«من النساء إلى العالم»: نريدك أقل قسوة

رسائل حميمة وخلفيات شديدة التنوع

«من النساء إلى العالم»: نريدك أقل قسوة
TT

«من النساء إلى العالم»: نريدك أقل قسوة

«من النساء إلى العالم»: نريدك أقل قسوة

بقيت الرّسائل - بمختلف أشكالها - وإلى عهد قريب واحدة من أهم أدوات التوثيق التاريخي وسجلات ثمينة لتتبع مسارات التطوّر الاجتماعي والفكري لجيل أصحابها هذا إن لم تكن المصدر الأساسي لمعرفتنا عن العالم وأحداثه في نقطة ما من تقاطع الزّمان والمكان، نقرأ في نصوصها - وما وراء نصوصها - شهادات محمّلة بمعانٍ كثيرة تفوق أحياناً عدد كلماتها، وتنقلنا بطرفة عين لنشترك في تجارب بشر عاشوا بعيداً عنا في الجغرافيا أو التاريخ أو كليهما معاً، لكننا نجد دائماً ما يجمعنا بهم بشكل أو آخر.
هذا الفنّ القديم المبجّل، كاد يندثر مع مطلع القرن الحالي، بعدما اختطف الفضاء السيبراني من الورق والبريد الجزء الأجمل من مهماتهما، ونقل مخاطباتنا - غالبها - إلى صناديق افتراضيّة باهتة تنقل بملمس البلاستيك والزجاج وبخط لا يشبه شخص كاتبها نصوصاً عمليّة تقنيّة، فيما الشخصي والحميم والمشغول بدقات القلوب انتقل إلى وسائل تواصل اجتماعي نزقة بعضها لا يتورع حتى عن مسح كلماتنا خلال يوم وليلة، أو أن يغلق حساباتنا بالكليّة إن تجرأنا وخرجنا عن خطوط مالكيها في وادي السليكون.
إليزابيث فيليبولي الصحافية والناشطة الاجتماعيّة ومؤسسة منتدى الفكر العالمي - التي تحتضنها جامعة أكسفورد - والمبادرة المنبثقة عنها «أثينا 40» التي تستهدف تعزيز فرص النساء القياديات والتعريف بمساهماتهن، استفادت بحكم شبكة علاقاتها المعولمّة بنساء مؤثرات من بيئات ومهن وخلفيّات شديدة التنوّع لتسترد لفن الرسائل بعضاً من ألق مفقود، وتطلب لمجموعة مختارة منهن أن يكتبن - دون قيود - رسائل موجهة إلى نساء أخريات كنّ ملهمات لهّن في مراحل مختلفة من حياتهّن، شخصيات تاريخية أو معاصرة من الفضاء العام أو إحدى نساء الأسرة أو حتى سيدات عاديات صنعن فرقاً في حياة من حولهن. تلك الرسائل جمعتها فيليبولي مع مقدّمة تعريفيّة ورسالة ختاميّة منها وجهتها لكل نساء العالم ودفعتها للنشر في كتاب يصدر اليوم عن دار آي بي توريس (مجموعة بلومبزري للنشر) بلندن بعنوان «من النساء إلى العالم: رسائل من أجل قرن جديد».
الكاتبات جميعهّن يحملن أسماء معروفة بمساهمات كثيرة ومتنوعة على الأقل في مجالات عملهّن، سياسيات وأميرات ومخرجات وممثلات وعالمات وكاتبات وناشطات ومذيعات، سجلت كل منهنّ في رسالتها إلى ملهمتها مشاعر شخصيّة نحوها مستندة إلى التاريخ الشخصي لهؤلاء النساء وتجاربهن القاسية أحياناً في مواجهة العالم والحياة ومرور الزّمن، مرفقات مع بوحهنّ قضايا اجتماعيّة تمثّل تحديّات لم تحسمها البشريّة رغم كل تقدمها التكنولوجي والعلمي كالتشرّد، والحروب، واللاجئين، والأنظمة الفاسدة، والاعتداءات الجنسيّة، والتفاوتات الجَندريّة، والحق في التعليم والعلاج والصحة العقليّة - النفسيّة، والتأقلّم مع التحولات الجذريّة في طرائق العمل والتواصل، والهجرة بين الأماكن وغيرها.
بكتاب مثل هذا، الأقرب ما يكون إلى باقة من الورد، يصعب بالفعل القول بأن هذي الرّسالة هي الأكثر تأثيراً بين رفيقاتها، أو تلك الأهم بينها، إذ كلّ منها خاص ومميّز وعابق بعبير مختلف، لكن دون شك سيجد كل قارئ في بعضها على الأقل جرعة محبّة وأمل وإلهام أقرب إليه أو إليها، بمن فيهم القراء العرب الذين سيجدون ثمانية من المؤثرات العربيّات بين الكاتبات، من السعودية والأردن وعُمان ولبنان وفلسطين والعراق، ولعّل هذا يكون حافزاً إلى جانب المحتوى لنقل هذا الكتاب إلى العربيّة.
