رياض محرز... من لاعب عانى كثيراً لإثبات وجوده إلى نجم ساطع في مانشستر سيتي

الصعود اللافت للجزائري يتواصل من موهبة خجولة في باريس إلى بطل يحمل الألقاب في إنجلترا

TT

رياض محرز... من لاعب عانى كثيراً لإثبات وجوده إلى نجم ساطع في مانشستر سيتي

قال محمد كوليبالي، الذي ما زال يعمل مديراً تقنياً في نادي سارسيل الذي بدأ فيه النجم الجزائري رياض محرز مسيرته في عالم كرة القدم، من دون دهشة «هذا رياض! فمنذ أن كان لاعباً شاباً كان يؤمن دائماً بموهبته ولا يخاف أبداً. وإذا وضعت أمامه هدفاً فسوف يحققه». لقد مر أكثر من 12 عاماً منذ أن جرب الشاب الجزائري النحيل، الذي عانى كثيراً من أجل إثبات نفسه في نادي سارسيل، حظه في تجربة مع نادي كيمبيه للهواة، على بُعد 600 كيلومتر على الساحل الأطلسي لفرنسا.
ومنذ ذلك الحين، حقق محرز طموحه في تمثيل منتخب الجزائر في كأس العالم، وفاز بجائزة رابطة اللاعبين المحترفين كأفضل لاعب في الدوري الإنجليزي الممتاز بعدما قاد نادي ليستر سيتي للفوز بلقب الدوري عام 2016. ولا شك في أن الأداء الاستثنائي الذي قدمه محرز في مباراتي الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا أمام باريس سان جيرمان لن يكون آخر خطوة في رحلته نحو العظمة، بحسب مدربه السابق.
يقول كوليبالي «لست مندهشاً من وصوله إلى هذا المستوى؛ لأنه منذ سن الثامنة عشرة من عمره تحول إلى وحش. دائماً ما كان رياض يمتلك عقلية قوية للغاية ويثق دائماً في نفسه - وأصبح الآن لاعباً متكاملاً لا يخشى المسؤولية». قضى محرز ما يقرب من خمس سنوات في نادي سارسيل، الذي ينافس بالقرب من المكان الذي نشأ فيه محرز بضاحية شمالي العاصمة الفرنسية باريس التي لا تزال تشهد معدلات بطالة عالية. وكان والده، أحمد، قد سافر من الجزائر إلى فرنسا وهو في الثالثة والعشرين من عمره في أوائل السبعينات من القرن الماضي لتلقي علاج في القلب ساعده على البقاء على قيد الحياة لما يقرب من ثلاثة عقود، لكنه توفي عندما كان ابنه يبلغ من العمر 15 عاماً.
يقول كوليبالي «في ذلك العمر، كان رياض صغيراً وخجولاً للغاية. لكنه كان طفلاً لا يريد القيام بأي شيء سوى لعب كرة القدم دائماً، ولا يزال كما هو حتى اليوم، فهذا جزء من شخصيته. وهناك الكثير من الشباب في سارسيل لديهم العقلية نفسها». ووصف أصدقاء محرز اللاعب الجزائري بأنه «مجنون بكرة قدم»، وغالباً ما كان يُشاهد وهو يعمل على تحسين مهاراته في الساعات الأولى من الصباح في حي «ليه سابلون» المحلي. وقال هايل مبمبا، الذي كان أيضاً مشرفه في الكلية، لوكالة الصحافة الفرنسية هذا الشهر «كان يلعب كرة القدم حتى من دون أضواء، ولم يكن بمقدور أحد أن يوقفه».
