«لبنان بين الأمس والغد» كما يراه نوّاف سلام

الطائفية جذورها تاريخية والتخلص منها شرط لقيام الدولة

نواف سلام
نواف سلام
TT

«لبنان بين الأمس والغد» كما يراه نوّاف سلام

نواف سلام
نواف سلام

كتاب نوّاف سلام «لبنان بين الأمس والغد»، الصادر حديثاً بنسختين: إحداهما بالعربية عن «دار شرق الكتاب» في بيروت، وأخرى بالفرنسية عن «أكت سود» في باريس، هو مجموعة دراسات كتبت ونشرت سابقاً (متفرقة) بالإنجليزية أو الفرنسية على مدى ربع القرن الماضي. وهي في مجملها ترسم رؤية متكاملة للوضع اللبناني منذ التكوين الأول لهذه البقعة الصغيرة من الأرض إلى اليوم. ونواف سلام -حالياً- قاض في محكمة العدل الدولية في لاهاي، وكان سفير لبنان لدى الأمم المتحدة، وطرح اسمه لتولي رئاسة الحكومة أكثر من مرة في السنة الأخيرة.
ويعود المؤلف في كتابه الجديد إلى القرن الرابع الميلادي، حيث يمر بمراحل التشكيل الديموغرافي والتحولات الدينية، ويتحدث عن أهمية المرحلة العثمانية، ومن ثم تشكل لبنان الحديث، وفي مركز الاهتمام مدى تجذر الطائفية، وتحول معانيها ووظائفها، وما تمثله في الزمن الراهن. فالطائفية في رأيه «لا تزال تمنع قيام دولة فعلية، بما يفترضه ذلك من قدرة على بسط سيادتها في الداخل، كما في الخارج». ولا يساوره شك في أن لبنان «يمر بإحدى أخطر مراحل تاريخه المعاصر»، وهذا ما يتطلب «التصدي للجذور العميقة للأزمة» بمختلف تفرعاتها.
الكتاب، إذن، ليس قراءة للأزمة الحالية، كما يمكن أن يتخيل بعضهم، إنما هو أقرب إلى الأكاديمية منه إلى التحليل السياسي السريع. ولإرضاء فضول القارئ الذي غالباً ما يميل إلى الطازج قدم الكاتب للدراسات الثماني التي يتكون منها الكتاب بصفحات يشرح من خلالها فكرته، وتسلسل المسار الذي يطرحه، كما يشير إلى تحديثات لجأ إليها في عدة مواضع. ولربما أن المقولة التي اختارها لأنطونيو غرامشي في أول الكتاب هي مؤشر على المكان الذي يرى سلام لبنان محشوراً فيها: «تكمن الأزمة تحديداً في أن القديم يحتضر، بينما الجديد لا يستطيع أن يُولد بعد. وفترة الالتباس هذه بين العتمة والنور، تظهر شتى أنواع الأمراض».
ما يفعله سلام من خلال الكتاب، إضافة إلى الإحاطة التاريخية، في الوضع اللبناني هو طرح رؤيته الإصلاحية التي تشبه إلى حد كبير غالبية ما يطالب به اللبنانيون، لكن تبقى المشكلة في التطبيق، وفي العثور على الأشخاص الذين بمقدورهم المضي في تطبيق ما هو مطلوب للنجاة.
إن «الجمهورية الثالثة» في لبنان، كما يقول، يفترض أن «تقوم على مبدأ المواطنة الجامعة وسيادة القانون، وعلى دولة مدنية ترتكز على قيم العدالة والمساواة والحرية واستقلالية القضاء، بدلاً من الطائفية والمحاصصة». وفي القسم الأول المخصص للإصلاحات المطلوبة، يشرح كيف أن الطائفية تجذرت بفعل الحرب الأهلية عام 1975، واستفحل الأمر بعد اتفاق الطائف عام 1989، لا بسبب الاتفاق نفسه بل بسبب سوء التطبيق أو تجاهل أحكام كان يمكنها أن تصحح الاختلالات، إضافة إلى ضرورة سد الثغرات التي يعاني منها.
فهو مع الانتقال إلى مجلسين: مجلس للنواب ومجلس للشيوخ، كما نص اتفاق الطائف؛ يؤمن الثاني التمثيل العادل للطوائف، في حين يؤمن مجلس النواب المشاركة «المواطنية» غير الطائفية. وسلام أيضاً مع تطبيق «اللامركزية الإدارية الموسعة» شرط ألا تتعدى الجانب الإداري فتنحو صوب الفيدرالية. ومن الإصلاحات التي يدعو إليها، وباتت موضع إجماع الشعب اللبناني، إصلاح قانون الانتخاب، كما أنه مع سياسة «النأي بالنفس» التي كثر الكلام عنها في الآونة الأخيرة.
