لويز ميريويذر تتذكر أجواء روايتها الأولى

صورت حياة الأميركيين من أصول أفريقية واعتبرت من أهم الروايات الكلاسيكية

لويز ميريويذر مع والدتها
لويز ميريويذر مع والدتها
TT

لويز ميريويذر تتذكر أجواء روايتها الأولى

لويز ميريويذر مع والدتها
لويز ميريويذر مع والدتها

لقد كتبت المؤلفة البالغة من العمر 98 عاماً، واحدة من أهم الروايات الكلاسيكية، التي تتناول حقبة الكساد وتحمل اسم «دادي وز نابر رانر» (أبي كان جامعاً لأرقام الرهان)، ولا تزال الموضوعات التي تناولتها الرواية ذات صلة ولها صدى حتى يومنا هذا.
عندما تتأمل لويز ميريويذر مرحلة طفولتها في حي هارلم تتذكر كيف كانت تركض في الجوار، وتقفز الحبل، وتتجول مع رفاقها على أسطح المنازل، حيث كانوا يتمتعون بالجرأة لدرجة تجعلهم يتحدون بعضهم في القفز من بناية إلى أخرى. لقد كان كل شيء أكثر حرية عنه الآن، على حد قولها في مقابلة من منزلها في آبر ويست سايد، حيث أوضحت قائلة: «لقد كنا مجرد أطفال نلعب في الشوارع».
وتتجلى ذكريات ميريويذر في مشاهد من روايتها الأولى «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان» التي نشرتها دار «برينتس هول» عام 1970، وحظيت بإشادة كبيرة من النقاد، وتتناول عاماً في حياة فرانسي كوفين، الفتاة ذات البشرة السوداء البالغة من العمر 12 عاماً والتي عاصرت حقبة الكساد في حي هارلم. وقد وصف الروائي بول مارشال في عرض نقدي بصحيفة «نيويورك تايمز» الرواية بأنها «أهم رواية» نظراً لمعالجتها الدقيقة لحياة الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية. وكتب مارشال: «الحياة التي تكشفها لنا تمثل خليطاً لما أطلق عليه رالف إليسون ذات مرة المذهل والمريع».
لقد كانت رواية «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان» واحدة من الروايات القليلة في زمنها التي تبنت وجهة نظر الفتيات ذات البشرة السوداء بجدية، واهتمت بواقعهن الذي يتسم بالقسوة والرقة معاً. وقد تم نشر الرواية في العام نفسه الذي نشرت فيه توني موريسون روايتها «العين الأكثر زرقة»، وبعد عام من نشر مايا أنغيلو لكتابها «أعلم لماذا يغرد الطائر الحبيس».
مع ذلك لم تحظَ ميريويذر بما تستحقه من شهرة على عكس بعض معاصريها على حد قول أصدقائها المقربين ومعجبيها. ويقول الشاعر إسماعيل ريد، الذي منحتها مؤسسته غير الهادفة للربح «بيفور كولومبوس فاونديشين» جائزة على مجمل أعمالها وإنجازاتها عام 2016: «رغم نجاح روايتها على مستوى المبيعات، ربما أثارت حفيظة أشخاص في السلطة. إنها تخاطر بإثارة الشعور بالإهانة داخل البعض من خلال تناول موضوعات مثل قسوة ووحشية الشرطة، والبطالة، واليأس الذي أحدثته فترة الكساد، والتمييز في المعاملة بين ذوي البشرتين البيضاء والسوداء في المجتمع».
بعد أكثر من 50 عاماً، ظلت الموضوعات، التي تطرقت لها ميريويذر في روايتها والتي تتناول نمو الشخصية الرئيسية وتطورها عبر الزمن، تحظى بجاذبية واهتمام وتحمل طابعاً ثورياً. وشكلت الطريقة التي تحركت بها ميريويذر في مسارها الأدبي والمهني دروساً أيضاً خصوصاً بالنسبة للفنانين ذوي البشرة السوداء الذين يتوقون إلى تحقيق التوازن بين الطموح الإبداعي والالتزامات تجاه الجماعة.
