النساء العربيات في «اليوم العالمي للمرأة» بين انتصارات حقوقية وانتكاسات اجتماعية

قوانين أفضل في كل من مصر وتونس ولبنان.. وأسعدهن في جزر القمر

فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)
فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)
TT

النساء العربيات في «اليوم العالمي للمرأة» بين انتصارات حقوقية وانتكاسات اجتماعية

فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)
فلسطينية تحتمي من الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه جنود إسرائيليون خلال مسيرة عشية اليوم العالمي للمرأة عند معبر قلندية بين القدس المحتلة ورام الله أمس (أ.ب)

التشريعات المتعلقة بحقوق المرأة تتطور، في حين أن الممارسات على الأرض تتراجع بحدة، هذا على الأقل ما يمكن قوله بالنظر إلى وضع النساء العربيات، في السنة الأخيرة، تلك التي تلت ثورات وتقلبات ما سمي بـ«الربيع العربي»؛ فمن المغرب إلى اليمن، نساء غاضبات يطالبن بإنقاذهن من التمييز والعنف، فيما الوقائع على الأرض لا يبدو أنها تتحسن بسبب استمرار الاشتباكات والحروب، سواء في العراق أو سوريا أو اليمن وليبيا.
وباستثناء تونس التي نجت من انتكاسة كان يخشى منها لقانون الأحوال الشخصية الذي أعطى النساء ما لم تنله امرأة عربية، وإقرار قوانين في كل من مصر ولبنان، فإن بلدان الربيع العربي، التي كان نزول النساء فيها إلى المظاهرات والاحتجاجات كثيفا، وفاعلا، لم تشهد المرأة سوى انعكاسات العنف المتنامي، والتراجعات تلو الأخرى.
ومع اليوم العالمي للمرأة، الذي سعى فيه كل بلد إلى إعادة تقييم أحوال النساء، بدت أوضاع الدول العربية مخجلة، قياسا إلى دول أميركا اللاتينية أو حتى بعض البلدان الأفريقية، فقد أبرزت دراسة مغربية أن أكثر من 40 ألف حالة استخدام للعنف سجلت في المغرب خلال العام 2014. هذا علما بأن الدستور المغربي الذي أقر عام 2011 يعد متقدما في مجال الأحوال الشخصية عن سابقه، إلا أن المكتسبات القانونية التي كان يفترض أن تنتهز، لم يتم العمل بها على النحو الذي يحقق غاياتها. وتطالب الهيئات النسائية اليوم بتطبيق مبدأ المناصفة. وكانت وزير الأسرة المغربية، بسيمة الحقاوي، قد قالت منذ أيام، إن الحكومة تعتزم تبني مشروع قانون تنظيمي ينص على تشكيل هيئة وطنية للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، بغية تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة. لكن إلى حينه، فإن حال المرأة المغربية يعد سيئا اجتماعيا لكثرة حالات الطلاق وما يترتب عليه من عواقب لغير صالحها، والإنجاب غير الشرعي الذي تتحمل أعباءه، وحالات الفقر التي غالبا ما تنعكس على النساء أكثر من الرجال.
