السويد تبدأ محاكمة أول مسؤول إيراني موقوف في إعدامات الثمانينات

معارضون يحملون صور ضحايا إعدامات 1988 في وقفة احتجاجية أمام محكمة ستوكهولم بالسويد أمس (أ.ف.ب)
معارضون يحملون صور ضحايا إعدامات 1988 في وقفة احتجاجية أمام محكمة ستوكهولم بالسويد أمس (أ.ف.ب)
TT

السويد تبدأ محاكمة أول مسؤول إيراني موقوف في إعدامات الثمانينات

معارضون يحملون صور ضحايا إعدامات 1988 في وقفة احتجاجية أمام محكمة ستوكهولم بالسويد أمس (أ.ف.ب)
معارضون يحملون صور ضحايا إعدامات 1988 في وقفة احتجاجية أمام محكمة ستوكهولم بالسويد أمس (أ.ف.ب)

مبتسماً مرتدياً لباساً فاتحاً محدقاً بالحاضرين، دخل المسؤول الإيراني السابق حميد نوري قاعة المحكمة في ستوكهولم أمس مكبل الأيدي، ليواجه المدعي العام السويدي، ومجموعة من المحامين الذين يمثلون سجناء سابقين يتهمونه بارتكاب عمليات قتل جماعي وتعذيب سجناء في عام 1988.
وبذلك، انطلق مارثون المحاكمة الذي يستمر حتى أبريل (نيسان) المقبل، في خطوة يصفها ناشطون إيرانيون بـ«التاريخية» لأنها الأولى التي تحاسب مسؤولاً عن الإعدامات الجماعية الخارجة عن القانون التي ارتكبت في نهاية حرب الثمانينات بين إيران والعراق. وتقدر منظمات حقوقية وأحزاب المعارضة الإيرانية عدد ضحايا هذه الإعدامات بقرابة 5 آلاف ضحية، معظمهم دفنوا في مقابر جماعية غير معروف مكانها.
ولم يتحدث حميد نوري في المحاكمة، بل تحدث محاميه في بداية الجلسة لينفي كل التهم، ويقول إن موكله ليس «حميد عباسي»، وهو الاسم الذي كان يعرف به في إيران. ويبني فريق المحامين دفاعه استناداً إلى وجود خطأ في الهوية.
وبدأت المدعية العامة السويدية كريستينا ليندهوف كارلسون بالتذكير بلائحة التهم الموجهة إلى نوري الذي ألقي القبض عليه في السويد في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وهو يقبع في السجن منذ ذلك الحين. وبحسب لائحة الاتهام، يحاكم حميد نوري بموجب تهمة المشاركة في قتل 136 سجيناً سياسياً قضوا في سجن كوهردشت في مدينة كرج (غرب طهران)، ومن بين الضحايا 110 أشخاص من أنصار «مجاهدي خلق»، و26 من باقي الأحزاب، وفقاً لآيديولوجيتهم أو معتقداتهم المعارضة لـ«الدولة الثيوقراطية الإيرانية»، وفقاً للنيابة العامة. وتليت أسماء هؤلاء الضحايا في المحكمة كذلك. وقال الادعاء إن المستهدفين في حملة الإعدامات كانوا من مناصري ومؤيدي جماعة «مجاهدي خلق» بشكل أساسي، وإن الإعدامات جاءت استناداً إلى «فتوى» أصدرها المرشد الإيراني الأول الخميني آنذاك.
وقدمت مساعدة الادعاء العام سرداً تاريخياً للحرب العراقية - الإيرانية، لتصل إلى تفصيل نظام الحكم في إيران. وتحدثت أيضاً عن تفاصيل دور نوري في الإعدامات، وقالت إنه كان يقود المتهمين إلى الردهة، وهي الردهة التي يسميها السجناء «ردهة الموت»، لأنها تلك التي ينتظرون فيها نقلهم من زنزانتهم إلى ساحة المشانق. ولعب كذلك نوري دوراً في استجواب السجناء، بحسب الادعاء، على الرغم من أنه كان يتلقى الأوامر بشكل أساسي من أعضاء «لجنة الموت».
وكان لافتاً كلام المدعي العام عن «لجنة الموت»، وهو الاسم الذي اشتهرت به اللجنة المؤلفة من أربعة قضاة، من بينهم الرئيس الحالي إبراهيم رئيسي الذي كان حينها مساعد المدعي العام في طهران. ولم يذكر الادعاء تفاصيل بعد عن «لجنة الموت» هذه، ولكن قد يفصل دورها وأعضاءها لاحقاً. ومن المقرر أن تستمر المحكمة بالاستماع إلى الادعاء العام في الأيام الثلاثة الأولى للمحاكمة المستمرة حتى العام المقبل. ويتوقع أن يدلي خلالها عشرات الشهود بإفاداتهم.
وحرص المدعي العام على الإشارة إلى أن عدد ضحايا إعدامات عام 1988 «كبير جداً»، وأن «المتورطين بهذه الجرائم هم كثر، ولكن المحاكمة الحالية تطال فقط شخصاً واحداً، هو حميد نوري»، وقال إن «نوري متورط مع المسؤولين الآخرين بعمليات تصفية جماعية منظمة على خلفية سياسية، حيث كان يحدد السجناء المطلوبين ويستجوبهم، ثم يعرضهم على لجنة الموت التي تصدر أحكام الإعدام، ومن ثم كان يشارك في اقتيادهم إلى الإعدام، بصفته نائب مدعي عام السجن ومساعد آمر السجن». وفي كلام المدعي العام هذا إشارة ضمنية إلى تورط أعضاء «لجنة الموت» التي أتى الادعاء على ذكرها، متفادياً ذكر أسماء أعضائها.
وطعن أحدهما دانييل ماركوس، خلال جلسة الاستماع، نقطة تلو أخرى، في جميع التهم الموجهة إلى موكله الذي يمثل خصوصاً أمام القضاء بتهم ارتكاب «جرائم حرب» و«جرائم قتل»، بموجب الاختصاص العالمي للقضاء السويدي في هذه التهم.
ورسم المدعي العام صورة عن وضع حقوق الإنسان في إيران، مستنداً إلى تقارير للخارجية السويدية، ووصف النظام القضائي هناك بأنه «غير عادل»، وأعطى مثلاً بأن النظام يعتقل قصراً، ويبقيهم في السجن كي يصبحوا بالغين ثم يعدمهم، مضيفاً أن السجناء السياسيين لا يسمح لهم بالحصول على محامي، ولا أن يتحدثوا للدفاع عن أنفسهم. وستبدأ المحكمة بالاستماع للشهود في الأسبوع الثالث، بداية مع المدعي الأساسي من أصل 35 مدعياً آخر، وهو إيرج مصداقي الذي كان سجيناً سابقاً، واستدرج نوري إلى السويد، وساعد في تدبير القضية ضده.



