4 سنوات في مغطس الدماء: نازحون في الداخل فقدوا طريق العودة

استعادة بيوتهم ممن سكن فيها.. مشكلة كبيرة تنتظر السوريين بعد انتهاء الحرب

احياء سورية مدمرة
احياء سورية مدمرة
TT

4 سنوات في مغطس الدماء: نازحون في الداخل فقدوا طريق العودة

احياء سورية مدمرة
احياء سورية مدمرة

لا يتمالك أبو أغيد نفسه وهو يستعيد ذكريات المظاهرات في مدينته حمص عام 2011 فيستغرق في البكاء على من مات من أهله وجيرانه وعلى منزله ومشغله وبيوت وأراضي عائلته التي دمرت ونهبت. أربع سنوات مضت وها هي السنة الخامسة تطل عليه وجراحه لم تندمل، وما زال مصمما على القول: «لن تطيب جراحنا ونعوض خسائرنا إلا بسقوط النظام»، يقولها ويهز رأسه متأسفا ليتبعها بكلمة: «يا حيف».
يعيش أبو أغيد (50 عاما) في حي الغوطة بحمص، في نزوح هو الثالث له خلال عامين، فالأول كان باتجاه القلمون وسط البلاد، ثم طرطوس، واليوم في أحد أحياء حمص الآمنة نسبيا، يعيش في بيت يدفع إيجاره شقيقه اللاجئ في تركيا 25 ألف ليرة (100$)، ويشير إلى أن اثنين من أشقائه ووالدته قتلوا في حمص أيام المظاهرات في العام الثاني من الثورة. بقية أشقائه الثلاثة، هاجروا مع عائلاتهم كل إلى بلد؛ ألمانيا وتركيا ولبنان، أما هو فلم تكن لديه إمكانية للهجرة فتنقل داخل البلاد إلى أن عاد ليستقر في حمص في حي غير حيه الذي نشأ فيه، ولم يعد لديه أي أمل باستعادة بيته المدمر ولا عمله، فبعد أن كانت له ورشة نجارة بات بائعا متجولا للملابس المستعملة، وبالكاد هو قادر على تحصيل لقمة العيش لأطفاله الثلاثة ووالدتهم. ويقول: «لولا مساعدة أشقائي في الخارج لسحبتني الكلاب بالشوارع. أعيش اليوم على الكفاف، حتى أطفالي دون مدرسة».
والمشكلة الكبرى التي يعاني منها اليوم، أن أصحاب المنزل الذي يستأجره، وكانوا قد فروا إلى لبنان، قرروا العودة إلى منزلهم بحمص، وهو ليس بإمكانه البحث عن منزل آخر؛ إذ لا يمكنه دفع أي مبلغ إضافي بعد ارتفاع أسعار الإيجارات. ويتساءل عما «إذا كان لمن هرب بداية الثورة وترك بلده ومدينته وبيته، أن يعود إلى منزله ويطرد الذي تبقى وصمد تحت القصف والبطش والدمار!!».
أحد الناشطين المعارضين وما زال يقيم في حمص، تحدث عن مشكلة كبيرة تنتظر السوريين بعد انتهاء الحرب، وهي مشكلة المهجرين الذين نزحوا إلى الأحياء الآمنة وسكنوا في بيوت نزح أصحابها إلى دول الجوار أو أوروبا، ومعظم النازحين الذين سكنوا تلك البيوت الفارغة استئجارا أو استيلاء، نزحوا من أحياء مدمرة وفقدوا موارد رزقهم، وبالتالي لم يعد باستطاعتهم إخلاء البيوت التي استقروا بها في حال عاد أصحابها.
وبحسب الأرقام المتداولة، فإن أكثر من 7 ملايين سوري تهجروا من بيوتهم، ونزحوا داخل البلاد إلى المناطق الأكثر أمنا، بينما يقدر بأكثر من 4 ملايين عدد اللاجئين إلى دول الجوار (تركيا والأردن ولبنان) التي استقبلت العدد الأكبر من اللاجئين، بالإضافة لمصر والعراق ودول أخرى في أوروبا. وتعد محافظات حمص ودرعا وحلب وإدلب والرقة والحسكة ودير الزور، الأكثر تضررا على هذا المستوى، وتعادل ثلثي مساحة البلاد تقريبا، تعرضت غالبية مناطقها، أحياء وبلدات، لتدمير كامل.
