الحكي من وراء قناع أم كلثوم

محمد بركة يروي قصتها المحجوبة في «حانة السِّت»

الحكي من وراء قناع أم كلثوم
TT

الحكي من وراء قناع أم كلثوم

الحكي من وراء قناع أم كلثوم

تبدو فكرة التقمص مفتاحاً مهماً في رواية «حانة الست»، الصادرة حديثاً عن دار المثقف بالقاهرة للكاتب محمد بركة، فالراوي يتقمص سيرة حياة أم كلثوم ويجعلها تروي قصتها المحجوبة في إطار علاقة شبه تفاعلية معها، كما يشي عنوان الرواية، محتفظاً بمسافة مرنة بينه وبين الشخصية، توفر له متابعة الوقائع والأحداث، وما تتكشف عنه من أسرار ومفاجآت، في حياة امرأة تربعت على عرش الغناء العربي وصارت عنواناً له ورمزاً لخلوده.
يراوح الراوي (الكاتب) في الحكي من وراء قناع أم كلثوم، ما بين دور المراقب المحايد الذي يوفر فضاءً آمناً للبطلة للتعبير عن بوحها واعترافاتها ولو في شكل أسئلة، بعضها يظل عصياً عن الإجابة، ثم الراوي العليم الذي لملم قصاصات هذه السيرة من التاريخ والمتون والهوامش، وما جاء على ألسنة عشاقها ومعجبيها، وما كتب وصوِّرَ عنها، ويقر منوهاً في ختام الرواية بأن «الوقائع التي وردت فيها حول حياة السيدة أم كلثوم صاغها خيال المؤلف استناداً إلى وقائع مغيّبة ومنسية».
على ضوء ذلك يمنح المؤلف خياله حرية الشطح فيبدو وكأنه صوت البطلة، ينبش في مساحة وعيها ولا وعيها، ليظل هذا الصوت مستيقظاً يحكي، ويسمعه القارئ بلهفة، بينما يتراوح أفق التخييل للوقائع والأحداث ما بين الخفّة والثقل، فثمة وقائع مكتملة بذاتها، وثمة أخرى تـحتاج إلى هذا النبش، وما بين هذه وتلك ثمة مسحة من التزيد، تصل أحياناً إلى حد افتعال المفارقة والسخرية الخشنة لملء الفراغات والشقوق. من هذه المفارقات الخشنة لقطة عابرة (ص39) تصور انتقام البطلة من غريمتها التي تعودت مضايقتها في الكُتّاب، تذهب مبكراً لتكسِّر لوحها الإردواز، لكنها تفاجأ برجل مفتول الشارب (مفتش من وزارة المعارف) يغريها بقطعة من الشوكولاته وهو يسألها عن اسمها، ويثني على حرصها على التعليم والذهاب مبكراً.
يدعم هذا النبش فضاءُ حكي مفتوح، منفلت من قبضة التراتب الزمني كما يحدث في كتابة السيرة الذاتية. وهو ما يطالعنا في العتبة التمهيدية للرواية على لسان البطلة الراوية فيما يشبه شرطاً قاطعاً للحياة والوجود داخل الرواية وخارجها قائلة: «لا تعرف الأشباح الانفعال، لكن هذا الرجل الذي يحمل الغلاف توقيعه كمؤلف فعلها، جعلني بهدوئه القاتل أنفعل حقاً، كنت أنا الشبح الهائم في سديم العالم الآخر أكثر حرارة وحيوية منه، أتعب قلبي، لكن للأسف هو فقط من يصلح لهذه المهمة. استعدت هدوئي وقلت: ستتحرك عبر الزمن صعوداً وهبوطاً حسب ما أمليه عليك، دون أدنى التزام بترتيب الأحداث».
تظل كاف التشبيه التي تنعت بها أم كلثوم المؤلف (كمؤلف) نقطة فارقة في الرواية، مشكلة خيطاً شفيفاً بين الوهم بالحقيقة والحقيقة نفسها، حتى يبدوا في لحظات كثيرة وكأنهما قناع لزمن آخر، زمن وطن تنكشف صورته وملامحه على شتى المستويات الإنسانية في ظلال وطوايا تلك الوقائع، وفي مفاضل تاريخية فارقة. حيث تعاصر صاحبة القصة المحجوبة وطنها في لحظات صعوده وتحرره من أقصى الملكية إلى أقصى الثورة، ثم في لحظات هزيمته وانكساره.