عملية أميركية معقدة في جبال زاغروس تنتهي بإنقاذ طاقم «إف-15»

صور حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان (التلفزيون الرسمي الإيراني)
صور حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان (التلفزيون الرسمي الإيراني)
TT

عملية أميركية معقدة في جبال زاغروس تنتهي بإنقاذ طاقم «إف-15»

صور حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان (التلفزيون الرسمي الإيراني)
صور حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان (التلفزيون الرسمي الإيراني)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، إنقاذ الضابط الثاني من طاقم مقاتلة أميركية من طراز «إف-15 إي سترايك إيغل» أسقطت فوق إيران، في ختام عملية إنقاذ «معقدة» وسط زاغروس المرتفعة، استمرت 36 ساعة، وشاركت فيها عشرات الطائرات ومئات من قوات العمليات الخاصة، وفق ما قاله مسؤولون أميركيون ومصادر مطلعة.

وقال ترمب، في منشور على منصة «تروث سوشيال»، إن الجيش الأميركي نفّذ «واحدة من أكثر عمليات البحث والإنقاذ جرأة في تاريخ الولايات المتحدة» من أجل ضابط في الطاقم برتبة عقيد، مضيفاً أنه أصبح «بخير وسلام»، وأنه أصيب بجروح خطيرة لكنه «سيكون بخير».

وأضاف أن الضابط أنقذ «من عمق جبال إيران»، قائلاً إن القوات الإيرانية كانت تبحث عنه «بأعداد كبيرة» وكانت تقترب منه، وإنه «عقيد يحظى باحترام كبير». وأشار ترمب إلى أن هذا النوع من العمليات «نادراً ما ينفذ» بسبب ما ينطوي عليه من مخاطر على الأفراد والمعدات.

