كندا: لا دليل على إسقاط الطائرة الأوكرانية «عمداً» لكن المسؤولية تقع على إيران

حطام الطائرة الأوكرانية التي أسقطتها إيران العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
حطام الطائرة الأوكرانية التي أسقطتها إيران العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

كندا: لا دليل على إسقاط الطائرة الأوكرانية «عمداً» لكن المسؤولية تقع على إيران

حطام الطائرة الأوكرانية التي أسقطتها إيران العام الماضي (أرشيفية - رويترز)
حطام الطائرة الأوكرانية التي أسقطتها إيران العام الماضي (أرشيفية - رويترز)

علمت شبكة «سي بي سي نيوز» أن تحقيق الطب الشرعي الذي أجرته كندا لمدة ثمانية أشهر فيما يرتبط بإسقاط الطائرة الأوكرانية «بي إس 752» فوق إيران، يظهر أنه ليس هناك دليل يثبت أن الكارثة كانت «متعمدة».
واطلعت «سي بي سي نيوز» على نسخة من تقرير غير سري طال انتظاره حول ملابسات وأسباب تدمير الطائرة. يستند التحليل إلى جميع الأدلة والمعلومات الاستخبارية المتاحة للحكومة الكندية.
يقول التقرير: «بينما لم يجد فريق الطب الشرعي أي دليل على أن إسقاط الطائرة (بي إس 752) كان مع سابق الإصرار، فإن هذا لا يعفي إيران بأي حال من مسؤوليتها عن مقتل 176 شخصاً بريئاً».
ويوضح التقرير أن الفريق خلص إلى أن إيران «أخفقت» في تقديم «تفسير موثوق لكيفية وأسباب» قيام فرع من الجيش بالبلاد بإسقاط الطائرة.
وقال التقرير: «بالنظر إلى مجمل المعلومات المتاحة، خلص فريق الطب الشرعي إلى أن سلسلة من الأفعال والإغفالات من قبل السلطات المدنية والعسكرية الإيرانية تسببت في وضع خطير، حيث تم التقليل من المخاطر التي تم تحديدها مسبقاً ولم تؤخذ على محمل الجد».
يقول التقرير إن فريق الطب الشرعي قام بتحليل المعلومات الموجودة تحت تصرفه ولكن «إيران فقط هي التي تتمتع بحق الوصول الكامل إلى الأدلة وموقع التحطم والشهود». ويضيف: «ويقع على عاتق إيران مسؤولية تقديم إجابات محددة حول جميع جوانب هذه المأساة».
يمهد التقرير الطريق أمام أوتاوا للمضي قدماً وتقرير العقوبات، إن وجدت، التي ستفرضها على إيران.
وكتب رئيس الوزراء جاستن ترودو رسالة إلى العائلات في التقرير. وقال إن الحكومة ستتابع جميع الخيارات المتاحة بما في ذلك اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي.
وأضاف ترودو: «يوضح التقرير أن رواية إيران الرسمية للأحداث مخادعة ومضللة وسطحية وتتجاهل عن قصد العوامل الرئيسية».
وتابع: «لا يمكن إلقاء اللوم على إسقاط الطائرة بسهولة على عدد قليل من صغار الموظفين. اتخذ كبار مسؤولي النظام القرارات التي أدت إلى هذه المأساة، ويجب على العالم ألا يسمح لهم بالاختباء دون عقاب».
وقبل أكثر من 17 شهراً، أسقط «الحرس الثوري» الإيراني طائرة الخطوط الجوية الدولية الأوكرانية 752 في سماء طهران بصاروخين أرض - جو، مما أسفر عن مقتل جميع الركاب البالغ عددهم 176 راكباً.
قال المسؤولون إن نمط سلوك إيران منذ المأساة أقنع أوتاوا بأنها لا تستطيع الوثوق برواية طهران للأحداث - ولهذا السبب اعتمدت كندا على فريق متخصص داخل البلاد لملاحقة الحقائق. قال وزير الخارجية الكندي السابق، فرنسوا فيليب شامبين، إنه لا يصدق ادعاء إيران بأن الخطأ البشري هو السبب.
كما أشار التقرير بأصابع الاتهام إلى «السلطات المدنية والعسكرية الإيرانية».
* «افتقار إيران للشفافية مقلق للغاية»
كلفت الحكومة الفيدرالية مدير دائرة المخابرات الأمنية الكندية «سي إس آي إس» السابق جيف ياورسكي في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 بقيادة فريق الطب الشرعي، الذي يقدم تقاريره إلى فنسنت ريجبي، مستشار الأمن القومي والاستخبارات لرئيس الوزراء.
وقال ياورسكي أمام لجنة برلمانية في 10 يونيو (حزيران): «افتقار إيران للشفافية أمر مقلق للغاية. روايتها الرسمية للأحداث غير نزيهة ومضللة وسطحية وتتجاهل عن عمد العوامل الرئيسية. وترفض إيران تقديم إجابات للأسئلة الرئيسية».
وأشار ياورسكي إلى إنه لأكثر من ثمانية أشهر، كان الفريق «يفحص كماً هائلاً من البيانات، ويعمل مع حلفائنا، ويفكك صفة السرية حيثما أمكن، مع حماية المصادر».
وأكد أن الفريق استفاد أيضاً من العمل التحري القيّم لعائلات الضحايا، بما في ذلك معلومات حول الرحلات الجوية الأخرى ونظام صواريخ أرض - جو ومشغلها.


