جائحة «كوفيد ـ 19» تسرع التحوّل الرقمي الإعلامي

قراءة في تقرير «رويترز» السنوي: «المعلومات المزيفة» وهيمنة منصّات التواصل... تحديات جدية

عهدية أحمد
عهدية أحمد
TT

جائحة «كوفيد ـ 19» تسرع التحوّل الرقمي الإعلامي

عهدية أحمد
عهدية أحمد

رصد تقرير معهد «رويترز» السنوي العاشر عن الإعلام الرقمي «ازدياد معدلات الثقة في الأخبار من مصادرها الأصلية أو من وسائل الإعلام الرسمية، بالتزامن مع تنامي القلق في دول العالم بسبب انتشار المعلومات المزيفة». في حين رأى خبراء في الإعلام والصحافة أن التقرير كشف أن الدول التي لديها خدمات إخبارية عامة مستقلة يزيد فيها معدل الثقة، وأن الجمهور يُفضل الأخبار التي تحتوي على وجهات نظر مختلفة.
«الشرق الأوسط» التقت عدداً من الخبراء الذين تحدثوا عن التقرير، وقالوا إنه كشف أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأخبار لا يزال قوياً، خصوصاً بين الشباب والمستويات التعليمية المنخفضة، وهو ما يثير التخوف من انتشار الأخبار المزيفة. وفي السياق ذاته، أشار خبراء إلى أن «نتائج التقرير يُمكن أن تنطبق تماماً على المنطقة العربية فيما يتعلق بزيادة معدلات الثقة في الأخبار من مصادرها الرسمية، وأزمة الصحافة الورقية».

