حداد في العراق بعد كارثة مستشفى الناصرية... والكاظمي يتعهد ملاحقة المقصرين

عشرات الضحايا وأوامر قبض بحق 13 متهماً... وشكوك بوجود دوافع سياسية... وتضامن سعودي وعربي ودولي

آثار الدمار الذي خلفه الحريق في مستشفى الحسين بالناصرية (رويترز)
آثار الدمار الذي خلفه الحريق في مستشفى الحسين بالناصرية (رويترز)
TT

حداد في العراق بعد كارثة مستشفى الناصرية... والكاظمي يتعهد ملاحقة المقصرين

آثار الدمار الذي خلفه الحريق في مستشفى الحسين بالناصرية (رويترز)
آثار الدمار الذي خلفه الحريق في مستشفى الحسين بالناصرية (رويترز)

أعلنت الحكومة العراقية، أمس، الحداد الرسمي على ضحايا حريق مستشفى الحسين بمدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار الجنوبية، وتعهدت بمحاسبة المقصرين. فيما ارتفع عدد قتلى الحريق الذي نجم عن انفجار أسطوانات الأكسجين إلى 92، حسب آخر إحصائية مساء أمس، في حين تواجه السلطات اتهامات بالإهمال من جانب أقارب الضحايا المكلومين. وترجح مصادر طبية تصاعد القتلى لوجود عدد من المصابين بحالات حرجة.
ويأتي «الحادث - الكارثة» الجديد بعد أشهر قليلة من حريق مماثل، التهم مستشفى الخطيب ببغداد في أبريل (نيسان) الماضي، وأودى بحياة 82 شخصاً، معظمهم أيضاً من المصابين بفيروس كورونا. لهذا، فإن مسؤولين رفيعين رجحوا لـ«الشرق الأوسط» وجود دوافع سياسية وراء الحادث، غير أنهم قالوا إنهم لا يملكون دليلاً على ذلك حتى الآن. وأشاروا إلى أنهم حتى لو امتلكوا الدليل فإنهم لن يفصحوا عنه للرأي العام. وتشير تقارير إلى أن حادثاً تسبب في انفجار خزان أكسجين، وهو ما أدي إلى اندلاع الحريق.
وعاش السكان في محافظة ذي قار الجنوبية، وفي معظم المدن العراقية، صدمة شديدة ولحظات عصيبة وحزينة بعد تواتر الأنباء، مساء الاثنين ويوم أمس، عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وتداول ناشطون أسماء لعائلتين مؤلفتين من 5 و7 أشخاص قضوا جميعاً في الحادث، فيما تشير أنباء إلى وجود أطفال مفقودين.
وأعلنت الحكومة العراقية خلال الاجتماع الطارئ الذي عقده رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، مساء الاثنين، وضم عدداً من الوزراء والمسؤولين والقيادات الأمنية؛ الحداد الرسمي على أرواح الضحايا، وناقشت أسباب حادثة حريق مستشفى الإمام الحسين، في محافظة ذي قار، ومعالجة تداعياتها.
وخرج الاجتماع بمجموعة قرارات، ضمنها البدء بتحقيق حكومي عالي المستوى، للوقوف على أسباب الحادثة، وتوجه فريق حكومي فوراً إلى محافظة ذي قار من مجموعة من الوزراء والقادة الأمنيين لمتابعة الإجراءات ميدانياً، إضافة إلى «سحب يد وحجز مدير صحة ذي قار، ومدير المستشفى، ومدير الدفاع المدني في المحافظة وإخضاعهم للتحقيق». كما اتخذ الاجتماع قراراً بـ«اعتبار ضحايا الحادث شهداء، وإنجاز معاملاتهم فورياً، وتسفير الجرحى الذين حالاتهم حرجة إلى خارج العراق».
وقال بيان صادر عن رئيس الوزراء إنه سيتم أيضاً استجواب محافظ بغداد، محمد جابر، ورئيس دائرة صحة شرق بغداد حيث توجد المستشفى. وأضاف البيان أن «نتائج هذا التحقيق ستعرض على الحكومة في غضون 5 أيام».
من جانبها، أصدرت محكمة تحقيق النزاهة في محافظة ذي قار، أمس، أوامر قبض بحق مدير صحة المحافظة وعدة موظفين بعد حادثة حريق المستشفى.
