بايدن يواجه تيارات قوية ومتداخلة بخصوص سياسته تجاه إيران

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)
TT

بايدن يواجه تيارات قوية ومتداخلة بخصوص سياسته تجاه إيران

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)

كشف قرار الرئيس الأميركي جو بايدن توجيه ضربة عسكرية لميليشيا مدعومة من إيران في العراق وسوريا في وقت مبكر من يوم (الاثنين) الماضي، التوازن الدقيق الذي يقوم عليه توجهه إزاء طهران، فمن ناحية يجب عليه إظهار استعداده لاستخدام القوة للدفاع عن المصالح الأميركية، ومن ناحية أخرى يتعين عليه إبقاء خط تواصل دبلوماسي هش مع إيران في خضم محاولات البلدين إحياء اتفاق عام 2015 الذي يفرض قيوداً على البرنامج النووي الإيراني.
على الصعيد المعلن، شدد مسؤولون بالإدارة الأميركية على أن القضيتين منفصلتان.
وصرح بايدن، الاثنين، بأنه تصرف تبعاً لسلطته الدستورية التي تخول له الدفاع عن القوات الأميركية من خلال شن ضربات جوية ضد مواقع تُستخدم في تنفيذ هجمات بطائرات «درون» ضد القوات الأميركية في العراق. وقال مسؤولون بالإدارة إن هذا الأمر لا ينبغي له التداخل مع الجهود الرامية لإعادة الولايات المتحدة وإيران إلى مسار الالتزام بالاتفاق النووي.
إلا أنه في الواقع، هناك تشابك عميق بين القضيتين.
فيما يخص الإيرانيين، فإن المساعي نحو امتلاك القدرة على بناء سلاح نووي شكلت جزءاً من الجهود لإظهار إيران كقوة يُحسب لها ألف حساب داخل الشرق الأوسط وما وراءه. واليوم، جرى تعزيز قوة إيران من خلال ترسانة جديدة من طائرات «الدرون» عالية الدقة وصواريخ طويلة المدى وأسلحة سيبرانية معقدة على نحو متزايد، يقوم بعضها على تقنيات بدت خارج حدود قدرة إيران عندما كانت تتفاوض بخصوص الاتفاق النووي عام 2015.
ويتمثل أحد الأهداف من وراء محاولات بايدن في إحياء الاتفاق النووي في استغلال ذلك كخطوة أولى نحو الضغط على إيران لتناول قضايا أخرى، منها دعم طهران لجماعات إرهابية في المنطقة وترسانتها الممتدة. على هذا الصعيد، من المتوقع أن الهجمات التي جرى تنفيذها (الاثنين) من جانب قاذفات أميركية لن تشكل سوى مجرد انتكاسة مؤقتة لإيران.
إضافة لذلك، هناك خطر حدوث تصعيد.
جدير بالذكر أنه في وقت لاحق (الاثنين)، أطلقت ميليشيات مدعومة من إيران صواريخ ضد قوات أميركية في سوريا، حسبما أفاد المتحدث العسكري الأميركي، الكولونيل واين ماروتو. وأفادت وسائل إعلام كردية - سورية بأن الأهداف كانت قوات أميركية بالقرب من أحد حقول النفط.
وحتى إذا ما نجحت الإدارة في إعادة تفعيل الاتفاق النووي، سيواجه بايدن تحدياً كبيراً يتمثل في إيجاد سبيل لكبح جماح الإيرانيين بدرجة أكبر، خطوة قال الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي إنه لن يوافق عليها أبداً.
ومن هذا المنظور، تسلط الضربات الجوية الأميركية الأخيرة الضوء على حجم التيارات المتداخلة والمتعارضة التي يواجهها بايدن في خضم محاولته صياغة سياسة متناغمة تجاه إيران.
جدير بالذكر أن بايدن يواجه ضغوطاً من جانب اتجاهات متنوعة من الكونغرس وحلفاء، ناهيك عن حكومة طهران الجديدة والمتشددة بقيادة رئيسي الذي فرضت وزارة الخزانة الأميركية ضده عقوبات عام 2019 وذلك بعدما خلصت إلى «مشاركته فيما أطلق عليه (لجنة الموت) التي أصدرت أوامرها بتنفيذ إعدامات خارج إطار القانون بحق آلاف السجناء السياسيين» منذ أكثر من 30 عاماً ماضية.
