ترمب يحدِث تغييراً في أميركا... لا رجعة عنه

الجمهوريون يحرّضون ضد مناهضة العنصرية تحضيراً للانتخابات المقبلة

ترمب يحدِث تغييراً في أميركا... لا رجعة عنه
TT

ترمب يحدِث تغييراً في أميركا... لا رجعة عنه

ترمب يحدِث تغييراً في أميركا... لا رجعة عنه

قد يكون من الصعب التكهن بشكل حاسم عن مآل «الترمبية» ومستقبلها في الحياة السياسية الأميركية، بعدما فرض الرئيس السابق دونالد ترمب تقريباً سلطته على الحزب الجمهوري. غير أن تعيين الضرر الذي سببه خطابه الشعبوي اليميني قد لا يكون متعذراً، لا سيما أن شظاياه أصابت الحزب الديمقراطي، حيث عززت كرد فعل الخطاب الشعبوي اليساري؛ الأمر الذي سمح لليمين الأميركي محاولة تصوير هذا اليسار على أنه الخطر الداهم على الديمقراطية في الولايات المتحدة.
وحقاً، منذ خسارة ترمب انتخابات الرئاسة الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، وقعت سلسلة أحداث سياسية لافتة، طرحت تساؤلات لدى العديد من المحللين والمثقفين الأميركيين، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري والمستقلين، تمحورت حول سؤال واحد كبير: هل سيعيد خروج ترمب من السلطة السياسة الأميركية إلى «طبيعتها» السابقة؟ بيد أن سؤالاً آخر لا يقل أهمية يطرح نفسه أيضاً: هل الانقسام الكبير حول التمييز العنصري، الذي يخترق الولايات المتحدة من قمة قيادتها السياسية إلى الناس العاديين، انقسام بنيوي موجود منذ تأسيس أميركا... أم جاء أخيراً نتيجة سياسات خاطئة؟
وجهتا نظر ناقشتا السؤال الأول، حيث عبرت الأولى عن خشيتها من أن يكون عهد ترمب قد أحدث تغييراً دائماً في المشهد السياسي الأميركي. بينما رأت الأخرى، أن سنوات حكمه المضطربة، ما كانت سوى انحراف عرضي رغم خطورته، سيصار إلى تجاوزه بعدما غادر البيت الأبيض.
بعد مرور أشهر عدة على خروج دونالد ترمب من البيت يبدو المشهد السياسي الأميركي أعقد بكثير من إمكانية الرهان على انتهاء الحقبة الترمبية، أولاً في ظل التحولات التي يشهدها الحزب الجمهوري، وثانياً القضايا المطروحة للنقاش والمقارعات السياسية الجارية اليوم بين الطبقة السياسية في واشنطن. وبدلاً من عودة الحزب الجمهوري إلى «رشده»، أظهرت غالبية استطلاعات الرأي أن ترمب عزز سيطرته على الحزب بدلاً من تراجع نفوذه فيه. فهو لا يزال يمثل الخيار الأول لدى قاعدة الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة؛ الأمر الذي فرض على العديد من قيادات هذا الحزب الإدراك أن حظوظهم في الاستمرار بلعب دور سياسي مرهونة بولائهم لترمب.
ولعل «تراجيديا» استبعاد النائبة ليز تشيني، ابنة نائب الرئيس السابق ديك تشيني، التي كانت من بين أبرز الأصوات المناهضة لترمب من موقعها القيادي في الحزب وفي مجلس النواب، تظهر بشكل واضح مدى التغيير الذي أصاب الجمهوريين. إذ صعدت في المقابل الأصوات الموالية والمتطرفة من أمثال النائبة مارجوري تايلور غرين من ولاية جورجيا، وتراجع زعيما الأقلية الجمهورية في مجلسي الشيوخ والنواب، ميتش ماكونيل وكيفين مكارثي، عن الانتقادات التي وجهاها إلى ترمب في أعقاب أحداث اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول في 6 يناير (كانون الثاني) الماضي مباشرة. ومن ثم، وتوليّا إسكات الأصوات المنتقدة له، بحجة الحفاظ على وحدة الحزب واستعادة السيطرة على الرئاسة ومجلسي الشيوخ والنواب.
ولم يكتف الجمهوريون بذلك، بل أفشلوا أيضاً تشكيل لجنة تحقيق مستقلة بتلك الأحداث، في إصرار «دق جرس إنذار كبير عن الأخطار المحدقة بالديمقراطية الأميركية»، على حد قول تشيني. كذلك، يرفض الجمهوريون والمحافظون اليمينيون الحديث عن الديمقراطية «في مواجهة أزمة وجودية» – وفق تصورهم -، حيث أعلن ماكونيل أخيراً، أن تشكيل اللجنة للتحقيق في أحداث 6 يناير «ببساطة... مسألة غير ضرورية». وأضاف، أن تحقيقات الشرطة ضمنت «عدم إفلات أي شخص من أي شيء».
في المقابل، يعرب زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ السيناتور الديمقراطي تشاك شومر عن أسفه؛ لأن «كذبة دونالد ترمب الكبرى قد غطت الحزب الجمهوري بالكامل الآن. هذه الكذبة هي الآن المبدأ لما كان يسمى في السابق حزب لنكولن».
وهنا، يرى مراقبون أن الممارسة الأخطر للجمهوريين راهناً هي المتعلقة بتغيير قواعد الانتخابات وقوانينها للحد من مشاركة الأقليات. وهذا يحدث في خط بياني يسعون إلى تنفيذه من خلال تمرير مشاريع قوانين في غالبية الولايات التي يسيطرون عليها، على الرغم من نجاح الديمقراطيين في تعطيل أبرزها، كما جرى في ولاية تكساس أخيراً، عندما أدى انسحاب نوابهم من جلسة إقرار هذه القوانين إلى إبطال النصاب وإفشال المحاولة، إلى حين! ولقد وصف خايمي هاريسون رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية محاولات تعديل قوانين التصويت التي تقلّص مشاركة الأقليات لمصلحة البيض، بأنها ليست سوى عنصر واحد مما يعد له الجمهوريون. وتابع خلال ظهوره الثلاثاء على محطة «إم إس إن بي سي»، «إنها إحدى اللحظات الأكثر خطورة لتغيير السياسات من الجمهوريين، فالديمقراطية الأميركية على المحك بالفعل». كذلك نقلت صحيفة «ذي هيل» عن لاري دايموند، الزميل البارز في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، قوله «إن صحة الديمقراطية الأميركية لم تتحسن في أعقاب هزيمة ترمب... وفي بعض النواحي، أعتقد أن الأمر بات أسوأ؛ لأنه من الواضح جداً الآن أن لدينا العديد من أعضاء أحد الحزبين السياسيين، يسيرون بشكل أساسي وفق أجندة معادية للديمقراطية».

