تحولات في نظرة الديمقراطيين والجمهوريين إلى أولويات السياسة الخارجية الأميركية

خسارة الرئيس للأكثرية في الكونغرس «تمرين» انتخابي أرساه المؤسسون لمنع الحكم المطلق

تحولات في نظرة الديمقراطيين والجمهوريين إلى أولويات السياسة الخارجية الأميركية
TT

تحولات في نظرة الديمقراطيين والجمهوريين إلى أولويات السياسة الخارجية الأميركية

تحولات في نظرة الديمقراطيين والجمهوريين إلى أولويات السياسة الخارجية الأميركية

بعيداً عن المناكفات السياسات الحزبية الضيقة في الولايات المتحدة، فإنه من الممكن القول بقليل من الحذر، إن مساءلة الرئيس الأميركي جو بايدن والتشكيك بمكانته وبقراراته، بل حتى بمستقبله السياسي وحزبه الديمقراطي، ما كانت قضايا تطرح في هذه الفترة القصيرة من عهده الرئاسي، لولا «التخبط» الذي ظهرت فيه عملية الانسحاب الأميركي من أفغانستان.
لعل الإجماع يكاد يكون كاملاً بأن صورة أميركا تعرّضت للخدش في ظل الارتباك الذي عانته إدارة بايدن، مع صور الفوضى التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، أكان في مطار كابُل أو المطارات الأميركية التي كانت تستقبل قوافل المرحّلين الأفغان. ولكن من بين الأسئلة الرئيسة المطروحة الآن، سواءً في الولايات المتحدة أو لدى الحلفاء والخصوم معاً: هل كان خطأ تمسك بايدن بموعد 31 من أغسطس (آب) لإنهاء الانسحاب، أم كان كلفة ارتضاها في هذه المرحلة المبكرة، ليتجنب خسارات كان من الممكن أن تكون كلفتها أكبر في مرحلة متقدمة من عهده؟
وهل ما جرى يعكس انزياحاً أميركياً مفصلياً، يؤشر إلى عهد جديد دخلته سياسات الولايات المتحدة على قاعدة الشعار إياه... «أميركا أولاً»، في علاقتها ونظرتها نحو مصالحها في العالم؟
نعم، لقد خلّف الانسحاب الأميركي من أفغانستان، بعد الحملة العسكرية السريعة التي شنتها حركة «طالبان» وأحكمت فيها قبضتها على عموم البلاد، أسئلة كثيرة أخرى طُرحت وسيُطرح غيرها الكثير. وقد يحتاج الأمر إلى أشهر أو إلى سنوات، لمعرفة ما سترسو عليه المعادلات الجديدة التي بدأت ترتسم على الأرض. إذ إن الارتباك لم يُصب إدارة الرئيس جو بايدن الديمقراطية وحدها، بل أصاب أيضاً خصومه السياسيين في الداخل، وحلفاءه وخصومه الخارجيين على حد سواء.
وفي حين يراهن أنصار الرئيس بايدن على «ذاكرة الأميركيين القصيرة»، وانجذاب الرأي العام عادة للسياسات الداخلية، للحكم على أدائه، فإن الانقسام داخل تيارات الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يظهر وجهات نظر أكثر جذرية تجاه السياسة الخارجية. وهي انقسامات حقيقية تشير إلى أن المؤسسة السياسية الأميركية بضفتيها، لا تزال تبحث عن صيغة موحّدة حولها، خلال ابتعادها عن الأزمات الدولية والإقليمية التي طبعت شراكاتها مع حلفائها الأوروبيين، منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم.
- بين بايدن وترمب
في مراجعة سريعة لما أنجزه بايدن خلال الأشهر السبعة التي انقضت من عهده، يمكن القول إنه لا يزال ملتزماً بشكل لافت بأجندة الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترمب. إذ نفّذ الانسحاب السريع والكامل من أفغانستان الذي تفاوض عليه العام الماضي مع حركة «طالبان». وأبقى على التعريفات الجمركية كلها ضد الصين، وكذلك على واردات البلاد من المعادن. أيضاً واصل بايدن سياساته التي تسمح بالترحيل السريع لطالبي اللجوء بحجة الأخطار الصحية الناجمة عن جائحة «كوفيد - 19».