تكتب الروائيّة التركيّة البريطانيّة إليف شافاك إلى رئيسة وزراء نيوزلندا جاسيندا آرديرن (التي كانت أصغر سيدة في التاريخ المعاصر تتولى منصباً تنفيذياً وهي في الـ37 من العمر، وثاني سيّدة بعد الراحلة رئيسة وزراء الباكستان بينظير بوتو تلد وهي على رأس عملها الرئاسيّ) وذلك بعد حادثة الاعتداء الإرهابي على كرايستتشيرش، وتخاطب عازفة التشيلو الإيطاليّة سيلفيا تشايسا البريطانيّة الراحلة جاكلين دو بري التي كانت واحدة من أهم عازفات التشيلو في القرن العشرين قبل أن تنطفئ في قمّة عطائها، وتحادث الإعلاميّة السعودية المعروفة منى أبو سليمان شخصيّة الأفروأميركيّة مارغريت غارنر التي اشتهرت بعد أن روت توني موريسون قصّتها في رواية لها لكونها فضّلت أن تذبح ابنتها بيدها على أن تسلمّها لتجار العبيد البيض الذين لحقوا بهما بينما كانتا تفران إلى ولاية أوهايو الحرّة خلال القرن التاسع عشر، لتجنبّها حياة مثل حياتها: ملؤها الذّل والاغتصاب والضرب والمعاملة السيئة التي لا تليق حتى بالحيوانات، واختارت الممثلة اللبنانيّة الفرنسيّة ياسمين المصري أن تبعث لأمها - ممثّلة لكل النساء في عائلتها - بقصيدة شعريّة، فيما وصفت العراقيّة الأميركيّة بسمة علاوي في رسالتها إلى الممثلة الأميركيّة أنجلينا جولي مدى تأثرها كطفلة عراقيّة صغيرة بمشاهد الجولات الإنسانيّة التي ذهبت إليها النجمة العالميّة إلى أفريقيا ومناطق منكوبة أخرى وإنفاقها من عوائد عملها على مساعدة المنكوبين واللاجئين بل وتبني ثلاثة منهم للعيش مع أولادها في الولايات المتحدّة، فيما تحدّثت الأميرة الأردنيّة بسمة بنت الحسن إلى روح جدّتيها: الملكة زين الشرف - عقيلة الملك طلال ووالدة الملك حسين - وبيغام شايستا سوهاراواردي - التي تولت تمثيل الباكستان سفيرة إلى الأمم المتحدة وكانت أوّل سيّدة مسلمة تشغل ذلك المنصب في المنظمة الدوليّة وكانت إلى جانب إلينانور روزفلت - عقيلة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت - النساء الوحيدات ضمن فريق الأمم المتحدة الذي أنجز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أما الصحافيّة اللبنانيّة الكنديّة رولا عازار فكتبت رسالة تدمي القلوب إلى خالتها الراحلة رامانا فياني التي قضت بالحرب الأهليّة اللبنانيّة الأخيرة وتصف بها حال بلادها هذه الأيّام الذي لا يسرّ صديقاً، وكتبت الأردنيّة ديما بيبي إلى السيّدة هيفاء حجّار النجار مديرة المدرسة الأهليّة للبنات بعمّان، وغيرها كثير.
ولعل أصعب الرسائل على قلب القارئ قد تكون تلك التي خطتها الأوغنديّة هيلين وايسوا - مؤسسّة منظمة ريب هيرتس الأوغنديّة التي تتدخل لمساندة النساء ضحايا الاغتصاب - موجهة إيّاها إلى زهراء محمود المديرة التنفيذيّة لبرنامج ماما كاش، وهو أحد أكبر الصناديق العامّة في العالم المتخصصة بدعم النساء والفتيات وتحكي فيها عن تجربتها الشخصيّة عندما تعرضّت للاعتداء مِن قبل مَن يفترض به أن يحميها وهي لم تزل صبيّة في الحادية عشرة من العمر يحيط بها مجتمع بطريركي لا يرحم.
تدافع فيليبولي عن (نسويّة) الرسائل، رغم أن القضايا المطروحة تمس كافة أبناء المجتمع ذكوره كما نسائه بإصرارها على أن وجود النسويّة بحد ذاته دلالة خلل في النظام العالمي، إذ لو كانت هناك عدالة ولو نسبيّة، لما شعرت كثيرات بالحاجة للنضال من أجل تحقيق ذواتهنّ وتحصيل حقوقهن.
لا حلول يقترحها «رسائل من النساء إلى العالم» حول إصلاح مواضع الخلل والتخليّ، لكنّه يمنح المتلقي فرصة نادرة لمشاهدة العالم كما تراه النساء وأملاً في قدرة نصف المجتمع على إنتاج نموذج بديل للقيادة وتوجيه مستقبل البشريّة ليستند بدلاً من معايير الرّبح المادي البحت والتنافس على استنفاد موارد الكوكب حد شنّ الحروب إلى أسس من التضامن الإنساني والذّكاء العاطفي وقيمة الإنسان كإنسان، بغض النظّر عن لون بشرته أو جنسيته أو جندره أو عمره أو ثقافته أو عقيدته أو حالته الصحيّة أو الاجتماعيّة أو الاقتصادية. ربّما في النهاية سنجد أن الأمهات هنّ الأقدر على إعادة تصوّر عالم جديد أفضل لنا جميعاً.