وأضاف الرئيس الأميركي أن العملية نُفذت بأمر مباشر منه، وأن عشرات الطائرات المسلحة «بأكثر الأسلحة فتكاً في العالم» شاركت فيها. كما قال إن واشنطن لم تعلن إنقاذ الطيار الأول، الجمعة، لأنها لم تكن تريد تعريض عملية الإنقاذ الثانية للخطر.

ترمب يتحدث عن الحرب مع إيران في البيت الأبيض الأربعاء الماضي (أ.ب)

وجاء الإعلان بعد يومين من سقوط المقاتلة الأميركية في إيران، في حادثة مثلت أول خسارة جوية أميركية بنيران معادية داخل الأراضي الإيرانية منذ بدء الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط).

وكانت الرواية الأميركية قد بدأت بإعلان إنقاذ الطيار الأول، الجمعة، بعد أن قفز من الطائرة دون أن يصاب بجروح، فيما بقي ضابط أنظمة الأسلحة مفقوداً داخل إيران حتى الساعات الأولى من صباح الأحد، ما فتح سباقاً ميدانياً واسعاً للعثور عليه. ونقلت شبكة «سي بي إس نيوز» عن مسؤولين أميركيين، أن الضابط الثاني بقي مختبئاً داخل إيران بعد إسقاط المقاتلة.

وخلال جهود الإنقاذ الأولى، كانت مروحيتان من طراز «بلاك هوك» تقل الطيار الذي تم إنقاذه لإطلاق نار من أسلحة خفيفة، ما أدى إلى إصابة أفراد من الطاقم، لكنهما تمكنتا من الخروج من المجال الجوي الإيراني.

وقالت «رويترز» إن عملية الإنقاذ واجهت مقاومة إيرانية شرسة. وأصيبت طائرة هجومية من طراز «إيه-10 وورثوغ» كانت جزءاً من مهمة البحث الجمعة، قبل أن يقفز طيارها فوق الخليج العربي ويتم إنقاذه بنجاح. وفي الوقت نفسه، كانت إيران تبث دعوات للعثور على «الطيار أو الطيارين» وتعرض مكافآت على من يقبض عليهما.

وقبل إعلان الإنقاذ، كان البيت الأبيض حذراً في التعليق على مصير العسكري المفقود. وقال ترمب في مقابلة هاتفية، الجمعة، إنه لا يستطيع التعليق على ما قد تفعله الولايات المتحدة إذا تم أسره، مضيفاً أنه يأمل ألا يحدث ذلك.

وكانت القوات الأميركية تراقب موقعه على مدار الساعة وتخطط بجدية لإنقاذه إذ بقي على تواصل، فيما كانت إيران تنشر رواية موازية عن فشل البحث الأميركي.

ووقعت عملية الإنقاذ في ضواحي مدينة دهدشت الفقيرة، ثالث أكبر مدن محافظة كهكلوية بوير أحمد، على بعد 852 كلم جنوب غربي طهران. لكن تقارير أخرى حددت موقع العملية بأنه بالقرب من منطقة جبل «ميلاس»، بمحافظة تشار محال وبختياري.

وقبل تأكيد السلطات، أفادت تقارير محلية بوقوع اشتباكات عنيفة بين قوات أميركية وقوات برية تابعة لـ«الحرس الثوري» في مناطق جبلية وعرة بمحافظة تشار محال وبختياري، مشيرة إلى مشاركة قوات من «الحرس الثوري» و«الباسيج» ومقاتلين عشائريين، وفق هذه التقارير.

سباق يومين

وبعد إسقاط الطائرة، دخلت الولايات المتحدة وإيران في سباق مباشر للوصول إلى العسكري المفقود. وقال مسؤولون أميركيون إن العثور عليه أصبح أولوية قصوى للجيش الأميركي خلال الساعات الثماني والأربعين التالية.

صورة نشرها الموقع الرسمي لـ«الحرس الثوري» الإيراني «سباه نيوز» من حطام وبقايا طائرة تم استهدافها وتحطمت في وسط إيران (أ.ف.ب)

في هذا السياق، قدمت صحيفة «نيويورك تايمز» وصفاً أوسع للعملية؛ إذ نقلت عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين مطلعين أن ضابط أنظمة الأسلحة أُنقذ في مهمة محفوفة بالمخاطر، وأدخلت قوات الكوماندوز الأميركية إلى عمق الأراضي الإيرانية بعد سباق حياة أو موت استمر يومين مع القوات الإيرانية، مشيرة إلى أن العملية المعقدة، استدعت مئات من قوات العمليات الخاصة وعشرات الطائرات الحربية والمروحيات، إلى جانب قدرات سيبرانية وفضائية واستخباراتية أخرى.