من ناحية أخرى، كان بايدن قد خطّط أيضاً للحفاظ على الحد الأقصى السنوي المنخفض الذي وضعه ترمب لقبول اللاجئين عند 15 ألفاً، ورفعه إلى 62 ألفاً، فقط، بعد احتجاج التيار اليساري. وذكرت صحيفة «بوليتيكو» الشهر الماضي، أن إدارة بايدن دعمت انتهاء صلاحية بعض التأشيرات، وأيّدت متطلبات أكثر صرامة للبطاقة الخضراء، ودعمت رفض الإقامة الدائمة لآلاف المهاجرين القانونيين، ودافعت عن عدد من قضاة المحكمة الذين عيّنهم ترمب في ملف الهجرة. كما اتُهمت إدارة بايدن بانتهاك الحماية للأطفال المهاجرين المحتجزين لدى الحكومة، تماماً كما فعلت إدارة ترمب. وحتى قراراته بإلغاء سياسة «البقاء في المكسيك» ألغتها المحكمة العليا التي كان ترمب قد مدّدها لعام واحد وانتهت في 31 أغسطس المنصرم.
وفي حين حقق بايدن، داخلياً، هدف ترمب المتمثل في صفقة إنفاق ضخمة على البنية التحتية بقيمة تقارب 4 تريليونات دولار، وواصل سياسة الإنفاق المفرط وزيادة العجز، فإنه على الصعيد الخارجي، لم يتخل عن دعم أصدقاء الولايات المتحدة في منطقة الخليج. إذ وافق على مواصلة صفقة الطائرات لدولة الإمارات بقيمة 23 مليار دولار، وأعطى موافقته على مواصلة مد خط الأنابيب الروسي إلى ألمانيا، لكنه فرض عقوبات على روسيا بسبب هجماتها الإلكترونية على «المصالح الأميركية».
أيضاً في مجال السياسة الخارجية، لم يرفع الرئيس الديمقراطي سياسات ترمب المتشددة ضد كوبا، التي رفض قادتها الجدد الانضمام إلى مظلة المصالح الأميركية، رغم اليد التي مدّها إليهم أوباما قبيل مغادرته منصبه. وفي الشأن الإيراني لم يُعد تلقائيا وببساطة إلى الاتفاق النووي مع إيران. ثم رغم عودته إلى منظمة الصحة العالمية، كانت استجابة إدارته بطيئة لمشاركة فائض اللقاحات التي تفوقت في اختراعها الولايات المتحدة، والمواد الخام مع العالم. ولقد تجاهل بايدن نداءاتها بأن الجرعة المعززة الثالثة من اللقاح يمكن أن تنتظر قليلاً، حتى إكمال تطعيم مزيد من شعوب العالم درءاً لوقف تحوّر الفيروس على الأقل.
ولكن لماذا هذا الانتقاد لسياسات بايدن؟ وهل السياسات الشعبوية، اليمينية واليسارية، هي المسؤولة عن هذا الاختناق الذي يقسم المجتمع الأميركي؟
مما لا شك فيه أن قصوراً لوجيستياً قد وقع خلال تنفيذ الانسحاب من أفغانستان. وسقوط 13 جندياً أميركياً في الهجوم الإرهابي الذي نفذه تنظيم «داعش» في الأيام الأخيرة، زاد الانتقادات حدة. وبالتالي، يمكن القول إنه قلما شهدت الولايات المتحدة انقساماً داخلياً أمام خطر خارجي يداهمها، وتعالت فيها الدعوات لعزل الرئيس. وللتذكير، لم يدع معارضو الرئيس الأسبق رونالد ريغان إلى إقالته، عندما سقط نحو 240 جندياً أميركياً في التفجير الانتحاري قرب مطار بيروت عام 1983.
- «أميركا أولاً» والعالم
أغلب الظن أن الهجمات المكثفة التي يتعرّض لها بايدن اليوم، تعود إلى الحزبية الضيقة ومحاولة التركيز على «الصفات» الشخصية ومقارنته بترمب. فالجمهوريون اليوم بغالبيتهم، مُغرمون بأسلوب ترمب الشعبوي في مهاجمة المؤسسات والإدارة عبر تغريداته وكلامه العنيف، وخصوصاً دفاعه عن الأميركيين البيض. إلا أنهم غافلون عن - أو على الأقل لا يريد قادتهم الاعتراف بعمق - التحولات العميقة التي تشهدها السياسات الأميركية منذ أكثر من عقد، والتي بدأت مع عهد باراك أوباما، واستمرت مع ترمب... وها هي تتعزز وتتوضح بشكل أكبر مع بايدن.
