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل هي معركة تكتيكية معقدة على مقاعد البدلاء تجمع بين مدرستين وفلسفتين متباعدتين يقودهما المغربي البلجيكي محمد وهبي والإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي.

أنشيلوتي وعباءة «التاريخ»: رحلة البحث عن سداسية السامبا

يمر أنشيلوتي بلحظة تاريخية فارقة، إذ يُعد أول مدرب أجنبي يقود منتخب البرازيل في نهائيات كأس العالم. منذ توليه القيادة في مايو (أيار) 2025 بعد مسيرة أسطورية مع نادي ريال مدريد الإسباني، نجح «المستر» في إعادة الهدوء والاستقرار إلى غرف ملابس «السيليساو» بعد فترة اضطرابات فنية طويلة.

الإيطالي كارلو أنشيلوتي مدرب منتخب البرازيل (أ.ب)

فلسفة أنشيلوتي لا تعتمد على التعقيد، بل على «إدارة المشاعر» ومنح النجوم الحرية المطلقة لإبراز مواهبهم الفطرية، وهو ما يفسر اعتماده على ترسانة هجومية ضاربة قوامها فينيسيوس جونيور ورافينيا ورودريغو. ورغم افتقاد التشكيلة للعمق في مراكز الأظهرة، وغياب نيمار جونيور عن المواجهة الافتتاحية بداعي الإصابة، لكن خبرة أنشيلوتي العريضة في المواعيد الكبرى تمنح البرازيل ثقلاً تكتيكياً قادراً على تفكيك أعقد الدفاعات.

وهبي وهندسة البناء: إرث «الركراكي» وطموح جيل جديد

 

على الطرف الآخر يدخل المدير الفني للمنتخب المغربي محمد وهبي اللقاء تحت مجهر النقاد، بعد تسلمه المهمة في مارس (آذار) الماضي خلفاً لمهندس الإنجاز التاريخي في قطر وليد الركراكي.
وهبي، الذي بنى سمعته الأكاديمية وصنع ربيعه التدريبي في أروقة الفئات السنية لنادي أندرلخت البلجيكي قبل قيادة شباب المغرب للقب العالمي، يجد نفسه أمام الاختبار الأقوى في مسيرته الاحترافية الأولى مع المنتخبات الأولى.

محمد وهبي (أ.ف.ب)

يرتكز أسلوب وهبي على التوازن والواقعية الصارمة، فهو يسعى للحفاظ على الهوية الدفاعية الصلبة التي جعلت من «أسود الأطلس» رابع العالم في قطر، مع محاولة ضخ مرونة هجومية أسرع مستغلاً تحركات إبراهيم دياز ومهارات عز الدين أوناحي.

ورغم الهزات والغيابات المقلقة التي ضربت معسكره مؤخراً بإصابة نايف أكرد وعبد الصمد الزلزولي، يعتمد وهبي على اللعب الجماعي المنظم وروح التحدي لإثبات أن الكرة المغربية قادرة على تكرار التفوق، بعد أن هزم المغرب البرازيل ودياً في طنجة شمال المملكة عام 2023 بنتيجة 2 - 1.

التفوق الأقوى وطريق التتويج: لمن تبتسم الأرض؟

 

المواجهة ستكون صراعاً علنياً بين التفوق الهجومي البرازيلي الكاسح والتنظيم الدفاعي المغربي المستميت تكمن قوة البرازيل الأكبر في الحلول الفردية الخارقة في الثلث الأخير، بينما يراهن المغرب على حرمان الخصم من المساحات وتكثيف العمق الدفاعي أمام الحارس ياسين بونو.

الفائز في هذه المعركة لن يضمن فقط صدارة المجموعة الثالثة لتفادي مواجهات معقدة مبكرة ضد قوى مثل فرنسا أو إسبانيا في الأدوار الإقصائية، بل سيرسل إشارة قوية ومباشرة للمنافسين على لقب المونديال. هل ينجح دهاء أنشيلوتي في فك الشفرة المغربية، أم يكتب وهبي فصلاً جديداً من فصول العقدة الأفريقية للسامبا؟ الإجابة ستكتبها أقدام اللاعبين على عشب ميتلايف.