وتشير تقارير منظمات دولية إلى أن محافظة ريف دمشق وأحياء أطراف العاصمة، تصدرت قائمة النزوح، فقد تجاوز عدد النازحين 3 ملايين نسمة، معظمهم من أحياء العاصمة الجنوبية ومخيم اليرموك وحي العسالي والحجر الأسود، المعروفة بـ«حزام الفقر» ذات الكثافة السكانية العالية، وأحياء القابون وبرزة، التي تحولت إلى مناطق شبه خالية من السكان نتيجة محاصرتها من قبل قوات النظام وتعرضها لتدمير منهجي واسع.
واتجه معظم سكان الأحياء الثائرة في مدينة حمص وفي بلدة القصير باتجاه القلمون بريف دمشق ومحافظتي طرطوس وحماه، لتبقى أكثر من 10 أحياء في مدينة حمص شبه خالية من السكان، مثل أحياء حمص القديمة والقصور وبابا عمرو والخالدية وجورة الشياح، والإنشاءات التي دمرت بشكل شبه كامل. أما سكان محافظتي إدلب وحلب، فكان توجههم نحو اللاذقية على الساحل السوري، كما توجه النازحون من غوطة دمشق ودرعا إلى محافظة السويداء.
وقدرت منظمات حقوقية نسبة الأطفال بين نازحي الداخل بـ45 في المائة، يعيش عدد كبير منهم في الحدائق ومراكز الإيواء الحكومية، وهي عبارة عن مدارس خرجت من الخدمة ومبان رسمية مهجورة، لا تتوفر فيها شروط السكن والأمان والحماية، أو أي من المستلزمات الضرورية. كما يعاني النازحون ممن استأجروا منازل في مناطق أكثر أمنا، من الفقر بسبب غلاء المعيشة ونفاد المدخرات، وفقدان مورد الرزق بسبب مقتل أو تغييب المعيل، ومعظم النازحين حتى الذين اضطروا للعمل بأشغال ومهن صغيرة، يتلقون مساعدات بشكل أو بآخر من جهات محلية أو من أقارب في الخارج.
وبعد 4 سنوات من النزوح، يتحدث أكثرية النازحين الذين استقروا في منازل بديلة عن فقدان الأمل بالعودة إلى مناطقهم. أبو مصطفى (70 عاما) النازح من ريف حمص الغربي، لا يتمنى سوى أمر واحد: أن يدفن في بلدته بريف القصير الذي بات اليوم تحت سيطرة حزب الله. ومع أنه لم يشارك في المظاهرات ضد النظام ولا في أي أعمال قتالية، إلا أنه يخشى العودة المشروطة بتسوية وضعه مع الجهات الأمنية؛ إذ لا توجد ضمانات لعدم اعتقاله أو قتله، ناهيك بتدمير منزله والاستيلاء على أراضيه الزراعية وكل ممتلكاته، ويقول: «جاري عاد إلى المنطقة، لكنه لم يجد منزله ولا أرضه، فمات بالسكتة القلبية كمدا».
في حين أن ماجد الذي غادر مدينة حماه إلى دمشق بسبب مضايقات المخبرين في حيه واستدعاءاته المتكررة إلى فروع الأمن واعتقاله لمدد متفاوتة، ما زال منزله ومحله التجاري قائما، لكنه نفسيا لم يعد قادرا على الذهاب إلى حماه، واختار دمشق للاستقرار والعيش بعيدا عن معارفه وأهله. يقول: «حياتي انقلبت رأسا على عقب، وقد تعايشت مع هذا الوضع إلى حد أني لم أعد قادرا على تعديله، حتى لو أتيحت لي العودة إلى مدينتي، فلن أعود».
بعد 4 سنوات من انطلاقة الثورة، لم يعد حلم السوريين الخلاص من الاستبداد وإنما فقط العيش في منطقة آمنة دون تهديد من أي طرف، حتى حلم عودة النازحين واللاجئين إلى بيوتهم ومناطقهم، بدأ يبهت في مغطس الدماء الساخن ليصبح حنينا موجعا إلى حياة صارت من الماضي، غير معلوم ما إذا كانت ستتجدد، أم ستؤول، كما غيرها، إلى حيوات شعوب أخرى عاشت النزوح واللجوء ولا تزال.



خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
TT

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)

شهدت مدينة عتق، مركز محافظة شبوة اليمنية، الأربعاء، اشتباكات مسلحة رافقت مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، فيما اتهمت اللجنة الأمنية العليا عناصر خارجين عن القانون بالوقوف وراء محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة، والاعتداء على أفراد الأمن.

وأدانت اللجنة الأمنية في شبوة، بأشد العبارات، في بيان رسمي ما وصفته بـ«العمل الإجرامي المسلح» الذي أقدمت عليه عناصر «مندسة، وخارجة عن النظام، والقانون»، متهمة إياها باستهداف أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية بالذخيرة الحية، ومحاولة اقتحام مبنى السلطة المحلية بالقوة.

وأفادت مصادر محلية بأن التوتر بدأ مع تحرك مجموعة من المحتجين باتجاه مبنى السلطة المحلية، في حين تدخلت قوات الأمن لتفريقهم، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وسط تضارب في الأرقام، والروايات حول هوية الضحايا، وعددهم.

الأمن في شبوة اتهم مندسين في مظاهرة «الانتقالي» بإطلاق النار (إكس)

سكان ونشطاء تداولوا مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر محتجين يرفعون أعلام «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، وصور قياداته، بينما بدت مجاميع مسلحة ترافقهم في شوارع المدينة. وبحسب روايات متداولة، حاولت مجموعة الصعود إلى سطح مبنى المحافظة لإنزال العلم اليمني، ما فاقم التوتر في محيط الموقع.

وتحدث ناشطون عن إلقاء قنبلة متفجرة باتجاه حراسة بوابة المبنى، ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود المكلفين بحمايته، فيما أشارت روايات أخرى إلى أن القوات أطلقت النار في الهواء لتفريق الحشود قبل أن تتطور المواجهات إلى تبادل إطلاق نار.

وفي حين لم تورد السلطات الرسمية توضيحاً عن عدد الضحايا، قال الإعلام الموالي لـ«الانتقالي» إن 4 قتلى سقطوا، كما أصيب 28 آخرون، وسط اتهامات لعيدروس الزبيدي -الذي كان هرب إلى أبوظبي الشهر الماضي- بمحاولة زعزعة الاستقرار في المحافظات اليمنية الجنوبية، والشرقية عبر موالين له.

توضيح أمني

وفي خضم هذه التطورات، أصدرت اللجنة الأمنية بمحافظة شبوة بياناً أدانت فيه الأحداث، وقالت إن عناصر مندسّة، وخارجة عن النظام، والقانون، اعتدت على أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية، واستهدافهم بالذخيرة الحية، مع محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة بالقوة.

وأكدت اللجنة في بيان لها أن هذا التصرف المدان يمثل اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة، وهيبتها، وتهديداً مباشراً للأمن، والاستقرار في المحافظة، محملةً العناصر المشبوهة المسؤولية القانونية الكاملة عن تبعات هذه الأعمال الإجرامية، وما أسفرت عنه من سقوط ضحايا، ومصابين نتيجة استخدام القوة المسلحة بصورة متعمدة، في تحدٍ خطير للقوانين النافذة، واستخفاف واضح بحرمة الدم اليمني، والسلامة العامة.

قوات أمنية أمام مبنى الإدارة المحلية لمحافظة شبوة في مدينة عتق (إكس)

وشددت اللجنة الأمنية على أن الحق في التعبير، والتظاهر السلمي مكفول بالقانون، إلا أن حمل السلاح، والاعتداء على رجال الأمن، واستهداف المنشآت الحكومية يُعد من الجرائم الجسيمة التي يعاقب عليها القانون، ولن يتم التساهل معها تحت أي ظرف، أو مبرر.

وأعلنت اللجنة مباشرتها إجراءات ملاحقة العناصر المتورطة في هذا الاعتداء، وضبط كل من يثبت تورطه في التحريض، أو التمويل، أو التخطيط، أو التنفيذ، وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون.

تشديد على رفض الفوضى

وأكد البيان أن الأجهزة الأمنية والعسكرية في شبوة ستتخذ كافة التدابير، والإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة، وصون الأمن العام، ولن تسمح بفرض الفوضى، أو تقويض السكينة العامة.

وحملت اللجنة الأمنية المسؤولية الكاملة لكل من سعى إلى جرّ المحافظة نحو مربع العنف، والفوضى، محذرةً من مغبة الاستمرار في مثل هذه الأعمال التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، والمساءلة القانونية الصارمة.

ودعت اللجنة كافة المواطنين إلى الالتزام بالنظام، والقانون، وعدم الانجرار خلف الدعوات المشبوهة، والتعاون مع الأجهزة المختصة للحفاظ على أمن المحافظة، واستقرارها، مجددة عزمها الثابت على فرض النظام، وسيادة القانون، والتزامها بحماية الأرواح، والممتلكات، والتعامل بحزم ومسؤولية مع أي تهديد يمس أمن المحافظة.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل يرفعون صور الزبيدي (إكس)

وكانت اللجنة الأمنية استبقت هذه الأحداث ببيان أكدت فيه التزامها الكامل بالحفاظ على الأمن، والاستقرار، وحماية المكتسبات الوطنية التي تحققت في المحافظة، مشددة على ضرورة احترام القانون، والنظام في جميع الفعاليات، والأنشطة العامة.

وقالت إنها تحترم الحريات العامة، وحق الرأي، والتعبير السلمي، مع التأكيد على أن ممارسة هذه الحقوق يجب أن تكون ضمن الأطر القانونية، والتشريعية، حفاظاً على السلم الاجتماعي، والأمن العام.

وفي حين حذرت اللجنة الأمنية في شبوة من قيام أي فعالية غير مرخصة، أو تنفذ من دون التنسيق مع الجهات المختصة، دعت جميع المواطنين، والمكونات المجتمعية إلى تغليب المصلحة الوطنية، والالتزام بالقوانين المنظمة للأنشطة، والفعاليات، لضمان حماية المكتسبات الوطنية، وصون السلم الاجتماعي.


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.