داخل الكونغرس، ينظر البعض إلى الضربات العسكرية التي أمر بها بايدن باعتبارها استمراراً في نهج المبالغة الرئاسية في استغلال سلطات الحرب دونما استشارة الكونغرس أو موافقته. في هذا السياق، أثار السيناتور كريستوفر إس. ميرفي، الديمقراطي من كونيتيكت، التساؤلات حول ما إذا كانت الهجمات الإيرانية المتكررة من خلال عملائها في العراق ترقى لما يوصف بأنه «حرب منخفضة الحدة».
وقال: «لا يمكنك تفعيل سلطات المادة الثانية مراراً وتكراراً دون الوصول إلى نقطة معينة تستحث فيها سلطات الكونغرس لإعلان الحرب».
في المقابل، تدور الحجة التي يطرحها بايدن حول فكرة أن الضربات المستهدفة المتكررة وإعادة الانضمام للاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس دونالد ترمب منذ ثلاث سنوات تدور جميعها حول تجنب الحرب. وأعلن مسؤولون بالبيت الأبيض أنه لا نية لديهم للسعي وراء استصدار إعلان حرب ضد إيران ومن يعملون بالوكالة عنها.
من جهته، وصف وزير الخارجية أنتوني بلينكن، أثناء زيارته أوروبا، الضربات بأنها «ضرورية ومناسبة وتمثل عملاً متعمداً يرمي للحد من مخاطرة التصعيد، لكنها تبعث في الوقت ذاته برسالة ردع واضحة لا لبس فيها».
إلا أنه في الوقت ذاته، تشكل مثل هذه الضربات جزءاً من رد بايدن على الجمهوريين في الداخل، والذين عارضوا بأغلبية ساحقة الاتفاق النووي عام 2015 ويسعون لرسم صورة للرئيس باعتباره يقف ضعيفاً في مواجهة عدوان إيراني.
وداخل البيت الأبيض، قالت جين ساكي، السكرتيرة الصحافية إن المنطق القائم وراء هذه الضربات بسيط «يجب وقف الهجمات ضد قواتنا، ولذلك أمر الرئيس بالعملية التي جرى تنفيذها والتي تأتي في إطار الدفاع عن النفس وعن قواتنا».
وأشارت كذلك إلى أن من يعملون عن إيران بالوكالة شنوا خمس هجمات بطائرات «درون» ضد قوات أميركية منذ أبريل (نيسان)، وحان الوقت للتصدي بحزم لهذا الأمر.
فيما يخص بايدن، يبدو الكونغرس مجرد جزء واحد من التعقيدات المحيطة بمسألة التعامل مع إيران. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة أعربت عن تحفظاتها العميقة والمستمرة حيال استئناف اتفاق عام 2015. ما يعكس ذات الموقف الذي اتخذه رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو عندما شن حملة ضغوط ضد الاتفاق الأصلي.
ومع شروع مسؤولي الإدارة في إخطار الحلفاء والكونغرس بخصوص الهجوم الأخير، التقى بايدن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين. وكان اللقاء في الجزء الأكبر منه بمثابة احتفالية لتوجيه الشكر لريفلين عن سنوات تعاونه مع الولايات المتحدة، ومنها سبع سنوات أثناء توليه منصب رئيس إسرائيل، وذلك قبل أن يتنحى عن منصبه.
واستغل بايدن اللقاء الذي جرى داخل المكتب البيضاوي ليؤكد من جديد على تعهده بأن «إيران لن تحصل أبداً على سلاح نووي خلال رئاستي». وكان الهدف من ذلك إرسال إشارة مفادها أن إسرائيل والولايات المتحدة تتشاركان الهدف ذاته، حتى إن تباينت وجهتا نظرهما بخصوص السبيل الأمثل لنزع تسليح الإيرانيين.
ومع ذلك، فإن ثمة اختلافات كبيرة واضحة بين الجانبين حول نمط الاتفاق النووي المطلوب الآن، بعد 6 سنوات من بدء سريان الاتفاق الأول. جدير بالذكر أن القدرات الإيرانية، وتقدمها على صعيد بناء منظومات أسلحة أخرى، قطعا شوطاً كبيراً منذ بدء سريان الاتفاق الأصلي.
