وزير خارجية اليونان: لا نريد سوريا دولة فاشلة... وممثلنا لن يقدم أوراق اعتماده لنظام الأسد

نيكوس ديندياس أشاد في حديث إلى «الشرق الأوسط» بالعلاقات مع السعودية وقال إن اتفاقاً دفاعياً سيوقَّع في الخريف بين أثينا وواشنطن

نيكوس ديندياس (وزارة الخارجية اليونانية)
نيكوس ديندياس (وزارة الخارجية اليونانية)
TT

وزير خارجية اليونان: لا نريد سوريا دولة فاشلة... وممثلنا لن يقدم أوراق اعتماده لنظام الأسد

نيكوس ديندياس (وزارة الخارجية اليونانية)
نيكوس ديندياس (وزارة الخارجية اليونانية)

قال وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن بلاده لا تريد أن تصبح سوريا «دولة فاشلة»، وإنها قررت إرسال دبلوماسي إلى دمشق لـ«المساهمة في تطبيع الأوضاع، لكنه لن يقدم أوراق اعتماده إلى نظام (الرئيس بشار) الأسد».
وأوضح ديندياس رداً على سؤال أن أثينا لا تزال ملتزمة قرار الاتحاد الأوروبي بوجوب «رؤية خطوات ملموسة من نظام الأسد لتوفير الأموال لإعمار» سوريا، مضيفاً: «لا نقبل بنتائج الانتخابات» الرئاسية. وزاد أن الاتحاد الأوروبي يريد حصول «تحول إلى الديمقراطية، والاحترام الكامل لحقوق الإنسان، والمساءلة عن جرائم الحرب... وإننا مهتمون بمعرفة كيف يرى نظام الأسد المستقبل. واللجنة الدستورية هي منبر عظيم يمكن أن يقدِّم فيه نوعاً من الخطوات إذا أراد، لكنني لست متأكداً من أننا سنشهد حدوث ذلك».
ونوه ديندياس بالعلاقات مع السعودية، وقال إنها «دولة مهمة جداً للاقتصاد العالمي والأوروبي واليوناني». وأضاف: «أمن المملكة العربية السعودية يشكّل أهمية جوهرية بالنسبة إلينا. ولهذا السبب وقّعنا اتفاقات مهمة» مع الرياض. وأشار إلى أهمية اتفاق التشاور السياسي مع الجامعة العربية وخصوصية العلاقات مع القاهرة، قائلاً: «هناك كثير من القضايا والأمور المشتركة مع مصر، منها قانون البحار الدولي، والسيادة، وسيادة القانون، والعلاقة الجيدة مع الاتحاد الأوروبي، وقضايا الهجرة، إذ إن مصر لا تستخدم قضايا الهجرة كأداة في محاولة لابتزاز اليونان أو ابتزاز الاتحاد الأوروبي». وأعرب عن ارتياحه لقرار أميركا توسيع قاعدتها العسكرية في بلاده، ونية البلدين توقيع اتفاق دفاعي في خريف العام الجاري. وهنا نص الحديث الذي أجرته «الشرق الأوسط» عبر رابط تلفزيوني، أول من أمس:
> كنت أتابع جولتكم في المنطقة، ماذا يمكنك أن تخبرني عن هذه الزيارة؟ ما السبب وراءها؟ وما تفسيرك للاتفاقية التي وقّعتها مع رئيس الجامعة العربية أحمد أبو الغيط؟
- حسناً، أولاً، إذا كان من الممكن أن يُسمح لي بقول ذلك، كانت لنا علاقات قديمة، ولدينا علاقة تاريخية مع الدول العربية، تعود إلى قرون. حاولنا حساب ذلك مع الأمين العام للجامعة العربية، وصلنا إلى ما يقارب 25 إلى 26 قرناً من الزمان، أو شيء من هذا القبيل. لذلك، فإن وجود علاقة مؤسساتية مع جامعة الدول العربية كان أمراً مهماً للغاية بالنسبة لنا. ونحن نرى ذلك خطوة نحو التوصل إلى تفاهم أوثق مع معظم البلدان العربية، لا سيما -إذا سُمح لي القول- تلك البلدان العربية التي تشاطرنا طريقتنا في التعامل مع النظام الدولي، أي النظام القائم على القواعد.
