قتلى في أول صدام بين «طالبان» ومعارضين لحكمها

إطلاق نار لتفريق حشود في مطار كابل... وقيادي في «شبكة حقاني» يلتقي مسؤولين من الحكم السابق

مقاتلون من «طالبان» يجوبون حي وزير أكبر خان في كابل أمس (أ.ب)
مقاتلون من «طالبان» يجوبون حي وزير أكبر خان في كابل أمس (أ.ب)
TT

قتلى في أول صدام بين «طالبان» ومعارضين لحكمها

مقاتلون من «طالبان» يجوبون حي وزير أكبر خان في كابل أمس (أ.ب)
مقاتلون من «طالبان» يجوبون حي وزير أكبر خان في كابل أمس (أ.ب)

شهدت أفغانستان، أمس، أول مواجهة بين حركة «طالبان» ومعارضين لحكمها في جلال آباد، عاصمة ولاية ننغرهار بشرق البلاد، في حين أطلق عناصر الحركة النار في الهواء لتفريق حشود عند مطار كابل الذي يشهد جسراً جوياً لنقل آلاف من الأجانب والأفغان الذين يخشون انتقام «طالبان» منهم بسبب عملهم مع القوات الغربية أو الحكومة الأفغانية السابقة.
وقال شاهدان لـ«رويترز»، إن ثلاثة أشخاص قُتلوا وأكثر من عشرة أصيبوا بجروح بعد أن فتح مقاتلون من «طالبان» النار خلال احتجاجات ضد الحركة في مدينة جلال آباد الأفغانية أمس (الأربعاء). وقال مصدر من «طالبان»، إن شخصاً قُتل في المدينة الواقعة على بعد نحو 150 كيلومتراً إلى الشرق من كابل.
وقال الشاهدان، إن إطلاق النار حدث عندما حاول سكان رفع العلم الوطني الأفغاني في ميدان بالمدينة.
وأظهرت لقطات مصورة لوكالة «باجوك» المحلية للأنباء محتجين في المدينة يحملون العلم الأفغاني ويفرون، بينما يتردد في الخلفية دوي إطلاق النار.
وقال مسؤول سابق بالشرطة لـ«رويترز»، إن أربعة قُتلوا وأصيب 13 في الاحتجاجات. ولم يذكر تفاصيل. ولم يتسن التحقق من كيفية سقوط القتلى.
وقال عضو في «طالبان» كان موجوداً في جلال آباد أثناء الحادث لـ«رويترز»، «كان هناك بعض مثيري الشغب الذين أرادوا إثارة مشكلات لنا». وأضاف «هؤلاء يستغلون سياساتنا اللينة».
واجتمع ممثلون من «طالبان» أمس مع ممثلي قوى سياسية أخرى في أفغانستان، ومن بينهم الرئيس السابق حامد كرزاي، وفق صور منشورة على موقع «تويتر» للتواصل. وأظهرت الصور كرزاي، ورئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية، عبد الله عبد الله، في لقاء مع أنس حقاني، العضو البارز بحركة «طالبان»، والزعيم البارز لشبكة حقاني المتشددة والمسلحة، حسب ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية.
ونقلت وسائل إعلام محلية أفغانية عن مصادر، لم تكشف عن هويتها، القول، إن الاجتماع تم في منزل عبد الله عبد الله بالعاصمة كابل.
ووزعت «طالبان» أمس بياناً تناولت فيه قرارها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من جميع سجون البلد. وجاء في البيان «بناءً على قرار العفو العام الصادر من قبل زعيم الإمارة الإسلامية (...) هبة الله آخندزاده (...) فإنه يُحكم بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين من جميع سجون البلاد... لذا؛ على جميع حكام الولايات - من الغد - أن يطلقوا سراح جميع المعتقلين السياسيين (كبارا وصغاراً) دون أي قيد أو شرط».