وفي حين لا تزال رؤية «أميركا أولاً» التي روّجها ترمب - الذي أبرم الاتفاق مع «طالبان» كجزء من تعهده بإنهاء «الحروب الأبدية» - قوية في معظم أركان الحزب الجمهوري وقاعدته، تبقى بعض الأصوات المؤثرة مستمرة في تبني نهج تدخل قوي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحقبة جورح بوش الابن و«حربه على الإرهابـ«.
في بداية أغسطس الفائت، عكس استطلاع للرأي أجرته شبكة «سي بي إس نيوز»، مدى الارتباك والتشويش لدى قاعدة الحزب. وأوضح الاستطلاع، أن 94 في المائة من الناخبين المؤيدين لترمب، يعارضون سياسات بايدن، بينهم 86 في المائة يعارضونه بشدة. كما أعلن 61 في المائة منهم أنهم لا يوافقون على الانسحاب الذي تفاوض عليه ترمب من أفغانستان. حتى زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب، كيفين مكارثي، قال الأسبوع الماضي، إن «الطريقة الوحيدة التي نريدها هي أن يكون هناك قوات في أفغانستان للتأكد من عودة الأميركيين بأمان». وبعد ذلك بدقائق قليلة، اقترح مكارثي أنه كان سيقوم «بفحص وصيانة قاعدة بأغرام الجوية» شمال كابُل، كموقع أمامي دائم «للنظر في الأفق» لردع أي نشاط إرهابي في المستقبل. وعن هذه الخطوة قال مسؤولو البنتاغون إنها تتطلب نشر آلاف أخرى من القوات على الأرض لحماية القاعدة.
ويوم الثلاثاء الماضي قال مكارثي، إنه سيذعن لما تقترحه قيادة البنتاغون بشأن وجود عسكري طويل الأمد في أفغانستان. وفي نهاية المطاف، أضاف «علينا أن ندع الجيش يتخذ هذا القرار».
ومع أن مكارثي، الذي تولّى منصبه عام 2007 كمؤيّد قوي لبوش - وحافظ على علاقات وثيقة مع شخصيات روّجوا لرؤيته عن الإرهاب في واشنطن - قد غادر تلك السياسات، فإن الارتباك الجمهوري يتبدّى أكثر في مجلس الشيوخ، حيث يتبنى البعض نهج «الصقور» التقليدي الذي جسّده السيناتور الراحل جون ماكين. إذ إن السيناتور ميتش ماكونيل، زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ، الذي اصطدم بترمب بشأن تلك الرؤية، ما زال يدعو إلى دور «أكثر قوة» في الشؤون الخارجية، وانتقد بشدة تعامل ترمب وبايدن مع أفغانستان. وقال يوم الثلاثاء في بيان، إن «هذه المعركة لن تنتهي لمجرّد أن سياسيينا يريدون التخلص منها».
في أي حال، نبرة بايدن القوية يوم الثلاثاء وتحديه منتقدي انسحابه من أفغانستان، اعتبرت مؤشراً، على الأرجح، لإدارة الانقسامات وتأجيجها بين الجمهوريين، إذا ما واصلوا انتقاده. لكن تصريحات لافتة للنائب الجمهوري اليميني المتشدد مات غايتز (من ولاية فلوريدا، وهو أحد غلاة مؤيدي ترمب) أشارت إلى التبدلات التي يشهدها الحزبان الجمهوري والديمقراطي، في النظر إلى كيفية «تغيير العالم» و«تعميم الديمقراطية»... التي قال بايدن إنها ليست مهمتنا. فلقد قال غايتز «إذا كان هناك أي شيء، فإن إخفاقاتنا الأخيرة في أفغانستان تظهر الإخفاقات المنهجية لفكرة بناء الدول... لقد كان من الممكن أن نبقى في أفغانستان لخمسة أيام أخرى، أو خمسة أسابيع، أو خمسة أشهر، أو خمس سنوات، ولن نغير النتيجة النهائية».