مقالات ذات صلة

5 قتلى إثر انحراف طائرة شحن تابعة لـ«أمازون» عن المدرج بمطار ميامي

الولايات المتحدة​ طائرة شحن تابعة لشركة أمازون بعد تحطمها في مطار ميامي الدولي (أ.ف.ب)

5 قتلى إثر انحراف طائرة شحن تابعة لـ«أمازون» عن المدرج بمطار ميامي

قتل خمسة أشخاص وأُصيب خمسة آخرون بجروح، الأحد، إثر انحراف طائرة شحن لمجموعة «أمازون» عن مسارها في مطار ميامي الدولي في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
أوروبا دخان كثيف يتصاعد من موقع تحطم مقاتلة ​يونانية من طراز «إف-4» (فانتوم) خلال عرض جوي بقاعدة تاناغرا الجوية شمالي أثينا (أ.ف.ب)

مقتل طيارين في تحطم طائرة «فانتوم» خلال عرض جوي قرب أثينا

قال مسؤولان إن طيارَين قُتلا إثر تحطم مقاتلة ​يونانية من طراز  «إف-4» (فانتوم) ذات مقعدين خلال عرض جوي بقاعدة تاناغرا الجوية شمالي أثينا.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
بروفايل صورة تجمع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، وإلى جواره (الثاني من اليسار) الأمين خليفة فحيمة، وذلك فور وصول الأخير إلى العاصمة طرابلس غداة تبرئته قطعيّاً من قضية تفجير الطائرة (طرابلس 1 فبراير 2001) (غيتي)

بروفايل وفاة الليبي الأمين خليفة فحيمة... آخر الوجوه البارزة في قضية لوكربي

وفاة الليبي الأمين خليفة فحيمة، المتهم الثاني السابق بقضية لوكربي، عن 70 عاماً بطرابلس بعد مسيرة تاريخية انتهت ببراءته قطعيّاً عام 2001 في هولندا.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق الهيكل المُعاد بناؤه لحطام طائرة الرحلة 800 التابعة لشركة  «TWA»  والتي تحطمت عام 1996، مما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها والبالغ عددهم 230 شخصاً (نتفليكس)

«سقوط حر»... وثائقي يزيح الستار عن خبايا «بوينغ» وصراع الأرباح ضد الأرواح

وثائقي «سقوط حر» يثبت جشع «بوينغ» وتسببها بكوارث طائرات «ماكس» القاتلة، متجاهلةً دماء الضحايا وصيحات المبلّغين لإرضاء البورصة.