مقالات ذات صلة

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

ثقافة وفنون حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟».

هاشم صالح
كتب «ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، يقدّم الكاتب، خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ
TT

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ
ريمي براغ

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟». وهو عبارة عن سلسلة حوارات بين الفيلسوف الشهير ريمي براغ والباحث المطلع جيداً على موضوع الأصولية والأصوليين: بيير كونيزا. الأول هو أحد الفلاسفة المعدودين في فرنسا حالياً. وهو أحد المثقفين النادرين الذين يعلنون إيمانهم المسيحي الكاثوليكي صراحة. وهذا شيء نادر جداً في الساحة الباريسية. فمعلوم أن معظم مثقفي فرنسا يعلنون على الملأ إلحادهم كلياً. بل ويعدّونه تحصيل حاصل غير قابل للمناقشة. هذا ما يفعله ميشيل أونفري يومياً ويصفعك به صفعاً. ولكن المرجلة ليست أن تعلن إلحادك في باريس في وقتنا الراهن. المرجلة أو البطولة هي أن تعلن إلحادك في باريس قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة عندما كانت الأصولية المسيحية جبارة تخنق الأنفاس خنقاً. وعندما كان الإلحاد يؤدي إلى قطع الرؤوس بكل بساطة. أما الآن؟... على سبيل النكتة المعبرة قال لي أحدهم مؤخراً: يا أخي العالم عجيب غريب. إنه مليء بالتناقضات. قلت له: كيف؟ قال لي في فرنسا أو العالم الغربي ككل لا أحد يتجرأ على الإعلان عن إيمانه.