في سياق موازٍ، بينما يدعم الناخبون الديمقراطيون بايدن لأنه أعاد «الهدوء والاستقرار إلى واشنطن»، وأوقف «تهشيم» المؤسسات الديمقراطية، وألغى العديد من سياسات ترمب في مجالات مثل تغير المناخ والحقوق المدنية والاستجابة للفيروس، فإنهم – وبالأخص، أنصار الجناح اليساري – يشعرون بخيبات أمل إزاء العديد من سياساته، في ظل احتفاظه بالعديد من سياسات ترمب الشعبوية، في مجالات كالحمائية التجارية والإنفاق الكبير، وحتى في سياسة سحب القوات، التي لطالما طالبوا بإلغائها حتى من قبل ظهور ترمب.
- خسارة الانتخابات النصفية «تقليد» رئاسي
إلا أن خيبات الأمل تلك قد لا تكون هي السبب المباشر عن احتمال خسارة الديمقراطيين لانتخابات التجديد النصفية العام المقبل. فالتجارب والشواهد التاريخية التي توضح كيفية اشتغال «النموذج الأميركي» في تداول السلطة، تظهر أن غالبية الرؤساء كانوا يخسرون الغالبية، سواء في مجلس الشيوخ أو النواب، بعد سنتين من بداية عهودهم.
هكذا خسر بيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما ودونالد ترمب الغالبية في مجلس النواب بعد سنتين من رئاساتهم. ويردّ البعض هذا «التمرين» الانتخابي الذي يقبل عليه الأميركيون، إلى أصول وتقاليد عقائدية بروتستانتية، أرساها المؤسسون الأميركيون الأُول. إذ إن السلطات الهائلة التي يمنحها الدستور الأميركي للرئيس، قد تمنحه سلطة هائلة ومطلقة، وهو ما لم يرده المؤسسون إطلاقاً. ولذا؛ فإنهم سعوا إلى تقليص هذه السلطات وتشتيتها عبر منحهم مجلسي الشيوخ والنواب سلطات كبيرة ومعطلة في سنّ القوانين وإقرارها.
لقد كان الانسحاب من أفغانستان، الذي تعرض لانتقادات شديدة، تحدياً كبيراً وخطيراً للديمقراطيين وخطتهم للتركيز على القضايا المحلية. لكنه كشف في المقابل عن مدى فشل الجمهوريين في طرح رؤية واضحة للعالم، عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية والتدخل العسكري، بما يتجاوز إدانتهم الموحّدة لبايدن. ولعل هذا الأمر يكشف عن تحوّلات استراتيجية لا بد من مراقبتها مستقبلاً، في ظل قلة «الكتابات الأميركية» والنظريات الجديدة التي سيجري اعتناقها، مع هجر الولايات المتحدة سياساتها «الكولونيالية» التقليدية المتأثرة بالفكر الأوروبي، الذي هيمن على العقل الغربي والعالمي لقرون، وكان الأميركيون قوته العسكرية المقاتلة منذ 100 سنة... وحتى اليوم.
- أوروبا و«شهر العسل»
عاشت أوروبا «شهر العسل» مع واشنطن بعد وصول بايدن إلى السلطة. ومن «قمة بروكسل» الأطلسية خلال يونيو (حزيران) الماضي، وأيضاً من قول رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، لبايدن أمام وسائل الإعلام «عادت أميركا إلى الساحة العالمية... إنها أخبار رائعة لتحالفنا وأخبار رائعة أيضاً للعالم»، تراجعت الحماسة في ضفة الأطلسي الأوروبية. والسبب أن بايدن لم يتراجع عن سياسة «أميركا أولاً»، مع احتفاظه بالترويج لعلامته التجارية الخاصة من الشعبوية الاقتصادية، والإبقاء بشكل كامل على قائمة الرسوم الجمركية على السلع الأوروبية التي فرضها ترمب.
حتى المعاملة بالمثل فيما يتعلق بتنقل الأميركيين والأوروبيين في ظل جائحة «كوفيد - 19»، عكست إحباطاً أوروبياً واسع النطاق من رفض بايدن رفع حظر السفر العقابي المتعلق بالجائحة على مواطني الدول الأوروبية. ولعل السخط الأوروبي من المعاملة «المجحفة» في مواجهة الجائحة، ليس إلّا عينة بسيطة عن تنامي السخط والتشكيك داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) نفسه. وهنا يقول فرنسوا هايسبورغ، كبير مستشاري أوروبا في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، قد يُنظر إلى الأمر على أنه «تصويت أوسع بنزع الثقة في الإدارة الأميركية».