وقد أتى هذا التصميم ثماره، حيث انتقل إلى نادي كيمبيه ثم إلى لوهافر، ومنه إلى ليستر سيتي. وتألق محرز بشكل مثير للإعجاب وقاد ليستر سيتي للفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز في عام 2016، وأصبح النجم الجزائري معشوقاً للجماهير لدرجة أن الحلاق المحلي، نسيم، تلقى طلبات لا حصر لها من زبائنه بأن يجري لهم «قصة محرز». وقال نسيم لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في عام 2016 «شعبيته في سارسيل تعادل شعبية كريستيانو رونالدو. فإذا فعل رياض شيئاً، يقلده الجميع هناك». أما كوليبالي فيقول «كل الأطفال هنا فخورون جداً به. لقد كان يتحلى بشجاعة كبيرة، والكثيرون من هؤلاء الأطفال يرغبون في السير على الطريق نفسها. عندما كان رياض في السابعة عشرة من عمره، كانت الأمور صعبة للغاية عليه، لكنه الآن أحد أفضل اللاعبين في العالم. إنه يُظهر فقط أن كل شيء ممكن، حتى بالنسبة لشخص من سارسيل».
وتم افتتاح ملعب يحمل اسم محرز في مسقط رأسه، حتى قبل المستويات الأخيرة الرائعة مع مانشستر سيتي وقيادته منتخب الجزائر للفوز بكأس الأمم الأفريقية في عام 2019؛ وهو ما عزز مكانته كبطل في البلد الذي قضى فيه العديد من العطلات في طفولته. وبحسب الصحافي الجزائري ماهر مزاحي، فإن قرار المدير الفني لمنتخب الجزائر، جمال بلماضي، بمنحه شارة القيادة قبل المباراة الحاسمة أمام توغو في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 قد غيرت الأمور للأفضل.
يقول مزاحي «لم تكن الأمور تسير بشكل جيد تحت قيادة المدير الفني السابق، وكانت هناك بعض الأسئلة الجادة بشأن ما إذا كان محرز يستحق التواجد في المنتخب من الأساس، حيث لم تكن الأمور على ما يرام. لكن قرار بلماضي بمنحه شارة القيادة في مباراة المنتخب الجزائري خارج ملعبه أمام توغو ساعدته حقاً في الانطلاق بقوة مع منتخب بلاده. لقد سجل هدفين وفزنا في تلك المباراة بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد، وكان بإمكانك أن ترى أنه تطور بشكل كبير خلال ذلك المعسكر».
ويضيف «والآن، أصبح محرز نموذجاً حقيقياً لبقية اللاعبين في المنتخب الوطني. إنه دائماً ما يكون على قدر التوقعات في المباريات الكبيرة. وكان الهدف الذي أحرزه من ركلة حرة مباشرة في الدقيقة الأخيرة من الدور نصف النهائي لكأس الأمم الأفريقية أمام نيجيريا خير مثال على تأثيره في المباريات الكبيرة». وعلاوة على ذلك، سجل محرز ثلاثة أهداف في مباراتي الذهاب والعودة للدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا أمام باريس سان جيرمان، ليقود مانشستر سيتي للوصول إلى المباراة النهائية للبطولة الأقوى في القارة العجوز للمرة الأولى في تاريخ النادي. كما سجل عندما حسم مانشستر سيتي لقب الدوري الإنجليزي الممتاز ضد برايتون في عام 2019، كما كان دائماً في الموعد عندما يكون الفريق في حاجة إلى جهوده. ولعب محرز دوراً بارزاً في فوز مانشستر سيتي بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم.
ومع ذلك، يرى كوليبالي أن هناك اختلافاً ملحوظاً في طريقة لعب محرز خلال الموسمين الماضيين، قائلاً «إنه يدافع بشكل أكبر عن ذي قبل. عندما كان محرز أصغر سناً، كان من الصعب جداً أن تجعله يساعد الفريق من الناحية الدفاعية، لكنك الآن تراه يعمل بجدية كبيرة مثل أي لاعب آخر. وأمام باريس سان جيرمان، لعب دوراً دفاعياً مهماً للغاية، كما لم يعد يلعب بالقدر نفسه من الفردية، وأصبح يلعب أكثر بشكل جماعي ومن أجل مصلحة الفريق».