كوثر وكيل (لندن)
الولايات المتحدة​ طائرة تابعة لخطوط ألاسكا الجوية في بورتلاند بولاية أوريغون الأميركية 13 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

مصرع 8 أشخاص في تحطم طائرة «تشارتر» غربي ولاية ألاسكا الأميركية

أعلن الجيش الأميركي أن 8 أشخاص لقوا حتفهم في تحطم طائرة مستأجرة (تشارتر) بموقع رادار في منطقة نائية بغرب ألاسكا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مصرع شخص وفقدان 25 آخرين إثر غرق قارب مهاجرين قبالة اليونان

TT

مصرع شخص وفقدان 25 آخرين إثر غرق قارب مهاجرين قبالة اليونان

قُتل شخص فيما لا يزال 25 آخرون في عداد المفقودين، بعد غرق قارب كان يقلّ مهاجرين قبالة جزيرة غافدوس اليونانية القريبة من كريت، حسبما أفاد به خفر السواحل اليونانيون لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الاثنين.

وقال متحدث باسم خفر السواحل: «تم إنقاذ 51 شخصاً بواسطة سفينتين كانتا في المنطقة»، مضيفاً أن القارب كان يقل 77 شخصاً عندما غرق، وفقاً لإفادات الناجين.

وأصبحت جزيرتا كريت وغافدوس، الواقعتان على بُعد نحو 320 كيلومتراً من الساحل الليبي، نقطة الدخول الرئيسية لطالبي اللجوء إلى اليونان.

وفي أواخر أغسطس (آب)، أظهرت أرقام نشرتها وكالة الأنباء اليونانية «آنا» نقلاً عن وزارة الهجرة، أن عدد المهاجرين الوافدين إلى اليونان تراجع من نحو 61 ألفاً في العام المنتهي في أغسطس 2025 إلى 42 ألفاً خلال الاثني عشر شهراً التالية، أي بانخفاض يقارب 31 في المائة.

وشددت دول أوروبية قواعد الهجرة خلال السنوات الأخيرة، في وقت ازداد التأييد للأحزاب اليمينية المتطرفة المناهضة للهجرة.

ودفع وزير الهجرة واللجوء اليوناني ثانوس بليفريس، نحو تبني سياسة صارمة تجاه اللاجئين.

كما تُجري اليونان مباحثات مع ألمانيا وعدة دول أخرى في الاتحاد الأوروبي بشأن إنشاء «مراكز إعادة» خارج التكتل للنظر في طلبات المهاجرين.


كندا نحو «شراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق» مع الاتحاد الأوروبي

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)
TT

كندا نحو «شراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق» مع الاتحاد الأوروبي

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (د.ب.أ)

تسعى كندا لبناء شراكة اقتصادية وأمنية غير مسبوقة مع الاتحاد الأوروبي؛ في محاولة للحد من اعتمادها على الولايات المتحدة، دون أن تطمح إلى عضوية التكتل، في حين تتسع الهوة بينها وبين جارتها الجنوبية في ظل سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويصف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بلاده بأنها «أكثر دولة أوروبية من الدول غير الأوروبية».

وفي أحدث مؤشر إلى هذا التقارب، يتوجه كارني، هذا الأسبوع، إلى مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حيث سيصبح، الأربعاء، أول رئيس حكومة يحضر خطاب «حال الاتحاد الأوروبي»، قبل أن يلقي، في اليوم التالي، كلمة أمام البرلمان الأوروبي، وفق ما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية»

ومن المقرر أيضاً أن يزور كارني مدينة ليفربول، حيث سيعقد أول اجتماع له مع رئيس وزراء بريطانيا الجديد آندي بيرنهام.

وقال النائب الأوروبي الألماني والراعي الرئيسي لقرار صدر في مارس (آذار) الماضي يدعو إلى تعزيز التعاون بين الاتحاد الأوروبي وكندا، توبياس كريمر، إن زيارة كارني تمثل «رمزاً بالغ الأهمية».

وأضاف كريمر، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «تمتلك كندا كثيراً من الموارد التي تعاني أوروبا نقصاً كبيراً فيها، سواء في مجال الطاقة أم العناصر الأرضية النادرة أم المعادن الخام».

وتضررت كندا بشدة من الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، نظراً للتكامل الاقتصادي الوثيق بينها وبين جارتها الجنوبية، ما دفعها إلى البحث بشكل عاجل عن شركاء اقتصاديين جدد.

وقال كريمر إن الاتحاد الأوروبي تأثّر، بدوره، بعودة ترمب إلى البيت الأبيض، ويسعى، شأنه شأن كندا، إلى «تنويع» علاقاته الخارجية و«الحد من المخاطر» المرتبطة بتلك العودة.

الرئيس الأميركي يستقبل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في البيت الأبيض العام الماضي (أ.ب)

عضوية مستبعدة

قرّب كارني كندا، بالفعل، من التكتل الأوروبي. وأصبحت كندا أول دولة من خارج الاتحاد الأوروبي تنضم إلى برنامج التكتل للمشتريات الدفاعية، كما لعب رئيس الوزراء دوراً في انضمام كندا إلى مسابقة «يوروفيجن» الغنائية.

وفي الشهر المقبل، يستضيف كارني قمة بين الاتحاد الأوروبي وكندا في مونتريال، قال إنها ستشهد بدء مناقشات حول بناء «شراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق بكثير».

وأشار خافيير مورينو سانشيز، النائب الإسباني في البرلمان الأوروبي ورئيس الوفد البرلماني المعنيّ بالعلاقات مع كندا، إلى أن أوتاوا وبروكسل تتفقان في الرؤى بشأن قضايا المناخ والذكاء الاصطناعي، كما يجري العمل، بالفعل، على اتفاق للتجارة الرقمية.

وسيُبنى هذا الاتفاق على اتفاقية التجارة الحرة القائمة بين الجانبين، المعروفة باسم «سيتا» (CETA)، والتي قال سانشيز إنها لا تزال تنطوي على إمكانات غير مستغَلة، إذ إن الشركات الصغيرة والمتوسطة لم تستفد بعدُ بصورة كاملة من مزاياها.

وازدادت التكهنات بشأن احتمال انضمام كندا، بشكل كامل، إلى الاتحاد الأوروبي، خلال الولاية الثانية لترمب.

وقال كارني، للصحافيين، الأحد، إن بلاده «لا تسعى إلى أن تصبح عضواً في الاتحاد الأوروبي».

وأضاف: «ما نسعى إليه وما سنبدأ مناقشته هو إقامة تحالف فريد مع الاتحاد الأوروبي. فنحن نتشارك القيم نفسها، ولدينا الأولويات نفسها، كما أن نقاط قوتنا تكمل بعضها بعضاً».

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يسعى لشراكة اقتصادية وأمنية أقوى وأعمق مع الاتحاد الأوروبي (رويترز)

خيار غير «واقعي»؟

وأظهر استطلاعٌ، أُجري في أبريل (نيسان) الماضي، أن 57 في المائة من الكنديين يؤيدون انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت كندا مؤهلة أصلاً لذلك أم لا.

وتنص المادة 49 من معاهدة الاتحاد الأوروبي على أن «أي دولة أوروبية» تلتزم بـ«الكرامة الإنسانية والحرية والديمقراطية والمساواة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان» يمكنها الانضمام إلى التكتل.

غير أن المعاهدة لا تضع تعريفاً واضحاً للدولة الأوروبية، الأمر الذي يثير شكوكاً حول إمكانية انطباق هذا الوصف على كندا.

وقال إغناسيو غارسيا بيثيرّو، الباحث في مركز الأبحاث «بروغل» في بروكسل: «فكرة أن تصبح كندا عضواً في الاتحاد الأوروبي، سواء من الناحية الاقتصادية أم السياسية، لا تبدو لي احتمالاً واقعياً».

وفي عام 1987، رُفض طلب المغرب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على أساس أنها ليست دولة أوروبية.