وبالعودة إلى الطائفية التي تشغل سلام، ويعود إليها في كل دراسة، يرى أن ما يحركها لم يعد المعتقد الديني الذي تأسست عليه، وإنما أضحت نوعاً من العصبية بحسب النموذج القبلي الذي يتحدث عنه ابن خلدون في مقدمته.
فبعد توقف الحرب الأهلية، وبدل أن يخفت وهج الطائفية بفعل ما تسببت به من كوارث، برز ميل إلى تجذيرها اجتماعياً، إذ إن «عامل العبادة» أو التعلق بمضمون العقيدة الدينية لم يعد هو ما يحرك أصحاب الطائفة الواحدة، إنما تحولت إلى نوع من «النسب» أو «التوهم به» لشد أزر الجماعة الواحدة. بدليل أنه قبل الحرب الأهلية عام 1975، أجريت دراسة في لبنان بينت أن نسبة الأشخاص الذين يرتادون دور العبادة ممن تقل أعمارهم عن 30 سنة تتراوح بين 2 و5 في المائة، مما يؤكد أن الطوائف تخضع العنصر الديني الذي كان أساس نشأتها لأهداف زمنية ومصالح سياسية لبسط هيمنتها.
الدراسات الثماني قسمت على 3 فصول. في الفصل الأول «أصول المسألة اللبنانية» عودة إلى مسار تشكل الطوائف، وتطور دورها الاجتماعي والسياسي، من «جماعات أمر واقع» وجدت على هذه الأرض وتعايشت، مروراً بمرحلة استغلالها من قبل القوى الكبرى لإضعاف الحكم العثماني، دون إهمال الدور الذي لعبته المؤسسات الدينية لتنظيم الأطر الاجتماعية. وفي هذا القسم دراسة تحت عنوان «المواطن المكبل»، يتحدث فيه سلام عن منطقين يتعيشان في لبنان بتوتر، وهما المنطق الطائفي والمنطق الفردي. منطقان لا يلغي أحدهما الآخر، على ما يبدو بينهما من تناقض ظاهري. وإذا كان المنطق الطائفي مفهوماً، فهو يعود لشرح المنطق الفردي إلى ميشال شيحا وكتاب آخرين من أصحاب التيار «اللبنانوي» الذين غلبوا قيمة الحرية الفردية، كما أهمية التعليم الذي انتشر باكراً على الأراضي اللبنانية، وما حمله المهاجرون من قيم الانفتاح. ويخلص إلى أن التعايش بين المنطقين سهل ممكن، لكن المشكلة هي في الدولة التي رجحت حقوق الطوائف على حساب حقوق الأفراد «لأن إشكالية المواطنة في لبنان لا تكمن في غياب الفرد -كما يقال- بل في غياب الاعتراف السياسي الكامل بهذا الفرد».
حين أعلن الجنرال الفرنسي غورو لبنان الكبير عام 1920، حيث اعتمدت صيغة ضم المدن الساحلية بيروت وصيدا وطرابلس إلى المتصرفيتين، وكذلك الأقضية الأربعة التابعة لولاية الشام، وهي بعلبك والمعلقة وراشيا وحاصبيا، كان ذلك برغبة من القيادات السياسية والدينية للطائفة المارونية، وانخفض بالتالي عدد المسيحيين من 80 في المائة إلى 51 في المائة، بحيث لم يعد الموارنة يشكلون سوى 30 في المائة. هذا الكيان الجديد قضى على حلم المسلمين، وشركاء لهم من الروم الأرثوذوكس، بالانضمام إلى المملكة العربية التي دغدغ بها الملك فيصل عواطفهم. المشكلة بدأت باكراً، إذ وجد المسلمون صعوبة في التماهي مع حلم القومية اللبنانية أو التيار اللبنانوي. فالهدف من قيام لبنان لم يكن التوازن، كما تقول إليزابيث بيكار، وإنما الغرض هو أن يكون «وطناً للمسيحيين»، على الرغم من أن نصف السكان ليسوا كذلك.
وعام 1943، ومن خلال «الميثاق الوطني»، قبل المسيحيون بوجه عربي للبنان، وتخلى المسلمون عن فكرة الوحدة مع سوريا. ومع الوقت، انخرط المسلمون في فكرة الدولة اللبنانية، لكن طبيعة هذه الدولة وهويتها ظلتا مسألتين خلافيتين. وإن نجح اتفاق الطائف بعد معارك الحرب الأهلية المدمرة في إيقاف دورة العنف، وإعادة تعريف الهوية والكيان، فإن الأزمة بقيت نفسها. فالدولة كما يقول سلام «لا يمكن أن تكون جديرة بهذه التسمية إلا عندما تنجح في فرض استقلاليتها عن الطوائف المختلفة، وتكوين حيز خاص بها».