> ما المغزى السياسي لتوقيع الاتفاقية مع أبو الغيط للتشاور؟
- أنتم تعدون المشاورات لغة تعامل دبلوماسية، لكن الأمر ليس كذلك. إذا أردت التوصل إلى تفاهم مشترك، فعليك مناقشة الأمور. عليك أن تعبر عن آرائك وأيضاً أن تقدّر كيف يرى الجانب الآخر الأمور من زاويته. إذا لم يحدث ذلك، فهي ليست إلا حوارات متوازية من جانب واحد أو من الجانب الآخر. وإذا كان لدينا نفس الاهتمام بالصدفة المحضة، فهذا شيء طيب، وإن لم يكن، فنحن لا نصل إلى شيء، إنها مجرد خطوط حوارية متوازية لا تفضي إلى شيء. لذلك، بالنسبة لنا، التشاور شيء له مغزاه، نود أن تفهم الجامعة العربية والدول العربية طريقتنا في رؤية الأمور والمشكلات التي نواجهها في المنطقة، مع الإعراب أيضاً عن أحلامنا وتطلعاتنا وطموحاتنا للمنطقة. كما نود كذلك معرفة طموحاتهم وتطلعاتهم. إنها منطقة معقدة للغاية، والتاريخ يتطرق إلى تحديات العصر الحاضر، وهذا يحتاج إلى كثير من التفاهم بيننا. ولكنها أيضاً فرصة عظيمة.
> لكن معالي الوزير، أسأل هذا السؤال لأن هناك انطباعاً في العالم العربي لدى بعض المحللين والصحافيين، أن بعض دول المنطقة الأخرى، مثل تركيا أو إيران على سبيل المثال، تحاول دائماً تقويض دور الجامعة العربية والدور العربي، بينما قررتم إضفاء الطابع المؤسساتي على هذه العلاقة بين أثينا والجامعة العربية.
- بالنسبة لتركيا، فقد رأيت ذلك يحدث، اسمحوا لي أن أكون صريحاً، ولن أتناول دولة بعينها، لكنّ زملائي في عدد من الدول العربية، قدموا لي دليلاً قوياً على الطريقة التي ترى بها تركيا الدول العربية، وأيضاً الأحلام التي تراود تركيا. إنه نوع من الطموح العثماني الجديد، في اعتقادها بإمكانية عودة تلك الخلافة القديمة إلى سابق عهدها. وبالنسبة لليونان، ليست لدينا أي طموحات توسعية في المنطقة، والشيء الوحيد الذي نود أن نتوصل إليه هو تفهم مصالحنا واتساقها مع مصالح أصدقائنا في المنطقة. ونعتقد أنه في ذلك السياق، وفي سياق القانون الدولي للبحار، الذي انضم إليه معظم البلدان التي تربطنا بها علاقات وثيقة، يمكن أن نخلق مستقبلاً أفضل لنا جميعاً. واسمحوا لي أن أقول كلمة أخيرة في هذا الشأن، إننا نتمنى أن تصبح تركيا جزءاً من هذا التفاهم، ولكن للأسف، أخشى أن هذا طريق طويل وشاق للغاية.
> قمت بزيارة القاهرة 5 مرات في 18 شهراً، أليس كذلك؟
- لا أستطيع حقاً أن أقول. أنا قادم من كورفو (اليونانية)، ولقد زرت القاهرة أكثر مما زرت كورفو، كوزير للخارجية. عندما أغادر السيارة (في العاصمة المصرية) أشعر أنني في بلدي تماماً، حيث أعرف أماكن الأبواب، والمصعد، والممرات. ولكنني أؤكد العلاقة الشخصية التي تربطني بالسيد سامح شكري (وزير خارجية مصر)، ويجب أن أقول إنني أكنّ احتراماً جماً للرئيس (عبد الفتاح) السيسي وما يفعله لمصر، وما يحاول القيام به من أجل مصر. إنهم يبذلون جُل طاقتهم ومنتهى سعيهم.