وقال إعلام مجلس القضاء، في بيان، إن «محكمة تحقيق الناصرية المختصة بقضايا النزاهة أصدرت أوامر قبض بحق 13 متهماً، بينهم مدير صحة المحافظة، على خلفية حادثة الحريق التي طالت مركز النقاء الخاص بعزل مصابي كورونا في مستشفى الحسين التعليمي».
وأضاف أن «أوامر قبض وتحرٍ صدرت استناداً إلى أحكام المادة 340 من قانون العقوبات، وفاتحت وزارة الصحة لإجراء التحقيق الإداري من أجل معرفة المقصرين، وتدوين أقوال الممثل القانوني للوزارة».
يذكر أن منصب وزير الصحة ما زال شاغراً منذ تقديم الوزير السابق حسن التميمي استقالته على خلفية حريق مستشفى ابن الخطيب في أبريل الماضي، وترددت أنباء، أمس، عن ترشيح رئيس الوزراء الكاظمي الدكتور صفاء كاظم الحسيني لشغل المنصب.
ورغم الإجراءات التحقيقية التي أعلنت عنها الحكومة والبيانات التي أصدرتها، فإنها تواجه غضباً شعبياً غير مسبوق، قد ينفجر على شكل احتجاجات واسعة، ولعل ما يضاعف مشاعر النقمة والاستياء لدى المواطنين، هو أن السلطات الرسمية غالباً ما تعلن عن ذات الأسباب التي تؤدي إلى حوادث الحرق من دون أن تتخذ التدابير الوقائية المناسبة للحفاظ على حياة المواطنين. حيث أعلن مدير الدفاع المدني في محافظة ذي قار العقيد صلاح الحسناوي، أمس، عن أن «انفجار منظومة الغاز» كان وراء حريق مستشفى الحسين التعليمي، إلى جانب عدم «وجود منظومة إطفاء الحرائق»، و«وجود سخانات كهربائية (هيترات) وأجهزة تشغيل عشوائية في مستشفى مبني بمواد قابلة للاشتعال في أي لحظة». وهي ذات الأسباب التي أدت إلى حريق مستشفى ابن الحطيب.
من جانبه، قدّم رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي العزاء إلى عوائل الضحايا مع تعهده بمحاسبة المقصرين والمسيئين، واعتبر أن «الحادث يؤشر خللاً بنيوياً في الهيكلية الإدارية للدولة العراقية؛ حيث إن تشخيص الأخطاء لا يتم توظيفه ولا متابعته، ويذهب المواطنون ضحايا».
وقال خلال رئاسته جلسة مجلس الوزراء، أمس (الثلاثاء)، إن «الحاجة صارت ملحّة لإطلاق عملية إصلاح إداري شامل، وأهم خطوات الإصلاح هو أن نفصل العمل الإداري عن النفوذ السياسي».
وأضاف: «عندما تنجرف السياسة بعيداً عن المبدأ الأخلاقي والالتزام الإنساني، فسنكون تحت سيطرة مبدأ شريعة الغاب بعينها». وقال: «وطنيتنا لا تتقبل فكرة أن يتعمّد العراقي قتل أخيه من أجل هدف سياسي، ولعنة الله على كل منفعة أو منصب تجعل الإنسان يستهتر ويستخف بدم أخيه، ولعنة الله على كل منفعة سياسية أو مادية تجعل الإنسان يفجر أبراج الكهرباء؛ من أجل إثبات وجهة نظره، وإفشال العاملين من أجل وطنهم».
وقال الكاظمي إن الحكومة قدمت لمجلس النواب مرشحها لشغل منصب وزير الصحة بديلاً عن الوزير المستقيل. وأضاف: «ننتظر من مجلس النواب حسم هذه القضية لمنع استمرار وزارة الصحة من العمل من دون وزير لمدة طويلة».
وأضاف الكاظمي أن «خطوات الإصلاح ومحاربة الفساد التي تتخذها الحكومة تواجه للأسف عرقلة ممنهجة وهجمات إعلامية مع كل محاولة للتقدم إلى الأمام؛ والهدف هو إجهاض الإصلاح، وتشويه صورته؛ لكننا ماضون باتجاه هدف خدمة شعبنا».