الدراسة المسحية
معهد «رويترز» لدراسات الصحافة، التابع لجامعة أكسفورد البريطانية العريقة، أعلن يوم 23 يونيو (حزيران) الماضي، تقريره السنوي العاشر عن الإعلام الرقمي. واعتمد هذا التقرير على دراسة مسحية شارك فيها 92 ألف شخص من 46 دولة في أوروبا وأميركا وشرق آسيا، وأفريقيا، إلا أنه لم يشمل أي دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
التقرير أشار إلى «تنامي الثقة في الأخبار لتصل إلى 44 في المائة، بزيادة ست نقاط على العام الماضي. ولقد تصدّرت فنلندا الدول من حيث ارتفاع معدلات الثقة في الأخبار بين متابعيها بنسبة 56 في المائة، في حين احتلت الولايات المتحدة الأميركية ذيل القائمة بنسبة 29 في المائة».
أيضاً رصد التقرير «ثبات معدلات الثقة في الأخبار المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يعني اتساع الفجوة بين الأخبار بشكل عام، وتلك المعلومات المنتشرة في الفضاء الإلكتروني. ولاحظ أن القارئ بات يعطي أهمية كبرى للمصادر الموثوقة التي تتمتع بمصداقية وتقدم أخباراً دقيقة. وفي سياق متّصل، ذكر التقرير أنه «في بعض الدول، خصوصاً تلك التي لديها إعلام عام مستقل وقوي، جرى رصد استهلاك كبير للأخبار من مصادر معروفة، وقلّ هذا النموذج في دول غرب أوروبا، والدول التي كانت أخبار جائحة كوفيد - 19 فيها أقل على أجندة وسائل الإعلام، أو تلك التي لعبت فيها الأحداث السياسية والقضايا الاجتماعية دوراً أكبر».
الدكتورة نهى بلعيد، أستاذة الإعلام والاتصال الرقمي في تونس، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلقة على معطيات التقرير، إنها «سبق أن اقترحت على أكاديمي، كان مشرفاً في السابق على إعداد هذا التقرير، أن يضم دولاً عربية كي يعطينا نظرة شاملة». وأردفت: «هناك دراسات سابقة عن مستوى الثقة في وسائل الإعلام يصدرها معهد إدلمان منذ عام 2017، وجاء في نتائج آخر دراسة أصدرها حول مستوى الثقة في الأخبار مع انتشار كوفيد - 19، أن الصحافيين يُعَدون آخر مصدر موثوق به للمعلومات حول الجائحة، ومع أن 43 في المائة من الذين استُطلِعت آراؤهم يتابعون أخبار الفيروس في وسائل الإعلام، ويؤكدون أن وسائل الإعلام مصدر موثوق به... فإن الثقة الكبرى كانت للعلماء والخبراء بنسبة 83 في المائة».
من جانبها، ترى عهدية أحمد، رئيسة جمعية الصحافيين في البحرين، أن «الصحف والمواقع الإخبارية الرسمية استفادت من الجائحة، واستعادت مصداقيتها كمصدر رئيسي للمعلومات، في ظل انتشار كثير من الأخبار المزيفة والإشاعات على مواقع التواصل الاجتماعي». وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنه «من الطبيعي أن يستعيد التلفزيون مكانته في ظل الجائحة مع بقاء الناس فترات أطول في منازلهم؛ ولكن في الوقت نفسه فإن الأمر لم يكن قاصراً على التلفزيون التقليدي، بل بات يشمل أيضاً الرقمي، حيث انتشر كثير من البرامج الرقمية، واكتسب مذيعون شهرتهم من وجودهم الإلكتروني».
وفي الشأن ذاته، قال إيهاب الزلاقي، رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة «المصري اليوم» الخاصة بمصر لـ«الشرق الأوسط»، إن «العام الماضي شهد عودة للبحث عن أصل الأخبار بشكل كبير، خصوصاً أن الجائحة جعلت هذه الأخبار مرتبطة بصحة الناس وحياتهم، فاتجه الجمهور للبحث عن الأخبار من مصادرها الأصلية. وهذا مكسب بسيط للإعلام، بعد فترة من سطوة مواقع التواصل التي كانت تشهد نشاطاً محموماً في الترويج للأخبار والمعلومات دون التأكد من صحتها، وكان ذلك ينطبق على النخب وبعض الصحافيين أيضاً».
لكن الدكتور أيمن ندا، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، يرى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تقرير رويترز هذا العام لا يختلف عن التقارير السنوية السابقة، التي تؤكد المعلومات نفسها سنوياً مع زيادات طفيفة في الأرقام». ويتابع: «مستوى الثقة في الأخبار مثلاً الذي يتحدث التقرير عن زيادته، يبلغ الآن 44 في المائة، ما يعني أن هناك 56 في المائة لا يثقون في الأخبار. وإذا نظرنا إلى تفاصيل التقرير، فسنجد أن نسبة انعدام الثقة ترتفع في الولايات المتحدة لتصل إلى ما يزيد على 80 في المائة، وتقل في دولة مثل فنلندا... مع أن الولايات المتحدة تضم أشهر وسائل الإعلام، ومثلها نجد تراجعاً للثقة في بريطانيا وفرنسا وزيادتها في ألمانيا». ووفق ندا، فإن «الثقة مشكلة ثقافية أزلية في المنطقة العربية، والأمر يزداد مع سعي وسائل الإعلام خلف الترند من دون تفكير في مدى تأثير ذلك على مستوى الثقة فيها».
عودة إلى مضمون تقرير «رويترز» نفسه، فنراه يشير إلى أن «الأخبار التلفزيونية استمرت في الأداء بقوة في بعض الدول، في حين عانت الصحافة الورقية تراجعاً حاداً، حيث أثرت سياسات الإغلاق العام والحظر خلال الجائحة على توزيع الصحف، الأمر الذي سرّع عملية التحول الرقمي لهذه الصحف». وبالفعل، ذكر الدكتور راسموس نيلسن، مدير معهد «رويترز» لدراسات الصحافة، في مقدمة التقرير، أن «فيروس كوفيد - 19 سرّع كثيراً من النقاط التي رصدناها في تقاريرنا السابقة فيما يتعلق بالتحوّل الرقمي وسيطرة المنصات على الإعلام».