وأصيبت ميريويذر بفيروس «كوفيد - 19» وتعافت منه، إلا أنه تسبب في فقدانها القدرة على الوقوف دون استخدام عصا مشي مساعدة. ودشّنت شيريل هيل، صانعة أفلام تساعد في رعاية ميريويذر وتشير إليها ميريويذر بود باسم «رئيسة مجلس الإدارة»، في نوفمبر (تشرين الثاني) حملة باسم «غو فاند مي» للمساعدة في دفع تكاليف العلاج الطبيعي لميريويذر. وتقول هيل: «لقد حصلت على أكثر من 220 تبرعاً وهو ما يوضح الكثير، فضلاً عن أن أولئك الناس ليسوا كل من كانوا يعرفونها».
وتتحدث ميريويذر عن طفولتها بطريقة واضحة وصريحة وبسيطة، حيث تروي أنه خلال فترة الهجرة الكبيرة انتقل والداها من ساوث كاليفورنيا إلى بلدة هافرسترو على نهر هدسون، على بعد 40 ميلاً شمال مدينة نيويورك. وقالت إن ذلك «كان محاولة منهم للهروب من كل ذلك الفقر والتمييز العنصري في ساوث. لقد كانوا يعتقدون أن الأمور ستصبح أفضل».
ماريون جينكينز هو والد لويز، وتقول: «كان عمي ووالدي منخرطين في السياسة دائماً، وكنت معهما، لذا أصبحت منخرطة في السياسة أيضاً». ووجد والدها وظيفة حارس بناية، في حين عملت والدتها جوليا خادمة في المنازل. وولدت لويز عام 1923، وكان ترتيبها الثالث والفتاة الوحيدة بين خمسة أبناء، أربعة منهم ذكور. انتقلت أسرتها خلال فترة الكساد الكبير إلى حي بروكلين ثم إلى حي هارلم. وكانت تحب القراءة بنهم وشغف خلال فترة طفولتها، وتميل إلى الروايات الرومانسية، خصوصاً تلك التي كان يتم نشرها في مجلة «لاف ستوري» التي كانت تصدر خلال الفترة بين 1921 و1947. وقالت: «كان أبي يعتقد أنها تقدم ترهات، لكنني اعتدت شراءها وإخفاءها تحت السرير». كذلك كانت دائمة التردد على المكتبة، تنجذب إلى الكتب «التي يقرأها الفتيان»، على حد قولها. وتعزي تفضيلها مسلسل «هاردي بويز» على مسلسل «نانسي درو» إلى تأثير أشقائها الأربعة. وأوضحت قائلة: «لقد كنت أتعامل دائماً مع الصبية».
تخرجت ميريويذر من مدرسة «سنترال كوميرشال» الثانوية، وعملت لبضع سنوات ككاتبة حسابات قبل التحاقها بجامعة «نيويورك» حيث درست اللغة الإنجليزية. وبعد حصولها على شهادة البكالوريوس عام 1949، تزوجت أنغيلو ميريويذر، وكان معلماً، وانتقلا إلى سانت بول في ولاية مينيسوتا قبل استقرارهما في لوس أنجليس.
كان للسنوات، التي قضتها ميريويذر في كاليفورنيا عظيم الأثر في تكوين شخصيتها، حيث أصبحت في عام 1961 مراسلة لصحيفة «لوس أنجليس سنتينيل» التي تعد واحدة من أقدم الصحف المعبرة عن صوت ذوي البشرة السوداء في الولايات المتحدة الأميركية. وأجرت مقابلات مع شخصيات شهيرة مؤثرة من ذوي البشرة السوداء وأصبحت صديقة لهم لاحقاً، ومن بينهم مالكولم إكس، وجيمس بالدوين، الذي كتب فيما بعد توطئة رواية «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان»، ومحمد علي، الذي وصفته بـ«الصبي الكبير الذي كان مرحاً للغاية».
وحصلت ميريويذر في عام 1965 على شهادة الماجستير في الصحافة من جامعة «كاليفورنيا» بلوس أنجليس. وبعد العمل لمدة ثلاث سنوات في «سنتينيل»، تركت الوظيفة، وأصبحت أول محللة أميركية من أصول أفريقية للنصوص في «يونيفرسال ستوديوز»، وهي وظيفة كانت تتطلب منها قراءة النصوص وتقديم الرأي الفني والتعليق عليها. وفي ذلك الوقت تقريباً، التحقت بورشة عمل «واتس رايترز» التي كان يديرها كاتب النصوص باد شولبيرغ، حيث بدأت العمل على تأليف روايتها الأولى. وقال الشاعر كوينسي تروب في مقابلة: «أتذكر حين كنت أتساءل عما تفعله كاتبة عظيمة مثلها في ورشة عمل. لقد كانت متفوقة على الجميع».
