لقاحات حمض نووي جديدة بتقنيات حقن غير مسبوقة

تخترق خلايا الجسم بعد إدخالها بأجهزة «التثقيب الكهربائي»

يستخدم جهاز «سبنسر لويل» الجديد من «إينوفيو» تقنية تسمّى {التثقيب الكهربائي} لإدخال لقاح الحمض النووي إلى الخلايا
يستخدم جهاز «سبنسر لويل» الجديد من «إينوفيو» تقنية تسمّى {التثقيب الكهربائي} لإدخال لقاح الحمض النووي إلى الخلايا
TT

لقاحات حمض نووي جديدة بتقنيات حقن غير مسبوقة

يستخدم جهاز «سبنسر لويل» الجديد من «إينوفيو» تقنية تسمّى {التثقيب الكهربائي} لإدخال لقاح الحمض النووي إلى الخلايا
يستخدم جهاز «سبنسر لويل» الجديد من «إينوفيو» تقنية تسمّى {التثقيب الكهربائي} لإدخال لقاح الحمض النووي إلى الخلايا

لقد احتاج تحقيق واحدٍ من أهمّ التطوّرات العلمية في تاريخ علم اللقاحات، إلى وقوع جائحة عالمية... إذ نجح العلماء اليوم في صناعة لقاحات باستخدام الأحماض النووية وتوسيع انتشارها وتوظيفها تجارياً.
وحتى الآن، تلقّى مئاتُ ملايين النّاس لقاحاً ضدّ فيروس «سارس - كوف - 2» (SARS-CoV-2) المسبّب لـ«كوفيد - 19»، معظمها من صناعة شركتي «فايزر - بيونتيك» و«موديرنا»، اللتين استخدمتا الحمض النووي الريبوزي المرسال في تطوير لقاحيهما.
تطوّرت اللقاحات التي تستخدم تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA vaccines) قبل عقود، ولكنّها استخدمت للمرّة الأولى خلال الجائحة، ويمكن القول إنّها وفت بوعودها حتّى الآن. فقد أظهر كلا اللقاحين، فايزر وموديرنا، فاعلية وصلت إلى 95 في المائة ضدّ فيروس «كورونا المستجد». وعلاوةً على ذلك، تتيح تركيبة اللقاحين تعديلهما بسهولة بما يتيح لهما استهداف متحوّرات جديدة من الفيروس، فضلاً عن أنّ إنتاجهما لا يعتمد على عناصر تصعب صناعتها بسرعة وبكميات كبيرة.
لهذا السبب، لا تزال الآمال كبيرة بإنتاج نوعٍ آخر جديد من اللقاحات القائمة على الحمض النووي، أي التي تستخدم الحمض النووي نفسه (DNA)، وليس الحمض النووي الريبوزي المرسال.
لقاحات الحمض النووي
تقدّم اللقاحات المصنوعة بالحمض النووي الفوائد نفسها التي تقدّمها تلك المصنوعة بالحمض الريبوزي المرسال، غير أنّها لا تسبّب أيّ عوارض جانبية، ولا تتطلّب تخزينها في ظروف جليدية. كما أنّ هذه الفوائد الإضافية ستجعل من لقاحات الحمض النووي بمثابة النعمة للمناطق النائية وقليلة المصادر. وتقول مارغريت ليو، رئيسة الجمعية العالمية للقاحات في أميركا: «إذا أردنا تلقيح سبعة مليارات شخص، فإننا سنحتاج إلى كلّ تقنية ممكنة».
ولكنّ تطوير لقاحات الحمض النووي يصاحبُه تحدٍّ بارز. فقد بيّنت دراسات عدّة أجريت على البشر أنّ إعطاء هذه اللقاحات بالحقن التقليدية المستخدمة اليوم لا يولّد إلّا مناعة طفيفة في أفضل الأحوال. أمّا إذا نجحت التجارب السريرية التي تقودها شركة صغيرة وطموحة في بنسلفانيا، مدعومة من وزارة الدفاع الأميركية، فستصبح لقاحات الحمض النووي متوفرة بتقنية توصيل جديدة، وقد تنضمّ قريباً إلى المعركة القائمة ضدّ فيروس «كوفيد - 19»، ومجموعة أخرى من الأمراض الفيروسية.
تثقيب الجلد كهربائياً
تستخدم شركة «إينوفيو فارماثوتيكالز» الأميركية تقنية تسمّى «التثقيب الكهربائي» electroporation (فتح مسامات الجلد كهربائياً)، يتعرّض خلالها الجلد لنبضات كهربائية سريعة تفتح القنوات إلى خلايا الجسم لتيسير دخول اللقاح. بعد الحقن التقليدي للقاح، يوضع جهاز «إينوفيو» الجديد الذي يشبه فرشاة الأسنان الكهربائية، على الجلد. وبضغطة زرٍّ واحدة، تنطلق نبضات ذات حقل كهربائي ضعيف تضرب الذراع، لتفتح القنوات باتجاه الخلايا.
