هاريس توجه خطاباً قاسياً للمهاجرين

جولتها في أميركا اللاتينية تكشف تغييراً في سياسات بايدن

تصريحات كمالا هاريس حول الهجرة عدت عينة مما تعده لمستقبلها السياسي الواعد في السنوات المقبلة (أ.ب)
تصريحات كمالا هاريس حول الهجرة عدت عينة مما تعده لمستقبلها السياسي الواعد في السنوات المقبلة (أ.ب)
TT

هاريس توجه خطاباً قاسياً للمهاجرين

تصريحات كمالا هاريس حول الهجرة عدت عينة مما تعده لمستقبلها السياسي الواعد في السنوات المقبلة (أ.ب)
تصريحات كمالا هاريس حول الهجرة عدت عينة مما تعده لمستقبلها السياسي الواعد في السنوات المقبلة (أ.ب)

جولة نائبة الرئيس الأميركي، كمالا هاريس، في عدد من دول أميركا اللاتينية لم تشكل فقط الاختبار الأول لقدراتها القيادية والسياسية، بل شكلت إعلاناً لافتاً أيضاً عن استدارة الإدارة الديمقراطية في الموقف من التعامل مع تلك الدول منبع قوافل المهاجرين، الشرعيين منهم وغير الشرعيين، إلى الولايات المتحدة. وعلى الرغم من إعلانها أن معالجة تلك المشكلة تتطلب البحث في كيفية التنسيق مع تلك الدول على نوع المساعدات وشكلها، وزيادة الاستثمارات فيها لمعالجة الفقر والجريمة، وزيادة فرص العمل وتأثيرات تغير المناخ، التي تدفع الملايين لمغادرة بلدانهم إلى أميركا، كما قالت في غواتيمالا. لكنها أضافت في رسالة صارمة أمام الرئيس الغواتيمالي: «عليكم التوقف وعدم المجيء؛ سنقوم بإعادتكم». وفي المكسيك، وعلى الرغم من تأكيدها على الروابط التي تجمع البلدين، حذرت بشكل صارم أيضاً أولئك الذين يفكرون في المجيء من أن «عليهم أن يفكروا في أن رحلتهم قد تكون غادرة خطيرة للغاية».
وتصريحاتها هذه عدت عينة مما تعده لمستقبلها السياسي الواعد في السنوات المقبلة، ورسالة متعددة الأوجه، سواء تجاه الجمهوريين الذين لطالما استخدموا قضية المهاجرين سلاحاً للتحريض السياسي، أو اليساريين في حزبها الذين يواصلون الترويج لأفكار «مثالية» عن كيفية التعامل مع تلك المعضلة. وعد كلامها تراجعاً عما وعدت به حملة بايدن. غير أن الانتقادات لهاريس، خصوصاً من الجمهوريين، لم تكتفِ بالتساؤل عن أسباب عدم زيارة الحدود، بل طالت أيضاً تغيبها عن المسرح الدولي، حيث لم تقم حتى الآن بزيارة أوروبا، إحدى أبرز حلفاء أميركا، بحسب تعليقات على محطات التلفزة الأميركية في اليومين الماضيين.
وبعدما شجبت هاريس وبايدن سياسات إدارة ترمب تجاه الهجرة، متهمين إياها بانتهاج سياسات قاسية لفصل العائلات، وكذلك جهوده لبناء الجدار الحدودي مع المكسيك، متعهدين بسياسة تدعم «القيم الأميركية»، شهدت الأشهر الأولى من عهد إدارتهما تدفق آلاف الأميركيين اللاتينيين نحو الحدود الأميركية، بما في ذلك أعداد قياسية من الأطفال والمراهقين غير المصحوبين بذويهم. وسارع الجمهوريون إلى إلقاء اللوم على ما قالوا إنها إشارات من البيت الأبيض إلى أن الحدود مفتوحة على مصراعيها، ونجحوا في إظهار نقاط ضعفه في هذا الملف، على الرغم من نجاحه في معالجة وتطويق جائحة فيروس كورونا. وبحسب تقارير أمنية رسمية، فقد ارتفع منذ بداية عهد بايدن عدد المهاجرين الذين يحتجزهم عملاء الولايات المتحدة كل شهر إلى أعلى المستويات منذ 20 عاماً، في تجاوز كبير للأعداد التي سجلت خلال عهد ترمب كله. وهو ما عد إشارة قوية عن تغير خطاب بايدن وتشدده في هذا الملف.