الخطاب القومي... والعنف
جدير بالذكر، أن خطاب ترمب «التحريضي» بحسب الديمقراطيين، لم يعد مقتصراً عليه وحده، بل انضمت إليه أصوات أخرى باتت أكثر جرأة في التعبير عمّا تضمره، كخطاب مستشار الأمن القومي السابق لترمب الجنرال مايكل فلين، الذي أشار إلى دعمه انقلاباً على الطريقة البورمية»، أثناء ظهوره في مؤتمر نظمته حركة «كيو أنون» اليمينية المتطرفة قبل بضعة أسابيع، رغم نفيه اللاحق هذا التصريح. وفي استطلاع للرأي أجراه المعهد العام لأبحاث الدين أخيراً، خلص إلى أن 28 في المائة من الناخبين الجمهوريين يتفقون مع العبارة القائلة بأن «الوطنيين الأميركيين قد يضطرون إلى اللجوء إلى العنف» من أجل «إنقاذ» البلاد. وهو ما دعا البعض إلى القول بأن «ظاهرة ترمب» هي أحد الأعراض وليست سبباً للخلل الذي تعانيه الديمقراطية الأميركية المتدهورة، بحسب بعض الأكاديميين الذين وقّعوا على عريضة نشرت تحت مسمى «بيان القلق». ووصف الموقعون أنفسهم بأنهم «علماء الديمقراطية الذين شاهدوا التدهور الأخير للانتخابات الأميركية والديمقراطية الليبرالية بقلق متزايد». ورأى هؤلاء، أن منتقدي ترمب بالغوا في تقدير تأثير هزيمته في الانتخابات على القوى التي دعمته، وبأن تأثير خطابه رغم كل الضجيج الذي يحيط بنظرية المؤامرة وسرقة الانتخابات وارتفاع أسهمه، آخذ في الانخفاض، مقابل تصاعد حدة الخطاب الذي تدلي به الطبقة السياسية.
وهنا يقول البروفسور لاري بارتلز، المدير المشارك لمركز دراسة المؤسسات الديمقراطية في جامعة فاندربيلت العريقة «حقيقة أن الكثير من الناس العاديين كانوا على استعداد لاتباعه حتى الآن، هي مؤشر واضح على مدى استقطاب مجتمعنا سياسياً». وأضاف «حقيقة أن العديد من النخب السياسية كانت على استعداد لاتباع ترمب حتى الآن هي أكثر دلالة، لا بل هي غير صحية. ومع ذلك، حتى لو غاب ترمب عن المشهد السياسي، من المؤكد تقريباً أن شخصاً آخر مثله سيتابع ذلك».