القسم الثاني من الكتاب مخصص «للحرب والسلم»، وفيه دراسة عن «جذور الحرب ومساراتها (1975-1990)»، حيث قراءة في الثغرات الداخلية والتدخلات الخارجية التي أججت الحرب الأهلية، وعملت على تقوية جذوتها عندما كانت تخمد. هذه الصفحات تدخل في تفاصيل حول النظام السياسي، والهشاشة الاقتصادية والزراعية، لكن ربما أن العبارات التي استعارها سلام من ثيودور هانف تختصر جيداً ما يريد أن يقوله: «في معظم مراحلها، ظلت الحرب الأهلية ظاهرة ثانوية للحرب بالوكالة على فلسطين، لكنها هيأت الأرضية لتغييرات ضخمة في النظام السياسي اللبناني». وثمة في هذا القسم الثاني من الكتاب ما يقارب 20 صفحة خصصت لـ«اتفاق الطائف أو السلام الهش» الذي نتج عنه. فإذا كانت الحرب الأهلية استمرت سنوات نتيجة الجدلية القائمة بين سعي الزعماء اللبنانيين إلى دعم خارجي لتعزيز مواقعهم في وجه خصومهم المحليين، واستغلال اللاعبين الخارجيين للانقسامات الداخلية لتعزيز نفوذهم الإقليمي، فإن اتفاق الطائف حصل بعد أن أيقن الخصوم اللبنانيون أن أحداً منهم غير قادر على تحقيق انتصار وقد أنهكتهم الحرب. أسباب كثيرة يدرجها الكاتب أدت إلى إيقاف الحرب، كما أنه يقدم قراءة طويلة لاتفاق الطائف، وما كان له من انعكاسات، فهو لم يتمكن من الحد من التدخلات الخارجية والارتهان للآخرين، وأبقى البلاد على توازنات هشة. بالخلاصة «فإن إعادة اتفاق الطائف إلى مساره الصحيح فقط أضحى أمراً شبه مستحيل. وما بات مطلوباً اليوم هو معالجة اختلالات الطائف وتطويره».
وفي القسم الثالث (الأخير)، المعنون بـ«نحو الجمهورية الثالثة»، فإن الخطوة الأولى نحو بلوغ هذه الهدف بالنسبة لنواف سلام هي البحث عن «مدخل إلى تجاوز الطائفية السياسية». ولم يستخدم سلام في عنوان بحثه كلمة إلغاء التي شاعت بين محتجي 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، فالواقعية تقتضي النظر إلى صعوبة هذا الأمر في الوقت الراهن، خاصة أن الكاتب يتحدث عن شيء من النفاق أو المداراة، وأحياناً استخدام تكتيكات من جهة أطراف سياسية تدعي رغبتها في تخطي النظام الطائفي، فيما المضمر غير ذلك. وفي رأي سلام أن إلغاء الطائفية السياسية يحتاج إلى ظهور قوى اجتماعية جديدة، وتشكيلات حديثة ذات طابع وطني غير طائفي. ولا بد من التدرج في العودة إلى الدستور. أما النقطة الثانية التي يطرحها الكتاب للنجاح في الدخول إلى الجمهورية الثالثة، فوضع نظام انتخابي عادل، يتمثل من خلاله اللبنانيون، عاقداً مقارنات بين النظام الأكثري الذي كان متبعاً والنظام النسبي الذي وضع عام 2017، مظهراً ثغراته، ومن ثم النظام المركب الذي يجمع بين الأكثري والنسبي، ويمكن أن يكون صالحاً لتطبيقه في لبنان. لكن في كل الأحوال، أياً يكن النظام الانتخابي، فإن بقاء النساء من دون «كوتا» تفرض وجودهم، والشباب الذين لا يحق لهم الاقتراع عند بلوغ الثامنة عشرة، وكذلك حرمان المقترع من حق الانتخاب في مكان إقامته، وضعف ضوابط الدعايات الانتخابية، وعدم القدرة على ضبط سقوف الإنفاق؛ كلها من مكدرات العبور صوب الديمقراطية الحقة.
الكتاب في مجمله يحاول وضع تصور إصلاحي لدولة تتخلص من مرض الطائفية تدريجياً، وتبسط سيادتها على أراضيها، وتتعامل مع أفرادها بصفتهم مواطنين متساوين في الحقوق.


مقالات ذات صلة

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».