> هل يمكن أن تفسر الاهتمام المشترك الذي تشاطره مع مصر بشأن القضايا الثنائية والقضايا الإقليمية وغيرها من القضايا ذات الصلة التي قد تفكرون فيها؟
- سيكون من الصعب جداً إذا طلبت منّي ذكر مَواطن الخلاف مع مصر، إذ يتوجب عليّ أن أبذل جهداً خارقاً للتفكير في ذلك. ولكن إذا طلبت مني الوقوف على مواطن الالتقاء والاتفاق مع مصر، فالحقيقة هناك الكثير من القضايا والأمور، منها قانون البحار الدولي، والسيادة، وسيادة القانون، والعلاقة الجيدة مع الاتحاد الأوروبي، وقضايا الهجرة. ومصر لا تستخدم قضايا الهجرة كأداة في محاولة لابتزاز اليونان أو ابتزاز الاتحاد الأوروبي. وبعد عام 2017 لا توجد تدفقات للهجرة من مصر إلى أوروبا. ونرى حالة الاستقرار الشامل في المنطقة، وفي ليبيا. أعني، أينما أجول بتفكيري، أجد أنه مع مصر هناك حالة جيدة للغاية من التفاهم في مختلف القضايا.
> هل أكون مخطئاً لو قلت إن الغاز في البحر المتوسط والعلاقات البحرية جزء أساسي؟
- كلا، لست مخطئاً على الإطلاق. إن إنشاء ممر لإمدادات الطاقة من مصر إلى الاتحاد الأوروبي، ومنتدى الغاز، وخطوط الأنابيب، وأيضاً نقاط الربط المشتركة، تشكل جزءاً من جهودنا الرامية إلى خلق مستقبل اقتصادي مشترك وأفضل. ويجب عليّ القول إن الطاقة في اليونان، وأنا أضرب اليونان كمثال، مُكلفة إلى درجة ما. والطاقة التي نستطيع جلبها من مصر إلى اليونان أرخص كثيراً، وهذا من شأنه أن يساعدنا في خلق النمو المستدام في اقتصادنا. لذا، فهناك قائمة لا نهاية لها من المصالح المشتركة مع مصر.
> فيما يتعلق بالغاز في البحر المتوسط، أنشأتم هذه الكتلة من 6 دول تضم مصر واليونان وغيرهما. هلّا أخبرتني أكثر عن الأهداف؟ هل هي مجرد أهداف اقتصادية بحتة أم أنها ذات طبيعة جيوسياسية؟
- حسناً، الشيء الوحيد الذي أودّ أن أضبطه هنا هو أننا لا نعد أنفسنا كتلة، بل إننا نعد الأمر تفاهماً، لأننا نتقاسم رؤية مشتركة، ومستقبلاً مشتركاً، ومصالح مشتركة، وأنا أقول لكم بصراحة: إذا انضمت تركيا إلى تلك القواعد فإنها مُرحَّب بانضمامها، أو انضمام أي دولة أخرى بالمناسبة وليست تركيا وحدها.
الآن، كلا، لا يتعلق الأمر بالمصالح الاقتصادية فحسب، يتضح أنها مصالح اقتصادية، وتستند إلى أهداف اقتصادية، وتستند إلى الحاجة إلى وجود مصادر للطاقة بتكلفة معقولة، لكن الأمر أكثر من ذلك، إنها المشاركة في قبول المجتمع القائم على القواعد، والنظام الدولي القائم على القواعد. وهذا ما يجمع بيننا في مواجهة المقاربات الأخرى، التي من الواضح أنها توسعية، بالمعنى القديم للكلمة من القرنين التاسع عشر أو ربما الثامن عشر الميلادي، ولا علاقة لها أبداً بالقرن الحادي والعشرين، ولكن القول أيسر من الفعل بالنسبة لبعض البلدان حتى تدرك أن هذا ليس طريقاً إلى الأمام.
> بالتوازي مع هذه المنصة التي أنشأتموها، أي البلدان الستة المذكورة، هناك منصة أخرى، تشمل قبرص وإسرائيل بشأن الكهرباء، فهل هذا صحيح؟
- بالطبع. وفيما يتعلق بقبرص، أقول ما هو واضح للجميع. ومرة أخرى أؤكد على العلاقة الوثيقة للغاية مع إسرائيل. لقد بدأنا من نقطة متدنية للغاية، وكانت اليونان آخر دولة أوروبية، على الأرجح، التي تعترف بدولة إسرائيل في 1990، لكن يجب عليّ القول: لقد عملنا بجد مع أصدقائنا في إسرائيل بغية التوصل إلى تفاهم مشترك بشأن المنطقة. ويجب أن أقول إنه حتى الإسرائيليون يشاطروننا الرأي بأن استقرار مصر كدولة له أهمية أساسية في استقرار المنطقة وازدهارها. وبالطبع، نحن نتعاون مع إسرائيل في كثير من المجالات، والطاقة هي واحدة منها.
