جائحة «كوفيد ـ 19» تسرع التحوّل الرقمي الإعلامي

قراءة في تقرير «رويترز» السنوي: «المعلومات المزيفة» وهيمنة منصّات التواصل... تحديات جدية

عهدية أحمد
عهدية أحمد
TT

جائحة «كوفيد ـ 19» تسرع التحوّل الرقمي الإعلامي

عهدية أحمد
عهدية أحمد

رصد تقرير معهد «رويترز» السنوي العاشر عن الإعلام الرقمي «ازدياد معدلات الثقة في الأخبار من مصادرها الأصلية أو من وسائل الإعلام الرسمية، بالتزامن مع تنامي القلق في دول العالم بسبب انتشار المعلومات المزيفة». في حين رأى خبراء في الإعلام والصحافة أن التقرير كشف أن الدول التي لديها خدمات إخبارية عامة مستقلة يزيد فيها معدل الثقة، وأن الجمهور يُفضل الأخبار التي تحتوي على وجهات نظر مختلفة.
«الشرق الأوسط» التقت عدداً من الخبراء الذين تحدثوا عن التقرير، وقالوا إنه كشف أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأخبار لا يزال قوياً، خصوصاً بين الشباب والمستويات التعليمية المنخفضة، وهو ما يثير التخوف من انتشار الأخبار المزيفة. وفي السياق ذاته، أشار خبراء إلى أن «نتائج التقرير يُمكن أن تنطبق تماماً على المنطقة العربية فيما يتعلق بزيادة معدلات الثقة في الأخبار من مصادرها الرسمية، وأزمة الصحافة الورقية».