واعتبر رئيس الجمهورية برهم صالح، أن حادثي مستشفى الحسين وابن الخطيب وقعا نتيجة الفساد المستحكم وسوء الإدارة. وقال بيان لمكتبه الإعلامي إن «فاجعة مستشفى الحسين في ذي قار، وقبلها مستشفى ابن الخطيب في بغداد، نتاج الفساد المستحكم وسوء الإدارة الذي يستهين بأرواح العراقيين ويمنع إصلاح أداء المؤسسات».
وأشار إلى أن «التحقيق والمحاسبة العسيرة للمقصرين هو عزاء أبنائنا الشهداء وذويهم. يجب القيام بمراجعة صارمة لأداء المؤسسات وحماية المواطنين».
من جهته، اتهم تحالف «سائرون» التابع للتيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، من أطلق عليهم «الأيادي الخبيثة» بالتسبب في حريق الناصرية. وقال التحالف بمحافظة ذي قار، في بيان: «لا بد للحكومة الاتحادية أن تأخذ دورها الحقيقي في حماية أرواح المواطنين وأقل ما يمكن أن تقوم به هو كشف الأيادي الخبيثة التي تسببت بهذه الكارثة الإنسانية ومحاسبتها».
وفيما عقد البرلمان العراقي جلسة لمناقشة حادث حريق المستشفى، أمس، قدّم كثير الدول والمنظمات الدولية والمسؤولين المحليين والدوليين، رسائل تعزية بفاجعة مستشفى الحسين التعليمي في الناصرية.
وكانت المملكة العربية السعودية، من بين أول الدول المعزية.
وبعث خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ببرقيتي عزاء ومواساة، إلى الرئيس العراقي، في ضحايا حريق مستشفى الحسين. وقال الملك سلمان: «علمنا بنبأ وقوع حريق في مستشفى الحسين التعليمي بمدينة الناصرية، وما نتج عنه من وفيات وإصابات، وإننا إذ نبعث لفخامتكم ولأسر المتوفين ولشعب جمهورية العراق الشقيق أحر التعازي وأصدق المواساة، لنرجو المولى سبحانه وتعالى أن يتغمد المتوفين بواسع رحمته ومغفرته، ويلهم ذويهم الصبر والسلوان، وأن يمن على المصابين بالشفاء العاجل، ويحفظكم وشعب جمهورية العراق من كل سوء ومكروه، إنه سميع مجيب».
وقال الأمير محمد بن سلمان في برقيته: «تلقيت نبأ وقوع حريق في مستشفى الحسين التعليمي بمدينة الناصرية، وما نتج عنه من وفيات وإصابات، وأعرب لفخامتكم ولأسر المتوفين كافة عن بالغ التعازي وصادق المواساة، سائلاً الله تعالى الرحمة للمتوفين، والشفاء العاجل لجميع المصابين إنه سميع مجيب».
وقالت الخارجية السعودية في بيان: «نعرب عن بالغ الأسى لحادث الحريق... وما نتج عنه من وفيات ومصابين». وأضافت، أن «المملكة تعرب عن تضامنها التام مع جمهورية العراق والشعب العراقي الشقيق في هذا المصاب الجلل».
وأظهرت مصر وجامعة الدول العربية تضامناً كبيراً مع العراق. وبعث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي برقية تعزية للكاظمي معزياً، فيما أعرب الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط عن «دعم الجهود التي تقوم بها الحكومة العراقية من أجل احتواء آثار هذه الكارثة».
وقدّم التحالف الدولي والبعثة الأممية في العراق وجهات دولية أخرى تعازي مماثلة. وقال السفير الأميركي لدى بغداد، ماثيو تولر، في بيان: «أشعر بعميق الحُزن لسماع أنباء الحريق المُروع في مستشفى الحُسين في الناصرية، وأُعرب عن عظيم الأسى للضحايا». وأضاف: «دعواتنا جميعاً في بعثة الولايات المتحدة في العراق مع ذوي أولئك المفقودين ومع المستجيبين الأوائل الشجعان والطاقم الطبي الذين يعتنون بالجرحى».



عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

عبد العاطي يؤكد لسلام دعم مصر لمؤسسات لبنان في الحفاظ على الأمن والاستقرار

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 6 سبتمبر 2025 (رويترز)

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، دعم القاهرة للمؤسسات الوطنية اللبنانية للاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في الحفاظ على أمن واستقرار بلادها.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان، الجمعة، إن عبد العاطي عبّر عن ترحيبه بإعلان لبنان عن إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، معتبراً إياها خطوة «تعكس التزاماً واضحاً بتعزيز سيادة الدولة وترسيخ دور مؤسساتها الشرعية».

وكان الجيش اللبناني قال في وقت سابق هذا الشهر، إن خطته لحصر السلاح دخلت مرحلة متقدمة «بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكل فعال وملموس على الأرض»، لكنه أشار إلى أن ما وصفها بالاعتداءات والخروقات الإسرائيلية تنعكس سلباً على إنجاز المهام المطلوبة.

وبحسب «الخارجية» المصرية، شدد عبد العاطي على رفض القاهرة الكامل للمساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامه أراضيه، مؤكداً ضرورة «التنفيذ الكامل غير الانتقائي لقرار مجلس الأمن 1701 بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية الفوري وغير المنقوص، ووقف جميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية».

كما أعرب وزير الخارجية المصري خلال اتصاله مع سلام، الخميس، عن الرفض الكامل لأي محاولات للتصعيد العسكري تمس وحدة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه.


سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
TT

سالم الخنبشي… رجل الدولة وتوازنات المشهد السياسي اليمني

الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)
الدكتور سالم الخنبشي (سبأ)

يُعدّ الدكتور سالم الخنبشي واحداً من أبرز الوجوه السياسية المخضرمة في اليمن، وشخصية محورية في معادلة التوازنات الوطنية، خصوصاً في شرق البلاد.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، مثّل الخنبشي حلقة وصل بين الدولة المركزية والمطالب المحلية لمحافظة حضرموت، مكتسباً سمعة رجل التوافق القادر على إدارة الملفات الشائكة في أكثر المراحل تعقيداً.

وبرز اسمه بقوة مع مطلع عام 2026، بوصفه رقماً صعباً في معادلة الاستقرار السياسي والأمني، في ظل تحولات داخلية وإقليمية متسارعة، أعادت ترتيب موازين القوى داخل المحافظات المحررة.

وُلد الخنبشي عام 1952 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، إحدى أبرز المناطق ذات الثقل الاجتماعي والاقتصادي في شرق اليمن.

وتلقى تعليمه العالي في الخارج، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر، وهو تكوين أكاديمي انعكس بوضوح على خطابه السياسي ونهجه العملي، القائم على قراءة البنى الاجتماعية وفهم تداخلاتها القبلية والمناطقية.

وقبل انخراطه المباشر في العمل السياسي، بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي والأكاديمي، حيث عمل في التدريس والإشراف التربوي، ثم في جامعة حضرموت، وتولى مناصب أكاديمية، من بينها رئاسة أقسام علمية وعمادة كلية التربية بالمكلا، ما أسهم في تشكيل شخصيته كمسؤول يميل إلى الحلول الهادئة والمعالجة المؤسسية للأزمات.

لم يكن صعود الخنبشي إلى الصفوف الأولى في الدولة نتاج لحظة سياسية عابرة، بل جاء عبر تدرج طويل في المناصب التشريعية والتنفيذية.

ففي السلطة التشريعية، شغل عضوية مجلس النواب خلال الفترة (1993 - 1997)، ما أتاح له خبرة مبكرة في العمل البرلماني وصناعة القرار، ثم عُيّن لاحقاً عضواً في اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، قبل أن ينضم إلى مجلس الشورى في أكثر من دورة.

وفي الإدارة المحلية، تولى منصب محافظ حضرموت بين عامي (2008 - 2011)، في مرحلة اتسمت بتحديات أمنية وتنموية، قبل أن يُعاد تعيينه في المنصب ذاته في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، في ظل تصاعد التعقيدات السياسية والأمنية في المحافظة الأكبر مساحة والأكثر حساسية في البلاد.