لا تنشغل الرواية عبر 290 صفحة، بما يمكن تسميته بـ«ذاتية أم كلثوم»، وهو الوجه الآخر المتخفي داخل تجاويف القناع، حيث نستشرف صورة امرأة مغلوبة على أمرها، لا تملك، على حد قولها «أنوثة هند رستم ولا دلع شادية»، وبرأيي يشكل هذا المنحى مدخلاً مهماً لم تنبش فيه الرواية بشكل عميق، لفهم العلامات والدلالات والرموز الكامنة تحت قشرة الوعي واللاشعور، ويمكن أن نتلمس ملامحه واقعياً في حياتها العاطفية، فرغم ما حققته من مجد وشهرة، ارتضتْ بـ«فتافيت» الغرام والحب، وأن تكون الرقم الثاني في معادلة الحياة الزوجية، بينما هي الرقم الأول في معادلة الحياة الفنية. كل من أحبتهم ووقعت في غرامهم، وحامت الشبهات حولهم بالزواج منها، بداية من أستاذها وحبيبها الملحن أبو العلا محمد، والملحن محمود الشريف حتى الطبيب الشهير أحمد الحفناوي، الوحيد الذي أغلقت عليه دفتر حياتها العاطفية وكان يكبرها بـ17عاماً. كلهم كانوا متزوجين ولديهم أبناء وأسر مستقرة... لقد وعت أم كلثوم وبحساسية من هذه الذاتية أن المجد ليس ستراً للبدن كالزواج، إنما هو موهبة تتطلب مغامرة ومقدرة فائقة على الكدح والنضال من أجل تنميتها، وهو ما حققته بجدارة وامتياز، وجسدته الرواية.
لكن في هذه العباءة لا جديد محجوباً وفارقاً في سيرة البطلة: كفاحها وصعودها من القاع إلى القمة، مكائدها وحروبها الصغيرة مع أقرانها والتي وصل بعضها إلى المحاكم (زكريا أحمد على سبيل المثال)، أغلبها مرمي على قارعة الطريق، ومتناثر في أضابير الميديا والإنترنت.
الجديد برأيي هو تعامل الرواية مع فضاء الطفولة مسرح السرد الأساسي، حيث يتوغل السرد بسلاسة لغوية وأسلوبية، تمتزج في روائحها عادات وتقاليد القرية المصرية القحة في ذلك الزمن الغابر، ويكتسب فعل الحكي بكل تقاطعاته مع الألم والحزن واللعب حيوية المعايشة لصورة يعلق بها غبار الذاكرة والتاريخ.
مناخات طفولة تعيسة وشقية عاشتها أم كلثوم بقريتها «طماي الزهايرة» بمحافظة الدقهلية (شمال القاهرة)، وفي كنف أسرة فقيرة تعاني من شظف العيش: أب يعمل إماماً ومؤذناً لمسجد بالقرية، ومنشداً للتواشيح والأذكار الدينية في الموالد والأفراح، ولا يستطيع أن يسد رمق أسرته، وأم رءوم تحبو على أسرتها، وتصر على تعليم ابنتها أم كلثوم القراءة والكتابة وحفظ القرآن. يكتشف الأب بالصدفة جمال صوتها فيضمها لبطانته، بجوار شقيقها الأكبر خالد، لكن تحت قناع زي صبي بعقال بدوي، مراعاة للتقاليد الاجتماعية والدينية، ورويداً رويداً يتحسن دخل الأسرة. لكن الرواية تغفل في سياق هذه الطفولة وجود «سيدة» الأخت الكبرى لأم كلثوم، فلم نسمع لها صوتاً في فضاء ذلك المسرح الشجي، والذي لا يخلو من ألاعيب الصبا الغضة المرحة. تحضر سيدة في القاهرة وبعدما تـخطو أم كلثوم خطواتها الشابة المطمئنة فوق سلم الشهرة. تقول لأحمد رامي وهو يراها لأول مرة ويتلبس علية الأمر: «صحيح أنا التي ربيت أم كلثوم على يدي وأعتبرها مثل ابنتي، لكني في النهاية أختها الكبرى، خدامتك سيدة» (ص 166).