عندما يروي تروب ذكرياته عن صداقتهما يتذكر لحظة كان مقتنعاً أنها أنقذت حياته فيها، حيث كان يقود إلى المنزل قادماً من ندوة لقراءة الشعر، وتم توقيفه وتفتيشه من قبل ضباط شرطة، وشاءت الأقدار أن تكون ميريويذر على الطريق مع صديق كان يعمل محامياً. وعندما رأت ميريويذر تروب أوقفت سيارتها وتوجهت إلى الضباط للاستفسار عن الأمر، وطلبت أرقام الشارات الخاصة بهم. ويستطرد قائلاً: «قالت ميريويذر إن لديها أرقام شاراتهم، وأشارت إلى المحامي الخاص بها وهو يقف هناك في حال حاولوا تصويب النار نحوها. وقد حلحل ذلك الموقف ونزع فتيل الأزمة». كذلك تقول صديقتها هيل: «أعتقد أن أهم ما تتصف به لويز هو الولاء والإخلاص، والحرص على تقديم الدعم والحب الدائم للمحيطين بها».
كذلك تلقت ميريويذر العلم في كل من كلية «سارة لورانس كوليدج»، ومركز «فريدريك دوغلاس» للفنون الإبداعية. والتقت كاثي ساندلر، صانعة الأفلام، بميريويذر في العام نفسه الذي تم فيه نشر روايتها الأولى، والتحقت بورش العمل الخاصة بها في المركز. تقول ساندلر: «إنها لا تزخرف الكلمات وتتحدث بصراحة، لكنها تتمتع بحساسية تمنعها من جرح مشاعر الآخرين. أراد الكثيرون دوماً الانضمام إلى ورش الكتابة الإبداعية التي تقيمها حيث كانوا يثقون فيها، ويعلمون جيداً أنه يمكنهم التصرف على طبيعتهم وسيكونون في أمان».
بعد نشر رواية «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان»، بدأت ميريويذر في تأليف كتب أطفال منها «سفينة الحرية الخاصة بروبرت سمولز» عام 1971، و«الرجل القلب: دكتور دانييل هيل ويليامز» عام 1072، و«لا تركب الحافلة يوم الاثنين: قصة روزا باركس» عام 1973. ورغم أنها لم تُرزق بالأطفال، قالت إنها كانت تشعر بضرورة معرفة الشباب ذوي البشرة السوداء لتاريخهم.
وقد واصلت كتابة الروايات للكبار، حيث نشرت دار «أتريا» عام 1994 روايتها التاريخية «حطام السفينة» التي تستند إلى قصة حياة روبرت سمولز الذي أبحر نحو الحرية خلال الحرب الأهلية مع 17 شخصاً آخرين من الرقيق المستعبدين. وفي عام 2000 نشرت دار «وان وورلد/ بالانتاين» روايتها الرومانسية «شادو دانسينغ» (رقص الظل).
وطوال سنوات، جذبت ميريويذر إليها معجبين متحمسين لها مثل بريدجيت ديفيس مؤلفة «العالم بحسب فاني ديفيس: حياة أمي بأرقام ديترويت» عام 2019. تقول ديفيس: «لقد شعرت فوراً بأن لدي صديقاً متمثلاً في فرانسي»، في إشارة إلى أول مرة تقرأ فيها رواية «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان». وتضيف قائلة: «وشعرت بيقين في لحظة ما أثناء قراءة الرواية بأني سأصبح كاتبة».
في عام 2016، أعلن رئيس بلدية مانهاتن أن يوم 8 مايو (أيار)، وهو تاريخ ميلاد ميريويذر، سيكون يوم تقدير لويز ميريويذر، ودشّنت دار «فمينيست بريس»، التي أصدرت طبعة جديدة من رواية «أبي كان جامعاً لأرقام الرهان» عام 2002، جائزة للتأليف تحمل اسمها اعترافاً منها بمكانة الكاتبات والمؤلفين من الجنسين من غير ذوي البشرة البيضاء.