أما في الحكومة المركزية، فقد شغل منصب نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة الدكتور معين عبد الملك (2018 - 2020)، وكان الشخصية الحكومية الأبرز في ملف «اتفاق الرياض»، حيث ترأس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة تنفيذ بنوده، ولعب دوراً محورياً في إدارة العلاقة المعقدة بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي.

2026... عام التحول المفصلي

مع بداية عام 2026، انتقل الخنبشي إلى موقع أكثر تأثيراً في معادلة السلطة، حيث صدر في 15 يناير (كانون الثاني) قرار بتعيينه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، ليصبح الممثل الأبرز لحضرموت في أعلى سلطة سياسية في البلاد.

وبالتوازي، كُلف بقيادة قوات «درع الوطن» في حضرموت، وهي قوة تُقدَّم بوصفها أداة توازن تابعة لشرعية الدولة، في مواجهة التفلتات الأمنية والتشكيلات غير النظامية.

ويقود الخنبشي جهوداً لإعادة بسط السيطرة على المواقع الحيوية والعسكرية، مؤكداً أن «أمن حضرموت جزء لا يتجزأ من أمن اليمن والمنطقة».

وفي هذا السياق، تبنّى خطاباً يقوم على الاحتواء، لا الإقصاء، داعياً أبناء حضرموت المنخرطين في تشكيلات أخرى إلى العودة للعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، في محاولة لتجنيب المحافظة سيناريوهات الصدام المفتوح.

سمات سياسية

يُعرف عن الخنبشي هدوؤه وميله إلى الحلول السياسية والدبلوماسية، غير أن مواقفه خلال عامي 2025 و2026 أظهرت قدراً أعلى من الحزم، خصوصاً ما يتعلق بمركزية الدولة ورفض أي قوى مسلحة خارج إطار الشرعية. ويحظى بدعم إقليمي، خصوصاً من السعودية، ضمن مساعي تثبيت الاستقرار في المحافظات المحررة وتأمين شرق اليمن.

ولم يعد سالم الخنبشي اليوم مجرد محافظ أو مسؤول حكومي تقليدي، بل بات يُنظر إليه كـ«مهندس استقرار» يسعى إلى عبور حضرموت مرحلة بالغة الحساسية، مستنداً إلى 3 شرعيات متداخلة: سياسية بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وأمنية من خلال قيادته قوات «درع الوطن»، وإدارية بحكم موقعه محافظاً لحضرموت، في محاولة لإعادة ترميم حضور الدولة في أكبر محافظة يمنية.


الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
TT

الصبيحي عضواً في «الرئاسي اليمني» بعد تاريخ عسكري حافل

الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)
الفريق الركن محمود الصُبيحي (سبأ)

يُعدّ الفريق الركن محمود أحمد سالم الصُبيحي أحد أبرز القادة العسكريين اليمنيين الذين تداخل مسارهم المهني مع أكثر المراحل السياسية والعسكرية تعقيداً في تاريخ البلاد الحديث، من دولة الجنوب قبل الوحدة اليمنية، مروراً بحرب صيف 1994، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين والحرب الشاملة التي أعقبتها.

برز اسم الصُبيحي على الساحة الوطنية مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وتوقيع ما عُرف بـ«اتفاق السلم والشراكة» في 21 سبتمبر (أيلول) 2014، وهو الاتفاق الذي أفضى إلى تشكيل حكومة جديدة في 13 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، برئاسة خالد محفوظ بحاح، وبمشاركة الحوثيين والحراك الجنوبي.

وفي تلك الحكومة، عُيّن الصُبيحي وزيراً للدفاع خلفاً للواء محمد ناصر أحمد. كان الصُبيحي سابع وزير دفاع في تاريخ الجمهورية اليمنية، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية، التي ظلت ضمن حصة الرئيس عبد ربه منصور هادي والمناطق الجنوبية.