وبالعودة إلى تونس التي تعد رائدة في مجال حقوق المرأة، فإن النساء سجلن انتصارا كبيرا عام 2014، بمحافظتهن على مكتسباتهن الحقوقية في الدستور الجديد، رغم الأخذ والرد الشديدين منذ عام 2011 مع اندلاع الثورة، والمخاوف من انتكاسات أثناء صياغة القوانين لدستور الجمهورية الثانية، إلا أن النقاشات أثمرت لصالح المرأة التونسية التي استطاعت أن تفوز بأفضل القوانين العربية؛ فقد أكد الدستور التونسي في الفصل 46 منه على أن «الدولة تلزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها»، في حين نص الفصل 21 منه على الآتي: «المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز». في حين أرسى الفصل 21 صراحة مبدأ المساواة بين الجنسين في الحقوق والحريات. ومع ذلك لا تزال الأمم المتحدة ترى أن القوانين التونسية تنطوي على بعض الأحكام التي تميز بين الرجل والمرأة، التي يفترض أن يعمل عليها لتعديلها.
وفي 23 أبريل (نيسان) الماضي، أكدت الأمم المتحدة، وفي خطوة متقدمة ومنتظرة منذ عام 2011 أن تونس أعلمتها بشكل رسمي برفع تحفظاتها على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). وكانت تونس قد أبدت تحفظات على بعض الأحكام القانونية سابقا، ومنها حقوق المرأة في العائلة، رغم انضمامها إلى الاتفاقية.
ومن إنجازات النساء العربيات عام 2014 إقرار قانون العنف الأسري في لبنان، بعد طول كفاح، وبعد أن دفعت عشرات النساء ثمنا من حياتهن، أو عطبا في أجسادهن نتيجة اعتداءات الأزواج التي لم تكن تجد لها رادعا قانونيا. ورغم أن القانون أُقرّ مبتورا ومعدلا ولم ينل رضا الهيئات النسائية، فإن النضال متواصل لتحسين القوانين، وباتت مخافر الشرطة أكثر حساسية وإيجابية في التعامل مع النساء المعنفات.
ومن المفارقات فعلا، أن تكون أوضاع المرأة الفلسطينية، أفضل حالا، من أولئك اللواتي بتن ضحايا ثورات الربيع العربي. فرغم أن النساء الفلسطينيات، هن أول ضحايا الاحتلال، وهناك عشرات القصص عن تعذيب في السجون، واعتداءات جسدية، وحتى حالات إجهاض قسري، فإن السلطة الفلسطينية، وربما نتيجة ضغوط الهيئات الدولية الممولة، لا تزال تسعى لتحسين وضع المرأة. وتحدث الرئيس محمود عباس منذ أيام في كلمته أمام المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، عن احترامه للمرأة واعتبارها الجزء الفعال في المجتمع.
ولفت عباس إلى قيام السلطة بتوقيع الميثاق العالمي للحقوق السياسية للمرأة، الأمر الذي اعتبره في غاية الأهمية. وقال أبو مازن: «حريصون كل الحرص على أن تكون المرأة في الوزارة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني والمجالس البلدية، وفي القضاء وفي النيابة العامة والقضاء الشرعي»، الأمر الذي أكد أنه غير موجود في كثير من الدول العربية. وأكمل أبو مازن ممازحا: «المرأة ليست عاجزة أن تفعل المهمة كما يفعلها الرجل، وباقي أن نعين المرأة مأذونة، وفي المستقبل القريب ستكون المرأة مأذونة، ولا ينقصها شيء»، وأضاف: «خطر في بالي لماذا لا تكون المرأة مأذونا شرعيا ورئيسا للسلطة؟!». لكن إلى حينه تبقى المرأة الفلسطينية كما بقية النساء العربيات ضحية الأفكار الاجتماعية التقليدية حول دونيتها، وضحية جرائم الشرف التي يعاني منها الأردن أيضا، بسبب عدم وجود روادع قانونية صارمة وكابحة.