غلاف «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟»

إنهم يضحكون عليه أو يستهزئون به فوراً ويعدّونه مجرد شخص رجعي متخلف عفّى عليه الزمن. وأما في العالم الشرقي أو الإسلامي فلا أحد يتجرأ على القول إنه ملحد أو حتى علماني. كيف يمكن ردم هذه الفجوة الكبيرة بين العرب والغرب؟ قلت له: هذه مسألة تفاوت تاريخي ليس إلا...

وحده البروفسور ريمي براغ يتجرأ على إعلان إيمانه على رؤوس الأشهاد ولكن مع التقيد بالعقلانية الفلسفية الحداثية الصارمة. بمعنى أنه إيمان ما بعد الحداثة لا ما قبلها. لماذا يرفض هذا الفيلسوف الإلحاد رفضاً قاطعاً؟ لأنه يؤدي في نظره إلى العدمية والقلق الوجودي وانهيار القيم. ومن ثمّ فالإيمان بالله أو بالقدرة العُلوية التي تتجاوزنا وتتخطانا شرط أساسي لتحقيق الطمأنينة والسكينة للإنسان على هذه الأرض. وقد وصل الأمر بفيكتور هيغو إلى حد القول: «أومن بوجود الله أكثر من إيماني بوجودي الشخصي». بمعنى: أومن بإله الحق والعدل، إله الخير والجمال. بل وأومن بوجود عناية إلهية تطل على العالم، ترفرف فوقه، تسهر عليه وتحميه. وهي تعرف مصلحتنا وتحرص علينا أكثر من حرصنا على أنفسنا. وبالتالي فنحن محميون من فوق دون أن ندري. بمعنى آخر: أومن بأن الشر مهزوم والظلام مهزوم مهما طال الزمن. وهنا يكمن عزاؤنا الوحيد في هذه الظروف المدلهمات.

هل نعلم أن القيم الميتافيزيقية العليا هي التي تدعمنا نفسياً وترفع معنوياتنا وبخاصة في أوقات الشدة والضيق؟ وبالتالي فينبغي أن ننسى تلك المقولات السطحية التي تهاجم الميتافيزيقا وتعدّها مجرد ضبابيات وأوهام. هذا ليس صحيحاً على الاطلاق. الميتافيزيقا هي البنية التحتية أو الفوقية الساندة أو المساندة للوجود البشري. من دونها لا يمكن أن نتماسك. نحن بحاجة إلى الميتافيزيقا أكثر من حاجتنا إلى الخبز. ولهذا السبب يقول لنا ريمي براغ إن الحضارة المادية الإلحادية المهيمنة على الغرب حالياً حبلها قصير. وقد استنفدت طاقتها وأصبحت عالة على البشرية. بل وغرقت في المثليات والشذوذيات والمخدرات وأصبحت كئيبة جداً ومسببة للأمراض النفسية والعقلية المتفاقمة. والحل في رأيه هو أن يعود الغرب إلى الإيمان الروحاني والأخلاقي العالي المتعالي. بعد أن شبع الغرب من الماديات آن له أن يعود إلى الروحانيات والمثاليات العليا. ولكن حذارِ ثم حذارِ. هذا لا يعني العودة إلى إيمان القرون الوسطى التكفيري الأصولي القديم. هذا لا يعني العودة إلى المجازر الطائفية ومحاكم التفتيش. أوروبا لن تعود إلى الوراء. أوروبا لن تعود إلى الحروب المذهبية الطاحنة التي مزقتها سابقاً وطحنتها طحناً. أوروبا لن تعود إلى تدين ما قبل التنوير. هذا من رابع المستحيلات. المسألة كلها هي مسألة المصالحة بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والنقل، كما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال... فالتدين الأعمى بلا عقل خراب للروح والفكر بل ودمار للحضارات. وهو الذي دمر حضارتنا منذ أفول عصر المأمون والدخول في عصر الانحطاط. وقد رأينا إلى أي الكوارث أوصلنا هذا التدين الأصولي منذ «11 سبتمبر» وحتى الآن. ورأينا أيضاً كيف ابتلينا بالخميني وظلامياته المكفهرة منذ نصف قرن ولا نزال. ولا نعرف متى نخلص، متى يزول عنا الكابوس. فالقرون الوسطى الإسلامية لا تزال ترفض أن تلفظ أنفاسها الأخيرة كما حصل للقرون الوسطى المسيحية في أوروبا.