ووفقاً للمسؤولين، كان الضابط يختبئ داخل إيران ولم يكن بحوزته سوى مسدس للدفاع عن نفسه. كما كان مزوداً بجهاز تحديد موقع وجهاز اتصال آمن للتنسيق مع القوات التي تتولى عملية الإنقاذ.

وألقت الطائرات الهجومية الأميركية قنابل وفتحت النار على قوافل إيرانية لإبعادها عن المنطقة التي كان العسكري يختبئ فيها. كما نقلت عن مسؤولين عسكريين سابقين أن اشتباكاً مسلحاً اندلع مع اقتراب القوات الأميركية من موقعه. وتحدثت تقارير عن دور للطائرات المسيّرة من طراز «إم كيو-9 ريبر».

ونقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤولين سابقين مطلعين على العملية أن اشتباكاً مسلحاً اندلع مع اقتراب القوات الأميركية من موقعه، في واحدة من أكثر المهام تعقيداً وتحدياً في تاريخ العمليات الخاصة الأميركية، حسب وصف مسؤول عسكري أميركي رفيع.

أدوار خفية

وفي موازاة التحرك العسكري، قال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كانت منخرطة بعمق في العملية. وأضاف أن الوكالة نفذت حملة تضليل داخل إيران، روجت عبرها لمعلومات تفيد بأن القوات الأميركية كانت قد عثرت بالفعل على العسكري المفقود وكانت تنقله براً لإخراجه من البلاد.

وأوضح المسؤول أن الوكالة استخدمت قدراتها لتعقب موقع الضابط داخل شق جبلي، وأنها شاركت المعلومات الدقيقة مع وزارة الدفاع والبيت الأبيض، قبل أن يصدر ترمب أمراً بتنفيذ عملية إنقاذ فورية مع استمرار تدفق المعلومات اللحظية.

ورجحت صحيفة «نيويورك تايمز» أن المنطقة التي أسقطت فيها الطائرة تشهد معارضة للحكومة الإيرانية، ما أتاح للضابط الحصول على مأوى ومساعدة من سكان محليين خلال فترة الاختباء، في وقت كانت فيه القوات الإيرانية تمشط المنطقة وتطلب من السكان المساعدة في العثور عليه.

في هذا الصدد، وصفت شبكة «سي إن إن» العملية بأنها إنقاذ الطيارين معاً، وأن الأول يخضع للعلاج منذ يوم الجمعة، بينما أُصيب الثاني بجروح. وأضافت، في تقرير منفصل، أن هوية الضابط وموقعه الدقيق قبل الإنقاذ وطبيعة إصاباته التفصيلية، كلها مسائل بقيت غير معلنة.

طائرات مدمرة

وحسب المسؤولين الأميركيين، انتهت العملية بإخراج الضابط جواً إلى الكويت لتلقي العلاج من إصاباته، لكن المهمة واجهت تعقيداً إضافياً في مرحلتها الأخيرة، بعدما تعطلت طائرتا نقل كانتا مخصصتين لإخراج فرق الإنقاذ وأفراد الطاقم من قاعدة نائية داخل إيران.

وقال مسؤول أميركي إن الولايات المتحدة دمّرت طائرتين من طراز «إم سي-130 جيه» خلال العملية. وهذه الطائرة، المصممة لإدخال القوات إلى الأراضي المعادية وإخراجها منها، يمكن تزويدها بالوقود جواً، كما أنها مزودة بمستشعرات متقدمة للدفاع ضد أنظمة الدفاع الجوي، بما في ذلك الأنظمة الموجهة حرارياً، وتصل كلفة الطائرة الواحدة إلى 100 مليون دولار.

صور نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني من حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان

وأضاف المسؤولون أن الطائرتين المعطلتين جرى تفجيرهما على الأرض لمنع وقوعهما في أيدي الإيرانيين، بعدما تقرر إدخال ثلاث طائرات جديدة لإجلاء جميع العناصر الأميركية وأفراد الطاقم.