> لكنني كنت أتساءل: لماذا توجد منصتان، إحداهما للغاز والأخرى للكهرباء، ولماذا مصر ليست جزءاً من المنصة الخاصة بالكهرباء؟
- حسناً، ليس من صلاحياتي الإجابة عن هذا السؤال، فهناك وزارة أخرى تتناول هذه القضية، ولكن إن جاز لي أن أقول ذلك، بشأن الطاقة أعتقد أننا جميعاً سنتوصل إلى تفاهم مشترك، ونشاطر رؤيتنا المشتركة بشأن المستقبل. إنه أمر سوف يحدث، وعليّ أن أقول، عاجلاً وليس آجلاً.
> مجرد سؤال للمتابعة عن العلاقة مع تركيا... أعتقد أن رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس التقى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في يونيو (حزيران)، لكننا لا نزال نسمع أن 20 يوليو (تموز) هو الموعد النهائي لمعرفة الاتجاه الذي تسير وفقاً له العلاقة بين أنقرة وأثينا. لماذا؟
- حسنا، سأبدأ أولاً من اجتماع رئيس الوزراء ميتسوتاكيس مع الرئيس إردوغان. لقد سار الاجتماع على ما يرام. بمعنى أنه على المستوى الشخصي كان اجتماعاً جيداً، ذاب فيه جليد العلاقات المتوترة، ولكن مرة أخرى، علينا أن نرى ما إذا كانت تركيا قد غيّرت حقاً من أساليبها. وفي 20 يوليو، سيقوم الرئيس إردوغان بزيارة الجزء المحتل من قبرص، وبالنسبة لنا من المهم جداً أن نسمع ما سيقوله ونعرف ما سيفعله. لأنه إذا كان الخطاب في الجزء المحتل من قبرص مخالفاً للقانون الدولي، ومخالفاً لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن سلوك الرئيس إردوغان لن يكون منطقياً على الإطلاق.
> ما يعني أنك ضد «حل الدولتين» في قبرص؟
- لا يتعلق الأمر بشخصي، أو باليونان أو بقبرص، بل بالقانون الدولي، ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، هما اللذان يعارضان أي فكرة عن «حل الدولتين». واسمحوا لي أن أقول إنه لا يوجد «حل للدولتين» بالأساس. هناك اقتراح «الدولتين» المقدم من الجانب التركي، والذي لا يشكّل حلاً للمشكلة القبرصية. إن حل المشكلة القبرصية يتلخص في توحيد الجزيرة. وكل مقترح آخر لا يعد حلاً، بل هو أمر مخالف للقانون الدولي.
> اليونان، وأنتم بصفتكم الشخصية والرسمية تهتمون كثيراً بالعلاقات مع المنطقة والدول المحورية فيها، وأعتقد في أبريل (نيسان) قمتم بزيارة المملكة العربية السعودية ووقعتم على اتفاقية مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان. ما رؤيتكم للعلاقات بين اليونان والسعودية؟
- أولا، المملكة العربية السعودية دولة مهمة للغاية. وذات أهمية كبيرة في العالم الإسلامي، تضم الحرمين الأكثر قداسة في الدين الإسلامي، وهي أحد أكبر البلدان المنتجة للطاقة في العالم. وأيضاً، كونها واحدة من أكبر منتجي الطاقة في العالم، يجعلها دولة مهمة جداً للاقتصاد العالمي، وإن جاز لي القول، حتى بالنسبة للاقتصاد الأوروبي، وللاقتصاد اليوناني. لذا، فإن أمن المملكة العربية السعودية يشكل أهمية جوهرية بالنسبة لنا. ولهذا السبب وقّعنا اتفاقاً معهم، ولهذا السبب أيضاً أرسلنا بطارية صواريخ باتريوت إلى المملكة العربية السعودية، وهي سلاح دفاعي، وليست سلاحاً هجومياً، وأرسلنا أسلحة إلى المملكة العربية السعودية للدفاع ضد معتدين لم نقف على تسميتهم، وليست الأسلحة لمهاجمة أي جهة بعينها.