- خدمة {نيويورك تايمز}



الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه
TT

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه في معرض الفنان الصيني شاو فان الذي لا يزال يعمل ويعيش في بكين.

الفنان الصيني ليس كغيره من فناني العالم؛ فإضافة إلى عزلة التاريخ والطبيعة التي خلقت فناً مكتفياً بجمالياته التي تنطوي على رؤية إشراقية هناك عزلة الشيوعية بواقعيتها الاشتراكية على المستوى الفني، والتي بددت الكثير من اللحظات الشعرية التي ميزت علاقة الرسام الصيني التأملية بالطبيعة غير أنها لم تقض عليها تماماً فكانت دائماً مصدر إلهام روحي متجدد.

في تجربة شاو فان (1964) الذي يقيم معرضاً لأعماله في غاليري وايت كيوب (مايسون يارد) بلندن ما يعيدنا بطريقة خلاقة إلى تلك الثنائية التي لطالمنا شغلت حيزاً في التفكير الثقافي العربي، وهي ثنائية التراث والمعاصرة من غير أن نصل إلى نتائج نهائية تكون بمثابة طريق غير منقطعة. فشاو فان إذ ينفتح على المتغير الفني الغربي، فإنه لا يتخلى عن عناصر ثقافته الصينية التقليدية التي تظلل بتأثيرها لوحاته وتماثيله وتجهيزاته الفنية التي تستلهم بشكل أساس علاقة الإنسان بالطبيعة.

من أعماله

كل شيء في أعمال شاو فان يشير إلى العادات والمعتقدات الصينية التاريخية، لكن بطريقة توحي معالجتها الشكلية بانتمائها إلى العصر. لم يأسر الفنان جماليات الماضي إلا من أجل أن يضعها في خدمة حقيقة انتمائه إلى العصر. في واحدة من أهم حلقات حياته أدرك الفنان الذي نشأ في عائلة فنية (كان والداه فنانين مرموقَين يُدرّسان الرسم الزيتي على الطريقة السوفياتية في الأكاديمية المركزية للفنون الجميلة في الصين)، وتعلم الرسم في سن مبكرة، أن عائلته قد وهبته كنزاً خيالياً حين أثثت منزلها بكراسي تعود إلى أسرة مينغ (1368 - 1644). عندما كبر بدأ في بإعادة تشكيل تلك الكراسي المهملة؛ فأصحبت أشهر أعماله النحتية. ذلك يعني أنه عثر في منزله العائلي على الخيط الذي ما إن أمسك به حتى اهتدى إلى المعادلة التي جعلته قادراً على التعريف بنفسه عالمياً بصفته فناناً صينياً معاصراً.

الكرسي من الوظيفة إلى الفكرة

ما فعله شاو فان في مرحلة الكراسي التي بدأت عام 1995 لم يكن مجرد تعليق هامشي على الرغبة في استلهام مواد وأفكار تراثية بقدر ما كان محاولة للانتقال بتلك المواد والأفكار إلى عصر ما بعد الحداثة من خلال تفكيك الأعمال التراثية المستلهَمة وإعادة بنائها في سياق بصري معاصر. ذلك ما مكَّن شاو فان من إنتاج أعمال فنية أنيقة بمزاج سريالي حرص من خلاله على أن يقيم علاقة بين الفنون التقليدية والتقنيات المعاصرة بحثاً عن هوية ثقافية ليست نمطية. بالعودة إلى تلك المرحلة المهمة في مسيرته يمكن العثور على حساسيته الحديثة من خلال اعتباره صانع أثاث، غير أن ذلك لا يعبر عن حقيقة مسعاه، فالكراسي التي صنعها لا تصلح للاستعمال اليومي بعد أن فقدت وظيفتها بتأثير مما أضفته عليها مخيلة الفنان من تغيرات شكلية مرحة وصارمة في الوقت نفسه. كانت أعمالاً نحتية مبتكرة.

وإذا ما كان شاو فان قد استغرق بلذة في إنتاج سلسلة الكراسي من خلال التنويع على الفكرة عبر تجلياتها الشكلية، فإن عالمه كان يتسع باستمرار من خلال رسم لوحات الحبر والمنحوتات وتصاميم الحدائق والمساهمات المعمارية. فعلى سبيل المثال، تتميز لوحاته التي غالباً ما تكون أحادية اللون مرسومة بالحبر على ورق الأرز بما برع فيه الصينيون من دقة متناهية وطابع تأملي. ليست رسومه مجرد تمثيلات للأشياء، بل هي خلاصة للجوهر مشبّعة بمبادئ الفلسفة الطاوية التي تُؤكد على الانسجام بين الإنسان والطبيعة. ذلك ما نراه في لوحاته التي صور من خلالها موضوعات مثل الأرانب، والقرود، والحيتان، والفواكه والخضراوات بصفتها أدوات لاستكشاف العادات والمعتقدات التاريخية من خلال ضربات متكررة تُراكم طبقات من المعنى والملمس. ومن اللافت أن شاو فان غالباً ما يعود إلى مفهوم الشيخوخة كصفة محترمة، وهو منظور متجذر بعمق في الثقافة الصينية، حيث يُقدّر النضج. مفتوناً يقبل الصيني على اكتشاف أسرار الجمال التي انطوت عليها رؤى أسلافه التي تخلط المخلوقات الأسطورية بالمناظر الطبيعية كما لو أنهما تنتميان إلى الزمن نفسه.