وما عزز من الانتقادات لهاريس أنه حتى الرئيس الغواتيمالي، أليخاندرو جياماتي، قال خلال لقائه بها يوم الاثنين إن سياسات بايدن أدت إلى زيادة الهجرة من بلاده. وردت هاريس بالقول إنها تركز على معالجة الظروف الصعبة في بلدان مثل غواتيمالا وهندوراس والسلفادور. وقالت الثلاثاء: «أريد أن أكون واضحة للغاية؛ المشكلة على الحدود في جزء كبير منها، إن لم يكن بالكامل، تنبع من المشكلات في هذه البلدان. لا أستطيع أن أقول ذلك بما فيه الكفاية: لا يرغب معظم الناس في مغادرة بلدانهم. وعندما يفعلون، يكون ذلك عادة لسببين: إما أنهم يفرون من الأذى، أو لأن بقاءهم يعني أنهم لا يستطيعون تلبية الاحتياجات الأساسية لإعالة أسرهم ورعايتها».
وعندما تعرضت لأسئلة من الصحافيين عن أسباب عدم زيارتها للحدود، أجابت بأنها أيضاً لم تقم بزيارة أوروبا، وبأنها ستزور الحدود في وقت ما، وهو ما استغله الجمهوريون لإظهار موقفها الضعيف، مطلقين عليها لقب «قيصر الحدود»، في إشارة إلى عمليات الاعتقال الكثيفة للمهاجرين غير الشرعيين.
وفي المقابل أظهر عدد من الديمقراطيين اعتراضهم على تصريحات هاريس القاسية عن المهاجرين، وخصوصاً من اليساريين، حيث قالت النائبة ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، في تغريدة لها: «هذا أمر مخيب للآمال». وأضافت: «أولاً طلب اللجوء على أي حدود أميركية هو وسيلة قانونية مائة في المائة، ثانياً أمضت الولايات المتحدة عقوداً في المساهمة في تغيير النظم وزعزعة الاستقرار في أميركا اللاتينية؛ لا يمكننا المساعدة في إشعال النار في منزل شخص ما ثم نلومه على الفرار».
البيت الأبيض، من جهته، دافع عن عدم زيارة هاريس للحدود. وقالت المتحدثة باسمه، جين بساكي، خلال مؤتمرها الصحافي اليومي: «أتوقع في وقت ما ذهابها إلى الحدود، ولكن كما نعلم تركيزها على وجه التحديد هو على العمل مع القادة في المثلث الشمالي». وكان البيت الأبيض قد شدد على أن دور هاريس سيكون دبلوماسياً، وليس إدارياً، كالدور الذي لعبه بايدن في عهد باراك أوباما.
وشددت هاريس على أن إدارة بايدن مصممة على إحراز تقدم في التخفيف من الفساد والصراعات الاقتصادية في بلدان المثلث الشمالي، في تصريحات أدلت بها إلى جانب الرئيس الغواتيمالي المتهم هو نفسه بقضايا فساد في بلاده.
وأعلنت أن وزارة العدل ستنشئ فرقة عمل لمكافحة الفساد للمساعدة في ملاحقة القضايا المرتبطة بهذا المثلث، ومصادرة أصول الجناة. كما أعلنت أن الولايات المتحدة ستستثمر أيضاً 48 مليون دولار لدعم ريادة الأعمال والابتكار في غواتيمالا، فضلاً عن الإسكان والزراعة بأسعار معقولة. وتعهدت إدارة بايدن بالفعل بتقديم 310 ملايين دولار في صورة مساعدات إنسانية إقليمية، ولديها خطة بقيمة 4 مليارات دولار لتعزيز التنمية في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، ستتلقى غواتيمالا أيضاً 500 ألف جرعة لقاح لفيروس كورونا، مع وعد بتقديم مزيد، في جزء من تخصيص الولايات المتحدة لدول نصف الكرة الغربي. وشددت هاريس وإدارة بايدن على أن المساعدات الأميركية لا يمكن أن تعالج المشكلة بمفردها، وأنها ستسعى إلى حض الشركات الأميركية على الاستثمار في دول المثلث الشمالي.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended