الحكي من وراء قناع أم كلثوم

محمد بركة يروي قصتها المحجوبة في «حانة السِّت»

الحكي من وراء قناع أم كلثوم
TT

الحكي من وراء قناع أم كلثوم

الحكي من وراء قناع أم كلثوم

تبدو فكرة التقمص مفتاحاً مهماً في رواية «حانة الست»، الصادرة حديثاً عن دار المثقف بالقاهرة للكاتب محمد بركة، فالراوي يتقمص سيرة حياة أم كلثوم ويجعلها تروي قصتها المحجوبة في إطار علاقة شبه تفاعلية معها، كما يشي عنوان الرواية، محتفظاً بمسافة مرنة بينه وبين الشخصية، توفر له متابعة الوقائع والأحداث، وما تتكشف عنه من أسرار ومفاجآت، في حياة امرأة تربعت على عرش الغناء العربي وصارت عنواناً له ورمزاً لخلوده.
يراوح الراوي (الكاتب) في الحكي من وراء قناع أم كلثوم، ما بين دور المراقب المحايد الذي يوفر فضاءً آمناً للبطلة للتعبير عن بوحها واعترافاتها ولو في شكل أسئلة، بعضها يظل عصياً عن الإجابة، ثم الراوي العليم الذي لملم قصاصات هذه السيرة من التاريخ والمتون والهوامش، وما جاء على ألسنة عشاقها ومعجبيها، وما كتب وصوِّرَ عنها، ويقر منوهاً في ختام الرواية بأن «الوقائع التي وردت فيها حول حياة السيدة أم كلثوم صاغها خيال المؤلف استناداً إلى وقائع مغيّبة ومنسية».
على ضوء ذلك يمنح المؤلف خياله حرية الشطح فيبدو وكأنه صوت البطلة، ينبش في مساحة وعيها ولا وعيها، ليظل هذا الصوت مستيقظاً يحكي، ويسمعه القارئ بلهفة، بينما يتراوح أفق التخييل للوقائع والأحداث ما بين الخفّة والثقل، فثمة وقائع مكتملة بذاتها، وثمة أخرى تـحتاج إلى هذا النبش، وما بين هذه وتلك ثمة مسحة من التزيد، تصل أحياناً إلى حد افتعال المفارقة والسخرية الخشنة لملء الفراغات والشقوق. من هذه المفارقات الخشنة لقطة عابرة (ص39) تصور انتقام البطلة من غريمتها التي تعودت مضايقتها في الكُتّاب، تذهب مبكراً لتكسِّر لوحها الإردواز، لكنها تفاجأ برجل مفتول الشارب (مفتش من وزارة المعارف) يغريها بقطعة من الشوكولاته وهو يسألها عن اسمها، ويثني على حرصها على التعليم والذهاب مبكراً.
يدعم هذا النبش فضاءُ حكي مفتوح، منفلت من قبضة التراتب الزمني كما يحدث في كتابة السيرة الذاتية. وهو ما يطالعنا في العتبة التمهيدية للرواية على لسان البطلة الراوية فيما يشبه شرطاً قاطعاً للحياة والوجود داخل الرواية وخارجها قائلة: «لا تعرف الأشباح الانفعال، لكن هذا الرجل الذي يحمل الغلاف توقيعه كمؤلف فعلها، جعلني بهدوئه القاتل أنفعل حقاً، كنت أنا الشبح الهائم في سديم العالم الآخر أكثر حرارة وحيوية منه، أتعب قلبي، لكن للأسف هو فقط من يصلح لهذه المهمة. استعدت هدوئي وقلت: ستتحرك عبر الزمن صعوداً وهبوطاً حسب ما أمليه عليك، دون أدنى التزام بترتيب الأحداث».
تظل كاف التشبيه التي تنعت بها أم كلثوم المؤلف (كمؤلف) نقطة فارقة في الرواية، مشكلة خيطاً شفيفاً بين الوهم بالحقيقة والحقيقة نفسها، حتى يبدوا في لحظات كثيرة وكأنهما قناع لزمن آخر، زمن وطن تنكشف صورته وملامحه على شتى المستويات الإنسانية في ظلال وطوايا تلك الوقائع، وفي مفاضل تاريخية فارقة. حيث تعاصر صاحبة القصة المحجوبة وطنها في لحظات صعوده وتحرره من أقصى الملكية إلى أقصى الثورة، ثم في لحظات هزيمته وانكساره.
لا تنشغل الرواية عبر 290 صفحة، بما يمكن تسميته بـ«ذاتية أم كلثوم»، وهو الوجه الآخر المتخفي داخل تجاويف القناع، حيث نستشرف صورة امرأة مغلوبة على أمرها، لا تملك، على حد قولها «أنوثة هند رستم ولا دلع شادية»، وبرأيي يشكل هذا المنحى مدخلاً مهماً لم تنبش فيه الرواية بشكل عميق، لفهم العلامات والدلالات والرموز الكامنة تحت قشرة الوعي واللاشعور، ويمكن أن نتلمس ملامحه واقعياً في حياتها العاطفية، فرغم ما حققته من مجد وشهرة، ارتضتْ بـ«فتافيت» الغرام والحب، وأن تكون الرقم الثاني في معادلة الحياة الزوجية، بينما هي الرقم الأول في معادلة الحياة الفنية. كل من أحبتهم ووقعت في غرامهم، وحامت الشبهات حولهم بالزواج منها، بداية من أستاذها وحبيبها الملحن أبو العلا محمد، والملحن محمود الشريف حتى الطبيب الشهير أحمد الحفناوي، الوحيد الذي أغلقت عليه دفتر حياتها العاطفية وكان يكبرها بـ17عاماً. كلهم كانوا متزوجين ولديهم أبناء وأسر مستقرة... لقد وعت أم كلثوم وبحساسية من هذه الذاتية أن المجد ليس ستراً للبدن كالزواج، إنما هو موهبة تتطلب مغامرة ومقدرة فائقة على الكدح والنضال من أجل تنميتها، وهو ما حققته بجدارة وامتياز، وجسدته الرواية.
لكن في هذه العباءة لا جديد محجوباً وفارقاً في سيرة البطلة: كفاحها وصعودها من القاع إلى القمة، مكائدها وحروبها الصغيرة مع أقرانها والتي وصل بعضها إلى المحاكم (زكريا أحمد على سبيل المثال)، أغلبها مرمي على قارعة الطريق، ومتناثر في أضابير الميديا والإنترنت.
الجديد برأيي هو تعامل الرواية مع فضاء الطفولة مسرح السرد الأساسي، حيث يتوغل السرد بسلاسة لغوية وأسلوبية، تمتزج في روائحها عادات وتقاليد القرية المصرية القحة في ذلك الزمن الغابر، ويكتسب فعل الحكي بكل تقاطعاته مع الألم والحزن واللعب حيوية المعايشة لصورة يعلق بها غبار الذاكرة والتاريخ.
مناخات طفولة تعيسة وشقية عاشتها أم كلثوم بقريتها «طماي الزهايرة» بمحافظة الدقهلية (شمال القاهرة)، وفي كنف أسرة فقيرة تعاني من شظف العيش: أب يعمل إماماً ومؤذناً لمسجد بالقرية، ومنشداً للتواشيح والأذكار الدينية في الموالد والأفراح، ولا يستطيع أن يسد رمق أسرته، وأم رءوم تحبو على أسرتها، وتصر على تعليم ابنتها أم كلثوم القراءة والكتابة وحفظ القرآن. يكتشف الأب بالصدفة جمال صوتها فيضمها لبطانته، بجوار شقيقها الأكبر خالد، لكن تحت قناع زي صبي بعقال بدوي، مراعاة للتقاليد الاجتماعية والدينية، ورويداً رويداً يتحسن دخل الأسرة. لكن الرواية تغفل في سياق هذه الطفولة وجود «سيدة» الأخت الكبرى لأم كلثوم، فلم نسمع لها صوتاً في فضاء ذلك المسرح الشجي، والذي لا يخلو من ألاعيب الصبا الغضة المرحة. تحضر سيدة في القاهرة وبعدما تـخطو أم كلثوم خطواتها الشابة المطمئنة فوق سلم الشهرة. تقول لأحمد رامي وهو يراها لأول مرة ويتلبس علية الأمر: «صحيح أنا التي ربيت أم كلثوم على يدي وأعتبرها مثل ابنتي، لكني في النهاية أختها الكبرى، خدامتك سيدة» (ص 166).
على مدار الرواية لا تلعب أم كلثوم دور الراوية لحياتها فقط، وإنما تتحول إلى قناع لها، عبر مؤلف تحول بدوره للعبة لا تخلو من ذكاء أدبي، وأصبح شاهد عيان على تحولات الشخصية عبر مجموعة من المرايا، تنداح ما بين ماضي البطلة، وحاضرها الغائب، ولحظة الكتابة عنها. وخلال ذلك يتكسر بعضها ويتهشم ويتحول إلى شظايا، خاصة في المسافة بين الشخصية وقناعها، التي ترفض أن تتوحد به وتذوب فيه، وتعيشه، ليس كغاية، إنما كوسيلة تساعد على توسيع زوايا الرؤية، وكشف المهمش المسكوت عنه والمنسي داخل شقوق زمن مضطرب وقاس، وحياة تقلبت ما بين أقصى درجات الجوع والفقر والحرمان، وأقصى درجات الرغد والشبع والشهرة.
لا تنجو الرواية من لطشات بها قدر من المبالغة في التخييل، بعضها مقبول يمكن هضمه في سياق السرد، مثل وصف أحمد رامي بـ«شاعري الخصوصي»، ومحمد عبد الوهاب «العبقري الأصلع»، وعبد الحليم حافظ «ابن السهوكة»، وأسمهان «القطة السورية» ، لكن يبدو شاذاً وغير مقبول وصف سيد درويش «فنان الشعب»، الذي رحل عن 31 عاماً بأنه «لم يخلص لشيء في حياته قدر إخلاصه للكوكايين والويسكي والفشل» (ص 135). سيد درويش حفظت أم كلثوم الكثير من ألحانه وغنتها في حفلات خاصة، تذكر الرواية ذلك، بل تكشف أن أول لقاء غنت فيه مع محمد عبد الوهاب كان بمنزل أبو بكر خيرت: «غنيت أنا والنجم الصاعد مونولوجاً من أوبريت العشرة الطيبة التي لحنها سيد درويش» (ص 243)
لم تكن أم كلثوم شتامة، بل كانت تعي أن الوفاء من شرف الخصومة. تذكر الرواية أنه بعد موت زكريا أحمد الذي جرجرها في المحاكم في واقعة شهيرة، اختيرت عضواً في لجنة جوائز الدولة التقديرية في الفنون، وأعطت صوتها له وأصرت على يأخذ الجائزة، رغم أن اللائحة تقصرها على الأحياء، فأعطيت له، وتم بعد ذلك تعديل اللائحة.
تبقى من الأشياء الفنية اللافتة في الرواية تنوع الإيقاع، وكأنه صدى لتنوع حركة السرد صعوداً وهبوطاً، ينعكس ذلك على اللغة فتفيض بروح شاعرية شديدة الدراما في مشهد الختام... تقول أم كلثوم وهي طريحة الصراع مع مرض الفشل الكلوي وكأنها تسترجع شريط حياتها في لحظة فاصلة: «صانعة الأضواء تتأذى من الأضواء لمرض مفاجئ. تلك هي المفارقة التي ربيتها في الركن غير المشمس من شرفتي. تحولت النبتة إلى يرقة، ثم حطت على كتفي على هيئة فراشة رقيقة تدعى (جريفز) أو مرض النشاط المفرط».
نجح محمد بركة في أن يجعل خيوط السرد في الرواية سلسة ومشوقة، تلتقي وتفترق، بل تتعقد أحياناً، بحسب تفاصيل الحكاية واقعياً وما تخلفه وراءها من فجوات تشبه الأسرار، وهو ما يجعل فعل التقمص مرناً، يوازن بين طاقة الانفعال والإسقاط النفسي على عوالم الشخصية الروائية وبين وظيفتي التعبير والتفسير، التي من خلالها يتبادل الكاتب قناعي الراوي العليم والمراقب، وكأنهما قناع واحد لأم كلثوم.



الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء
TT

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية، بل لطالما أسهمت من خلال دورها المحوري في إخصاب الأرض ورفدها بأسباب النماء، وسد غائلة الجوع والعطش عن كائناتها المختلفة، وفي جعل الكوكب الأرضي مكاناً صالحاً للعيش، وفي رسم خرائط الهجرات التي رسمت من خلالها حدود الدول.

وإذا كانت الأنهار، وفق ما أظهره التاريخ وأكدته الأدلة المحسوسة، قد هيأت الظروف الملائمة لنشوء الحضارات الكبرى، وبُنيت على ضفافها كبريات المدن والعواصم، فلا بد أن تكون تبعاً لذلك محل احتفاء الشعوب القديمة في اليونان ومصر وبلاد الرافدين، وفي شرق العالم وغربه، وأن تكون منجماً للأساطير وآلهة الخصب، وأن تقام لها الاحتفالات والأعياد والأضحيات من كل نوع. ولأن حضور الماء مقترن بحضور الحياة، وغيابه مقترن بغيابها، فقد كان من الطبيعي أن تشكل الأنهار ومجاري المياه وأحواضها، أحد أكثر مسببات الحروب، والنزاعات الدموية بين البشر.

وكما أن على الثلج أن يخسر هويته ومادته الصلبة، ليرفد بالماء اللازم مجاري الأنهار، فإن ما يحدث للأنهار هو الشيء نفسه، ولو بصورة أخرى، حين تكتشف أن حلمها الدهري بعناق البحر والاتحاد فيه، لا سبيل إلى تحقيقه إلا عبر فنائها بالذات. وقد أسهمت الأنهار في تغذية قرائح الشعراء والمبدعين بما يلزمها من الاستعارات، لا بفعل تكوينها اللولبي، المتراوح بين الظهور والخفاء، وهندستها الجمالية التلقائية، ولا بسبب غضب شتائها الطوفاني، أو نعاس صيفها المقمر فحسب، بل بسبب قدرتها الفائقة على الملاءمة بين حاجة الجماعة إلى تاريخ مشترك، وحاجة الأفراد إلى تأهيل ذاكرتهم بالأسرار.

ولهذه الأسباب وغيرها، تمكنت الأنهار بمختلف أحجامها، من رفد الأذهان ورفوف المكتبات، بأعمال وسرديات شديدة الفرادة، من بينها «الدون الهادئ» لشولوخوف، و«قلب الظلام» لكونراد، و«ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ، و«ثلاثمائة فرسخ على الأمازون» لجول فيرن، و«هناك أنهار في السماء» لأليف شافاك.

وإذا كان الليطاني لا يَثبت بمعايير الطول والغزارة والاتساع أمام أنهار العالم الكبرى، فإنه بالقياس إلى البلد الصغير الذي يشقه مجراه من الوريد إلى الوريد، يلعب الدور نفسه الذي يلعبه أترابه في حياة الشعوب والجماعات. إضافةً إلى أنه شكَّل على المستوى الجيوسياسي، محلاً للتجاذب المتواصل بين القوى الدولية المتصارعة، وبخاصة في الفترة التي أعقبت سقوط الدولة العثمانية، حيث تمكنت دولة الانتداب الفرنسي من أن تنجح في دفع الحدود الجنوبية للبنان الكبير، قليلاً إلى ما وراء النهر.

أما الليطاني نفسه، فقد تمكّن منذ خروجه من نبع العلَّيق غربي بعلبك، حتى مصبه في المتوسط، إلى الشمال من صور، من أن يجتذب إلى مجراه كثيراً من الروافد، بدءاً من البردوني وعمّيق والخريزات، وصولاً إلى ينابيع عين الزرقا والحجير والخردلي ووادي السلوقي وغيرها. كما أن إسهامه في حياة الفلاحين الساكنين إلى جواره، تراوح بين ري الأراضي العطشى، وتوليد الكهرباء، وبين إتراع قصص الحب بما يلزمها من الظلال والشجن الرومانسي. وهو إذ أعطى كنيته لبعض القرى، كما هو حال «علي النهري»، و«دير قانون النهر»، اتخذ من بعض محطات مجراه أسماء جانبية له، حتى إذا بلغ المصب أطلق عليه الجنوبيون اسم نهر «القاسمية».

ومع أن الليطاني قد ارتبط في أذهان كثيرين بالجنوب اللبناني، رغم أن معظم المسافات التي يقطعها تنتمي إلى البقاع، فإن الأمر عائد على الأرجح، إلى أن الشطر الأخير من النهر، حيث تكاد الحدود اللبنانية والفلسطينية تتلامسان تماماً في غير موضع، كان ولا يزال الجزء الأكثر عرضة للأطماع من سواه. فهو الذي اشتعلت من حوله الحروب، وسُميت باسمه «عملية الليطاني»، وتعمدت كل قطرة من مياهه بدماء الجنوبيين، كما بدموعهم وعرق جباههم وتباريح قلوبهم المجهدة.

أما في أزمنة السلم والتعاقب الوادع للسنين، فلطالما أسهمت الطبيعة الأليفة للنهر، والتقارب الحميم بين ضفتيه، في جعله مقصداً شبه دائم لأبناء جبل عامل، يلوذون بمياهه من حر الصيف، ويبثّونه لواعج قلوبهم وشكاواهم من شح المواسم وانقلاب الأحوال، ويُلقون إليه بأجسادهم التعبى، وأرواحهم الظامئة إلى السكينة.

وإذا كان من البديهي، أن يشكل الليطاني، بمياهه الرقراقة وأشجاره الظليلة ومشهديته الاحتفالية الباذخة، أحد ينابيع الإلهام الأكثر ثراءً لشعراء جبل عامل وكتابه، فإن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، هو ألا يحظى النهر بالاهتمام نفسه، الذي لقيته أنهار العالم المماثلة، رغم كل ما يزخر به حوضه من إرث غني، متصل بعضه بالأساطير والطقوس والشعائر الدينية والدنيوية، وبعضه الآخر بالفلكلور والأهازيج والأغاني.

ورغم كل ما بذلته من جهد في هذا المجال، فإن كل ما أمكنني العثور عليه هي أبيات كتبها الشاعر العباسي عبد المحسن الصوري، ابن مدينة صور، تحت عنوان «لا يوم كيومنا بشاطئ ليطا»، وهو اسم النهر آنذاك. وفي تلك الأبيات، ذات النظم المتكلف والتقفية المتعسفة، التي اضطره اسم النهر إلى استخدامها، يقول الصوري:

والطلُّ ينشر كلّ وقتٍ لؤلؤاً فيها سقيطا

وجواهر الأنوار تُطلِع من زبرجدها خليطا

فإذا رأيت الدرّ أبصرت العقيق به منوطا

حالٌ تردُّ إلى التصابي كلَّ كسلانٍ نشيطا

وقد اختلف الوضع قليلاً بين نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، حيث إن تحلُّق العامليين حول النهر لم تقتصر أسبابه على ما وفرته لهم ضفافه من مساحات الفرح والبهجة، بل لأنهم رأوه، في ظل التبلور الصعب للكيانات السياسية الوليدة، بوصفه رمز وجودهم، وصورة هويتهم القلقة والباحثة عن التحقق. وحيث شكّل اختيار وادي الحجير، أحد أجمل بقاع النهر، مكاناً لانعقاد المؤتمر الشهير الذي تنادى إليه العامليون للإعلان عن مبايعة فيصل الأول عام 1920 ملكاً على بلاد الشام، تجسيداً واضحاً لرمزية المكان وخصوصيته ودلالاته، فقد تحول الوادي المذكور وللأسباب نفسها، إلى ملتقى أثير للشعراء وتابعيهم، والى موئل دوري للمناظرات الأدبية والفكرية، ولمجالس الشاي والأنس والسمر.

وإذ كان من الطبيعي في تلك الفترة، أن تنعكس ملامح النهر وصوره الموزعة بين أودية الحجير والخردلي والسلوقي وغيرها، في قصائد العامليين ومقطوعاتهم، فقد خصه برسائل الحب والحنين وقصائد الوصف، غير واحد منهم، فكتب علي محمود الأمين، قصيدة عن وادي السلوقي، مطلعها «طرزتْ ثرَّةُ السحابِ الدَّفوقِ، بصنوف الأزهار وادي السلوقي». وكتب الفقيه المعروف محسن الأمين، قصيدة جاء فيها:

وادي الحجيْر سقاكَ وكَّافُ الحيا

كم فيك للأبصار من مستمتَعِ

جُمعتْ من الأشجار فيك بواسقٌ أمثالها

بسواكَ لم تتجمّع

ولقد تقاسمنا الغضا وغصونهُ

في راحتيك وناره في أضلعي

وادٍ حكتْ أزهارهُ ورياضهُ وجهاً

من الحسناء غير مقنَّعِ

على أن ما يبعث على الحيرة والاستغراب، لا ينحصر فقط بما تعرض له الليطاني من ظلم أهل السلطة والمتنفذين، ومقاولي الثروات الطبيعية، والتسبب بتلويث مياهه، وتحويل مجراه إلى مستنقع للسموم، بل بكون هذا الجمال الملحمي، الذي شكَّل الظهير الأكثر صلابة، للغة شعراء الجنوب وكتابه اللاحقين، لم يجد عدا استثناءات قليلة، صداه المناسب فيما ظهر لهم من قصائد وأعمال شعرية وروائية. وإذ تحتاج مقاربة هذه الإشكالية إلى غير هذا المقام، فإن ما أستطيع قوله أخيراً هو أن عظمة الأنهار لا تقاس بأحجامها وغزارة مياهها، بل بكونها واسطة عقد الذاكرة الجمعية، وبكونها مصدراً دائم التجدد للإلهام والأمل، وإرادة البقاء. وإذا كان بدر شاكر السياب قد رفع جدولاً صغيراً كنهر بويب، المحاط بغابات النخيل الوارفة في جنوب العراق، إلى مقام الأسطورة، فحريٌّ بأن يحظى الليطاني من الشعراء والكتاب الذين تربوا في كنف مياهه، بالتكريم نفسه والاهتمام إياه.


قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
TT

قبّة ديوان قصر هشام

لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا
لوحة من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها قصر هشام في نواحي حيفا

تمّ استكشاف سلسلة من القصور الأموية الموزّعة على نواحٍ من بوادي بلاد الشام خلال النصف الأول من القرن العشرين، وخرجت حملات التنقيب المتعاقبة في هذه المنشآت بمجموعات متنوّعة من اللقى الأثرية، شكّلت مادة للتعريف بالفنون الأموية المدنية. يعود الجزء الأكبر من هذه اللقى في الأصل إلى حلل زينية معمارية، ويعتمد في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، وتُعتبر أهمّ شواهده تلك التي خرجت من قصر المَشتى في الأردن، وقصر الحير الغربي في سوريا، وقصر هشام في فلسطين. تتكوّن هذه النقوش الجصيّة من شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرّدة والعناصر التصويرية المتعدّدة، منها النباتي، ومنها الحيواني، ومنها الآدمي. تحضر هذه العناصر المختلفة في قطعة كبيرة مستديرة الشكل، قيل إنها كانت تزيّن قبة ديوان قصر هشام، بأسلوبها الفني الرفيع، وتختزل جمالية خاصة طبعت الفن الإسلامي المدني في تلك المرحلة المبكرة من تكوينه.

تجمع حلل قصر هشام بين عناصر متعدّدة تعود إلى فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، وتعكس قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا تبدو هذه الحلل متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأموي. إلى جانب الزخارف المكوِّنة للعناصر المعمارية، كالتيجان والأفاريز والفتحات المعروفة بالنوافذ، اعتمدت هذه الحلل سلسلة من العناصر النباتية، منها أغصان الكرمة وسعف النخيل وبعض الثمار، كما اعتمدت سلسلة متنوعة من الأشكال الحيوانية، منها المعز الجبلية والغزلان والقردة والأرانب والخيول المجنحة، إضافة إلى أصناف عدة من الطيور. حضرت هذه العناصر الحية في شبكات زخرفية غلب عليها طابع التحوير والموازاة والتجانس المحكم، وحوى بعض منها عناصر آدمية متعدّدة الأشكال، بدت مدمجة بشكل كامل في التصاميم النباتية والسلاسل الزخرفية الهندسية. تجلّى هذا الانصهار بشكل لافت في قطعة دائرية من الحجم الكبير، رأى أهل الاختصاص أنها كانت تزيّن على الأرجح قبة تعلو قاعة قيل إنها تمثّل الديوان الخاص بقصر هشام، وهذه القاعة مربّعة، وطول ضلعها نحو 4 أمتار.

وصلت هذه القطعة المستديرة مهشّمة، وتم جمع مكوّناتها المبعثرة وصهرها إثر عملية ترميم متأنية. تحضر في الوسط زهرة محوّرة هندسياً تحيط بها ستة وجوه آدمية صيغت في وضعية المواجهة. يشكّل هذا التأليف الدائري نواة هذه القبة المتقنة، ويبلغ طول قطره نحو 1.5 متر. تلتف الوجوه الستة في حلقة دائرية يحيط بها شريط تزيّنه أغصان مورقة. ويلتفّ من حول هذا الشريط شريط أكبر حجماً تزيّنه أغصان مورقة مغايرة في الشكل. حافظت الكتلة الوردية التي تحتل وسط الصورة على مكوّناتها بشكل شبه كامل، ونقع على صورة توثيقية لها في الكتاب المرجعي الذي نشرته جامعة أوكسفورد في سنة 1959، وحمل عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». تتألف الوردة من ست بتلات، تحيط بها سلسلة بتلات، ينقسم كل منها جزأين متجانسين. تحيط بهذه السلسلة ست أوراق نباتية عريضة من فصيلة الأقنثا، وهذه الفصيلة معروفة في قاموس الفن الكلاسيكي، وتشكّل عنصراً من عناصر الفنين اليوناني والروماني المتوارثين عبر العصور والقارات. على صعيد الأسلوب المتبع، تحل الوردة في قالب تحويري يغلب عليه الطابع الهندسي التجريدي. في المقابل، تحل أوراق الأقنثا في قالب كلاسيكي، وتحافظ بشكل كبير على مثالها الطبيعي.

تنعقد حول هذه الأوراق سلسلة من ستة وجوه، تتشابه حتى التماثل. تبدو هذه الوجوه النضرة أنثوية في المقام الأوّل، غير أن التفحّص فيها يظهر أن اثنين منها ملتحيان، ممّا يعني أنها تجمع بين وجوه من الجنسين. التكوين واحد، ويتمثل بوجه بيضاوي ممتلئ، بدت ملامحه المجسّمة واضحة وجليّة. العينان لوزيتان ضخمتان، يتوسّط كلّ منهما بؤبؤ على شكل ثقب دائري غائر، والحاجبان عريضان ومقوّسان ومنفصلان. الأنف ناتئ ومستقيم، ومنخراه ظاهران. الثغر منمنم، وتعلوه ابتسامة خفرة. العنق عريضة ومكتنزة، وتشكّل قاعدة للرأس المنتصب من فوقها.

يعلو كل رأس قوس تزينه سلسلة من الفصوص البيضاوية، وتشكل هذه الأقواس شريطاً يحدّه شريطان نحيلان يخلوان من أي زخرفة. يلتف فوق هذا الشريط غصن مورق تُظهر أوراقه أنه من فصيلة الكرمة. تنصهر هذه الكرمة داخل شريط يتألف من سلسلة مشابهة من الأقواس المتجانسة، في قالب يحافظ كذلك على طابعه الواقعي الكلاسيكي، كما تشهد أوراق الدالية المصوغة بأسلوب واقعي. يلتف حول هذه الدالية شريط يماثل الشريط الذي يحيط بالوجوه، ومن حول هذا الشريط، تلتف سلسلة من الأغصان اللولبية، تشكّل خانات دائرية تحوي كل منها نبتة محوّرة، تستعيد شكل الأقنثا بأسلوب زخرفي مبتكر. تأتلف هذه النبتة من ورقتين متعاكستين، تعلوهما ورقتان عموديتان، وبين هاتين الورقتين، ينساب كوز مثمر بدت حبوبه مرصوفة في كتلة متراصة. يكتمل هذا التكوين الزخرفي المتين مع شريط دائري يلتف من حوله، وتزيّن هذا الشريط كذلك فصوص بيضاوية، وفقاً للطراز المتبع.

تتميّز هذه الشبكة بدقّتها ورهافة صناعتها، كما تتميز بهذه السلسلة من الوجوه الفتية التي تحيط بالوردة التي تحتل وسط التأليف. تتبع هذه الوجوه أسلوباً محلياً شاع بشكل خاص في تدمر، وتحضر في شواهد أثرية أخرى خرجت من بين أطلال قصر هشام، منها لوح مستطيل حوى تسعة وجوه تطل من وسط سلسلة من الميداليات الدائرية المتشابكة. في هذه اللوحة، كما في العديد من اللقى الجزئية، تطلّ هذه الوجوه في وضعية المواجهة، وتفتح عيونها اللوزية الشاخصة، وكأنّها تتأمل في ما لا يُرى.


المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين
TT

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

المغني الكردي الذي قُتل مرتين

صدر حديثاً عن دار «TASQ» للنشر كتاب «يوسف جلبي: المغني الكردي الذي قُتل مرتين» للكاتب إبراهيم اليوسف، وهو عمل توثيقي يستعيد سيرة الفنان الراحل يوسف جلبي، أحد أبرز مؤسسي الأغنية الكردية الحديثة، وأحد أهم رموز الفلكلور الكردي في سوريا.

يتناول الكتاب حياة يوسف جلبي ومسيرته الفنية والإنسانية، منذ ولادته عام 1927 في قرية جبلكراو التابعة لمنطقة نصيبين، مروراً بانتقاله إلى الجزيرة السورية وبداياته الفنية، وصولاً إلى تحوله إلى واحد من أكثر الفنانين تأثيراً وحضوراً في الوجدان الشعبي الكردي.

ويبرز الكتاب المكانة الريادية التي شغلها يوسف جلبي في تاريخ الأغنية الكردية، إذ كان من أوائل الفنانين الذين عملوا على حفظ الأغنية التراثية الكردية وصونها من الضياع، كما أعاد أداء عدد كبير من الأغاني الشعبية المتوارثة، وفي الوقت نفسه ألّف كلمات أغنيات جديدة، ولحّنها وغنَّاها، ليترك إرثاً فنياً جمع بين الحفاظ على التراث وتجديده وتطويره. وقد شكّلت أعماله جسراً بين الذاكرة الشعبية والإبداع الفني، الأمر الذي جعل اسمه حاضراً في ذاكرة أجيال متعاقبة من الفنانين والجمهور.

ويستند المؤلف إلى جهد توثيقي امتد سنوات، اعتمد خلاله على لقاءات وشهادات ووثائق ومرويات نادرة، ويحتل الحوار المطول مع نجله البكر جلبي جلبي، موقعاً محورياً في الكتاب، حيث يقدم شهادات تفصيلية عن حياة والده وفنه وعلاقاته الاجتماعية والظروف التي أحاطت باعتقاله. كما يضم الكتاب شهادات ومرويات من أفراد أسرته ومحيطه، تسهم في رسم صورة أكثر اكتمالاً للفنان الإنسان وللمرحلة التي عاشها.

كما يتناول الكتاب الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بيوسف جلبي، والضغوط التي تعرض لها بسبب مواقفه وأغانيه، وصولاً إلى اعتقاله وتعذيبه على يد عناصر المكتب الثاني تحت إشراف ضابط الاستخبارات في قامشلي حكمت ميني، وانتهاء حياته تحت التعذيب عام 1962، في حادثة لا تزال حاضرة في الذاكرة الثقافية الكردية بوصفها واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخ الفن الكردي.

ويحاول المؤلف من خلال هذا العمل إعادة فتح ملف يوسف جلبي فنياً وإنسانياً، وإعادة الاعتبار إلى إرثه الذي تعرَّض جانب منه للتغييب والضياع نتيجة غياب التوثيق، رغم تأثيره العميق في مسيرة الأغنية الكردية وفي عدد كبير من الفنانين الذين حملوا أغانيه وألحانه إلى الأجيال اللاحقة.

قدم للكتاب الدكتور محمد عزيز زازا والدكتور ولات محمد، اللذان تناولا تجربة يوسف جلبي الفنية ومكانته في تاريخ الغناء الكردي ودوره بوصفه أحد الآباء المؤسسين للأغنية الكردية في سوريا. وكان غلاف الكتاب لوحة تشكيلية للفنان رحيمو حسين.