حال العالم العربي
وتقارن نهى بلعيد بين ما جاء في تقرير «رويترز» ووضع الإعلام في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية، وتقول إن «هذه النتائج يمكن أن تنطبق تماماً على المنطقة العربية، فقد اجتمعنا من جديد كعائلة حول التلفزيون، مثلما اعتدنا سابقاً، ووجدنا أنفسنا متابعين لما تبثه القنوات التلفزيونية خلال 24 ساعة، حيث يكاد التلفزيون لا يصمت بالبيت، لا سيما أننا كُنا نجهل في البداية تفاصيل هذا الفيروس، فوجدنا أنفسنا نبحث عن أخبار رسمية، وشهادات الباحثين والخبراء الحاضرين باستوديوهات التلفزيون». ثم تضيف: «لكن أزمة الصحافة الورقية سبقت أزمة كوفيد - 19، ولذا من الطبيعي أن تلجأ الصحف الورقية إلى تأسيس مواقع إلكترونية حتى تنقذ نفسها، مُحافظة على عدد ضئيل من مطبوعاتها».
أما الزلاقي فيرى أن «وضع الصحف الورقية ازداد سوءاً مع الجائحة لعدة أسباب، من بينها المخاوف من نقل العدوى باللمس، فتراجع عدد الصحف المطبوعة يومياً، وفي المقابل زاد استهلاك الجمهور للأخبار على المنصات الرقمية». ويشير إلى أن «الوضع في الغرب مختلف، حيث توجد أنظمة للدفع والاشتراكات في المواقع الإلكترونية، وكان من الطبيعي أن تزيد هذه الاشتراكات في ظل الجائحة، بحثاً عن خبر أو معلومة من مصدر موثوق. لكن عربياً لا يوجد هذا النوع من المحتوى الذي يجبر القارئ على أن يدفع في مقابله».
وبالنسبة للتقرير وما رصده أميركياً، فإنه رصد «تراجع الاهتمام بالأخبار بدرجة كبيرة في الولايات المتحدة في أعقاب انتخاب الرئيس جو بايدن، خصوصاً من الجماعات ذات التوجه السياسي نحو اليمين». كذلك لاحظ «اهتمام عدد من غرف الأخبار بالتنوع وتمثيل مختلف الفئات، حيث ارتفع تمثيل الشباب خصوصاً الفتيات، كما كانت هناك زيادة في تمثيل الفئات المهمشة والجماعات العرقية». ورصد أيضاً أن «غالبية المستطلعين (74 في المائة) يفضلون الأخبار التي تعكس مختلف وجهات النظر، ولا تفرض عليهم وجهة نظر معينة، ويعتقد 66 في المائة أن الإعلام يجب أن يكون محايداً»، في حين ترى بعض المجموعات الأصغر سناً أن «الحياد ربما لا يكون مناسباً في بعض المواضيع مثل قضايا العدالة الاجتماعية».
أيمن ندا، من جهته، يلاحظ نقطة مهمة يتحدث عنها التقرير، هي أن «الدول التي لديها خدمات إخبارية عامة مستقلة يزيد فيها معدل الثقة مثل اليابان. وهذا يعني أن نمط وشكل الملكية له علاقة في مستويات الثقة بوسائل الإعلام».
على صعيد آخر، يوضح التقرير أن «استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأخبار لا يزال قوياً، خصوصاً بين الشباب وذوي المستويات التعليمية المنخفضة، مع شيوع تطبيقات المراسلة مثل واتساب وتليغرام في الجزء الجنوبي من العالم، وهو ما يعني تنامي القلق من المعلومات المضللة، خصوصاً حول الجائحة». ويرصد «تنامي القلق على مستوى العالم بشأن انتشار المعلومات المضللة والمزيفة لتتراوح ما بين 82 في المائة بالبرازيل، و37 في المائة بألمانيا».
أخيراً، يسجّل «رويترز» وجود «زيادة ملحوظة في الدفع مقابل الحصول على الأخبار على المواقع الإلكترونية في عدد قليل من الدول الغنية غرب أوروبا؛ لكن النسبة الغالبة في معظم الدول لا تزال قليلة، ففي 20 دولة ممن يطبقون أنظمة دفع للمحتوى، فقط 17 في المائة من العينة التي شملتها الدراسة يدفعون مقابل المحتوى الإلكتروني. وتتصدر النرويج قائمة الدول في هذا المجال بنسبة 45 في المائة، تليها السويد بنسبة 30 في المائة، في حين تبلغ النسبة في ألمانيا 9 في المائة، وبريطانيا 8 في المائة، وفي معظم الدول فإن غالبية هذه الاشتراكات تذهب لعدد قليل جداً من المؤسسات الإعلامية الكبرى المعروفة». وبين النتائج الأخرى التي رصدها التقرير «تباطؤ نمو وانتشار البودكاست رغم الاستثمارات الضخمة التي ضُخّت في هذا المجال، وزيادة الاعتماد على الهواتف الجوالة للحصول على الأخبار، إذ تصل نسبة المعتمدين على الهواتف الجوالة إلى 73 في المائة، بينما استقرت نسبة مستخدمي الكمبيوتر وأجهزت الحاسوب اللوحية في الحصول على الأخبار أو تراجعت». وأكد التقرير «تغير نمط استهلاك الأخبار، مع وجود فوارق تكنولوجية بين دول العالم».


مقالات ذات صلة

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.