تفشي «دلتا» يعيد تشديد القيود في آسيا... وينذر بتدهور في أفريقيا

«فايزر» لطلب ترخيص جرعته الثالثة في أوروبا وأميركا

إندونيسيون يعيدون ملء أنابيب الأكسجين في جاكرتا (أ.ب)
إندونيسيون يعيدون ملء أنابيب الأكسجين في جاكرتا (أ.ب)
TT

تفشي «دلتا» يعيد تشديد القيود في آسيا... وينذر بتدهور في أفريقيا

إندونيسيون يعيدون ملء أنابيب الأكسجين في جاكرتا (أ.ب)
إندونيسيون يعيدون ملء أنابيب الأكسجين في جاكرتا (أ.ب)

يفاقم المتحور «دلتا» انتشار وباء «كورونا» في آسيا وأفريقيا، وفيما يقلق ارتفاع الإصابات الجديدة رغم حملات التلقيح، أوروبا والولايات المتحدة.
ويعد المتحور «دلتا»، الذي ظهر في الهند أولاً، الأشد عدوى منذ ظهور الوباء في بداية 2020. وحذرت منظمة الصحة العالمية من «خطورة» المرحلة، في حين تخطت حصيلة الوفيات العالمية جراء «كوفيد – 19» أربعة ملايين، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
- قيود صارمة في آسيا
وفي آسيا المتضررة بشدة من المتحور «دلتا»، وصلت الشعلة الأولمبية إلى طوكيو أمس (الجمعة)، في حفل بلا جمهور قبل أسبوعين من بدء الألعاب الأولمبية التي ستُجرى من 23 يوليو (تموز) إلى الثامن من أغسطس (آب). وستُجرى المنافسات بغالبيتها دون حضور جماهيري، ما يشكل سابقة في تاريخ الألعاب الأولمبية في قرار صدر بعيد إعادة فرض حال الطوارئ في العاصمة طوكيو حتى 22 أغسطس.
من جهتها، أعلنت تايلاند، أمس، فرض قيود جديدة بما فيها حظر تجول ليلي في بانكوك وتسع مقاطعات. وسجلت البلاد، الجمعة، 72 وفاة و9276 إصابة إضافية، في حصيلة قياسية.
في فيتنام، فرضت السلطات إغلاقاً في مدينة هو تشي مين، البالغ عدد سكانها تسعة ملايين نسمة. أما في إندونيسيا، يوشك النظام الصحي على بلوغ أقصى قدراته الاستيعابية. ووصلت، الجمعة، طائرتان عسكريتان من سنغافورة محملتان بالأكسجين ومعدات الوقاية.
بدورها، أعلنت الحكومة الكورية الجنوبية، الجمعة، فرض أشد قيود تشهدها العاصمة سيول منذ بداية الوباء، مع ارتفاع عدد الإصابات. وستدخل الإجراءات الجديدة حيز التنفيذ الاثنين لمدة أسبوعين، وتشمل منع التجمع بعد الساعة السادسة مساء، وإغلاق المدارس والحانات والنوادي الليلية. واعتبرت كوريا الجنوبية نموذجاً لإدارة الوباء بفضل انضباط السكان الذين التزموا بدقة شديدة بتعليمات التباعد الاجتماعي. لكن حملة التطعيم تتقدم ببطء بسبب نقص الجرعات. وأعلنت الحكومة تسجيل 1316 حالة جديدة الجمعة، معظمها في سيول والمناطق المحيطة بها، حيث يعيش نصف سكان البلاد تقريباً.
وفي أستراليا، شددت السلطات القيود المفروضة في سيدني مع بلوغ عدد الإصابات الجديدة بكورونا فيها مستوى قياسياً وتحذير السلطات من أن تفشي متحور «دلتا» يخرج عن نطاق السيطرة. وقالت رئيسة وزراء الولاية غلاديس بريجيكليان لسكان سيدني البالغ عددهم خمسة ملايين نسمة «لا تغادروا منازلكم إلا إذا كنتم مضطرين إذ سجلت في المدينة 44 حالة إصابة جديدة خلال 24 ساعة». ورغم أسبوع ثالث من الإغلاق، يتواصل تسجيل إصابات جديدة قياسية بين السكان غير الملقحين بغالبية ساحقة في سيدني.