على مدار الرواية لا تلعب أم كلثوم دور الراوية لحياتها فقط، وإنما تتحول إلى قناع لها، عبر مؤلف تحول بدوره للعبة لا تخلو من ذكاء أدبي، وأصبح شاهد عيان على تحولات الشخصية عبر مجموعة من المرايا، تنداح ما بين ماضي البطلة، وحاضرها الغائب، ولحظة الكتابة عنها. وخلال ذلك يتكسر بعضها ويتهشم ويتحول إلى شظايا، خاصة في المسافة بين الشخصية وقناعها، التي ترفض أن تتوحد به وتذوب فيه، وتعيشه، ليس كغاية، إنما كوسيلة تساعد على توسيع زوايا الرؤية، وكشف المهمش المسكوت عنه والمنسي داخل شقوق زمن مضطرب وقاس، وحياة تقلبت ما بين أقصى درجات الجوع والفقر والحرمان، وأقصى درجات الرغد والشبع والشهرة.
لا تنجو الرواية من لطشات بها قدر من المبالغة في التخييل، بعضها مقبول يمكن هضمه في سياق السرد، مثل وصف أحمد رامي بـ«شاعري الخصوصي»، ومحمد عبد الوهاب «العبقري الأصلع»، وعبد الحليم حافظ «ابن السهوكة»، وأسمهان «القطة السورية» ، لكن يبدو شاذاً وغير مقبول وصف سيد درويش «فنان الشعب»، الذي رحل عن 31 عاماً بأنه «لم يخلص لشيء في حياته قدر إخلاصه للكوكايين والويسكي والفشل» (ص 135). سيد درويش حفظت أم كلثوم الكثير من ألحانه وغنتها في حفلات خاصة، تذكر الرواية ذلك، بل تكشف أن أول لقاء غنت فيه مع محمد عبد الوهاب كان بمنزل أبو بكر خيرت: «غنيت أنا والنجم الصاعد مونولوجاً من أوبريت العشرة الطيبة التي لحنها سيد درويش» (ص 243)
لم تكن أم كلثوم شتامة، بل كانت تعي أن الوفاء من شرف الخصومة. تذكر الرواية أنه بعد موت زكريا أحمد الذي جرجرها في المحاكم في واقعة شهيرة، اختيرت عضواً في لجنة جوائز الدولة التقديرية في الفنون، وأعطت صوتها له وأصرت على يأخذ الجائزة، رغم أن اللائحة تقصرها على الأحياء، فأعطيت له، وتم بعد ذلك تعديل اللائحة.
تبقى من الأشياء الفنية اللافتة في الرواية تنوع الإيقاع، وكأنه صدى لتنوع حركة السرد صعوداً وهبوطاً، ينعكس ذلك على اللغة فتفيض بروح شاعرية شديدة الدراما في مشهد الختام... تقول أم كلثوم وهي طريحة الصراع مع مرض الفشل الكلوي وكأنها تسترجع شريط حياتها في لحظة فاصلة: «صانعة الأضواء تتأذى من الأضواء لمرض مفاجئ. تلك هي المفارقة التي ربيتها في الركن غير المشمس من شرفتي. تحولت النبتة إلى يرقة، ثم حطت على كتفي على هيئة فراشة رقيقة تدعى (جريفز) أو مرض النشاط المفرط».
نجح محمد بركة في أن يجعل خيوط السرد في الرواية سلسة ومشوقة، تلتقي وتفترق، بل تتعقد أحياناً، بحسب تفاصيل الحكاية واقعياً وما تخلفه وراءها من فجوات تشبه الأسرار، وهو ما يجعل فعل التقمص مرناً، يوازن بين طاقة الانفعال والإسقاط النفسي على عوالم الشخصية الروائية وبين وظيفتي التعبير والتفسير، التي من خلالها يتبادل الكاتب قناعي الراوي العليم والمراقب، وكأنهما قناع واحد لأم كلثوم.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».