من جهتهم، اعترف مسؤولون بارزون في إدارة بايدن، من بلينكن إلى ما دونه، بأنه من بين مثالب الاتفاق النووي القديم أنه بحاجة لأن يكون «أطول أمداً وأقوى»، بجانب أنه يتعين عليه تناول برنامج تطوير الصواريخ ومسألة دعم الإرهاب.
واليوم، تبدو الفجوة بين الجانبين في اتساع مستمر. كما يبدو من الواضح أن أي اتفاق شامل يتناول المخاوف الأميركية العديدة المتعلقة بالسلوك الإيراني، يجب أن يغطي نطاقاً واسعاً من الأسلحة الجديدة التي كانت القوات الإيرانية في بداية محاولة تجريبها فقط منذ 6 سنوات.
واليوم، يجري استخدام مثل هذه النوعية من الأسلحة، ومنها طائرات «درون» قادرة على حمل سلاح تقليدي وإطلاقه بدقة عالية ضد قوات أميركية، وصواريخ قادرة على استهداف جميع أرجاء الشرق الأوسط وأطراف أوروبا، وأسلحة سيبرانية جرى استخدامها ضد مؤسسات مالية أميركية، بصورة منتظمة من جانب إيران.
تجدر الإشارة هنا إلى أن اتفاق عام 2015 لم يتناول أياً من هذه الأسلحة رغم وجود اتفاق آخر منفصل ومتزامن أقره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وتجاهلته إيران بدرجة كبيرة. وثمة إدراك متزايد بأنه من أجل أن يفي بلينكن بتعهده بإقرار اتفاق «أطول وأقوى»، فإن عليه أن يضم في ثنايا الاتفاق الكثير من هذه الأسلحة، وليس الصواريخ فحسب.
التساؤل الأبرز هنا يدور حول ما إذا كان من الممكن جذب إيران للمشاركة في اتفاق يغطي هذه التقنيات بعد استعادة لب اتفاق 2015، بافتراض إنجاز ذلك الأمر.
من ناحيتهم، أشار مساعدو بايدن إلى أن ذلك هو هدفهم. وأنهم سيتحركون من موقف قوة بالنظر إلى رغبة إيران في التمتع بقدرة أكبر على الوصول إلى أنظمة الصرافة الغربية من مبيعاتها من النفط.
مع ذلك، لم تُختبر حتى الآن النظرية القائلة بإمكانية دخول واشنطن في مفاوضات مع الحكومة الإيرانية الجديدة المتشددة. وتبقى هناك بعض المؤشرات المثيرة للقلق على هذا الصعيد.
يتمثل واحد من هذه المؤشرات في رفض إيران، دونما تفسير، تمديد الاتفاق مع مفتشين نوويين دوليين، والذي توقف سريانه، الخميس، مع إبقائها كاميرات المراقبة الأمنية ومجسات أخرى مثبتة على مخزونات البلاد من الوقود النووي رغم عدم السماح بدخول مفتشين للمنشآت الإيرانية أثناء المفاوضات.
ويحمل هذا الأمر أهمية حيوية للإدارة الأميركية التي سيتعين عليها إقناع الكونغرس والحلفاء بأنه لم يجر تحويل مسار بعض المواد النووية الإيرانية سراً إلى مشروعات لتصنيع قنبلة نووية أثناء سريان المفاوضات.
وبينما أعلن مسؤولون أميركيون، الاثنين، أنه ليس لديهم سبب يدعوهم للاعتقاد بأن الكاميرات جرى إيقافها، من الواضح أن المسؤولين الإيرانيين يحاولون زيادة الضغوط من خلال التلميح بأنه من دون التوصل لاتفاق تبعاً لشروطهم، فإن الغرب قد يصبح عاجزاً عن إدراك ما يجري في المخزونات النووية الإيرانية.
وحال تفجر هذا الوضع وتحوله إلى أزمة كاملة، فإن هذا قد يعرض الاتفاق النووي للخطر، ويلقي بالإدارة الأميركية إلى دائرة من التصعيد، ذات الأمر على وجه التحديد الذي ترغب الإدارة في تجنبه.

* خدمة «نيويورك تايمز»



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».