لقاحات حمض نووي جديدة بتقنيات حقن غير مسبوقة

تخترق خلايا الجسم بعد إدخالها بأجهزة «التثقيب الكهربائي»

يستخدم جهاز «سبنسر لويل» الجديد من «إينوفيو» تقنية تسمّى {التثقيب الكهربائي} لإدخال لقاح الحمض النووي إلى الخلايا
يستخدم جهاز «سبنسر لويل» الجديد من «إينوفيو» تقنية تسمّى {التثقيب الكهربائي} لإدخال لقاح الحمض النووي إلى الخلايا
TT

لقاحات حمض نووي جديدة بتقنيات حقن غير مسبوقة

يستخدم جهاز «سبنسر لويل» الجديد من «إينوفيو» تقنية تسمّى {التثقيب الكهربائي} لإدخال لقاح الحمض النووي إلى الخلايا
يستخدم جهاز «سبنسر لويل» الجديد من «إينوفيو» تقنية تسمّى {التثقيب الكهربائي} لإدخال لقاح الحمض النووي إلى الخلايا

لقد احتاج تحقيق واحدٍ من أهمّ التطوّرات العلمية في تاريخ علم اللقاحات، إلى وقوع جائحة عالمية... إذ نجح العلماء اليوم في صناعة لقاحات باستخدام الأحماض النووية وتوسيع انتشارها وتوظيفها تجارياً.
وحتى الآن، تلقّى مئاتُ ملايين النّاس لقاحاً ضدّ فيروس «سارس - كوف - 2» (SARS-CoV-2) المسبّب لـ«كوفيد - 19»، معظمها من صناعة شركتي «فايزر - بيونتيك» و«موديرنا»، اللتين استخدمتا الحمض النووي الريبوزي المرسال في تطوير لقاحيهما.
تطوّرت اللقاحات التي تستخدم تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA vaccines) قبل عقود، ولكنّها استخدمت للمرّة الأولى خلال الجائحة، ويمكن القول إنّها وفت بوعودها حتّى الآن. فقد أظهر كلا اللقاحين، فايزر وموديرنا، فاعلية وصلت إلى 95 في المائة ضدّ فيروس «كورونا المستجد». وعلاوةً على ذلك، تتيح تركيبة اللقاحين تعديلهما بسهولة بما يتيح لهما استهداف متحوّرات جديدة من الفيروس، فضلاً عن أنّ إنتاجهما لا يعتمد على عناصر تصعب صناعتها بسرعة وبكميات كبيرة.
لهذا السبب، لا تزال الآمال كبيرة بإنتاج نوعٍ آخر جديد من اللقاحات القائمة على الحمض النووي، أي التي تستخدم الحمض النووي نفسه (DNA)، وليس الحمض النووي الريبوزي المرسال.
لقاحات الحمض النووي
تقدّم اللقاحات المصنوعة بالحمض النووي الفوائد نفسها التي تقدّمها تلك المصنوعة بالحمض الريبوزي المرسال، غير أنّها لا تسبّب أيّ عوارض جانبية، ولا تتطلّب تخزينها في ظروف جليدية. كما أنّ هذه الفوائد الإضافية ستجعل من لقاحات الحمض النووي بمثابة النعمة للمناطق النائية وقليلة المصادر. وتقول مارغريت ليو، رئيسة الجمعية العالمية للقاحات في أميركا: «إذا أردنا تلقيح سبعة مليارات شخص، فإننا سنحتاج إلى كلّ تقنية ممكنة».
ولكنّ تطوير لقاحات الحمض النووي يصاحبُه تحدٍّ بارز. فقد بيّنت دراسات عدّة أجريت على البشر أنّ إعطاء هذه اللقاحات بالحقن التقليدية المستخدمة اليوم لا يولّد إلّا مناعة طفيفة في أفضل الأحوال. أمّا إذا نجحت التجارب السريرية التي تقودها شركة صغيرة وطموحة في بنسلفانيا، مدعومة من وزارة الدفاع الأميركية، فستصبح لقاحات الحمض النووي متوفرة بتقنية توصيل جديدة، وقد تنضمّ قريباً إلى المعركة القائمة ضدّ فيروس «كوفيد - 19»، ومجموعة أخرى من الأمراض الفيروسية.
تثقيب الجلد كهربائياً
تستخدم شركة «إينوفيو فارماثوتيكالز» الأميركية تقنية تسمّى «التثقيب الكهربائي» electroporation (فتح مسامات الجلد كهربائياً)، يتعرّض خلالها الجلد لنبضات كهربائية سريعة تفتح القنوات إلى خلايا الجسم لتيسير دخول اللقاح. بعد الحقن التقليدي للقاح، يوضع جهاز «إينوفيو» الجديد الذي يشبه فرشاة الأسنان الكهربائية، على الجلد. وبضغطة زرٍّ واحدة، تنطلق نبضات ذات حقل كهربائي ضعيف تضرب الذراع، لتفتح القنوات باتجاه الخلايا.