Your Premium trial has ended


«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»
TT

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

«السيليساو» و«أسود الأطلس» في فصل جديد... 3 مواجهات سابقة وصدام مرتقب في «مونديال 2026»

عندما يلتقي المنتخبان المغربي والبرازيلي في كأس العالم 2026، فإن المواجهة لن تكون مجرد مباراة في دور المجموعات، بل ستكون امتداداً لمسار كروي بدأ قبل نحو ثلاثة عقود. فمنذ اللقاء الودي الأول عام 1997 وحتى الصدام المرتقب في المونديال، شهدت كرة القدم المغربية تحولات عميقة نقلتها من موقع الباحث عن إثبات الذات إلى دائرة المنافسة مع كبار اللعبة. وفي المقابل، ظلت البرازيل حاضرة بصفتها المرجع التاريخي لكرة القدم العالمية، بما تملكه من إرث ثقيل وخبرة تراكمت عبر أجيال متعاقبة من النجوم.

البرازيل تدخل البطولة وهي تحمل إرث خمسة ألقاب عالمية وسمعة المنتخب الأكثر تأثيراً في اللعبة، في حين يصل المغرب بصفته صاحب أكبر إنجاز عربي وأفريقي في تاريخ كأس العالم بعد بلوغه نصف نهائي نسخة «قطر 2022».

وإذا كانت المواجهات السابقة تميل تاريخياً لصالح البرازيل، فإن الفارق الذي كان شاسعاً في التسعينات تقلص بصورة لافتة مع تطور المشروع الكروي المغربي، وهو ما يجعل مواجهة 2026 الأكثر توازناً بين المنتخبين منذ أول لقاء جمعهما قبل 29 عاماً.

بيليم 1997... عندما واجه المغرب أبطال العالم القادمين

في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) 1997، حل المنتخب المغربي ضيفاً على البرازيل في مدينة بيليم ضمن استعدادات المنتخبين لكأس العالم 1998.

كان المغرب بقيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال يعتمد على جيل ذهبي يضم الحارس مصطفى الشاذلي، والمدافع نور الدين النيبت، وصانع الألعاب مصطفى حجي، والمهاجم صلاح الدين بصير، وهي الأسماء التي ستصنع لاحقاً واحداً من أفضل المنتخبات المغربية في تاريخ كأس العالم.

في المقابل كانت البرازيل بقيادة المدرب الأسطوري ماريو زاغالو تعج بالنجوم. ضمت التشكيلة أسماء مثل رونالدو، أفضل لاعب في العالم آنذاك، وروماريو، ودينيلسون، وكافو، وروبرتو كارلوس، ودونغا.

صمد المغرب طويلاً أمام الضغط البرازيلي، قبل أن يظهر دينيلسون في الدقائق الأخيرة مسجلاً هدفي الفوز. ورغم الخسارة، خرج المتابعون بانطباع إيجابي عن المنتخب المغربي الذي نجح في مجاراة أحد أقوى منتخبات العالم لأكثر من ثمانين دقيقة.

فرنسا 1998... رونالدو يقود البرازيل لتأكيد التفوق

بعد أقل من ثمانية أشهر، التقى المنتخبان مجدداً في الجولة الثانية من دور المجموعات في كأس العالم بفرنسا.

دخل المغرب المباراة تحت قيادة المدرب الفرنسي الراحل هنري ميشال بتشكيلة ضمت نور الدين النيبت وعبد الجليل هدا (كماتشو) ويوسف شيبو ومصطفى حجي وصلاح الدين بصير، وهي أسماء صنعت واحدة من أكثر الفترات إشراقاً في الكرة المغربية.

لكن البرازيل امتلكت، آنذاك، ما يمكن عدّه أحد أقوى خطوط الهجوم في تاريخ المونديال. فقد لعب رونالدو أساسياً إلى جانب بيبيتو، فيما قاد ريفالدو صناعة اللعب، مع وجود كافو وروبرتو كارلوس على الأطراف.

افتتح رونالدو التسجيل، وأضاف ريفالدو الهدف الثاني، قبل أن يختتم بيبيتو الثلاثية. ورغم النتيجة، أظهر المغرب شخصية قوية في البطولة، قبل أن يحقق لاحقاً فوزه الشهير على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة ويغادر المسابقة بصورة أثارت كثيراً من الجدل بسبب نتائج المجموعة.

طنجة 2023... المغرب ينتصر لأول مرة

إذا كانت مواجهتا 1997 و1998 جسّدتا الفارق التقليدي بين المنتخبين، فإن مباراة طنجة في مارس (آذار) 2023 حملت صورة مختلفة تماماً.