ومازح خافيير مورينو سانشيز بالقول إن كندا «ليست بعيدة إلى هذا الحد» جغرافياً؛ في إشارة إلى قربها من إقليم غرينلاند المتمتع بالحكم الذاتي والتابع للدنمارك.

لكنه أضاف أن إقامة علاقات وثيقة مع الاتحاد الأوروبي تظل ممكنة دون العضوية الكاملة، كما هي الحال بالنسبة إلى آيسلندا وسويسرا.

غير أنه أشار إلى أنه، وعلى عكس سويسرا، ينطوي نقل البضائع بين كندا والاتحاد الأوروبي على تكاليف شحن مرتفعة، كما أن أوروبا لن تكون قادرة على أن تحل محل السوق الأميركية بالنسبة إلى كندا.

وفي يوليو (تموز) الماضي، توجه 70 في المائة من الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة، مقابل 5 في المائة فقط إلى الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك قال كريمر: «كلما أمكننا تعزيز التعاون، كان ذلك أفضل».


قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
TT

قمة «بريكس» تطلق عملاً مشتركاً لـ«عالم متعدد وأكثر عدلاً»... وإيران نقطة خلاف

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)
قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

اختتمت قمة مجموعة «بريكس» أعمالها، الأحد، في نيودلهي بتوافق على إطلاق مرحلة جديدة لتعزيز التعاون بين بلدان المجموعة ووضع تصورات رئيسية لـ«خريطة طريق» تنظم الرؤى المشتركة لـ«عالم متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً»، حسبما ورد في الإعلان الختامي للقمة. وعلى الرغم من توافق القادة المجتمعين على الخطوط الرئيسية لمواجهة التحديات التي تعترض خطط تمتين الشراكات داخل المجموعة، كشف التباين الواسع في الأولويات حجم المشكلات التي تواجه التكتل الذي يضم ثلث البشرية ونحو نصف إنتاجها التجاري. وبرغم دعوة الهند والصين أكبر دولتين في التكتل لتسوية سريعة للصراع حول أوكرانيا، لكن هذا الملف غاب عن البيان الختامي للقمة، كما برزت نقطة خلافية كبيرة حول إيران خلال مناقشات الصياغة النهائية للبيان.

أولويات القمة

جاءت المداخلات الختامية للقادة خلال القمة التي حملت تسمية «بريكس بلوس» بسبب مشاركة بلدان من خارج المجموعة، لتعكس التوجهات الرئيسية التي جرى التوافق عليها.

وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن «الاهتمام العالمي بأنشطة (بريكس) يتزايد باستمرار، وأن المجموعة تُشارك بفاعلية في صياغة نظام عالمي أكثر عدلاً وتعدداً للأقطاب».

ورأى بوتين أن «(بريكس) أصبحت قوة دافعة مؤثرة في تعزيز التعددية الحقيقية في العلاقات الدولية».

وعلى الرغم من تشديده على أن النظام الأحادي القطب للعلاقات الدولية أصبح من الماضي، لكنه أقر بأن «تشكيل عالم متعدد الأقطاب ليس بالأمر الهين؛ إذ يواجَه بمقاومة شديدة من قِبَل أولئك الذين اعتادوا التفكير بمنطق استعماري».

وأشار الرئيس الروسي إلى أنهم (أي الغرب) «غير مستعدين لتقبّل الواقع المتغير، ويحاولون بكل الوسائل احتواء المنافسين المتنامين». وتُستخدم حروب التعريفات الجمركية، والعقوبات غير المشروعة، ومحاولات الديكتاتورية الاقتصادية، والابتزاز، والتدخل في الشؤون الداخلية، والقوة الغاشمة.

وقال بوتين أمام القمة: «تدعو مجموعة (بريكس) إلى منح جميع الدول، دون استثناء، فرصاً متساوية وغير محدودة لتحقيق نمو اقتصادي واجتماعي مستدام ومتوازن، بما يضمن رفاهية شعوبها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقافاتها وتقاليدها الوطنية الفريدة والالتزام بنماذجها التنموية السيادية».