كذلك، وعلى وجه العموم مع العالم الإسلامي، نحن يجمعنا ماضٍ مشترك. ولقد قلت للأمين العام لجامعة الدول العربية، كما أكرر دائماً، إن الكتاب اليونانيين القدماء لن يكونوا معروفين لنا اليوم، إن لم يكن العالم العربي هو الذي استنسخ كتبهم وأعادها إلى العالم المسيحي. ولذلك، فنحن مدينون للعالم العربي بالكثير. وعلى المستوى الشخصي، فنحن نحرز تقدماً بصورة جيدة للغاية، وأنتم تعرفون ذلك بالفعل.
إضافة إلى العلاقات مع المملكة العربية السعودية فقط، لدينا علاقات استراتيجية ممتازة مع الإمارات، ولدينا علاقات كبيرة مع الكويت، ولدينا علاقة كبيرة مع البحرين، ولدينا علاقات جيدة جدا مع الأردن. ونحن نقيم علاقات ودية جداً مع العراق. ومع كل هذه الدول التي أذكرها، لا أستطيع أن أقف على فارق واحد بيننا. لذا، فإننا نحاول بناء مستقبل مشترك، انطلاقاً من حقيقة أنه لا توجد لدينا أي خلافات، بناءً على مصالحنا المشتركة ورؤيتنا المشتركة للازدهار والاستقرار في المنطقة.
وإننا نتطلع إلى الهند، نود أن نتعاون مع الهند، وهي أكبر دولة ديمقراطية في العالم، والقوة الاقتصادية المتنامية. نحاول بناء جسر بين الهند والعالم العربي والاتحاد الأوروبي مع اليونان كنقطة دخول.
> ماذا عن أزمة اليمن... ما رؤيتكم لإيجاد حل؟
- هناك أمر واحد واضح: ما لم يتم هناك وقف اطلاق النار وطالما الحوثيون يحاولون السيطرة على مأرب، فإن الوضع لا يمكن أن يستمر على هذا النحو. أولاً وقبل كل شيء، نحن بحاجة إلى وقف إطلاق النار، وبعد استقرار وقف إطلاق النار، سنحاول إيجاد مخرج من هذا الوضع المتأزم. وإذا تمكنت اليونان من تقديم المساعدة بأي شكل من الأشكال، فلن نتوانى عن مساعدة أصدقائنا. ولكن هذا أقصى ما أستطيع الذهاب إليه. لا أستطيع التظاهر بأن اليونان تملك معرفة مؤسسية كبيرة جداً عن اليمن كدولة.
> بالحديث عن البلدان التي فيها أزمات وحروب، فإن سوريا واحدة منها. خلال الأسابيع والشهور الماضية، معالي الوزير، لعلكم سمعتم أن بعض المسؤولين في دمشق يقولون إن اليونان قررت إعادة فتح سفارتها في العاصمة السورية، فما تعليقكم على هذا الأمر؟
- أولاً، سوريا هي بلد مجاور لنا، ووجود دولة فاشلة في حوض البحر المتوسط لا يصب في مصالحنا على الإطلاق. هناك بالفعل تدفقات ضخمة من المهاجرين من سوريا إلى أوروبا ونحن نأسف لذلك للغاية، ومرة أخرى، لدينا علاقات تاريخية راسخة مع سوريا، من البطريركية الأرثوذكسية في سوريا على سبيل المثال، وإننا نأسف أن نرى سوريا في مثل هذه الحالة. لكن، ليس نحن من يستطيع أن ينسى أو يغفر خطايا نظام الأسد. إن ما نفعله، هو أننا ندرك أن هناك وضعاً قائماً على الأرض، وأن القائم بالأعمال اليوناني يجب أن يكون هناك من أجل المساعدة في تطبيع الأوضاع على أرض الواقع، ومساعدة المواطنين اليونانيين، ومساعدة المواطنين الأوروبيين، ولكننا لا نعتمد (لا نقدم أوراق اعتماد) القائم بالأعمال لدى نظام الأسد. وفي هذا الصدد، علينا أن نتشاور مع أصدقائنا وشركائنا الأوروبيين، وسيتخذ مجلس الاتحاد الأوروبي قراراً بشأن كيفية التعامل مع نظام الأسد، إذ ليس علينا أن نقرر الأمر بمفردنا.