الدراسة المسحية
معهد «رويترز» لدراسات الصحافة، التابع لجامعة أكسفورد البريطانية العريقة، أعلن يوم 23 يونيو (حزيران) الماضي، تقريره السنوي العاشر عن الإعلام الرقمي. واعتمد هذا التقرير على دراسة مسحية شارك فيها 92 ألف شخص من 46 دولة في أوروبا وأميركا وشرق آسيا، وأفريقيا، إلا أنه لم يشمل أي دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
التقرير أشار إلى «تنامي الثقة في الأخبار لتصل إلى 44 في المائة، بزيادة ست نقاط على العام الماضي. ولقد تصدّرت فنلندا الدول من حيث ارتفاع معدلات الثقة في الأخبار بين متابعيها بنسبة 56 في المائة، في حين احتلت الولايات المتحدة الأميركية ذيل القائمة بنسبة 29 في المائة».
أيضاً رصد التقرير «ثبات معدلات الثقة في الأخبار المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يعني اتساع الفجوة بين الأخبار بشكل عام، وتلك المعلومات المنتشرة في الفضاء الإلكتروني. ولاحظ أن القارئ بات يعطي أهمية كبرى للمصادر الموثوقة التي تتمتع بمصداقية وتقدم أخباراً دقيقة. وفي سياق متّصل، ذكر التقرير أنه «في بعض الدول، خصوصاً تلك التي لديها إعلام عام مستقل وقوي، جرى رصد استهلاك كبير للأخبار من مصادر معروفة، وقلّ هذا النموذج في دول غرب أوروبا، والدول التي كانت أخبار جائحة كوفيد - 19 فيها أقل على أجندة وسائل الإعلام، أو تلك التي لعبت فيها الأحداث السياسية والقضايا الاجتماعية دوراً أكبر».
الدكتورة نهى بلعيد، أستاذة الإعلام والاتصال الرقمي في تونس، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلقة على معطيات التقرير، إنها «سبق أن اقترحت على أكاديمي، كان مشرفاً في السابق على إعداد هذا التقرير، أن يضم دولاً عربية كي يعطينا نظرة شاملة». وأردفت: «هناك دراسات سابقة عن مستوى الثقة في وسائل الإعلام يصدرها معهد إدلمان منذ عام 2017، وجاء في نتائج آخر دراسة أصدرها حول مستوى الثقة في الأخبار مع انتشار كوفيد - 19، أن الصحافيين يُعَدون آخر مصدر موثوق به للمعلومات حول الجائحة، ومع أن 43 في المائة من الذين استُطلِعت آراؤهم يتابعون أخبار الفيروس في وسائل الإعلام، ويؤكدون أن وسائل الإعلام مصدر موثوق به... فإن الثقة الكبرى كانت للعلماء والخبراء بنسبة 83 في المائة».
من جانبها، ترى عهدية أحمد، رئيسة جمعية الصحافيين في البحرين، أن «الصحف والمواقع الإخبارية الرسمية استفادت من الجائحة، واستعادت مصداقيتها كمصدر رئيسي للمعلومات، في ظل انتشار كثير من الأخبار المزيفة والإشاعات على مواقع التواصل الاجتماعي». وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنه «من الطبيعي أن يستعيد التلفزيون مكانته في ظل الجائحة مع بقاء الناس فترات أطول في منازلهم؛ ولكن في الوقت نفسه فإن الأمر لم يكن قاصراً على التلفزيون التقليدي، بل بات يشمل أيضاً الرقمي، حيث انتشر كثير من البرامج الرقمية، واكتسب مذيعون شهرتهم من وجودهم الإلكتروني».
وفي الشأن ذاته، قال إيهاب الزلاقي، رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة «المصري اليوم» الخاصة بمصر لـ«الشرق الأوسط»، إن «العام الماضي شهد عودة للبحث عن أصل الأخبار بشكل كبير، خصوصاً أن الجائحة جعلت هذه الأخبار مرتبطة بصحة الناس وحياتهم، فاتجه الجمهور للبحث عن الأخبار من مصادرها الأصلية. وهذا مكسب بسيط للإعلام، بعد فترة من سطوة مواقع التواصل التي كانت تشهد نشاطاً محموماً في الترويج للأخبار والمعلومات دون التأكد من صحتها، وكان ذلك ينطبق على النخب وبعض الصحافيين أيضاً».
لكن الدكتور أيمن ندا، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، يرى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تقرير رويترز هذا العام لا يختلف عن التقارير السنوية السابقة، التي تؤكد المعلومات نفسها سنوياً مع زيادات طفيفة في الأرقام». ويتابع: «مستوى الثقة في الأخبار مثلاً الذي يتحدث التقرير عن زيادته، يبلغ الآن 44 في المائة، ما يعني أن هناك 56 في المائة لا يثقون في الأخبار. وإذا نظرنا إلى تفاصيل التقرير، فسنجد أن نسبة انعدام الثقة ترتفع في الولايات المتحدة لتصل إلى ما يزيد على 80 في المائة، وتقل في دولة مثل فنلندا... مع أن الولايات المتحدة تضم أشهر وسائل الإعلام، ومثلها نجد تراجعاً للثقة في بريطانيا وفرنسا وزيادتها في ألمانيا». ووفق ندا، فإن «الثقة مشكلة ثقافية أزلية في المنطقة العربية، والأمر يزداد مع سعي وسائل الإعلام خلف الترند من دون تفكير في مدى تأثير ذلك على مستوى الثقة فيها».
عودة إلى مضمون تقرير «رويترز» نفسه، فنراه يشير إلى أن «الأخبار التلفزيونية استمرت في الأداء بقوة في بعض الدول، في حين عانت الصحافة الورقية تراجعاً حاداً، حيث أثرت سياسات الإغلاق العام والحظر خلال الجائحة على توزيع الصحف، الأمر الذي سرّع عملية التحول الرقمي لهذه الصحف». وبالفعل، ذكر الدكتور راسموس نيلسن، مدير معهد «رويترز» لدراسات الصحافة، في مقدمة التقرير، أن «فيروس كوفيد - 19 سرّع كثيراً من النقاط التي رصدناها في تقاريرنا السابقة فيما يتعلق بالتحوّل الرقمي وسيطرة المنصات على الإعلام».