وفاخر بأن «القيم والمبادئ الأساسية التي تتبناها دول (بريكس) تعد جذابة لدول كثيرة». وأشاد الزعيم الروسي بهذا «الالتزام بحل المشكلات بشكل جماعي، استناداً إلى القانون الدولي والأحكام الرئيسية لميثاق الأمم المتحدة».

ووضع بوتين تصوره لتطوير التعاون داخل المجموعة، مشيراً إلى أن دول «بريكس» تستحوذ على ما يقرب من ربع الصادرات العالمية، وتساهم بالجزء الأكبر من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 49 في المائة.

صورة نشرتها وزارة الخارجية الهندية تظهر كلاً من رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيسين الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين في قمة «بريكس» في نيودلهي (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن الدول الأعضاء في المجموعة تشهد نمواً سكانياً متزايداً باطراد، وتعزيزاً للأسواق المحلية، وإنشاء مراكز صناعية وتكنولوجية ومالية وعلمية وتعليمية قوية، فضلاً عن بناء بنية تحتية حديثة للنقل والطاقة والتقنية الرقمية. وقد بلغ حجم التجارة الداخلية داخل المجموعة 1.2 تريليون دولار.

وتحدث عن أهمية تطوير «تكامل اقتصادات الدول الأعضاء» بما يتيح فرصاً واسعة للتعاون وإنشاء سلاسل إنتاج وتقنيات وخدمات وأسواق جديدة، مقترحاً «إنشاء منصة نمو مشتركة لدول (بريكس)، تجمع بشكل طبيعي بين المزايا التنافسية لاقتصاداتنا».

خريطة طريق

عموماً، كانت إعادة هيكلة النظام العالمي - بدءاً من إصلاح مجلس الأمن الدولي والمؤسسات المالية الدولية وصولاً إلى قواعد التجارة الجديدة - الموضوع الرئيسي لقمة «بريكس» في نيودلهي.

وبعد مداولات ولقاءات ثنائية في اليوم الأول، تحول التركيز في ثاني أيام القمة إلى الآفاق المستقبلية وإصلاح نظام الحوكمة العالمية.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لدى وصوله إلى قمة «بريكس» في دورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (أ.ف.ب)

وفي افتتاح الجلسة العامة، اقترح الزعيم الهندي ناريندرا مودي التحرك نحو اتخاذ إجراءات حاسمة. وقال: «لقد حان الوقت لتحويل وحدتنا وتوافقنا داخل مجموعة (بريكس) إلى نتائج ملموسة على الساحة العالمية».

ودعا إلى وضع أجندة جديدة طموحة للمجموعة للعشرين عاماً القادمة، بالإضافة إلى آلية لضمان استمرارية القرارات وتنفيذها.

ورأى مودي أن إصلاح نظام الحوكمة العالمية هو التحدي الرئيسي أمامه. وقال إنه ينبغي تطوير عشر مبادرات بشكل مشترك، ثم صياغتها في «خريطة طريق» يمكن إعدادها للقمة القادمة. وقال إن النظام الحالي يشبه الهرم، حيث تتركز السلطة وصنع القرار في القمة، ولا يستطيع أحد التأثير فيه. ورأى أن هذا الهرم من الامتيازات يجب تحويله إلى منصة للشراكة، حيث يكون لكل دولة صوت مسموع.

«شي» في نيودلهي

وتابع الرئيس الصيني شي جينبينغ هذا النهج. وأشار إلى أن «دول (بريكس) يجب أن تتبوأ الصدارة في تحسين الحوكمة العالمية». كما يجب عليها أن تضطلع بدور ريادي في صون السلام وتحفيز الابتكار.

واقترحت الصين مبادرة لتعزيز التصنيع الجديد باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأكدت بكين استعدادها للتعاون مع دول «بريكس» للحصول على نتائج البحوث العلمية والتطبيقات العملية، فضلاً عن تعميق التعاون في الإنتاج وسلاسل التوريد.