> لذا، ليس هناك ما يؤكد أنكم اتخذتم القرار بإعادة فتح السفارة وإرسال السفير إلى دمشق؟
- كلا، لدينا قائم بالأعمال في دمشق، وليس سفيراً. فهو شخصية رفيعة المستوى، وذات خبرة كبيرة، لأن الوضع على الأرض يحتاج إلى تلك الخبرة، لكنه ليس بمستوى السفير لدى نظام الأسد.
> ماذا عن السفارة؟
- إنه مقيم الآن في العاصمة بيروت، ويحاول الوقوف على كيفية عمل السفارة.
> قرر مجلس العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي قبل سنوات، المساهمة المشروطة في الإعمار. قال إنه لا يوجد أي إسهام في إعادة البناء ما لم يتم إحراز تقدم «حقيقي» على العملية السياسية.
- أنت محق في ذلك. حاولنا دمج هذه الأمور. وإنني أتحدث مرة أخرى إلى (مبعوث الأمم المتحدة) غير بيدرسن في كثير من الأحيان، وأقابله في جنيف في كثير من الأحيان، ولدينا علاقة جيدة، ولقد عرضت عليه خدماتنا الجيدة بأي شكل من الأشكال، ولكن الموقف والقرار يرجعان في النهاية إلى الاتحاد الأوروبي كما سبق وقلتم. علينا أن نرى خطوات ملموسة من جانب نظام الأسد من أجل توفير الأموال لخطة إعادة الإعمار. وأنا آسف جداً لعدم وجود مثل هذه الخطوات لأننا، على سبيل المثال، لا نقبل بنتائج الانتخابات، ولا نأخذ ذلك على محمل الجدية، لأن الشعب السوري يحتاج حقاً إلى مساعدتنا، ويحتاج إليها بصفة عاجلة. تعلمون أفضل منّي أن نحو ثلث الشعب السوري قد نزح من الأراضي السورية بالفعل. وهذا وضع غير مقبول تماماً. إننا نعيش في القرن الحادي والعشرين.
> إذن، ما الخطوات التي تتوقعونها من دمشق من أجل الانخراط الفاعل أو التطبيع؟
- حسناً، مرة أخرى، أنا لا أقدم لك جديداً بالقول إنها التحول إلى الديمقراطية، والاحترام الكامل لحقوق الإنسان، والمساءلة عن جرائم الحرب، هي كل ما يتوقعه الاتحاد الأوروبي. هناك الشروط والأحكام التي يعمل بموجبها الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأوروبي عبارة عن مجموعة من الدول، وهو يعبّر أيضاً عن مجموعة من القيم.
> نظراً لأنها قصة كبيرة، وذات أهمية بالغة للكثير من السوريين. لذا، فقط حتى أدرك الأمر على نحوه الصحيح، حتى الآن أنتم ملتزمون بشروط الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالتطبيع وإعادة الإعمار؟
- اسمح لي مرة أخرى أن أكون صريحاً للغاية. وفق الأوضاع المشهودة في سوريا راهناً، فإن الشيء الواضح الذي نودّ أن نقدمه، على سبيل المثال، هو فتح الممرات التي يمكننا من خلالها تقديم المساعدات الإنسانية. وكما تعلمون، لا يوجد حالياً سوى ممر واحد مفتوح من تركيا إلى سوريا، يمكن من خلاله تقديم المساعدات الإنسانية. ونحن نحتاج إلى المزيد. وإذا حدث ذلك، ونحن ننتظر كي نرى، فإننا مهتمون بمعرفة كيف يرى نظام الأسد المستقبل. كيف يمكنه أن يقدم للاتحاد الأوروبي نوعاً من البرهان على استعداده لخلق مستقبل ديمقراطي أفضل للشعب السوري. وأيضاً قدرة الشعب السوري على التعبير عن آرائه. واللجنة الدستورية هي منبر عظيم يمكن أن يقدم فيه نظام الأسد نوعاً من الخطوات إذا أراد. ولكنني لست متأكداً من أننا سنشهد حدوث ذلك.
> توصل الجانبان الروسي والأميركي إلى اتفاق في مجلس الأمن لتجديد إيصال المساعدات «عبر الحدود»...