في الحقيقة، يعد هذا دليلاً على الإدارة الرائعة من جانب المدير الفني جوسيب غوارديولا، الذي نجح في تطوير أداء محرز بهذا الشكل، بعدما بدا في مرحلة ما وأنه سيكون لاعباً مهمشاً في مانشستر سيتي. ولم يلعب محرز كثيراً في أول موسم له مع مانشستر سيتي بعد انضمامه إلى النادي قادماً من ليستر سيتي في صفقة قياسية في تاريخ النادي بلغت 60 مليون جنيه إسترليني في عام 2018، ولمح محرز قبل انطلاق بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى شعوره بالإحباط من الدور الصغير الذي قام به مع مانشستر سيتي الذي فاز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز في ذلك الموسم.
لكن الأداء القوي الذي قدمه في كأس الأمم الأفريقية بمصر، وخلال فترة الاستعداد للموسم الجديد أقنع غوارديولا بأنه يمكنه أن يلعب دوراً محورياً في الفريق. وجاء الدليل على أن غوارديولا قد غيّر رأيه بشأن محرز في يناير (كانون الثاني) 2020 عندما أدلى بتصريح غريب قال فيه، إنه من المستحيل أن يتعرض محرز للإصابة «لأنه ليس لديه عضلات»، قبل أن يضيف «في الثلث الأخير من الملعب يقدم محرز مستويات مميزة للغاية، ويكون لدي شعور دائم بأنه قادر على التسجيل».
لقد لعب محرز دوراً مختلفاً قليلاً هذا الموسم عندما لعب مانشستر سيتي من دون مهاجم صريح، حيث كان ينطلق محرز من على الطرف الأيمن إلى عمق الملعب، لكي يخلق مساحة ينطلق فيها الظهير الأيمن كايل ووكر؛ وهو الأمر الذي أضاف بُعداً إضافياً للقوة الهجومية لمانشستر سيتي وترك رحيم سترلينغ على مقاعد البدلاء. يقول مزاحي عن نجاح محرز «إنها أخبار رائعة للغاية لنا في الجزائر. لم أر أبداً مثل هذه الإثارة بالنسبة للاعب من ناد خارجي. منذ فوز مانشستر سيتي على باريس سان جيرمان في الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا والجميع يتحدثون عن محرز، سواء على جميع وسائل التواصل الاجتماعي أو في كل مكان تذهب إليه. وخلال احتفالات عيد الفطر الماضي، كان محرز الموضوع الرئيسي للنقاش عندما تجتمع العائلات».
وأكمل محرز عامه الثلاثين في فبراير (شباط) الماضي، ويعد أحد أكثر اللاعبين شهرة في العالم، لكن كوليبالي يؤكد أن محرز لم يتغير بعد هذه الشهرة، قائلاً «إنه لا يزال يحمل قلب طفل صغير. ولا يزال يحب اللهو مع أصدقائه من سارسيل، عندما يعود لزيارة تلك المنطقة. أهم شيء في محرز هو أنه يعشق كرة القدم، فهو لا يتعامل مع اللعب على أنه وظيفة، ولكن على أنه متعة». مؤخراً، وبالتحديد في بداية الشهر الماضي أكد محرز أنه ينوي البقاء مع مانشستر سيتي الموسم المقبل، وإنه لا يرى مستقبله خارج فريقه مانشستر سيتي رغم الشائعات التي تحدثت عن إمكانية رحيله عن ملعب الاتحاد. وأكد محرز في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إنجليزية على حبه لمانشستر سيتي. وقال محرز، رداً على سؤال بشأن مزاعم حول رغبه إدارة ناديه في وضعه على قائمة اللاعبين المعروضين للبيع «أنا مرتاح في السيتي وسأبقى إن شاء الله».
ويتبقى عامان في عقد محرز مع مانشستر سيتي. وقال اللاعب الدولي الجزائري، إنه ملتزم بعقده مع مانشستر سيتي ولا يزال لديه الكثير ليحققه مع المدرب الإسباني جوسيب غوارديولا. وبسؤاله إذا أراد أن يصعد لمستوى أعلى في مسيرته قال محرز «أنا لا أرى ما هو أعلى من مانشستر سيتي، أنا أحب إنجلترا، كرة القدم الإنجليزية رائعة، لا أريد المغادرة. لا يزال لدي أهداف أحققها هنا». وعما إذا أراد مدربه غوارديولا الاعتماد عليه قال «التأقلم هنا لم يكن سهلاً، لكن علاقتنا جيدة، الجميع يعرف إنها رائعة».