تمنح هذه الأداة لقاحات الحمض النووي القوّة التي تحتاجها للعمل على البشر، أو هذا ما تقوله الشركة التي وصفت التنقية الجديدة بالحلّ الهندسي لمشكلة بيولوجية.
وصلت الشركة اليوم إلى نهاية المرحلة الثانية من دراساتها التي تختبر سلامة اللقاح وفاعليته على مجموعات صغيرة نسبياً في الولايات المتّحدة والصين، ويمكن وصف النتائج بالمثيرة للإعجاب. في الوقت الحالي، ضاعفت الشركة صناعة هذه الأداة في إطار خطط لتقديم مئات ملايين الجرعات من لقاحات «كوفيد - 19» حول العالم، إذا أثبت اللقاح فاعليته.
ولكن توجد مشكلة! إذ إنّ أداة التثقيب الكهربائي مهمّة لتوصيل لقاح «إينوفيو»، ولكنّها تضيف طبقة من التعقيد... أي أنّها وسيلة تسهيل وعرقلة في الوقت نفسه. تكمن هذه المشكلة في اضطرار الشركة إلى إنتاج لقاحها، بالإضافة إلى أداة التوصيل وأطرافها التي تستخدم مرّة واحدة. كما أنّ أيّ مركزٍ يخطّط لتزويد روّاده بلقاح «إينوفيو» سيحتاج إلى الجهاز، ومعه الأشخاص الذين يعرفون كيفية استخدامه.
تصنيع اللقاحات الجديدة
جذبت اللقاحات التي تعتمد على الحمض النووي اهتمام وجهود العلماء لعقود بسبب سهولة تصميمها وصناعتها. تُصنع هذه اللقاحات غالباً من الحمض النووي، أي الجزيئة المؤلّفة من سلسلتين ملتفّتين تحملان الرمز الجيني للكائنات الحيّة، أو من الحمض النووي الريبوزي المرسال، أي الجزيئة المؤلّفة من سلسلة واحدة تكمّل الحمض النووي وتحمل تعليمات منه لصناعة البروتينات.
يمكن اعتبار اللقاحات المصنوعة من الحمض النووي أو الحمض النووي الريبوزي المرسال بمثابة الخطط التي ترشد الخلية إلى كيفية إنتاج بروتين محدّد من الفيروس الذي سيطلق الاستجابة المناعية. يحتوي لقاح «سبنسر لويل» من «إينوفيو» على جزء صغير من الحمض النووي مهمّته ترميز إنتاج بروتين فيروس كورونا. في هذه الحالة، إذا تعرّض الجسم لفيروس كورونا حقيقي لاحقاً، سيتعرّف الجهاز المناعي على البروتين ويشغّل دفاعاته.
عند صناعة اللقاح الذي يستخدم الحمض النووي، يعمد العلماء أوّلاً إلى وضعِ تسلسلٍ لجينوم الفيروس. بعدها، يحدّدون أيّاً من بروتينات الفيروس هو الأهمّ والأكثر ألفةً بالنسبة للجهاز المناعي البشري، ومن ثمّ يصنعون الحمض النووي أو الحمض النووي الريبوزي المرسال الذي يرمّز إنتاج البروتين ويحوّلونه إلى لقاح. تُحقن هذه المادّة الجينية في الجسم، فتأخذها الخلايا القريبة وتبدأ بتنفيذ تعليماتها الجديدة لصناعة البروتين الفيروسي. تبدو هذه العملية للجهاز المناعي كأنّها عدوى فيروسية، لذا يعمد إلى تشغيل دفاعاته. بعدها، إذا ظهر الفيروس الحقيقي في الجسم، فسيكون الجهاز المناعي جاهزاً للهجوم.
يتّسم تعديل تصميم اللقاح الذي يعتمد على الحمض النووي بالسهولة نفسها التي يتّسم بها إدخالُ رمزٍ جديد إلى أيّ آلة. ولكنّه في الوقت نفسه، مهمّ جداً عند مواجهة فيروسات سريعة التحوّر.
صحيح أنّ اللقاحات التي تعتمد على الحمض النووي لها جاذبية كبيرة، إلّا أنّه ولا واحدٍ منها حاز ترخيص الجهات الطبية المنظّمة قبل الجائحة. في الواقع، لم يستطع أيّ لقاح يعتمد على الحمض النووي تجاوز المرحلة المتوسّطة من التجارب الإكلينيكية، والسبب الرئيسي في ذلك هو عدم جهوزية الخلايا البشرية لاستقبال حمض نووي أو حمضٍ نووي ريبوزي مرسال غريب.
وبعد الحقن، كان كثير من هذه اللقاحات يبقى خاملاً في الجسم، وينتهي به الأمر بالتفكّك دون إنتاج أيّ ردّ فعلٍ مناعي يُذكر.