شاو فان

المحظوظ بعائلته الفنية

بالنسبة لشاو فان، لا تكمن أهمية أن يكون المرء فناناً صينياً في استجابته للقيم الجمالية التي تنطوي عليها التقاليد الفنية الموروثة، بل في تحديها من خلال استخراج كل ما يمكن أن يتجاوز زمنه منها ليكون مؤهلاً للانسجام مع ذائقة عصرنا. لذلك؛ ركز منذ بدايته على الجمع بين النحت والرسم والتصميم والخزف في معالجة الأشكال التقليدية؛ بغية الذهاب بها إلى المنطقة التي يكون في إمكانها أن تتحرر من محتواها التعبيري القديم. ذلك ما دعاه إلى النظر إلى طرق التفكير الفني السائدة بطريقة يغلب عليها الشك. بدأت رحلته في استلهام الأشكال التقليدية من موقع التشكيك بجمالياتها المكرسة.

كان فان محظوظاً بولادته في عائلة فنية أتاحت له إمكانية العيش محاطاً بمجموعةٍ منتقاة بعناية من اللوحات والخطوط والأثاث الصيني التقليدي. كنوزٌ لم يجرِ تدميرها أثناء الثورة الثقافية المضطربة بسبب موقع والده في الحزب الشيوعي. لقد عملت نشأته بين أعمال فنية، كان الواقع الشيوعي قد طمس أثرها في الحياة العامة على تطوير ذائقته الجمالية التي استندت إلى معرفة قلّ نظيرها؛ وهو ما يعني أن تمرده على الفن التقليدي الصيني لم يكن انتهاكياً بقدر ما كان تعبيراً عن رغبته في الانفتاح على تأثيرات الفن الغربي والمفاهيم الفلسفية الحديثة. حدث كل ذلك بعد دراسة معمقة لفكرة الهوية الثقافية التي اتخذت معه طابعاً مرناً تجمع حيويته بين منطلقاته الإلهامية والقدرة على الابتكار فيه ومن خلاله.

يصلح الفن لكي يكون جسراً بين الشرق والغرب. لكنها فكرة سياسية مضللة من وجهة نظري. أعتقد أن فناناً من نوع شاو فان كان يفكر في الحيز الذي يليق بفنه عالمياً.

الصينيون في كل مكان

لم يعد مصطلح «فن صيني» اليوم يعني الشيء نفسه في الماضي. كانت هناك وصفة جاهزة تعود إلى آلاف السنين. صحيح أن هناك عدداً كبيراً من الصينيين ما زالوا يرسمون وهم يتبعون مخيلة تلك الوصفة، غير أن الصحيح أيضاً أن عدداً لافتاً من أبرز أفراد الصف الأول في الفنون المعاصرة هم اليوم من الصينيين، يقف شاو فان في مقدمتهم. فالفنان الذي لا تزال أعماله تشي بهويته الصينية فُتحت أمامه أبواب المتاحف والأسواق الفنية واللقاءات الموسمية الفنية العالمية، ومنها آرت بازل، ومتحف شمال برابانت في هولندا، ومتحف لودفيغ في ألمانيا، وبينالي شنغهاي وبينالي الدرعية في الرياض، كما أقام عدداً من المعارض الشخصية، ومنها معرضه الحالي في لندن كما أن أعماله تُعرض ضمن المجموعات المرموقة في المتاحف العالمية، متحف متروموبلتيان بنيويورك على سبيل المثال. لقد أعاد الصينيون رسم الخرائط بحيث صار من الصعب اليوم الحديث عن مركزية فنية غربية.

ذلك الانتشار إنما يؤكد حقيقة واحدة مفادها إن الصينيين على الرغم من عدم حاجتهم للبحث عن هوية فنية فإنهم حملوا تراثهم الروحي معهم حين اندفعوا إلى الخارج بقوة وعي معاصر، كانوا مؤهلين للإسهام في صناعته. لم يقبل الغرب بأعمال شاو فان لأنها استوعبت شروط فن ما بعد الحداثة، بل لأنها أضفت ملمحاً صينياً على تلك الشروط. وما يجب الإشارة إليه هنا أن فناناً من نوع شاو فان كان قبل أن يتجه إلى العالمية قد تأمل بطريقة نقدية علاقته بجذوره بطريقة يسودها الاحترام.


«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية
TT

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة، والهوية، والذاكرة، والتكنولوجيا، والعلاقات الإنسانية في زمن التحولات المتسارعة.

كتب الناشر: «منذ الصفحات الأولى، تكشف الكاتبة عن نزوع واضح نحو الكتابة التي تستثمر المفارقة والدهشة والقلق الوجودي، عبر نصوص مكثفة تقترب أحياناً من القصة القصيرة جداً، وأحياناً أخرى من التأمل السردي أو المشهد النفسي المشحون بالأسئلة. وتضم المجموعة عناوين لافتة مثل: دهاء اصطناعي - فعل ماضٍ ناقص - كاتب لا يكتب - انتباه - عوالم موازية - من الأفكار ما قتل! - ضفدع على صفيح ساخن.