إجلاء الأجانب
في غضون ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) جون كيربي، أمس، إن القوات الأميركية التي تقوم بحماية عمليات الإجلاء من مطار كابل أطلقت بعض الأعيرة النارية في الهواء خلال الليل في مسعى للسيطرة على الحشود، لكن ليس هناك مؤشرات على سقوط ضحايا أو وقوع إصابات بسبب ذلك.
وأضاف كيربي في إفادة صحافية، أن الأعيرة النارية التي أطلقتها القوات الأميركية لم توجه صوب الأفغان أو أي شخص آخر. وأشار إلى أن عدد القوات الأميركية في مطار كابول الدولي أمس وصل إلى 4500 جندي تقريباً، وأن مئات عدة من المتوقع وصولهم خلال الساعات الأربع والعشرين المقبلة.
وقال مسؤول من «طالبان» بشكل منفصل، إن قادة من الحركة وجنوداً أطلقوا النار في الهواء أمس لتفريق حشود في مطار كابل. وأضاف المسؤول لـ«رويترز»، «لا نية لدينا لإيذاء أو إصابة أي أحد». وقال المسؤول، إن الفوضى متواصلة خارج المطار وألقى باللائمة على القوات الغربية بسبب «خطة الإجلاء الفوضوية» من أفغانستان.
وجاء إطلاق النار في وقت يتواصل إجلاء دبلوماسيين وأجانب وأفغان عملوا معهم، في ظروف صعبة في كابل منذ سقوطها في أيدي «طالبان». وأقيم جسر جوي منذ الأحد مع تسيير طائرات من العالم أجمع إلى مطار كابل الذي اجتاحته حشود تريد الفرار من البلاد وتسيطر «طالبان» على محيطه، حسب ما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. وبات الجزء الأكبر من الأشخاص الذين لجأوا إلى سفارة فرنسا في كابل في مكان آمن بعد إجلاء الجيش الفرنسي ليل الثلاثاء - الأربعاء 216 شخصاً ظهر الأربعاء، وهم 184 أفغانياً «من المجتمع المدني في حاجة إلى حماية» و25 فرنسياً وأربعة هولنديين وإيرلندي وكينيان. والثلاثاء، أُخرج 41 مواطناً فرنسياً وأجنبياً بالطريقة نفسها.
من جهتها، أجلت المملكة المتحدة 306 بريطانيين و2052 أفغانياً على ما أعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون.
وأجلى الجيش الأميركي من جهته أكثر من 3200 شخص، هم خصوصاً موظفون أميركيون، بواسطة طائرات عسكرية. ونُقل أيضاً نحو ألفي لاجئ أفغاني إلى الولايات المتحدة.
وتنوي الولايات المتحدة إجلاء أكثر من 30 ألف شخص عبر قواعدها في الكويت وقطر.
وتمكنت طائرة عسكرية ألمانية حطت ليل الاثنين - الثلاثاء في كابل من نقل سبعة أشخاص فقط، في حين كان مئات آخرون ينتظرون، حسب تقرير الوكالة الفرنسية.
وتتهم برلين حركة «طالبان» بعرقلة وصول الأفغان إلى المطار، في حين ينبغي إجلاء عشرة آلاف منهم تعاونوا مع الجيش الألماني أو مع منظمات غير حكومية، وأفراد من عائلاتهم.
وقالت النمسا ورومانيا كذلك، إن رعاياهما والأفغان الذين تنويان إجلاؤهم يواجهون صعوبة في التوجه إلى المطار.
وأشارت وزارة الخارجية الأوزبكستانية إلى أنها قدمت «مساعدة فنية لألمانيا» مع توقف الأشخاص الذين تم اجلاؤهم في مطار طشقند إلى حين مغادرتهم إلى ألمانيا.
ووصلت طائرة عسكرية إسبانية الأربعاء إلى كابل عبر دبي وستتبعها طائرتان أخريان. كما أجلت هولندا الأربعاء دفعة أولى من رعاياها. وتعذر على بعض الذين كانوا سيستقلون طائرة أولى الوصول إلى المطار في الوقت المناسب بسبب عرقلة من جنود أميركيين. إلا أن طائرة أخرى أقلعت من كابل ناقلة 35 هولندياً وبلجيكياً تقريباً فضلاً عن ألمان وبريطانيين، متوجهة إلى تبيليسي على ما ذكرت وزارة الدفاع الهولندية.
وأجلت بولندا 50 شخصاً إلى أوزبكستان من حيث ستعيدهم طائرة مدنية إلى بلدهم. وستواصل طائرتان عسكريتان رحلات الذهاب والإياب. وقال رئيس الوزراء البولندي ماتوش مورافيتشي، إن حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي طلبا من وارسو إخراج موظفين لهما.
وأخرجت النرويج 14 من رعاياها وتواصل عملياتها في وضع «صعب للغاية» على ما قالت وزيرة الخارجية النرويجية.
وحصلت عمليات إجلاء أخرى لرعايا أوروبيين وأفغان منذ الاثنين من قبل تشيكيا ومقدونيا الشمالية وألبانيا وكوسوفو. وأجلت كازاخستان من جهتها 42 شخصاً من كابول.

الهزارة
على صعيد آخر، دُمر الأربعاء رأس تمثال عبد العلي مزاري، وهو زعيم سياسي لأقلية الهزارة قُتل عندما كان سجيناً لدى «طالبان» في تسعينات القرن الماضي، في مدينة باميان في وسط أفغانستان، وفق ما أفاد أحد السكان. وقال المصدر من دون كشف اسمه لوكالة الصحافة الفرنسية «التمثال دُمّر الليلة (قبل) الماضية. لقد استخدموا متفجرات»، من دون التمكن من القول من الجهة التي تقف وراء ذلك. وأطاحت المتفجرات رأس التمثال، لكن القسم المتبقي ما زال سليماً. وأضاف «لا نعرف تحديداً من فجر التمثال، لكن هناك مجموعات مختلفة من (طالبان) موجودة هنا، بعضها معروف بوحشيته». وتابع «لا نعرف من وراء هذا الأمر، لكن بعض المسنين التقوا حاكم (طالبان) (...) واشتكوا له وقال إنه سيحقق» في الحادث.
أما زارا، وهي إحدى السكان طلبت أيضاً عدم كشف هويتها، فألقت باللوم على «طالبان» بشكل مباشر قائلة، إن مجموعة من مقاتليها استخدمت قاذفة صواريخ من أجل تدمير التمثال. وأضافت «دمّر التمثال والناس يشعرون بالحزن، لكنهم خائفون أيضاً».
وفي عام 2001، أثارت «طالبان» احتجاجات دولية بعد تدميرها تماثيل بوذا في باميان، تعود إلى 1500 عام.
وقتل مزاري عام 1995 بعدما أسرته «طالبان» التي زعمت أنه حاول الاستيلاء على سلاح أحد حراسه أثناء نقله بهليكوبتر، وأنه أصيب بطلق ناري بعد مواجهة مع الأخير.
وتمثل أقلية الهزارة الشيعية ما بين 10 و20 في المائة من 38 مليون أفغاني.



الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».