كلما اقتربنا من المناطق الساخنة عسكريا وأمنيا تسوء أحوال النساء. لكن كان لافتا مثلا أن دولة مثل مصر، لم تشهد حروبا، صُنفت في دراسة أجرتها مؤسسة «تومسن رويترز» نهاية عام 2013، على أنها البلد الأسوأ عربيا بالنسبة للنساء. وجاءت الأرقام صادمة. ونشرت «يونيسيف» عام 2013 أن 27 مليون امرأة في مصر ضحايا لختان الإناث، وهو أكبر عدد يمكن أن يوجد في بلد واحد، كما نشرت الأمم المتحدة في العام نفسه أن 99.3 في المائة من المصريات تعرضن لتحرش جنسي. واعتبر عام 2014 من الأعوام التي شهدت نقلة نوعية في حقوق المرأة المصرية، حيث صدور دستور 2014 الذي بمقتضاه حصلت النساء المصريات على العديد من المكتسبات التي أقرها الدستور، لكن رغم ذلك تعد الهيئات النسائية، لا سيما المركز المصري لحقوق المرأة، أن وعودا كثيرة لم تتحقق، خاصة في مجال الحقوق المدنية والسياسية. إلا أنه خلال الأسابيع الماضية، تصاعدت الآمال بأخذ المرأة حقها في العاصمة العراقية بعد أن رشحت ذكرى علوش لتكون أول أمينة لبغداد منذ أكثر من 60 عاما.
وخلال العام الماضي، تظاهر عدد من الناشطات العراقيات احتجاجا على قانون يسمح بزواج القاصرات. وقالت الناشطة الحقوقية العراقية، هناء إدوار: «نعتقد أن هذا القانون جريمة ضد الإنسانية، وسيحرم الفتاة من حقها في طفولة طبيعية».
أما في استفتاء «تومسن رويترز»، فقد صنّف العراق «ثاني أسوأ بلد بالنسبة للمرأة العربية بعد مصر». فيما تشير أرقام البنك الدولي إلى أن 17.4 في المائة من العراقيات فقط يشغلن وظائف تدر عليهن مدخولا.
والنساء السوريات لسن أفضل حالا، فقد أبلغت الشبكة السورية عن 4000 حالة اغتصاب منذ بدء الثورة، كما أن النساء استخدمن للثأر، وكأداة من أدوات الحرب خلال الاشتباكات. وتتحدث تقارير حقوق الإنسان عن حالات زواج بقاصرات بأعداد كبيرة جدا بين اللاجئات السوريات. كما أن النساء الحوامل في سوريا وخارجها يعانين قلة أو حتى فقد العناية الصحية، نظرا لظروفهن الاجتماعية السيئة.
ولعل صور السبايا وأخبار النساء المعروضات للبيع مع تفاوت أسعارهن، تبعا لمواصفاتهن، في المناطق التي سيطر عليها «داعش» في كل من سوريا والعراق، كانت من أسوأ ما تعرضت له النساء العربيات على الإطلاق في العصر الحديث. وبقي المتحاربون يحاولون تجنيب النساء المعارك قدر الممكن، سواء خلال الحرب اللبنانية أو حتى خلال سنوات الاحتلال الأميركي للعراق، إلا أن ارتكابات «داعش» خرقت كل ما كان يتحاشاه المقاتلون، مهما بلغت درجة العنف في السنوات السابقة.
الصورة في اليمن قاتمة للغاية، إذ لا يتجاوز عدد الفتيات اللواتي أتممن تعليمهن الابتدائي نسبة 53 في المائة، بحسب البنك الدولي، ويعد زواج القاصرات والزواج السياحي، الذي تصاعدت نسبته في السنوات الأخيرة، أحد أسوأ صور الاتجار بالبشر، وبعض هذه الحالات أدت إلى الموت، ولا تسعف الأوضاع الأمنية المتردية في إعطاء الأولوية لأحوال النساء مهما بلغ سوؤها.
لعل أسعد النساء العربيات، وأفضلهن حقوقا على ما يبدو، هن اللواتي يعشن في «جزر القمر»؛ فهناك، بحسب دراسة «تومسن رويترز»، رغم أنهن ربات منزل في الغالب، إلا أن الزوجة عند الطلاق تحتفظ بالمنزل والأراضي العائدة للزوج، وثلثهن لهن وظائف دائمة، والقانون يمنع زواجهن قبل بلوغ سن الـ18. وبالتالي صنفت جزر القمر الدولة العربية الأفضل على الإطلاق، بالنسبة للنساء.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.