ولعل الطامة الكبرى التي خيّمت على العلاقات الأميركية الأوروبية، تكشّفت في المداولات بعد استيلاء «طالبان» المفاجئ على أفغانستان والتعامل الفوضوي مع الانسحاب الأميركي، الأمر الذي زعزع ثقة الأوروبيين بقرارات بايدن وأولوياته. فقد ضغط القادة الأوروبيون ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون على بايدن لتأجيل الموعد النهائي للانسحاب. لكن الرئيس الأميركي لم يتزحزح، مُصرّاً على إنجازه لإنهاء أطول حرب أميركية: «لم يعُد لها أي مبرّر». واختتم خطاباته لتبرير إصراره على قرار الانسحاب يوم الثلاثاء، بنبرة فيها الكثير من الحدة، تجاه الداخل والخارج معاً.
- الانعكاسات السلبية أوروبياً لقرار الانسحاب من أفغانستان
> بالنسبة إلى الأوروبيين، لا سيما في البلدان التي استثمرت في دعم مهمة «ناتو» في أفغانستان، كانت أحداث الأسابيع الماضية اختباراً داخلياً لمناعة الحلف ولحقيقة الأهداف الأميركية مستقبلاً. وفي حين أعرب المسؤولون الأوروبيون عن مخاوفهم بشأن المحنة الإنسانية في أفغانستان، فضلاً عن احتمال حدوث تدفقات جديدة ضخمة من اللاجئين الأفغان، فإنهم أنهم شكوا أيضاً من غياب التشاور الحقيقي مع إدارة بايدن. ولعل تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بغداد عندما قال «إن فرنسا باقية في العراق مهما كان القرار الأميركي»، وقيامه بجولة استعراضية في أحياء بغداد ومدينة الموصل، تعكس تلك المخاوف من أن يكون أي انسحاب أميركي جديد من المنطقة على حساب الأوروبيين، فضلاً عن تذكيرها باستعراضات المستعمرين الأوروبيين الأوائل وزياراتهم لمستعمراتهم.
كذلك نقلت «واشنطن بوست» عن كونستانزي شتيلزنمولر، الخبير في الشؤون الألمانية في معهد بروكينغز، القول لصحيفة «وورلد فيو» يبهجه عتاب «نحن لسنا جزراً. قرارات حلفائنا لها عواقب على حلفائهم... هناك انطباع بأن الناس يضعون السياسة في فراغ عندما لا يكون هناك تنسيق».
أكثر من هذا، أضاف الشعور بالكارثة جراء ما جرى في أفغانستان، إلى المناقشات المستمرة منذ فترة طويلة، حول حاجة أوروبا إلى سياسات استراتيجية أكثر استقلالية عن واشنطن. وهذا ما عبّر عنه أرمين لاشيت، المرشح الديمقراطي المسيحي لخلافة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، عندما قال في مناظرة تلفزيونية الأسبوع الماضي «يجب أن نعزز أوروبا بحيث لا نضطر أبداً إلى ترك الأمر للأميركيين». وبينما وصف لاشيت الانسحاب من أفغانستان بأنه كان «أكبر كارثة يعاني منها (الناتو) منذ تأسيسه»، تساءلت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي «هل اعتقدنا فقط أنه كان علينا أن نتبع الولايات المتحدة ونأمل أن يكون كل شيء على ما يرام في الليل؟»...
لقد كانت الحرب في أفغانستان أول مهمة في تاريخ «ناتو» تطبيقاً للمادة الخامسة من بند الدفاع الجماعي للحلف. لكن تجاهل بايدن لتبعات الانسحاب على الحلف، قد يترك آثاراً مدمّرة على مكانة أوروبا. وحسب شتيلزنمولر «ما سيتغاضى عنه الناس هو أن جيلاً كاملاً من الغربيين، بما في ذلك عسكريون ودبلوماسيون ومسؤولو استخبارات وصحافيون، مروا بأفغانستان. هذه هي أكثر مهام (ناتو) شرعية، وهي المهمة الأكثر أهمية في فهمنا لأنفسنا».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.