حرب ثقافية قبل الانتخابات
وبالفعل، لا يمكن تجاهل أن الاستقطاب السياسي بات يضرب المجتمع الأميركي، بل تسرب إلى كل مفاصل الحياة السياسية الأميركية تقريباً. ويحذر العديد من الخبراء من أن هذا الاستقطاب أدى إلى تقسيم العائلات والمنظمات ومصادر المعلومات والإعلام، فضلاً عن الخلاف المندلع على خلفية برامج التعليم التي تدرس في المدارس الأميركية، والمخصصة تحديداً لمواجهة الانقسام والتمييز العرقي وعنف الشرطة الذي يستهدف السود، وعمليات القتل التي تضرب بشكل دوري المدارس الأميركية والمؤسسات الثقافية والدينية والتجارية أيضاً.
ويصف البعض ما يجري في المدارس الأميركية بأنه حرب ثقافية امتدت إلى النظام التعليمي في البلاد، حيث يحاول الجمهوريون على مختلف المستويات، منع المناهج الدراسية التي تدعو إلى مواجهة العنصرية المنهجية. وفي تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» أخيراً، أن 39 من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين وصفوا تعليم التاريخ الذي يركز على «العنصرية النظامية» بأنه شكل من أشكال «غسل الدماغ عبر التلقين النشط».
كذلك، أقرت الهيئات التشريعية التي يقودها الجمهوريون في جميع الولايات مشاريع قوانين في الآونة الأخيرة، تحظر أو تقيد المدارس في تدريس العنصرية. لكن المفارقة، أن الحاكم الجمهوري لولاية أوكلاهوما الذي وقّع في أوائل مايو (أيار) الماضي نسخة ولايته من القانون، كان عضواً في اللجنة المئوية للمذبحة العنصرية التي وقعت عام 1921 في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن الولاية، والمدينة التي زارها الرئيس جو بايدن لإحياء ذكرى واحدة من أسوأ حوادث العنف العنصري في تاريخ الولايات المتحدة، وراح ضحيتها أكثر من 300 من السود، وقد جرى إقصاؤه من عضويتها.
وحقاً، يقول العديد من الباحثين والمعلقين السياسيين، إن الجمهوريين يشنّون حملة نشطة من مجالس المدارس إلى قاعات الكونغرس، بهدف فرض وجهة نظرهم حول كيفية تدريس العنصرية التاريخية والحديثة في أميركا. يقابل ذلك معارضة من الديمقراطيين والمعلمين في صراع شائك سياسياً، سيكون له تداعيات عميقة على كيفية تعلم الأطفال عن بلدهم.
وتتزامن هجمات الجمهوريين على «نظرية العرق الحرجة»، وهي إطار عمل لمدرسة الدراسات العليا وجد طريقه إلى التعليم العام من رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر، مع استراتيجية واسعة ينفذها الحزب الجمهوري، للتحريض على قضايا الحرب الثقافية في انتخابات التجديد النصفي لعام 2022، بدلاً من شن حملة مباشرة ضد أجندة بايدن الاقتصادية، التي تشير معظم استطلاعات الرأي إلى أنها تلقى تأييداً لدى الناخبين، في بلد بدأ يخرج من جائحة «كوفيد - 19». والملاحظ، أن الجمهوريين يركزون هجماتهم على تأثير هذه النظرية، التي تجادل بأن الأنماط التاريخية للعنصرية متأصلة في القانون والمؤسسات الحديثة الأخرى، وبأن موروثات العبودية والفصل العنصري لا تزال تخلق ساحة لعب غير متكافئة للسود وغيرهم من الملوّنين. ويصوّر العديد من المحافظين نظرية العرق الحرجة والتذرّع بالعنصرية النظامية على أنها تحدٍ، تم إلقاؤه لاتهام الأميركيين البيض بأنهم عنصريون بشكل فردي، ويتهمون اليسار بمحاولة تلقين الأطفال وحملهم على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة شريرة بطبيعتها.