وُلد الصُبيحي عام 1948 في منطقة المضاربة بمحافظة لحج. تخرّج في الكلية العسكرية بعدن عام 1976 حاصلاً على بكالوريوس علوم عسكرية، ثم واصل تأهيله العسكري في الاتحاد السوفياتي، حيث نال درجة الماجستير في العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزي عام 1982، وأتبعها بدورة القيادة والأركان من الأكاديمية نفسها عام 1988.

جيل القادة المؤثرين

ينتمي الصُبيحي إلى جيل القيادات العسكرية التي لعبت أدواراً مؤثرة في دولة الجنوب، وكان من قيادات الحزب الاشتراكي اليمني، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى المؤتمر الشعبي العام. وتولى عدداً من المناصب العسكرية قبل تحقيق الوحدة، أبرزها قائد الكلية العسكرية في عدن بين عامي 1988 و1990.

بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عُيّن نائباً لمدير الكلية الحربية بين عامي 1990 و1993، وهي المؤسسة التي نتجت عن دمج الكليتين العسكريتين في عدن وصنعاء. وفي عام 1994، كان من بين القيادات التي انضمت إلى علي سالم البيض، عقب إعلان الانفصال، وشارك في القتال، قبل أن يغادر البلاد مع قيادات أخرى إلى المنفى.

عاد الصُبيحي إلى اليمن بعد نحو 15 عاماً في الخارج، عام 2009، ليُرقّى إلى رتبة لواء في 2010. وفي عام 2011، عُيّن قائداً لمحور العند - لحج، ثم أصدر الرئيس هادي في أبريل (نيسان) 2013 قراراً بتعيينه قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن أوسع قرارات إعادة هيكلة القوات المسلحة اليمنية.

مع تصاعد نفوذ الحوثيين، ظهر الصُبيحي في 6 فبراير (شباط) 2015 خلال فعالية إعلان ما سمّي بـ«الإعلان الدستوري»، الذي قضى بتعطيل الدستور وحل البرلمان.

ورغم أن وسائل إعلام نقلت عنه لاحقاً قوله إنه أُحضر إلى الفعالية قسراً، فإن الحوثيين أعادوا في اليوم التالي تشكيل «اللجنة الأمنية العليا»، وعيّنوه رئيساً لها بقرار صادر عن محمد علي الحوثي، رئيس ما كان يُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا».

منعطف الأسر

تمكّن الصُبيحي في 5 مارس (آذار) 2015 من مغادرة صنعاء إلى عدن، حيث كان الرئيس هادي قد أعلنها عاصمة مؤقتة للبلاد.

وأعاد هادي تكليفه بمهام وزير الدفاع، وأسند إليه قيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف الحوثيين. غير أن مسيرته توقفت مجدداً في 25 مارس 2015، عندما وقع أسيراً بيد الحوثيين إثر كمين خلال مواجهات في مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، ونُقل إلى صنعاء مع اللواء ناصر منصور هادي واللواء فيصل رجب.

ورغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 لعام 2015، الذي نصّ صراحة على الإفراج عنه، رفض الحوثيون تنفيذ القرار، وبقي الصُبيحي محتجزاً 8 سنوات.

خلال تلك الفترة، ظل منصب وزير الدفاع شاغراً في حكومتي خالد بحاح وأحمد عبيد بن دغر، إلى أن كُلّف الفريق محمد المقدشي قائماً بالأعمال في فبراير (شباط) 2018، ثم عُيّن وزيراً لاحقاً.

في 14 أبريل (نيسان) 2023، أُفرج عن الصُبيحي ضمن صفقة تبادل أسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين برعاية دولية، ووصل إلى عدن وسط استقبال رسمي وشعبي.

وفي 9 مايو (أيار) 2024، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قراراً بترقيته إلى رتبة «فريق»، ومنحه وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم عيّنه بعد 3 أيام مستشاراً لمجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن.

واليوم، يُعاد إدراج اسم الصُبيحي في صدارة المشهد السياسي والعسكري اليمني، بعد صدور قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيينه عضواً في المجلس، في خطوة تعكس رمزية حضوره وخبرته، وتعيد أحد أقدم القادة العسكريين إلى قلب معادلة القرار في اليمن.