ولكنّ مطوّري لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال نجحوا أخيراً في حلّ هذه المعضلة من خلال تغليف اللقاح بمواد كيميائية. ففي إحدى المقاربات، عمد الباحثون إلى تغليف الحمض النووي الريبوزي المرسال بقطرات دهنية تسمّى الجسيمات النانوية الدهنية التي تذوب في جذع الخلايا وتساعد اللقاح في الدخول إليها.
كانت المشكلة الأساسية تكمن في كيفية دفع الحمض النووي، هذه الجزيئة كبيرة الحجم، لاختراق؛ ليس الطبقة الخارجية للخلية فحسب، بل أيضاً اختراق غشائها الداخلي إلى النواة.

اختراق خلايا الجسم
وعلى عكس لقاح الحمض النووي الريبوزي، الذي يستطيع العمل في أجزاء من الخلية خارج النواة، لا يستطيع لقاح الحمض النووي التحرّك إلّا في داخلها. وشرح بعض الباحثين أنّ لقاحات الحمض النووي كانت فعّالة في بعض الحيوانات الصغيرة، لأن إبر الحقن تسبّبت بنوعٍ من الضغط الذي أضرّ بكثير من الخلايا المحيطة، وسمح لجزيئات الحمض النووي بالدخول. ولكن في أجسام البشر، يكون ضغط إبر الحقن طفيفاً، فلا يسمح بوصول اللقاح إلّا إلى عددٍ صغير من الخلايا.
هنا، بدأ العلماء باختبار وسائل جديدة لتوصيل اللقاحات وزيادة الامتصاص الخلوي. ولهذه الغاية، هندس الباحثون جميع أنواع الوسائل المبتكرة لحثّ اللقاحات على الدخول إلى الجسم. فقد جرّبوا مثلاً ما يعرف بـ«التثقيب الصوتي» electroporation (فتح مسامات الجلد صوتياً) التي تستخدم الموجات الصوتية لاختراق الطبقة الخارجية للخلايا، والحقن المضغوطة التي تحتوي على مكبس يدفعه فرز مفاجئ للطّاقة، بهدف إيصال تدفّق ضيّق وعالي الضغط من السوائل. وبادروا أيضاً إلى تجربة موجات صدمية صغيرة (micro shock waves)، تتخلّلها شرارات تنتجها أقطاب كهربائية فيما يُعرف بـ«الانفجار الميكروي» ومهمّتها إرسال موجة من الطّاقة تحثّ اللقاح على اختراق الجلد دون حقنة. وأيضاً، اختبر الباحثون مسدّسات جينية تدفع الحمض النووي المغطّى بطبقة من جزيئات الذهب إلى الخلايا، وإبرٍ متناهية الصغر مزوّدة باللقاح ومزروعة في رقع قماشية لاصقة للجلد.
ولكن من بين جميع هذه الوسائل المتنافسة، تبيّن أنّ «التثقيب الكهربائي» هو الأكثر وعداً. وتقول إيمي جنكنز، مديرة برنامج التقنيات الحيوية في ذراع الجيش الأميركية البحثية المعروفة باسم «داربا» والتي استثمرت في اللقاحات التي تستخدم الحمض النووي والحمض النووي الريبوزي المرسال، في حديث لمجلة المهندسين الكهربائيين الأميركية، إنّ «التثقيب الكهربائي هو الأداة التي سمحت ببروز لقاحات الحمض النووي كتقنية يمكن الاعتماد عليها».