في قصة (دهاء اصطناعي)، تذهب الكاتبة نحو منطقة معاصرة شديدة التعقيد، عبر حكاية امرأة تدخل في علاقة وجدانية مع ذكاء اصطناعي يتحول تدريجياً من أداة للحوار إلى كيان يتداخل مع تفاصيل حياتها النفسية والعاطفية، قبل أن تنفتح القصة على خاتمة صادمة تكشف عن هشاشة الحدود بين الإنسان والتقنية. النص يتعامل مع التكنولوجيا كمرآة للوحدة الحديثة والفراغ العاطفي الذي يتضخم داخل المدن المعاصرة، لا كموضوع خارجيّ. أما قصة (فعل ماضٍ ناقص) التي حملت المجموعة عنوانها، فتتخذ منحى غرائبياً يمزج السخرية السوداء بالنقد الاجتماعي، من خلال شخصية امرأة معاصرة تستيقظ فجأة داخل زمن قديم وبيئة تقليدية قاسية، لتجد نفسها أسيرة واقع يناقض تماماً خطابها الحداثي السابق حول تمكين المرأة.

وتكشف القصة عن قدرة الكاتبة على بناء مفارقات حادة بين الخطاب النظري والتجربة المعيشة، وبين الشعارات والوقائع اليومية.

وتحضر الأسئلة النفسية والاجتماعية بوضوح في نص (انتباه)، الذي يتناول اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه من زاوية إنسانية مؤثرة، عبر مونولوغ طويل لامرأة تكتشف بعد وفاة زوجها أن ما كانت تعدّه إهمالاً أو لا مبالاة لم يكن سوى اضطراب عصبي لم يُشخّص في حياته. القصة تفتح باباً واسعاً للتأمل في سوء الفهم داخل العلاقات الإنسانية، وفي الأحكام القاسية التي قد يطلقها الناس على من يعانون اضطرابات خفية».


موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران
TT

موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران

بغياب إدغار موران، فَقَدَ القرن العشرون واحداً من آخر ورثته العظام، رجلاً خرج من حرائقه مثقلاً بأسئلتها، جاعلاً من شيخوخته علواً في الرؤية، لا انطفاءً في الحضور، كأن عمره قميصٌ اتسع للدهشة كلما ضاقت سنواته بالجسد.

رحل موران عن باريس في التاسع والعشرين من مايو (أيار) 2026، وفي رحيله بدت أوروبا كأنها تطوي دفتر تاريخ قرن كامل عرف الفاشية والحروب والمقاومة، وتشرَّب أوهام الخلاص الشامل، قبل أن يستيقظ على عولمة قلقة وإنسانية قد أثقل صدرها الخوف من غد قد لا تكون فيه عقل الكوكب.

موران الذي كان أكبر من أن يوصف بالفيلسوف أو عالم الاجتماع بقي في رحيله شاهداً حياً على قدرة الفكر على أن يصير سيرة، وعلى قدرة السيرة على أن تصير نهجاً. عاش مائةً وأربعة أعوام، ومع ذلك ظل يبدو في شيخوخته التي لم تكن هبوطاً متدرجاً نحو النهاية، إنما صعود في سلالم المعرفة شاباً بالدهشة، شيخاً بالخبرة، طفلاً أمام لغز الحياة، ومقاوماً أمام كل صنم معرفياً كان أو سياسياً.

ولد كـ«إدغار ناحوم» في العاصمة الفرنسية سنة 1921، سليل عائلة يهودية سفاردية جاءت من سالونيك (اليونان)، حمّلته بذرة قلق مبكر. فحين غابت أمه لونا عن طفولته، انفتح في داخله جرح صار مدرسة وجودية كاملة. من ذلك الفقد الأول خرجت أسئلته الكبرى عن الحياة والموت، عن الحب والفناء، عن تلك العلاقة العجيبة بين هشاشة الإنسان وقدرته على النهوض. صار الحزن عنده طاقة معرفة، وصارت الندبة نافذة. لذلك؛ بدت كتبه في الموت والحب والهوية أقرب إلى اعتراف طويل، يكتب فيه المفكر بقلبه، ويفكر فيه العاشق بعقله.

