الوحدة ومكابداتها... شعرياً

محمد سالم في ديوانه الفائز بجائزة «القاهرة للكتاب»

الوحدة ومكابداتها... شعرياً
TT

الوحدة ومكابداتها... شعرياً

الوحدة ومكابداتها... شعرياً

لماذا يلجأ الشاعر إلى السخرية من ذاته والتقليل من شأنها إلى حد التحقير أحياناً، هل نحن بصدد مرثية تتجاوز حدود الرثاء التقليدي، أم أنه نوع من اللعب مسكون بما هو أبعد من الفانتازيا وشطح الخيال ونوازع البوح والاعتراف، لتظل المسافة رخوة بين الذات وموضوعها، قابلة للمساءلة والحذف والبتر والإضافة أيضاً.
تطل هذه الأسئلة والهواجس بقوة وتشكل مداراً للرؤية في ديوان «سيرة رجل تافه ووحيد» للشاعر محمد سالم، الفائز بجائزة معرض القاهرة للكتاب هذا العام. ثمة فجوة من فقدان الثقة وانعدام الحوار، بين الذات الشاعرة وواقع العالم من حولها، وهو واقع متجهم، ممعن في الصمم والخواء، تغيب فيه أنفاس البشر، وتبدو مجرد صدى لذكريات متهرئة وأحلام عابرة، ولا يجد الشاعر ما يؤنس وحدته سوى أن يشاكس الأشياء، يفتش في ظلالها عن شيء يخصه، ورائحة تشبهه. ربما من خلالها يجد ما يشاركه همومه وانفعالاته ونزقه، أو على الأقل يخفف من أعباء الوحدة، ولو بالتسلية الساخرة المرة.
بهذه الروح، يعي الشاعر المشهد، ويعيشه ككرة من المطاط ترتطم بالحائط ثم ترتد إليه. وهكذا، دواليك، حتى يتعب الاثنان، أو لا يجد أحدهما ما يصنعه للآخر، فينسحب في هدوء مرتضياً برشاقة الهزيمة والسخرية من كل شيء. فلا بأس إذن أن يسخر من حجرته، بعد أن ضاقت بأنفاسه، وفقدت ميزتها كرحم مكاني يحتويه... يقول في مستهل الديوان، وفي نص يشكل مناط الجدارة الشعرية بين نصوصه وصفحاته التي تزيد على المائة صفحة:
«ضقتِ أيتها الحجرة
وصرتِ تثورين لأتفه سبب
فما رأيك أن أخلصك الآن من أشيائك القديمة
أو أن يلين قلبك ونقتسمها
كي يستطيع الهواء أن يجد طريقاً لرئتيكِ
ما رأيك؟
ماذا تريدين؟
المقعد؟
حسنٌ، لا أحد يزورني
ولطالما اشتكى من الوحدة
لكن احذري، ساقه المكسورة لم تتحمل همومي.
السرير أيضاً؟!
أيتها الطماعة، كيف أقنع إغفاءاتي المضطربة أن تبحث عن بديل
وماذا ستفعلين في الكوابيس التي تنخر عظمه؟!
لا بأس، احمليه
فقط حين تُخرجين الوسادة للشمسِ احرصي
كي لا يفر حلمٌ جميلٌ مر بالخطأ».
لا يسعى الشاعر إلى أنسنة الأشياء والتقاط مفارقاتها العابرة، أو تحميلها بما تنأى عنه من الدلالات والرموز، فهي محملة بكل هذا، وفقاً لوظائفها ومهامها الحياتية الواقعية، ثم إنها كائنات لها وجودها، وحيواتها الخاصة، وحيزها المكاني والزماني أيضاً، لذلك يبرز الوعي بالذات الشاعرة، وكأنها ثمرة من ثمرات اللغة والطفولة تحتاج للرعاية حتى لا تشيخ وتذبل، وتفقد نضرة الحياة، وروح المرح والسخرية.