حال العالم العربي
وتقارن نهى بلعيد بين ما جاء في تقرير «رويترز» ووضع الإعلام في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية، وتقول إن «هذه النتائج يمكن أن تنطبق تماماً على المنطقة العربية، فقد اجتمعنا من جديد كعائلة حول التلفزيون، مثلما اعتدنا سابقاً، ووجدنا أنفسنا متابعين لما تبثه القنوات التلفزيونية خلال 24 ساعة، حيث يكاد التلفزيون لا يصمت بالبيت، لا سيما أننا كُنا نجهل في البداية تفاصيل هذا الفيروس، فوجدنا أنفسنا نبحث عن أخبار رسمية، وشهادات الباحثين والخبراء الحاضرين باستوديوهات التلفزيون». ثم تضيف: «لكن أزمة الصحافة الورقية سبقت أزمة كوفيد - 19، ولذا من الطبيعي أن تلجأ الصحف الورقية إلى تأسيس مواقع إلكترونية حتى تنقذ نفسها، مُحافظة على عدد ضئيل من مطبوعاتها».
أما الزلاقي فيرى أن «وضع الصحف الورقية ازداد سوءاً مع الجائحة لعدة أسباب، من بينها المخاوف من نقل العدوى باللمس، فتراجع عدد الصحف المطبوعة يومياً، وفي المقابل زاد استهلاك الجمهور للأخبار على المنصات الرقمية». ويشير إلى أن «الوضع في الغرب مختلف، حيث توجد أنظمة للدفع والاشتراكات في المواقع الإلكترونية، وكان من الطبيعي أن تزيد هذه الاشتراكات في ظل الجائحة، بحثاً عن خبر أو معلومة من مصدر موثوق. لكن عربياً لا يوجد هذا النوع من المحتوى الذي يجبر القارئ على أن يدفع في مقابله».
وبالنسبة للتقرير وما رصده أميركياً، فإنه رصد «تراجع الاهتمام بالأخبار بدرجة كبيرة في الولايات المتحدة في أعقاب انتخاب الرئيس جو بايدن، خصوصاً من الجماعات ذات التوجه السياسي نحو اليمين». كذلك لاحظ «اهتمام عدد من غرف الأخبار بالتنوع وتمثيل مختلف الفئات، حيث ارتفع تمثيل الشباب خصوصاً الفتيات، كما كانت هناك زيادة في تمثيل الفئات المهمشة والجماعات العرقية». ورصد أيضاً أن «غالبية المستطلعين (74 في المائة) يفضلون الأخبار التي تعكس مختلف وجهات النظر، ولا تفرض عليهم وجهة نظر معينة، ويعتقد 66 في المائة أن الإعلام يجب أن يكون محايداً»، في حين ترى بعض المجموعات الأصغر سناً أن «الحياد ربما لا يكون مناسباً في بعض المواضيع مثل قضايا العدالة الاجتماعية».
أيمن ندا، من جهته، يلاحظ نقطة مهمة يتحدث عنها التقرير، هي أن «الدول التي لديها خدمات إخبارية عامة مستقلة يزيد فيها معدل الثقة مثل اليابان. وهذا يعني أن نمط وشكل الملكية له علاقة في مستويات الثقة بوسائل الإعلام».
على صعيد آخر، يوضح التقرير أن «استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأخبار لا يزال قوياً، خصوصاً بين الشباب وذوي المستويات التعليمية المنخفضة، مع شيوع تطبيقات المراسلة مثل واتساب وتليغرام في الجزء الجنوبي من العالم، وهو ما يعني تنامي القلق من المعلومات المضللة، خصوصاً حول الجائحة». ويرصد «تنامي القلق على مستوى العالم بشأن انتشار المعلومات المضللة والمزيفة لتتراوح ما بين 82 في المائة بالبرازيل، و37 في المائة بألمانيا».
أخيراً، يسجّل «رويترز» وجود «زيادة ملحوظة في الدفع مقابل الحصول على الأخبار على المواقع الإلكترونية في عدد قليل من الدول الغنية غرب أوروبا؛ لكن النسبة الغالبة في معظم الدول لا تزال قليلة، ففي 20 دولة ممن يطبقون أنظمة دفع للمحتوى، فقط 17 في المائة من العينة التي شملتها الدراسة يدفعون مقابل المحتوى الإلكتروني. وتتصدر النرويج قائمة الدول في هذا المجال بنسبة 45 في المائة، تليها السويد بنسبة 30 في المائة، في حين تبلغ النسبة في ألمانيا 9 في المائة، وبريطانيا 8 في المائة، وفي معظم الدول فإن غالبية هذه الاشتراكات تذهب لعدد قليل جداً من المؤسسات الإعلامية الكبرى المعروفة». وبين النتائج الأخرى التي رصدها التقرير «تباطؤ نمو وانتشار البودكاست رغم الاستثمارات الضخمة التي ضُخّت في هذا المجال، وزيادة الاعتماد على الهواتف الجوالة للحصول على الأخبار، إذ تصل نسبة المعتمدين على الهواتف الجوالة إلى 73 في المائة، بينما استقرت نسبة مستخدمي الكمبيوتر وأجهزت الحاسوب اللوحية في الحصول على الأخبار أو تراجعت». وأكد التقرير «تغير نمط استهلاك الأخبار، مع وجود فوارق تكنولوجية بين دول العالم».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.