ثم تقول لنا كتب ريمي براغ ما معناه: إن الجرائم والتفجيرات الناتجة عن الأصولية المتطرفة تدفعنا دفعاً إلى طرح السؤال التالي: هل دخلنا في مرحلة التطرف الراديكالي للأديان؟ هل حقاً تخلع الأديان المشروعية الإلهية على الأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والتفجيرات؟ أم أنها على العكس تقدم للإنسان كل بشائر الأمل والخلاص في الدنيا والآخرة؟ هذه التساؤلات أصبحت تشغل مثقفي العالم كله وليس فقط المثقفين العرب والمسلمين المتذمرين من فظائع «داعش» وأشباهه. ولكن ينبغي أن يعلم الجميع أن الدين ليس هو المشكلة. وحده الفهم الخاطئ للدين، أي الفهم المنحرف الضال، هو المشكلة العظمى والبلية البلياء. الإسلام كله سلام ووئام ولا ينتج عنه إلا الخير العميم للبشرية إذا ما فهمناه على حقيقته. وقد نتجت عنه أجمل الحضارات في الماضي إبان العصر الذهبي. وسوف تنتج عنه أعظم الحضارات قريباً عندما ينتصر إسلام الأنوار على إسلام الظلمات.


«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج
TT

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، يقدّم الكاتب والروائي القطري، الدكتور خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد والفهم العميق والمساءلة الجريئة.

تتميّز الرواية بقدرتها على استبقاء أثرها في الذاكرة، ليس لاستعادتها فقط مرحلة حساسة من تاريخ الخليج والجزيرة العربية، بل لاقترابها منها من زاوية غير مطروقة؛ زاوية «العين التي جاءت من بعيد»، قبل أن تجد نفسها أسيرة المكان الذي سعت لاكتشافه، فإذا به يعيد تشكيل رؤيتها للعالم ولذاتها.

بهذه المقاربة، تفتح الرواية ملفات تاريخية واجتماعية ظلت على الهامش أو في غياهب النسيان، مقدّمة سرداً يمزج بين صلابة الوثيقة ورهافة الخيال، في صيغة أدبية تسعى إلى إعادة قراءة إرث الماضي واستنطاق طبقاته الخفية، عبر استكشاف التقاطعات بين الشرق والغرب وصراع الأنا والآخر.

من الوثيقة إلى الأثر

تأتي «الإرساليّة» امتداداً طبيعياً لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج العربي من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلاً جمالياً وأخلاقياً: أوراقاً ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.

ما يميّز هذا النص أنه لا يُقدّم نفسه منذ الصفحة الأولى بوصفه سرديّة منمّقة، بل يدخل إلى القارئ من بابٍ مألوف: حكاية ممرضة أميركية جاءت ضمن إرساليات تبشيرية إلى الخليج. غير أن هذا المدخل «المطمئن» لا يلبث أن ينقلب تدريجياً إلى طبقات أعمق؛ إذ تتحوّل الحكاية إلى اختبارٍ معرفي، ويغدو السفر الخارجي مرآةً لسفرٍ داخلي أشد قسوة: انتقالٌ من يقينٍ مؤسسي إلى قلقٍ إنساني، ومن «الرسالة» كفعلٍ ديني إلى «الرسالة» كمعيارٍ أخلاقي يواجه صاحبه بأسئلة المعنى والكرامة والحدود.