المغرب بقيادة المدرب المغربي وليد الركراكي كان يعيش أفضل لحظاته التاريخية بعد أشهر قليلة من احتلال المركز الرابع عالمياً في مونديال قطر، في حين وصلت البرازيل في مرحلة انتقالية بعد رحيل المدرب تيتي.

وضمت التشكيلة المغربية أسماء أصبحت من نخبة كرة القدم العالمية؛ مثل ياسين بونو وأشرف حكيمي ونايف أكرد وسفيان أمرابط وحكيم زياش.

أما البرازيل فاعتمدت على كاسيميرو وفينيسيوس جونيور ورودريغو ورافينيا، لكنها افتقدت خدمات نيمار بسبب الإصابة.

في تلك الليلة، لم يكن الانتصار المغربي بنتيجة 2-1 مجرد فوز ودي، بل كان إعلاناً بأن المنتخب المغربي لم يعد يخوض المباريات الكبرى من أجل التعلم، بل من أجل الانتصار.

مقارنة بين جيل 1998 وجيل 2026

أحد أهم الفوارق بين المنتخب المغربي في التسعينات ونظيره الحالي يتمثّل في نوعية الخبرة الدولية.

جيل 1998 كان يضم مواهب استثنائية مثل مصطفى حجي والنيبت وبصير، لكنه كان يعتمد على عدد محدود من اللاعبين المحترفين في البطولات الأوروبية الكبرى.

أما الجيل الحالي فيضم لاعبين أساسيين في أندية النخبة الأوروبية. فحكيمي قادماً من باريس سان جيرمان، وبونو من كبار حراس العالم، وأكرد وأمرابط وزياش يمثلون جيلاً اعتاد اللعب في أعلى المستويات القارية.

في المقابل، لم تتغير هوية البرازيل كثيراً. فكما امتلكت رونالدو وريفالدو وروبرتو كارلوس في التسعينات، تمتلك اليوم فينيسيوس جونيور ورودريغو وبرونو غيمارايش وأليسون وإيدير ميليتاو.

من يملك الأفضلية في 2026؟

منتخب البرازيل خلال حصة تدريبية قبل بدء كأس العالم (إ.ب.أ)

على مستوى القيمة السوقية والأسماء الفردية، لا تزال البرازيل تتفوق بوضوح. فهي تمتلك لاعبين مرشحين سنوياً للمنافسة على الكرة الذهبية، وفي مقدمتهم فينيسيوس جونيور.

لكن كرة القدم الحديثة أثبتت أن البطولات الكبرى لا تُحسم بالأسماء فقط. فالمغرب يملك اليوم واحداً من أكثر المنتخبات تنظيماً في العالم، بالإضافة إلى خبرة نفسية اكتسبها من الانتصارات على بلجيكا وإسبانيا والبرتغال في مونديال قطر.

لاعبو المنتخب المغربي ومعنويات مرتفعة في حصة تدريبية قبل مواجهة البرازيل (أ.ف.ب)

ولهذا يرى كثير من المحللين أن البرازيل تدخل المباراة مرشحة بنسبة تقارب 60 في المائة مقابل 40 في المائة للمغرب، وهي نسبة تعكس حجم التطور الذي حققه «أسود الأطلس» مقارنة بفترة التسعينات عندما كانت الأفضلية البرازيلية شبه مطلقة.

بين رونالدو وفينيسيوس... وبين حجي وحكيمي

إذا كان رونالدو قد مثّل رمز التفوق البرازيلي في مونديال 1998، فإن فينيسيوس جونيور يمثّل اليوم الوجه الجديد لكرة القدم البرازيلية. وعلى الجانب المغربي، انتقلت الراية من مصطفى حجي، صاحب الكرة الذهبية الأفريقية عام 1998، إلى أشرف حكيمي الذي يُعد أحد أفضل الأظهرة في العالم.

وبين هذَين الجيلين تُختصر قصة المواجهات المغربية البرازيلية نفسها: منتخب برازيلي يحاول الحفاظ على مكانته التاريخية، ومنتخب مغربي يسعى إلى تحويل إنجازاته الأخيرة إلى واقع دائم. لذلك فإن مواجهة 2026 تبدو أكثر من مجرد مباراة، إذ تُعدّ اختباراً حقيقياً لمعرفة ما إذا كان المغرب قادراً على الاقتراب أكثر من النخبة العالمية، أم أن البرازيل ستؤكد أن التاريخ لا يزال يقف إلى جانبها.