تمنح هذه الأداة لقاحات الحمض النووي القوّة التي تحتاجها للعمل على البشر، أو هذا ما تقوله الشركة التي وصفت التنقية الجديدة بالحلّ الهندسي لمشكلة بيولوجية.
وصلت الشركة اليوم إلى نهاية المرحلة الثانية من دراساتها التي تختبر سلامة اللقاح وفاعليته على مجموعات صغيرة نسبياً في الولايات المتّحدة والصين، ويمكن وصف النتائج بالمثيرة للإعجاب. في الوقت الحالي، ضاعفت الشركة صناعة هذه الأداة في إطار خطط لتقديم مئات ملايين الجرعات من لقاحات «كوفيد - 19» حول العالم، إذا أثبت اللقاح فاعليته.
ولكن توجد مشكلة! إذ إنّ أداة التثقيب الكهربائي مهمّة لتوصيل لقاح «إينوفيو»، ولكنّها تضيف طبقة من التعقيد... أي أنّها وسيلة تسهيل وعرقلة في الوقت نفسه. تكمن هذه المشكلة في اضطرار الشركة إلى إنتاج لقاحها، بالإضافة إلى أداة التوصيل وأطرافها التي تستخدم مرّة واحدة. كما أنّ أيّ مركزٍ يخطّط لتزويد روّاده بلقاح «إينوفيو» سيحتاج إلى الجهاز، ومعه الأشخاص الذين يعرفون كيفية استخدامه.
تصنيع اللقاحات الجديدة
جذبت اللقاحات التي تعتمد على الحمض النووي اهتمام وجهود العلماء لعقود بسبب سهولة تصميمها وصناعتها. تُصنع هذه اللقاحات غالباً من الحمض النووي، أي الجزيئة المؤلّفة من سلسلتين ملتفّتين تحملان الرمز الجيني للكائنات الحيّة، أو من الحمض النووي الريبوزي المرسال، أي الجزيئة المؤلّفة من سلسلة واحدة تكمّل الحمض النووي وتحمل تعليمات منه لصناعة البروتينات.
يمكن اعتبار اللقاحات المصنوعة من الحمض النووي أو الحمض النووي الريبوزي المرسال بمثابة الخطط التي ترشد الخلية إلى كيفية إنتاج بروتين محدّد من الفيروس الذي سيطلق الاستجابة المناعية. يحتوي لقاح «سبنسر لويل» من «إينوفيو» على جزء صغير من الحمض النووي مهمّته ترميز إنتاج بروتين فيروس كورونا. في هذه الحالة، إذا تعرّض الجسم لفيروس كورونا حقيقي لاحقاً، سيتعرّف الجهاز المناعي على البروتين ويشغّل دفاعاته.
عند صناعة اللقاح الذي يستخدم الحمض النووي، يعمد العلماء أوّلاً إلى وضعِ تسلسلٍ لجينوم الفيروس. بعدها، يحدّدون أيّاً من بروتينات الفيروس هو الأهمّ والأكثر ألفةً بالنسبة للجهاز المناعي البشري، ومن ثمّ يصنعون الحمض النووي أو الحمض النووي الريبوزي المرسال الذي يرمّز إنتاج البروتين ويحوّلونه إلى لقاح. تُحقن هذه المادّة الجينية في الجسم، فتأخذها الخلايا القريبة وتبدأ بتنفيذ تعليماتها الجديدة لصناعة البروتين الفيروسي. تبدو هذه العملية للجهاز المناعي كأنّها عدوى فيروسية، لذا يعمد إلى تشغيل دفاعاته. بعدها، إذا ظهر الفيروس الحقيقي في الجسم، فسيكون الجهاز المناعي جاهزاً للهجوم.
يتّسم تعديل تصميم اللقاح الذي يعتمد على الحمض النووي بالسهولة نفسها التي يتّسم بها إدخالُ رمزٍ جديد إلى أيّ آلة. ولكنّه في الوقت نفسه، مهمّ جداً عند مواجهة فيروسات سريعة التحوّر.
صحيح أنّ اللقاحات التي تعتمد على الحمض النووي لها جاذبية كبيرة، إلّا أنّه ولا واحدٍ منها حاز ترخيص الجهات الطبية المنظّمة قبل الجائحة. في الواقع، لم يستطع أيّ لقاح يعتمد على الحمض النووي تجاوز المرحلة المتوسّطة من التجارب الإكلينيكية، والسبب الرئيسي في ذلك هو عدم جهوزية الخلايا البشرية لاستقبال حمض نووي أو حمضٍ نووي ريبوزي مرسال غريب.
وبعد الحقن، كان كثير من هذه اللقاحات يبقى خاملاً في الجسم، وينتهي به الأمر بالتفكّك دون إنتاج أيّ ردّ فعلٍ مناعي يُذكر.