اختبارات ضد الفيروسات
استخدم الباحثون التثقيب الكهربائي بوتيرة دورية لعقود لنقل المواد الجينية إلى الخلايا في المختبرات. كما استخدم الأطبّاء نسخاً عالية الطّاقة منها لتفكيك الكتل السرطانية في البشر كجزءٍ من الإجراءات الجراحية، وهذا ما سهّل تحويلها إلى الاستخدام في مجال اللقاحات.
خلال العقد الماضي، اختُبر لقاح «إينوفيو» الذي يعتمد على الحمض النووي ضدّ فيروس نقص المناعة المكتسبة والإيبولا وفيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وحمّى لاسا، وفيروس الورم الحليمي البشري... وقُدمت جميعها عبر التثقيب الكهربائي. في المجمل، جرّب أكثر من ثلاثة آلاف شخص إحدى وسائل التثقيب الكهربائي الطبية التي طوّرتها «إينوفيو»، ومعظم الحالات حصلت في المرحلتين الأولى والثانية من أبحاث الشركة، بحسب ما أفاد برودريك.
وفي دراسة من المرحلة البحثية الأولى شملت 40 شخصاً، أثبت لقاح «إينوفيو» لـ«كوفيد - 19» المؤلّف من جرعتين، سلامته وفاعليته في توليد ردّ فعلٍ مناعي، إلّا أنّ هذه النتائج لم تكشف كثيراً عن فاعلية هذا اللقاح ضدّ «كوفيد - 19» على أرض الواقع. ولكنّ الأمور ستصبح أوضح بعد استكمال المرحلة الثانية المستمرّة من الدراسة، التي تشمل 400 متطوّع في الولايات المتحدة. تعمل الشركة اليوم أيضاً على المرحلة الثانية من دراسة تشمل 640 متطوّعاً في الصين، تشاركت فيها مع شركة «أدفاكسين بيوفارماثوتيكالز سوزو كو» الصينية، للتجارة بهذا اللقاح.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

إعلام "تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

قالت المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط إن استراتيجية المنصة في المنطقة ترتكز على دعم بناء «اقتصاد إبداعي مستدام».

مساعد الزياني (الرياض)
علوم «الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

خاص الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يرى باحثون أن صعود الذكاء الاصطناعي السيادي يعيد تشكيل خريطة الحوسبة العالمية في ظل تحوّلٍ من نموذج السحابة المشتركة إلى سيطرة معمارية على البيانات والموارد.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطبيقات استوديو «أبل» للمبدعين (أبل)

لماذا يختار بعض صُنّاع المحتوى «أبل»… ويتمسّك المحترفون بـ«أدوبي»؟

«أبل» تراهن على التكامل بين الأجهزة والسرعة والبساطة لصانع المحتوى اليومي، بينما ترتكز «أدوبي» على العمق والمرونة والأدوات الاحترافية للمشاريع المعقّدة.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «نوت بوك إل إم» أداة ذكاء اصطناعي مجانية عظيمة الفائدة

«نوت بوك إل إم» أداة ذكاء اصطناعي مجانية عظيمة الفائدة

يشكل «نوت بوك إل إم» NotebookLM أداة الذكاء الاصطناعي المجانية الأكثر فائدة خلال عام 2025؛ إذ يتميّز بقدرتين رائعتين: أولاً- يمكنك استخدامه للعثور على مجموعة.

جيرمي كابلان (واشنطن)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.