العنصرية والتلقين
خبراء التعليم يقولون، إنه نظراً إلى أن معلمي المدارس الحكومية البالغ عددهم ثلاثة ملايين في أميركا، يتمتعون بقدر كبير من الاستقلالية في تعيين المواد التي تدرس في الفصول الدراسية، يرجحون ألّا يكون لتلك التشريعات أي فاعلية في التأثير على المواد التي تتناول المفاهيم العرقية والعنصرية. لا، بل إن المناقشات حول العنصرية النظامية أصبحت أكثر شيوعاً في المدارس الأميركية في السنوات الأخيرة، لا سيما في المناطق الليبرالية. وهو ما دفع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى الإعلان في الأسابيع الأخيرة من حملته الانتخابية عام 2020، عن تشكيل لجنة أنشأها صراحة لربط ما وصفه بأنه «تلقين يساري» في المدارس بالتحريض على الاحتجاجات، التي اتخذت طابعاً عنيفاً في بعض الأحيان؛ بسبب عنف الشرطة ضد السود بشكل خاص. وفي حين سخر العديد من المؤرخين الرئيسيين من التقرير الذي أصدرته اللجنة، قام بايدن بإلغائها في اليوم الأول من توليه منصبه. لكن تأثيرها لا يزال مستمراً لدى اليمين والمحافظين والجمهوريين عموماً، حيث وجد استطلاع لمركز «بيو» للأبحاث، أن الأميركيين منقسمون بشدة حول تصوراتهم عن التمييز العنصري. وقال أكثر من 60 في المائة من المحافظين، إن المشكلة الأكبر هي «أن يرى الناس التمييز حيث لا يوجد، بينما يتجاهلونه حيث هو موجود بالفعل». في حين وافق 9 في المائة فقط من الليبراليين على ذلك.