ولكنّ مطوّري لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال نجحوا أخيراً في حلّ هذه المعضلة من خلال تغليف اللقاح بمواد كيميائية. ففي إحدى المقاربات، عمد الباحثون إلى تغليف الحمض النووي الريبوزي المرسال بقطرات دهنية تسمّى الجسيمات النانوية الدهنية التي تذوب في جذع الخلايا وتساعد اللقاح في الدخول إليها.
كانت المشكلة الأساسية تكمن في كيفية دفع الحمض النووي، هذه الجزيئة كبيرة الحجم، لاختراق؛ ليس الطبقة الخارجية للخلية فحسب، بل أيضاً اختراق غشائها الداخلي إلى النواة.

اختراق خلايا الجسم
وعلى عكس لقاح الحمض النووي الريبوزي، الذي يستطيع العمل في أجزاء من الخلية خارج النواة، لا يستطيع لقاح الحمض النووي التحرّك إلّا في داخلها. وشرح بعض الباحثين أنّ لقاحات الحمض النووي كانت فعّالة في بعض الحيوانات الصغيرة، لأن إبر الحقن تسبّبت بنوعٍ من الضغط الذي أضرّ بكثير من الخلايا المحيطة، وسمح لجزيئات الحمض النووي بالدخول. ولكن في أجسام البشر، يكون ضغط إبر الحقن طفيفاً، فلا يسمح بوصول اللقاح إلّا إلى عددٍ صغير من الخلايا.
هنا، بدأ العلماء باختبار وسائل جديدة لتوصيل اللقاحات وزيادة الامتصاص الخلوي. ولهذه الغاية، هندس الباحثون جميع أنواع الوسائل المبتكرة لحثّ اللقاحات على الدخول إلى الجسم. فقد جرّبوا مثلاً ما يعرف بـ«التثقيب الصوتي» electroporation (فتح مسامات الجلد صوتياً) التي تستخدم الموجات الصوتية لاختراق الطبقة الخارجية للخلايا، والحقن المضغوطة التي تحتوي على مكبس يدفعه فرز مفاجئ للطّاقة، بهدف إيصال تدفّق ضيّق وعالي الضغط من السوائل. وبادروا أيضاً إلى تجربة موجات صدمية صغيرة (micro shock waves)، تتخلّلها شرارات تنتجها أقطاب كهربائية فيما يُعرف بـ«الانفجار الميكروي» ومهمّتها إرسال موجة من الطّاقة تحثّ اللقاح على اختراق الجلد دون حقنة. وأيضاً، اختبر الباحثون مسدّسات جينية تدفع الحمض النووي المغطّى بطبقة من جزيئات الذهب إلى الخلايا، وإبرٍ متناهية الصغر مزوّدة باللقاح ومزروعة في رقع قماشية لاصقة للجلد.