حين تجلس على الكرسي فإنك تمارس نوعاً من الوجود المزدوج: وجود الكرسي نفسه في حيزه المكاني، ووجودك أنت المضاف إليه، كقيمة وحركة ودلالة، تتنوع بحسب المزاج، وطبيعة المشاعر العاطفية، فشتان بين هذا الوجود المضاف في حالة السأم والضجر والألم، وبينه في حالة البهجة والمرح والفرح العاطفي والسرور.
في هذا القوس، تستمر اللعبة إذن حتى آخر الشوط، آخر الملل والسأم والضجر، ربما يمتزج المشهد برقته الهاربة، أو يفيض عن شيء آخر، أكثر دلالة ومفاجأة:
الخزانة!
لكنها فارغة
ليس بها سوى صورٍ ممحوة
لم أشأ إيلام جدرانك بالمسامير كي أعلقها
حسنٌ لن أضن بها
نحصي إذن ما تبقى
التواريخ على الحائطِ!
لقد بَعُدَتْ جداً
وغدت باهتة، فلا أستطيع أن أميز الحزين من الفرِحِ
لذلك سأتركها أمانة في عنقكِ
ثم ماذا؟
أظنكِ لستِ بحاجة إلى ماكينة حلاقة صدئة
أو فرشاة أسنانٍ قديمة
ما الذي أبقيتِ لي أيضاً؟
كتباً! مرآة ضريرة!
ذكرياتٍ!
ألا ترين أنها قسمة ضيزى
خذي كل شيء وانزعي السلاسل
أستطيع أن أحمل العتمة بعيداً
أعصب عينيها كي تتوه
وألقيها لأول مقلب للقمامة
أو أربطها بحجر وأقذفها إلى البحر
فقط دليني على الباب
كان هنا باب.
رغم التعليل الخشن في «أعصب عينيها كي تتوه»، يحقق النص من خلال علاقة التوازي بين النفي والإثبات حول حقيقة وجود «الباب» في لطشة الختام نموه الدرامي بسلاسة لغوية، وحساسية شعرية شديدة الإثارة، تضعه في قلب سيمولوجيا العلامة، فالباب ليس مجرد رمز أو دلالة محددة الإطار، إنما علامة عابرة مفتوحة على إمكانية الدخول والخروج، تبلغ ذروتها فنياً بإمكانية عزل العالم ونفيه في قبضة الوحدة، داخل هذا الحيز المكاني الضيق. ما يمنح النص رحابة في المعني، والقدرة على الاتساع زمانياً ومكانياً.
تتداعي أجواء هذا النص المفتاح في أغلب النصوص، لكن بفاعلية شعرية أقل، تراوح ما بين الثقل والخفة، ونثر الحكي ونثر الشعر، فتعاود الذات الشاعرة اللعب مع نفسها ومحاولة صناعة البهجة من نثريات الحياة، متقمصة إيقاع العازف الموسيقي، ومهارة الخباز ومناخات الطفولة، ومن نافذة الاحتياج والوجع الإنساني، تطل على الوحدة، تخشى عليها من الحيرة والتسكع في الطرقات، وكأنها صديق حميم. تطالعنا هذه الأجواء في نص رقم (22) يقول فيه الشاعر:
ستخرجين للشارع أيتها الوحدة
بشعرك الأشعث
وملابسك الممزقة
وأظافرك الطويلة التي طالما نهشت أرواحنا
تسألين كل عابر
أن يرق لكِ
فيمضون
والعيال الذين مات آباؤهم تحت وطأتك
يقذفونك بالحجارة
بتعاويذ تعلمناها من الخوف نُبطل بها حيَلكِ
ونمد أصابعنا في جوفك
ننزع روحك
روحك مصاصة الدماء
كل ألاعيبك انكشفت
ستموتين وحدكِ
حتى اللعنات
لن نصبها عليك
مخافة أن تصحبكِ إلى قبرك