اليسار «التقدمي» سلاح للجمهوريين الأميركيين
> وسط الاستقطاب السياسي الشديد في الساحة الأميركية، يعاني الديمقراطيون انقساماً واضحاً. وفي حين ترفض غالبية الناخبين الأميركيين اتهام أميركا بأنها عنصرية من جذورها، وهذا هو رأي غالبية الناخبين وقاعدة الحزب الديمقراطي نفسه، فإن هذه وجهة نظر يتبناها الجناح اليساري التقدمي في الحزب الديمقراطي. وما يقلق كثرة من الديمقراطيين، أن هذا التفكير الراديكالي يسلم الجمهوريين هدية ثمينة يستخدمونها ذريعةً سياسية. مع هذا نرى أجزاء كبيرة من قاعدة الحزب الديمقراطي، بما في ذلك العديد من الناخبين الملوّنين، تدعو إلى مزيد من النقاش في المدارس حول مدى انتشار العنصرية، ويعتقدون أن مثل هذا النقاش ضرورة تربوية يجب أن تنفصل عن السياسات الحزبية.
مما لا شك فيه أن تصاعد الجدل حول التأثير الحقيقي أو المتصوَّر لنظرية العِرق الحرجة، قد تسارع خلال رئاسة دونالد ترمب، عندما اشتعلت المناقشات حول العنصرية في البلاد بسبب تعليقاته العنصرية وموجة الاحتجاجات التي عمت أرجاء البلاد العام الماضي، على قتل رجل شرطة أبيض لجورج فلويد الرجل الأسود في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا.
وقبل بضعة أسابيع، أعلن الرئيس جو بايدن في مدينة تولسا، أن جريمة قتل المواطنين السود على يد عصابة بيضاء في المدينة قبل قرن كان مدفوعاً بالعنصرية التي أصبحت «متأصلة بشكل منهجي في قوانيننا وثقافتنا». وتابع بايدن، إن أميركا لا يمكنها التظاهر بأن تلك القوانين «لا تؤثر علينا اليوم». وأعلن، من ثم، عن سياسات لتضييق فجوة الثروة التي تفصل بين الأعراق، من خلال مساعدة السود على شراء المنازل ودعم أصحاب الأعمال الصغيرة. وهذه واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه السود، حيث يكاد حصولهم على القروض السكنية من المصارف الخاصة ومن المصارف الفيدرالية الحكومية، شبه مستحيل في ظل نمط من التمييز ذات طابع عرقي واقتصادي واجتماعي.
هذا، ويضيف تقرير «نيويورك تايمز»، أن بعض النقاش حول التعليم كان مدفوعاً بالمشروع الذي أطلق عليه «1619»، نسبة للعام الذي رست فيه أول سفينة تحمل عبيداً على شاطئ ولاية فيرجينيا، الذي يجادل بأنه «أصل أميركا». فقد نما كل شيء تقريباً، من العبودية والعنصرية التي مورست ضد السود وجعلت أميركا استثنائية». ويضيف التقرير، أن اختصاصيي التوعية تبنّوا المناهج الدراسية التي أنشئت جنباً إلى جنب مع المشروع: «استجابة لأمة متغيرة» حيث أصبح غالبية طلاب المدارس العامة الآن من غير البيض. غير أن ما يقرب من 80 في المائة من المعلمين ما زالوا من البيض.
لكن رد الجمهوريين جاء صادماً ومكثفاً؛ إذ أعلن زعيم الأقلية ميتش مأكونيل في مجلس الشيوخ، أنه لا يوافق على أن عام 1619 كان مهماً في تاريخ الولايات المتحدة. ودعا مع أعضاء جمهوريين آخرين إدارة بايدن إلى التخلي عن الجهود التي تبذلها وزارة التعليم لإعطاء الأولوية لدروس التاريخ التي تؤكد على «التهميش المنهجي» الذي مورس على الأقليات. والجدير ذكره، أنه بالتوازي مع البرامج التعليمية الخاصة بمواجهة العنصرية التي عُممت على المؤسسات التعليمية الأميركية منذ عقود، فإن غالبية المؤسسات الأميركية الحكومية والخاصة تطلب من موظفيها الخضوع لدورات تثقيفية وتوجيهية عن أشكال «التمييز» و«التنمر». وتضع تلك المؤسسات قوانين وضوابط لمنعها، حيث يمكن للمخالفين التعرض لعقوبات قد تصل إلى حد الفصل من وظائفهم. وهذه القوانين جرى إقرارها تباعاً، على مدى فترات زمنية في التاريخ الحديث للولايات المتحدة، وجاءت ثمرة نضالات العديد من قادتها السياسيين من كلا الحزبين. ويرى منتقدو الحزب الجمهوري بنسخته «الترمبية»، أن توجهاته السياسية الحالية، تشكل تراجعاً عن تلك الإنجازات التي شارك الحزب نفسه في تحقيقها، ومنحت الولايات المتحدة سمعتها كحامية ومدافعة عن الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.