ولكن من بين جميع هذه الوسائل المتنافسة، تبيّن أنّ «التثقيب الكهربائي» هو الأكثر وعداً. وتقول إيمي جنكنز، مديرة برنامج التقنيات الحيوية في ذراع الجيش الأميركية البحثية المعروفة باسم «داربا» والتي استثمرت في اللقاحات التي تستخدم الحمض النووي والحمض النووي الريبوزي المرسال، في حديث لمجلة المهندسين الكهربائيين الأميركية، إنّ «التثقيب الكهربائي هو الأداة التي سمحت ببروز لقاحات الحمض النووي كتقنية يمكن الاعتماد عليها».

اختبارات ضد الفيروسات
استخدم الباحثون التثقيب الكهربائي بوتيرة دورية لعقود لنقل المواد الجينية إلى الخلايا في المختبرات. كما استخدم الأطبّاء نسخاً عالية الطّاقة منها لتفكيك الكتل السرطانية في البشر كجزءٍ من الإجراءات الجراحية، وهذا ما سهّل تحويلها إلى الاستخدام في مجال اللقاحات.
خلال العقد الماضي، اختُبر لقاح «إينوفيو» الذي يعتمد على الحمض النووي ضدّ فيروس نقص المناعة المكتسبة والإيبولا وفيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وحمّى لاسا، وفيروس الورم الحليمي البشري... وقُدمت جميعها عبر التثقيب الكهربائي. في المجمل، جرّب أكثر من ثلاثة آلاف شخص إحدى وسائل التثقيب الكهربائي الطبية التي طوّرتها «إينوفيو»، ومعظم الحالات حصلت في المرحلتين الأولى والثانية من أبحاث الشركة، بحسب ما أفاد برودريك.
وفي دراسة من المرحلة البحثية الأولى شملت 40 شخصاً، أثبت لقاح «إينوفيو» لـ«كوفيد - 19» المؤلّف من جرعتين، سلامته وفاعليته في توليد ردّ فعلٍ مناعي، إلّا أنّ هذه النتائج لم تكشف كثيراً عن فاعلية هذا اللقاح ضدّ «كوفيد - 19» على أرض الواقع. ولكنّ الأمور ستصبح أوضح بعد استكمال المرحلة الثانية المستمرّة من الدراسة، التي تشمل 400 متطوّع في الولايات المتحدة. تعمل الشركة اليوم أيضاً على المرحلة الثانية من دراسة تشمل 640 متطوّعاً في الصين، تشاركت فيها مع شركة «أدفاكسين بيوفارماثوتيكالز سوزو كو» الصينية، للتجارة بهذا اللقاح.


مقالات ذات صلة

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «غوغل»: الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية (جيميل)

«غوغل» تطلق ميزة جديدة لتنظيم الاشتراكات البريدية في «جيميل»

ميزة إدارة الاشتراكات في «جيميل» تهدف لتنظيم الرسائل الترويجية وجمعها في صفحة واحدة مع إلغاء مباشر للاشتراك وتحسين الأمان والإنتاجية للمستخدمين يومياً.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

خاص التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».