وقال مسؤولان إن طائرات الإنقاذ الثلاث أقلعت من إيران باتجاه الكويت، وكانت كل واحدة منها على مسافة قصيرة خلف الأخرى، وإن المهمة أُنجزت قبيل منتصف الليل بقليل مع خروج جميع القوات الأميركية من المجال الجوي المعادي.

وفي السياق نفسه، قال شخص مطلع على العملية إن طائرات أميركية مسيّرة من طراز «إم كيو-9 ريبر» استهدفت عناصر إيرانية اقتربت من موقع الضابط قبل إنقاذه. وأضاف أن الولايات المتحدة استخدمت هذه المسيّرات على نطاق واسع خلال الحرب، وخسرت ما لا يقل عن 16 منها خلال النزاع.

كما نقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين أن إنقاذ الضابط حرم إيران من انتصار دعائي كانت واشنطن تخشى أن يتحقق إذا تمكنت طهران من أسره وفرض شروط كبيرة مقابل إطلاق سراحه أو استخدامه في تسجيلات دعائية.

وقال ترمب إن نجاح العمليتين، إنقاذ الطيار الأول ثم ضابط أنظمة الأسلحة، جرى من دون مقتل أو إصابة أي أميركي، وإن ذلك يثبت أن الولايات المتحدة حققت «تفوقاً هائلاً» في الأجواء الإيرانية، على حد تعبيره.

رواية طهران

في المقابل، قدمت إيران رواية مغايرة بالكامل. فقد قالت عمليات هيئة الأركان الإيرانية إن ما وصفتها بمحاولة إنقاذ أميركية لطيار طائرته أُسقطت في جنوب أصفهان انتهت إلى «الفشل»، وإن القوات الإيرانية «تدخلت في الوقت المناسب وأحبطت العملية».

وأضافت، في بيان، أن التقييمات الميدانية اللاحقة أظهرت تدمير طائرتَي نقل عسكري من طراز «إم سي-130 جيه» ومروحيتين من طراز «بلاك هوك» في محافظة أصفهان، معتبرة أن ذلك يعكس استمرار الإخفاقات الأميركية في مسار الحرب.

كما قالت إن هذه التطورات تظهر، من وجهة نظرها، أن الجيش الأميركي «لا يملك اليد العليا في المواجهة الجارية»، واتهمت الرئيس الأميركي بمحاولة التغطية على ما وصفته بالإخفاق عبر «الحرب النفسية» والتصريحات «المضللة».

وقالت القوات المسلحة الإيرانية، وفق رواية أخرى نقلت عنها، إنها أسقطت ثلاث طائرات عسكرية أميركية كانت تشارك في عملية الإنقاذ، فيما بثت وسائل إعلام حكومية صوراً لحطام متفحم متناثر في منطقة صحراوية، بينما كان الدخان لا يزال يتصاعد منه.

وأظهرت المواد المصورة حقلاً من الحطام وأجزاء طائرات مدمرة ومحركات توربينية على ما يبدو. كما قالت وسائل الإعلام الرسمية إن القوات الأميركية استخدمت مدرجاً مهجوراً لتنفيذ العملية، في منطقة تقع على بعد نحو 50 كيلومتراً من مدينة أصفهان. وقال الجيش الإيراني أيضاً إنه أسقط طائرة مسيّرة إسرائيلية ​في ​المحافظة نفسها.

وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف تعليقاً على صور الحطام: «إذا احتاجت الولايات المتحدة إلى ثلاثة انتصارات أخرى من هذا النوع، فستكون قد أوصلت نفسها إلى خراب كامل».

وفي سياق موازٍ، قالت وسائل إعلام إيرانية إن الضربات التي نُفذت خلال عملية الإنقاذ أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص في «كوه شاه»، جنوب غربي إيران، من دون تحديد ما إذا كانوا مدنيين أو عسكريين. كما تحدثت روايات محلية عن قتلى وجرحى في مناطق بجنوب غربي البلاد بينما كانت عملية البحث جارية.

وسرعان ما وضعت وسائل إعلام إيرانية العملية الأميركية في إطار مقارنة مباشرة مع عملية «مخلب النسر» الفاشلة في أبريل (نيسان) 1980، حين انتهت محاولة أميركية لإنقاذ 52 رهينة في طهران باصطدام مروحية بطائرة «سي-130» وسط عاصفة رملية ومقتل ثمانية جنود أميركيين.