وتؤنس وحدتك».
تتحول السخرية هنا إلى علامة، تنشط فوق سطح الطفولة، وبقوة العلامة تتجرد الصورة الشعرية من النمطية الذهنية، وتصبح شكلاً من أشكال اللعب المغوي، وتتسع طاقة الصورة بصرياً، فهناك صوت لحركة العناصر والأشياء في النص، يدفعها إلى تمثل حسية أبعد، مفتوحة على براح الحواس، كما تتسع المسافة بين الدال والمدلول، وتصبح مسرحاً للعب بين الذات وموضوعها، كأنهما في صراع مكشوف، من أجل أن تبقي حرية النص هي التي تحدد ضربتي البداية والنهاية. يطالعنا ذلك في نص رقم (2) مشكلاً عتبة تمهيدية لهذا النمو الساخر المرح... يقول الشاعر فيه:
«أنا صانع البهجة الذي كلما فرغتُ من العمل
أجمع صغاركم
أصنع لهم عرائسَ العجين
وغابة لا تأكلهم وحوشها
الغابة التي يصنعها المجانين
أصنع لهم آباء طيبين
ظهورهم مستقيمة
وأمهات بعيون لم يطفئها الحزن»
لا تنفصل الأنثى المفتقدة برمزيتها المتنوعة عن هذه الأجواء أيضاً. فتنعكس عليها ما تخلفه الوحدة من وحشة، ويبدو حضورها دائماً كأنه غياب يشبه الحضور. بل كأن الوحدة أنثى... يقول في نص رقم (4):
«الأمر ليس بهذه البساطة
أستيقظ فلا أجدكِ
أمور كهذه لم تعد تناسبكِ
ولا أظنك على سفر
أو – لا قدر الله - قد هربتِ
أحذيتك بكاملها
ولم تتركي - مثل هاربات الدراما - ورقة
ولم تكتبي
لم تكتبي
ما الذي كنت ستكتبين لو أنك فعلتِ
(تركت لك عكازة أبيك)
مثلاً؟
أبي أضاعها
تعلمين كان يهش بها على غنمه
حاصرته الذئاب وانقضت على عكازتيه
فآوى إلى ركن قصي وبكى».
لكن، يشوب حضور الأنثى نظرة أحادية، فغالباً ما تتحول الى مرآة تنعكس عليها الأشياء كما ترسمها الذات الشاعرة وتريدها وتتمناها. لذلك تبدو حريتها وصورتها محددتين مسبقاً، وصدى لصوت الشاعر، لا تنفك عن ذكرياته وأحلامه وصراعاته المتوهمة، كما لا تسعى النصوص إلى اكتشاف ما يكمن وراء هذه الصورة، بل تصفها وكأنها المسئولة عن خراب العالم: (أنتِ لا تحبين إلا نفسكِ/ قاسية وبلا قلب تقريباً/ تعلمين أن طاغية يعتقل الآن بلداً بكامله/ كل يوم يجرهم في طوابير). ومع ذلك لا يتمنى الشاعر سوى أن تموت بعده بدقائق، لأنه يكره الوحدة والظلام... كما في نص رقم (34):
«ماذا تفعلين بعد موتي
بالتأكيد لن تكوني وحيدة
وتعيسة
سوف تظلين كما أنت محاطة بالمحبين
ولست غبياً لأدعوك على العشاء
ثم أقترح عليك أن نتخلص من العالم
بانتحار ثنائي
فأنا أعرف أنك تحبين الحياة جداً
لذلك دعوت الله أن يلحقك بي بعد عدة دقائق
لأنني أكره الوحدة والظلام».
ورغم ذلك، يحمل الديوان طاقة شعرية متدفقة، وشاعراً له رؤيته ورائحته الخاصة، أحسب أن أعماله القادمة ستكون أكثر إثارة للدهشة والأسئلة.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.