جاءت الحرب الكبرى لتصوغ اسمه الثاني. انخرط حينها بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، وتبنى «موران» كاسم حركي ما لبث والتصق به حتى صار قدره الرمزي. في تلك التجربة، تعلم أن الحياة التي تكتفي بحفظ النفس تضيق عن معناها الكامل، وأن الحياة الحقّة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الخطر حين يصبح الخطر شرط الكرامة. المقاومة عنده تجربة سياسية، وتجربة روحية أيضاً: تمرين على الحرية، وامتحان للضمير، وتربية للعقل على الحركة وسط حفر الظلام.

انجذب في شبابه إلى الشيوعية، مثل كثيرين رأوا في الثورة وعداً بالخلاص من البؤس والنازية والاستغلال. ثم جاءت التجربة الحزبية لتكشف له عن قسوة العقيدة عندما تتحول جهازاً، وصلابة الفكرة حين تنسى الإنسان. طرده من الحزب الشيوعي سنة 1951 فتح له باباً أوسع من الانتماء الضيق: باب النقد الذاتي. في كتابه «النقد الذاتي» كتب شهادة نادرة على شجاعة المفكر الذي يحاكم حماسته القديمة، ويعيد النظر في إيمانه الأول، ويخرج من العقيدة إلى السؤال. منذ تلك اللحظة صار موران خصماً لكل يقين مغلق، وصديقاً لكل فكر يعرف حدوده.

قلب مشروعه الفلسفي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: الواقع مركب. العالم نسيج علاقات، والفرد يسكن المجتمع بقدر حضور المجتمع في داخله، والطبيعة تدخل الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، والعقل يحمل العاطفة، والعاطفة تضيء العقل. لذلك قاوم الفكرة التي تقطع المعرفة إلى جزر معزولة، وتحبس الإنسان داخل خانة واحدة. في مجلدات «المنهج»، بنى معماراً واسعاً للفكر المركب، حيث تتحاور الأضداد، وتعود النتائج لتؤثر في أسبابها، ويحضر الكل في الجزء مثل حضور الشجرة في البذرة وحضور الذاكرة في اللمسة.

كانت عبقريته في أنه جعل الفلسفة لغة للحياة اليومية. التعقيد عنده ممارسة فكرية يومية وأخلاق نظر، تضع الإنسان داخل كامل تشابكه، وتمنحه حقه في التناقض، وترى السياسة داخل التاريخ، والاقتصاد داخل الأخلاق، والعلم داخل الضمير. بهذا المعنى.

كان موران فيلسوف الربط في عصر القطع، ومفكر العلاقة في زمن العزلة، وصانع جسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بين الرواية والمختبر، بين السينما وعلم الاجتماع، بين ذاكرة الطفل وخريطة الكوكب.

في فيلم «وقائع صيف» الذي أنجزه مع جان روش، خرج إلى الشارع بسؤال يبدو بسيطاً: هل أنت سعيد؟ ومن هذا السؤال انفتحت باريس على طبقاتها وجراحها ومستعمراتها القديمة وعنصريتها ومخاوف شبابها. هناك أيضاً يظهر كما كان دائماً: مفكراً يقف داخل التجربة، يشارك موضوعه، ويعرف أن الباحث جزء من العالم الذي يدرسه. الحقيقة عنده تولد من اللقاء، من الصوت المرتجف، من الكاميرا التي تلتقط الإنسان في حيرته، ومن الحوار الذي يمنح الواقع فرصة أن يتحدث.

حمل موران هويته اليهودية بصفاء إنساني واسع. كان يعرف تاريخ الألم، ويعرف في الوقت نفسه أن ذاكرة الضحية تتحول مسؤولية أخلاقية تجاه ضحايا آخرين. لذلك جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل غيتو جديد وكل استيطان يمس الأرض والروح. في موقفه ذاك تجلت شجاعته النادرة: شجاعة المثقف الذي يضع العدالة فوق العصبية، والضمير فوق الاصطفاف، والإنسان فوق الهوية.

عبر هذا كله، ظل مفكراً للأزمة بامتياز. كان يرى أن الأزمات الكبرى تتشابك وتغذي بعضها: البيئة والاقتصاد والسياسة والحروب والهجرات والخوف من الآخر. لذلك بدا حديثه عن تعدد الأزمات وكأنه وصف مبكر لعالمنا الراهن، عالم تسير فيه الكوارث متتاليات في قوافل متداخلة. تفرّده أنه علّمنا قراءة الفوضى من الداخل، وإدراك الخيط الخفي بين الانهيار المناخي وصعود العصبيات، بين التكنولوجيا المنفلتة وتآكل الروابط، بين عزلة الفرد وخراب المعنى العام.