صور نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني من حطام طائرتي شحن أميركيتين من طراز «إم سي-130 جيه» في أصفهان

ما قبل العملية

ورغم إنقاذه، ظلت تفاصيل كثيرة غير معلنة، بما في ذلك هويته الدقيقة، ومكانه التفصيلي، وطبيعة إصاباته الكاملة، وكيفية تفاديه الأسر طوال هذه المدة.

وأنهى نجاح إنقاذ الضابط أزمة كبيرة واجهها ترمب في وقت تضغط واشنطن على طهران بشأن مضيق هرمز. وكان يمكن أن يفتح أسر الطيار أزمة سياسية وعسكرية أكبر لواشنطن.

وحذر ترمب إيران من ضرورة فتح المضيق بحلول الاثنين، وإلا فسيكون هناك مواجهة لعواقب مدمرة. وجاء هذا التهديد بينما كانت واشنطن تحتفل بإنقاذ العسكري المفقود، في وقت استمرت فيه طهران في التمسك بروايتها عن إسقاط طائرات إضافية خلال العملية.

وجدد ترمب تحذيره، الأحد، قائلاً إنه يعتزم استهداف محطات الكهرباء والجسور في إيران يوم الثلاثاء، في تصعيد جديد لتهديداته المرتبطة بمضيق هرمز والبنية التحتية الإيرانية.

وكتب ترمب على منصة «تروث سوشيال» أن الثلاثاء سيكون «يوم محطات الكهرباء ويوم الجسور، معاً، في إيران»، مضيفاً: «لن يكون هناك ما يشبهه».

ولوّح الرئيس الأميركي بعواقب قاسية إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة نحو خُمس النفط العالمي، في وقت أدى فيه التراجع الحاد في حركة الملاحة إلى ارتفاع أسعار النفط.

وأسفرت الحرب التي بدأت بضربات أميركية إسرائيلية مشتركة في 28 فبراير عن مقتل الآلاف، وأثرت في الأسواق العالمية، وقطعت طرق شحن رئيسية، ورفعت أسعار الوقود.


إردوغان: حرب إيران تتجه إلى «مأزق جيوسياسي»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه كلمة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه كلمة (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان: حرب إيران تتجه إلى «مأزق جيوسياسي»

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه كلمة (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه كلمة (الرئاسة التركية)

حذّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من أن مسار الحرب في إيران يتجه إلى «مأزق جيوسياسي»، مُطالباً المجتمع الدولي بتكثيف الجهود لإنهائها.

وقال إردوغان، خلال اتصال هاتفي مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) بمناسبة مرور 77 عاماً على تأسيس الحلف، إنه يجب على المجتمع الدولي أن يُكثّف جهوده لإنهاء الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، لافتاً إلى أن «المسار المتعلق بإيران يتجه نحو مأزق جيوسياسي». وعبّر إردوغان عن تقديره للدعم الذي يقدمه الحلف لمنظومة الدفاع الجوي التركية، مشيراً إلى أن التضامن خلال هذه المرحلة أظهر مرة أخرى قوة الردع التي يتمتع بها «الناتو».

إردوغان مستقبلاً روته خلال زيارة لتركيا العام الماضي (الرئاسة التركية)

كما عبّر إردوغان عن أمله في أن يتم خلال قمة «الناتو»، المقرر عقدها في أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز)، اتّخاذ قرارات من شأنها جعل الحلف أكثر قدرة وفاعلية في مواجهة التحديات المستقبلية. وتصدّت دفاعات «الناتو» في شرق البحر المتوسط لـ4 صواريخ باليستية انطلقت من إيران باتجاه المجال الجوي التركي، منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، كما زوّد تركيا بمنظومتي صواريخ «باتريوت»، أميركية الصنع، نُقلت من القيادة الجوية للحلف في رامشتاين بألمانيا إلى مالاطيا شرقي تركيا قرب الحدود مع إيران، حيث تقع قاعدة «كورجيك» للرادارات التابعة للحلف، ووُضعت الثانية في قاعدة إنجرليك في أضنة جنوبي تركيا.