وفي فيجي، فرضت السلطات إلزامية التلقيح لموظفي القطاعين العام والخاص. والخميس، قال رئيس وزراء هذا الأرخبيل الواقع في المحيط الهادئ فرانك باينيماراما: «لا لقاح، لا عمل».
- تحذير أفريقي وقلق أوروبي
شهدت أفريقيا تسارعاً كبيراً في وتيرة تفشي «كوفيد – 19» وفق منظمة الصحة العالمية، وأعلنت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة في أفريقيا ماتشيديسو مويتي، الخميس، إن القارة السمراء «شهدت الأسبوع الأكثر كارثية على صعيد الجائحات في تاريخها»، لكنها حذرت من أن «القادم أسوأ لأن الموجة الثالثة تواصل التفشي بشكل متسارع».
وفي فرنسا، حذرت وزارة الصحة من أن المتحورة «دلتا» في طريقها لتصبح الأكثر تفشياً في البلاد. وأوصى المجلس الاستشاري العلمي للحكومة بـ«فرض إلزامية التلقيح لأفراد طواقم الرعاية الصحية»، وهو أمر يثير جدلاً في البلاد. ويمكن أن يقر مشروع قانون بهذا التوجه قبل نهاية يوليو. ومساء أمس، استعدت الملاهي الليلية الفرنسية لإعادة فتح أبوابها بعد فترة إغلاق دامت 16 شهراً، لكن القيود الصحية الصارمة أثنت غالبية هذه المؤسسات عن استعادة أنشطتها.
في إسبانيا، تدهور الوضع الصحي بشكل حاد في الأيام الأخيرة، وبعدما أعادت الملاهي الليلية في كاتالونيا فتح أبوابها في 21 يونيو (حزيران)، عادت لتغلقها بسبب تفشي الوباء. وفي البرتغال، ارتفعت نسبة الإصابات بمتحورة «دلتا» إلى نحو تسعين في المائة.
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تسجل الولايات المتحدة، حيث نجحت حملة التطعيم، ارتفاعاً جديداً في عدد الإصابات بالفيروس. فيما بدأت كندا تخفيف قيود السفر على مواطنيها، لكن لن يُسمح للمسافرين الأجانب غير الملقحين بدخول البلاد «لبعض الوقت»، كما أعلن رئيس الوزراء جاستن ترودو. وفي أميركا اللاتينية، رُصدت المتحورة «دلتا» في ساو باولو، كبرى الولايات البرازيلية لناحية التعداد السكاني، وفق السلطات الصحية. وتسجل البرازيل ثاني أعلى حصيلة وفيات في العالم جراء «كوفيد – 19» بعد الولايات المتحدة.
- جرعة معززة
تحدث تحالف «فايزر – بايونتك» الأميركي - الألماني، الخميس، عن «نتائج مشجعة» لاختبارات أجريت على «جرعة معززة بعد ستة أشهر من الجرعة الثانية، تمنح أماناً ثابتاً عبر تفعيلها مستويات عالية من الأجسام المضادة»، بما في ذلك ضد متحورة «بيتا» التي ظهرت في جنوب أفريقيا.
ويعتزم التحالف طلب ترخيص لجرعة ثالثة في الولايات المتحدة وأوروبا خصوصاً، وهو يتوقع نتائج مماثلة بالنسبة للمتحورة «دلتا» في الاختبارات الجارية. لكن السلطات الصحية الأميركية بدت حذرة. وقالت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (إف دي إيه) ومراكز الوقاية من الأمراض ومكافحتها (سي دي سي) في بيان مشترك، مساء الخميس، إنهما تدرسان ما إذا كانت «هناك حاجة أم لا» لجرعة ثالثة من اللقاح. وأضافتا أن «الأميركيين الذين تلقوا التطعيم بالكامل لا يحتاجون إلى جرعة معززة (ثالثة) في الوقت الحالي. نحن على استعداد لإعطاء جرعات معززة، في حال أظهر العلم أن هناك حاجة إليها وعندما يتحقق ذلك».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