- تقصد مجلس الأمن الدولي؟
> نعم. أولاً ما تعليقك على هذا؟ ثانياً، هل تعتقد أن ذلك يمكن أن يكون بداية للأميركيين والروس للعمل معاً، والتوصل إلى تسوية؟
- حسناً، سيكون من الرائع لو تمكنوا من الوصول إلى تفاهم. إن التفاهم بين الأميركيين والروس سيشكل خطوة أولى نحو مستقبل أفضل لسوريا. لكن دعونا نرَ ما إذا كان ذلك سيحدث.
> سؤال يخص «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)... اليونان وتركيا عضوان فيه، كيف تصف هذه العلاقات بالمعقدة؟
- نحن من أقدم أعضاء الحلف، وإننا فخورون بهذه العضوية. ورغم هذا فإن الحلف يحتفظ أحياناً بمسافات متساوية إزاء الدول الأعضاء. وأود أن يتذكر «الناتو»، أنه، باستثناء الحلف، فهو ليس مجرد تحالف بين البلدان، بل هو تحالف قائم على قيم معينة، وكان من الضروري له، عندما يكون أحد أعضاء الحلف مخطئاً أن يقول ذلك بوضوح. وهو لم يفعل ذلك حتى الآن. إنه أمر مفهوم، وأنا أقول هذا أيضاً لأننا نتحدث عن دولة عضو، ولكن مرة أخرى، «الناتو» هو تحالف للقيم. ويجب أن أقول إننا نقوم بمراجعة كاملة لمستقبل «الناتو»، وسياسة 2030 للحلف، وسيكون من المثير للاهتمام أن نرى كيف يتم توصيف هذا العنصر من قيم «الناتو» في تلك الورقة السياسية.
> الأميركيون قرروا توسيع قاعدتهم العسكرية البحرية في مدينة ألكسندروبوليس. إذن، ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى السيد ديندياس؟
- إن العلاقات اليونانية - الأميركية في أعلى مستوياتها على الإطلاق، وأن الأميركيين في الأعوام الأخيرة كانوا حريصين دوماً على قول الأشياء الصحيحة عندما تنشأ أزمة ما بين اليونان وتركيا. وعليّ أن أقول، على سبيل المثال، كنت سعيداً للغاية، لأنه قبل ثلاثة أو أربعة أسابيع، خرج الوزير (أنتوني) بلينكن علناً ونصح جميع بلدان العالم بالانضمام إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. مع مراعاة أن الولايات المتحدة نفسها لم تنضم إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار حتى الآن. لذا، بالنسبة لنا، فإن هذا من دواعي سرورنا، لأن هذا ما نؤمن به. ويجب أن أقول إن الولايات المتحدة هي قوة إيجابية جداً في منطقتنا، خصوصاً في بحر إيجه وفي سياق العلاقات اليونانية- التركية، وسأكون سعيداً لو كان هناك وجود أميركي أكبر في اليونان، ووجود أميركي أكبر في المنطقة، وأنا أرى ذلك أمراً إيجابياً تماماً.
> ماذا عن التعاون العسكري؟
- إننا نتفاوض على اتفاقية دفاعية جديدة مع الولايات المتحدة، وآمل أن نتمكن من اختتام هذه المفاوضات بحلول خريف عام 2021 وتوقيع هذه الاتفاقية الجديدة قبل نهاية العام الجاري، لكن لا يزال علينا أن نرى أن جميع المفاوضات تحمل قدراً معتبراً من التعقيد، ولكن هذا هو طموحنا في النهاية. وعليّ أن أقول إنني متفائل تماماً بشأن الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في منطقتنا.
> هل هذا يتعلق بقاعدة «الناتو» في أنغرليك في جنوب تركيا؟ هل هذا يعني أن الولايات المتحدة تحاول توسيع علاقاتها مع اليونان على حساب تركيا؟
- لا أرى أن علاقتنا مع الولايات المتحدة هي شيء يتعارض مع تركيا بأي حال من الأحوال. ومرة أخرى، كما قلت لكم، أتمنى لتركيا أن تطبع سلوكها، وأن تطمح إلى أن تصبح دولة حديثة ذات قيم غربية، وبلداً ديمقراطياً وشريكاً في مجتمع البلدان الديمقراطية الملتزمة بالقانون. لذا، فإن تواصلنا مع الولايات المتحدة له قيمة في حد ذاته بالنسبة لنا. ولكن ما يفعله الأميركيون مع أصدقائهم الأتراك ليس من شأننا.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.