في السياق ذاته، أكّد وزير الدفاع التركي، يشار غولر، أن تركيا لن تتجاهل أي تهديد لأراضيها أو مواطنيها، وستتصدى لجميع أنواع التهديدات، سواء بالموارد الوطنية أو في إطار حلف «الناتو». وقال: «لدينا القدرة والإرادة للتصدي للتهديدات، وبإمكان بلادنا أن تلعب دوراً متوازناً وبنّاءً في مرحلة ما بعد حرب إيران، فنظراً لموقعنا الجيوسياسي، فإننا نسعى إلى منطقة أمنية وبيئة مستقرة من حولنا، بما يُسهم في السلام الدولي».

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

وأضاف غولر، في مقابلة صحافية نُشرت الأحد، أن الصراعات لم تسفر عن خسائر في الأرواح فحسب، بل وجهت أيضاً ضربة قوية للاقتصاد العالمي، لافتاً إلى أنه لا يُمكن حل أي أزمة إقليمية بشكل دائم بالوسائل العسكرية.

وتابع: «بغض النظر عن الظروف الراهنة، فإننا نؤمن بأن للدبلوماسية دوراً مهماً، كما أن تركيا تُعدّ من الدول القليلة القادرة على إقامة حوار مع الفاعلين الإقليميين والغربيين»، مُشدداً على أنه لا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار الدائمين في الشرق الأوسط إلا من خلال نهج يُخفف التوترات ويستند إلى القانون الدولي.

إلى ذلك، نفى مركز مكافحة التضليل الإعلامي التابع لدائرة الاتصال في الرئاسة التركية، في بيان عبر حسابه في «إكس»، صحة ما تردد بشأن إسقاط مقاتلة أميركية «إف 15» في إيران بواسطة منظومة دفاع جوي تركية الصنع.

وذكر البيان أن المزاعم التي روجتها بعض حسابات وسائل التواصل الاجتماعي والتي تفيد بأن تركيا زوّدت إيران بأنظمة دفاع جوي متطورة وصواريخ مضادة للطائرات المسيرة، وأن المقاتلة الأميركية من طراز «إف 15»، التي أُسقطت في إيران الجمعة، تم استهدافها بواسطة نظام دفاع جوي محمول على الكتف تركي الصنع، «لا أساس لها من الصحة».

ورأى أن هذه المزاعم «ما هي إلا حرب نفسية متعمدة وحملات تشويه تهدف إلى تقويض دور تركيا البناء في حلّ الأزمات الإقليمية وجهودها الرامية إلى تحقيق السلام». وأكّد البيان أن لتركيا «موقفاً قائماً على صون السلام والاستقرار، وأن هذه الحملات الإعلامية التي تسعى للنيل من نجاحها الدبلوماسي المعترف به دولياً، تهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي».


نتنياهو يثني على إنقاذ طيار أميركي تحطمت طائرته في إيران

ركابٌ يمرّون أمام لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
ركابٌ يمرّون أمام لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
TT

نتنياهو يثني على إنقاذ طيار أميركي تحطمت طائرته في إيران

ركابٌ يمرّون أمام لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)
ركابٌ يمرّون أمام لوحة إعلانية كُتب عليها «مضيق هرمز لا يزال مغلقاً» في ساحة انقلاب بطهران (أ.ف.ب)

هنأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم (الأحد) الرئيس الأميركي دونالد ترمب على عملية إنقاذ طيار أميركي تحطمت طائرته في إيران.

وقال نتنياهو: «مبارك أيها الرئيس ترمب! جميع الإسرائيليين يفرحون بالإنقاذ المذهل لطَيّار أميركي شجاع على يد محاربي أميركا الشجعان». وأضاف: «تعزز هذه العملية مبدأ مقدساً: لا يُترك أحد خلفنا»، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الرئيس ترمب أعلن في وقت سابق من اليوم (الأحد)، أنّ الطيار الثاني الذي أُنقذ من إيران بعد إسقاط طائرته الحربية الجمعة، مصاب «بجروح بالغة»، مشيراً إلى أنّه سيعقد مؤتمراً صحافياً بهذا الشأن غداً (الاثنين).

وقال ترمب في منشور على منصته «تروث سوشيل»: «أنقذنا الضابط، أحد أفراد طاقم طائرة إف-15 المصاب بجروح بالغة، والشجاع حقا، من أعماق جبال إيران»، وذلك بعدما أفاد في وقت سابق بأنّ الطيار «سليم وبخير». وأضاف: «سأعقد مؤتمراً صحافياً مع الجيش، في المكتب البيضوي» عند الأولى بعد ظهر الاثنين (17:00 بتوقيت غرينتش).