ومن حيث الخلفية التاريخية، تستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة بدأت في أواخر القرن التاسع عشر. حيث تشير المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) تقريباً عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأميركية، ضمن سياق تبشيري وتعليمي وطبي امتدّ لاحقاً إلى مناطق متعددة على سواحل الخليج والجزيرة العربية. هذا الإطار التاريخي لا يرد في الرواية بوصفه معلومة خام، بل كفضاءٍ تتشابك فيه الدوافع الدينية مع أسئلة النفوذ والمعرفة والخدمة الطبية، وتتعقّد فيه العلاقة بين الزائر والمكان، بين النوايا المعلنة والنتائج التي لم تكن في الحسبان.

ومن هنا، تبتعد الرواية عن نوستالجيا التزيين؛ فلا تُقدّم الماضي بوصفه صورةً جميلة تُعلّق على الجدار، بل بوصفه مسؤولية سردية. الماضي، في «الإرساليّة» ليس زينةً ولا حنيناً مجانياً، بل امتحان؛ هل نملك الشجاعة لنرى هشاشتنا القديمة كما هي؟ وهل نستطيع أن نقرأ الألم بعيداً عن الأحكام الجاهزة؟ وهل نقدر أن نفهم التحوّلات الكبرى من خلال الممرات الضيقة للحياة اليومية؟

بين الشرق والغرب

تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأميركية ماري مجدولين سميث محوراً سردياً. هذه الشابة التي عبرت البحار، لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبوظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، مؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.

في الرسائل، تتجاور اليوميات البسيطة مع التوترات العميقة: فرحٌ صغير يُسجَّل، وخوفٌ يتكرر، ودهشةٌ من اختلاف العالم، وإحساسٌ متنامٍ بأن الإنسان في كل مكان يحمل جرحه الخاص وإن اختلفت لغته. غير أن القيمة الأبرز في مسار ماري ليست في كونها «شاهدة» على المكان فحسب، بل في كونها كائناً يتغير تحت ضغط التجربة. الرواية تقترح بذكاءٍ سردي أن ماري لا تبقى داخل تعريفها الأول: «ممرضة ومبشّرة». الاحتكاك الطويل بالمرض وبحياة الناس وبفوارق السلطة والعوز، يدفعها إلى تجاوز الإطار الضيق، لتصبح شخصيةً قادرة على رؤية البشر خارج بطاقات الهوية.

وفي المحصّلة، لا تُقاس «الإرساليّة» بمسافةٍ تقطعها سفينة في عرض البحر، ولا بزاوية النظر التي تلتقط بها عينٌ أجنبية مشهد الخليج؛ بل تُقاس بما يُحدثه الاحتكاك الطويل بالعالم داخل الإنسان نفسه، حيث تتصدّع المعارف الموروثة، ويُعاد النظر فيما كان يبدو يقيناً نهائياً، لتنكشف الهوية بوصفها بناءً قابلاً لإعادة التشكل، لا معطًى مكتملاً. وفي هذا السياق، لا تظلّ ماري أسيرة تعريفها الأول بوصفها «مبشّرة»، ولا تختزلها المؤسسة التي جاءت باسمها، إذ تعيد التجربة صياغتها من الداخل عبر مواجهةٍ يومية مع الواقع، فتتحوّل من ذاتٍ مؤطرة بآيديولوجيا محددة إلى شخصيةٍ إنسانية أوسع، تتجاوز حدود الدور والانتماء، وتنفتح على أفقٍ كونيّ أكثر رحابة.

في رواية «الإرساليّة»، يمنحنا د. خالد الجابر رواية تستحق القراءة المتأنية، ليس لأنها تحكي قصةً مشوقة فحسب، بل لأنها تُعيد فتح نقاشٍ حول معنى الإنسانية في زمن كانت فيه الحدود متباعدة، والهويات أشد صلابة، والأسئلة رغم ذلك أعمق وأقسى.

وتظهر بصمةُ د. الجابر المهنية والأكاديمية في هذه الرواية؛ فخبرته البحثية ووعيه بسياقات منطقة الخليج والعلاقات الدولية والاتصال السياسي ينعكسان في دقة التقاط التفاصيل التاريخية والاجتماعية. اللغة تبقى أدبية، والخيال حاضر، لكن تحتها يقظة معرفية تمنح النص قدرته على خلق توازنٍ نادر: أن يكون جذاباً حكائياً، ومتيناً في إحالاته، ومقنعاً في رسم بيئةٍ ثقافية معقدة.