وساعد محرز مانشستر سيتي على الفوز بلقبين في الدوري الإنجليزي الممتاز، ولقب في كأس الاتحاد الإنجليزي و3 في كأس رابطة المحترفين الإنجليزية، إلى جانب لقبين في كأس الدرع الخيرية. كما كان محرز حاسماً في صعود مانشستر سيتي للمباراة النهائية بدوري أبطال أوروبا الموسم الماضي لكن الفريق خسر 0-1 أمام تشيلسي. وأبدى محرز، أسفه لعدم تتويج مانشستر سيتي بلقب دوري أبطال أوروبا بعد الخسارة أمام تشيلسي. وسجل محرز 39 هدفاً وصنع 37 خلال 142 مشاركة مع مانشستر سيتي.
وارتبط محرز بالرحيل عن مانشستر سيتي هذا الصيف، وفي مايو (أيار) الماضي صرح العديد من الوسائل الإعلامية، بأن مانشستر سيتي ينوي بيع محرز وزميله رحيم سترلينغ في السوق الصيفية. وأوضحت مصادر، أن مانشستر سيتي ينوي إجراء تغيير على تشكيلته للموسم المقبل، رغم التتويج بلقب الدوري الإنجليزي وكأس رابطة المحترفين الإنجليزية، وصعوده لنهائي دوري أبطال أوروبا. وأشارت إلى أن غوارديولا عازم على بناء فريق رائع بعد قيادة النادي للفوز بلقب الدوري الممتاز للمرة الثالثة في 4 سنوات، وتشمل التغييرات بيع محرز وسترلينغ، رغم تألق النجم الجزائري الموسم الحالي.
وكانت وسائل إعلام إسبانية ذكرت، أن مانشستر سيتي دخل في مفاوضات رسمية من أجل تحويل جناحه محرز إلى العملاق الإسباني برشلونة، خلال فترة الانتقالات الصيفية الحالية. وقالت وسائل الإعلام، إن الصفقة ستكون بمثابة هدية حقيقية للجناح الجزائري الذي يعدّ مشجعاً وفياً للفريق الكاتالوني، وكان يحلم بارتداء قميصه منذ سنوات مضت. وكشف «راديو كتالونيا»، عن أن إدارة مانشستر سيتي ونظيرتها في برشلونة تدرسان إمكانية إبرام صفقات تبادلية في الفترة المقبلة، من أجل تدعيم صفوفهما قبل الموسم الجديد.
وأوضح المصدر ذاته، أن مانشستر سيتي وضع اسم محرز، ورحيم سترلينغ، وإيمريك لابورت، على طاولة المفاوضات، مشيراً إلى استعداد الفريق الإنجليزي لدراسة جميع المقترحات المقدمة من الطرف الإسباني بشأنهم. ولكن وسائل إعلام إسبانية أخرى، استبعدت انتقال محرز أو حتى إتمام أي صفقة تبادلية بين برشلونة ومانشستر سيتي هذا الصيف. وأرجع المصدر سبب صعوبة إبرام أي صفقة تبادلية بين مانشستر سيتي وبرشلونة في الوقت الحالي، لارتفاع أجور نجوم «السيتي» المرتبطين بالانتقال إلى الفريق الكاتالوني، حيث تتجاوز بكثير الحد الأقصى للأجور الذي حددته رابطة الدوري الإسباني. فمحرز على سبيل المثال، يتقاضى حالياً في مانشستر سيتي أجراً سنوياً قدره 10.4 مليون يورو، وهناك 10 لاعبين حاليين فقط في برشلونة يتقاضون أكثر منه. وأشار المصدر، إلى أن برشلونة يعاني من مشكلة بسبب قانون اللعب المالي النظيف؛ وهو ما يجعله عاجزاً حتى الآن من تسجيل العقد الجديد لنجمه الأرجنتيني ليونيل ميسي.


مقالات ذات صلة


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».