في سنواته الأخيرة، ظل يقظاً أمام تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية، ورأى أن الآلات التي يصنعها البشر قد تصنع بدورها أنماط تفكيرهم ورغباتهم، وأن التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً. كان يدعو إلى تعليم يربط المعارف ويوقظ المسؤولية الكوكبية، تعليم يجعل الأرض وطناً مشتركاً، ويجعل الأزمة البيئية سؤالاً أخلاقياً قبل كونها ملفاً علمياً. عنده، الإنسان كائن أرضي وكوني معاً، ابن مدينة صغيرة وابن نجمة تائهة في الفضاء.

حضوره في أميركا اللاتينية وفي دوائر «يونيسكو» كان دليلاً على أن فكره تجاوز جغرافيا باريس. انجذب إليه كل من سئم الحدود الجامدة بين التخصصات، وكل من بحث عن معرفة قادرة على ملامسة الجرح الإنساني. كان يكتب بعقل موسوعي، ويمشي بخفة شاعر، ويصغي إلى العالم كعاشق قديم. ولهذا ظل قريباً من القراء، حتى حين تزدحم جمله بالمفاهيم؛ ففي أعماق تلك المفاهيم كان ينبض شغف دائم: إنقاذ الإنسان من الاختزال، وإنقاذ العقل من الغطرسة، وإنقاذ الكوكب من جشع يرى الأرض محض سلعة صامتة.

ومع اقتراب سيرته من نهايتها، بدت مفارقته الكبرى أكثر صفاءً: الرجل الذي كتب كثيراً عن الموت كان شديد الولع بالحياة. أحب السينما والموسيقى والنساء والصداقة والبحر والقبعات الأنيقة، وأحب أيضاً تلك اللذة السرية التي يمنحها التفكير حين يشق باباً في جدار. عنده، المعرفة فعل حب قبل كونها نظاماً من المفاهيم. الباحث الحقيقي يقترب من موضوعه بعينين مفتوحتين وقلب يقظ، ويقبل أن تهزه التجربة، وأن تغيره، وأن تضعه في مواجهة هشاشته. لهذا بدت فلسفته دائماً إنسانية عميقة؛ لأنها تبدأ من الكائن المرتجف، من قلب يخاف، وجسد يشتهي، ومن عقل يتساءل، وذاكرة تنزف، قبل أن تصعد بتؤدة إلى الكوكب والكون والتاريخ.

رحيله يضعنا أمام وصية فكرية شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في آن: فكّروا في التعقيد، عيشوا داخل الاحتمال، قاوموا صنمية الأفكار، وامنحوا الحب مكانه في المعرفة. كان موران يحب عبارة أنطونيو ماتشادو: الطريق يصنعه السائر. وتبدو حياته كلها تجسيداً لهذه العبارة؛ سار في السياسة والفلسفة والسينما والسوسيولوجيا والسيرة الذاتية، وكل خطوة فتحت طريقاً جديداً. هكذا صار فكره طريقاً يمشي فيه آخرون، وبيتاً واسعاً للعقول التي تبحث عن نجاة من اختزال العالم.

امتلك أيضاً فضيلة نادرة في زمن الأصوات العالية: تواضع العالم الذي يرى الحقيقة أفقاً مفتوحاً، وفضيلة المحارب الذي يعرف ثمن الشجاعة. جمع في شخصه ذاكرة المقاومة وحنان المعلم وقلق الشاهد. ومن هنا تأتي قوة الرثاء اليوم: نحن نودع إنساناً جعل التفكير طريقة عيش، وجعل العيش امتحاناً دائماً للفكر.

في وداعه، نحس أن موت مفكر من هذا الطراز حدث يتجاوز الغياب الشخصي. إنه انتقال مصباح من يد إلى يد. جسده استراح، وفكره دخل طوراً آخر من الحضور. سيبقى إدغار موران بيننا في كل سؤال يخشى التبسيط، في كل عقل يرفض القسوة باسم العقيدة، في كل إنسان يرى الكوكب بيتاً هشاً يستحق الحماية، وفي كل مقاومة صغيرة ضد العمى المنظم. ولعل فتنته في أنه منح الضعف لغة نبيلة؛ فالهشاشة عنده باب للمعرفة، والارتياب أخلاق، والتعدد ثروة، والإنسانية مشروع يحتاج إلى رعاية مستمرة، مثل نار صغيرة تحملها يد في عاصفة طويلة.

رحل حكيم التعقيد، وبقي لنا يقينه الأبسط: الإنسان كائن ناقص، ولذلك يبدع؛ كائن هش، ولذلك يحب؛ كائن فانٍ، ولذلك يترك أثراً.

جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل استيطان يمسّ الأرض والروح