د. خالد الجابر هو أستاذ الاتصال السياسي في برنامج دراسات الخليج، بجامعة قطر، وقد انطبعت الخبرة التاريخية للمؤلف في هذه الرواية، كما في مجمل أعماله الروائية، بدءاً من روايته الأولى «مَلَكَوينا»، حيث استلهم فيها تاريخ العرب في الأندلس، بإضاءة سردية معاصرة. تلتها رواية «راهب بيت قطرايا»، يوظف فيها دراسته لتاريخ الجزيرة العربية في كتابة رواية ذات جذور تاريخية تتناول واحداً من الحضارات القديمة التي استوطنت الجزيرة العربية، وتركز على نحو خاص بالديانات السماوية التي سبقت الإسلام في هذه المنطقة، ومنها المسيحية.

كما أصدر رواية أخرى بعنوان «سفرطاس»، وهي تتناول أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع التغيرات المجتمعية.


«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع
TT

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع، وهو ثمرة متابعات ومواكبات ولقاءات مع أصحاب القرار ورحلات إلى سوريا ورؤية عن قرب للحظة التحولات السياسية التي حصلت في دمشق وسائر بلاد الشام منذ عام 2011 بداية الثورة السورية إلى لحظة سقوط نظام الأسد، وسيطرة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، وتشابك سوريا الجغرافي مع العالم من أنقرة إلى موسكو وواشنطن والرياض والدوحة.

جاء في تعريف الكتاب:

سقط الأسد، ولم يكن سقوطه مجرد حدث سياسي، بل لحظة نفسية أيضاً، لحظة كسر صورة بدت لسنوات عصية على الانهيار. لم يكن ذلك وليد أسبوع أو شهر.

هذا الكتاب، لا يكتفي بالسرد التقريري، فما حدث أعقد من صورة نهائية. هناك عوامل داخلية تراكمت، تحولات إقليمية، تبدل في أولويات القوى الكبرى.

اعتمد الكاتب على شهادات من أشخاص كانوا في قلب القرار، أو في قلب المعركة، للكشف كيف كان يدار نظام الأسد، وكيف بدأ يتفكك من داخله ويتآكل. سقوط بهذا الحجم لا يُختصر في أيامه الأخيرة.

هذا الكتاب يرصد خفايا سقوط الأسد، وينقل رؤية الرئيس أحمد الشرع لسوريا، بناءً على لقاءات به، وببعض الشخصيات من فريق عمله المقرّب، كما يرصد نقاط القوة في سوريا فهي ليست فقيرة، سواء لناحية الموقع الجغرافي الذي يربط بين عدة طرق وممرات (يرى النظام الجديد أن سوريا الجديدة / محور ربط تجاري بين الشرق والغرب)، أو لناحية الموارد فيها غاز وفوسفات وأراضٍ خصبة. مواردها لم تكن هائلة مقارنة بدول أخرى، لكنها كانت كافية لتشكل قاعدة اقتصادية. والقوة الحقيقية لم تكن في الموارد وحدها، بل في البشر. في سوريا تنوع سكاني تركيبة معقّدة، ليست سهلة الإدارة وحدها، لكنها غنية بالتجارب والتقاليد.

ويقارب الكتاب مجموعة قضايا معقدة من النفط إلى الاقتصاد والعلاقات مع دول العالم إلى الصدام مع إسرائيل إلى تحديات بناء الدولة، وصولاً إلى رؤية النظام الجديدة لعلاقة ندية مع لبنان، على عكس النظام السابق الذي كرس التبعية.

المؤلف منير الربيع، صحافي لبناني، مستشار سابق في رئاسة مجلس الوزراء، ورئيس تحرير «المدن» الإلكترونية. كاتب في جريدة «الأوريان لوجور». صدر له عن رياض الريس في عام 2023 كتاب «العرب في قطار النظام العالمي خرائط مهددة أو عولمة متجددة».