وتُعد زيارة شي إلى نيودلهي في غاية الأهمية. فقد تدهورت العلاقات بين بكين ونيودلهي بشكل ملحوظ بعد الاشتباكات على طول خط السيطرة في جبال الهيمالايا عام 2020. إلا أنه في عام 2025، زار مودي الصين لأول مرة منذ سبع سنوات. وبعد ذلك، استأنف البلدان الرحلات الجوية المباشرة والتجارة عبر الحدود.

قادة الدول المجتمعون في قمة «بريكس» بنيودلهي في صورة جماعية (رويترز)

خلافات على البيان الختامي

وقال شي: «يجب على الصين والهند أن تدعما عالماً يسوده المساواة». علما بأن تباين المواقف بين بكين ونيودلهي ظهر خلال كل مسيرة «بريكس» منذ تأسيسها، وبرز بشكل خاص عند مناقشة ملفات مثل توسيع المجموعة أو أولويات تحركها المشترك حيال الأزمات الإقليمية والدولية.

كما برزت تباينات خلال صياغة البيان الختامي للقمة، وبالإضافة إلى تفضيل القادة عدم التطرق للصراع حول أوكرانيا، برز الملف الإيراني كعنصر خلافي. وقال مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف إن «الاتفاق على الإعلان النهائي كان صعباً» مع إشارة إلى أن «الوضع المحيط بإيران تسبب في بعض التوتر».

بدوره أجاب مودي عن سؤال حول الخلاف المحيط بمصطلح «الحرب على إيران» الذي احتاج إلى مداولات واسعة بين الأعضاء قبل الاتفاق على صيغة نهائية مبهمة ومرضية للجميع.

وأعربت الوثيقة عن القلق إزاء المخاطر المتزايدة للحرب النووية، ودعت إلى تعزيز الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي. كما دعت إلى الإسراع في تنفيذ القرارات التي تُنشئ منطقة في الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. وحذّرت من سباق تسلح في الفضاء، وطالبت برفع العقوبات الأحادية غير القانونية، وأقرّت بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تحفيز النمو الاقتصادي.

أعلام البلدان المشاركة في قمة «بريكس» بدورتها الثامنة عشرة والمنعقدة في نيودلهي (إ.ب.أ)

وساطة هندية صينية

إلى ذلك، أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف أن رئيس الوزراء الهندي والرئيس الصيني عرضاً، كل على حدة، على الرئيس الروسي المساعدة في تسوية الأزمة الأوكرانية.

وأفاد بأن الزعيمين طرحا هذه المقترحات خلال محادثات ثنائية مع بوتين على هامش قمة «بريكس»، موضحاً: «خلال الاتصالات الثنائية، أبدى مودي وشي اهتماماً دقيقاً بملف التسوية الأوكرانية، وعرضا مساعيهما للمساعدة في البحث عن حل للمشكلة». وأضاف أن الرئيس الروسي أشاد بهذه المبادرة و«قدم معلومات مفصلة عن الوضع الراهن».

في السياق، قال مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف، إن التوصل إلى اتفاقات بشأن المسألة الإقليمية قد يسهل المضي قدماً في مفاوضات الأطراف في النزاع الأوكراني.

وأشار إلى أنه إلى جانب مسألة التنازلات الإقليمية، لا يزال أمام الأطراف الاتفاق على عدد من الموضوعات الأخرى.

وقال أوشاكوف إن الأميركيين باتوا يتفهمون موقف روسيا على نحو أفضل. وكان الكرملين أعرب عن أمل في أن يعقد لقاء ثلاثياً بشأن أوكرانيا في المستقبل المنظور.

إلى ذلك، قال بيسكوف في تعليق لصحيفة «إزفيستيا» على تصريحات جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي: «نأمل أن يعقد هذا اللقاء (الثلاثي بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا) في المستقبل المنظور. ونحن نتفق في هذا الشأن مع السيد كوشنر».

ولفت إلى أنه لا توجد حالياً مقترحات جديدة بشأن التسوية الأوكرانية، مؤكداً أن اللقاء الثلاثي المرتقب هو السبيل للبحث عن خيارات.