قمصان ذكية ترصد المؤشرات الصحية

انطلاقة عالمية لتطوير أقمشة بشاشات عرض للتبريد أو التدفئة

أقمشة صينية «ذكية»
أقمشة صينية «ذكية»
TT

قمصان ذكية ترصد المؤشرات الصحية

أقمشة صينية «ذكية»
أقمشة صينية «ذكية»

انضمّت شركة «نكستايلز» للألبسة إلى كلّ من آبل وسامسونغ وغوغل في البحث عن أفكارٍ تهدف إلى إضفاء خصائص كومبيوترية على الملابس اليومية. و«تكستايلز» هي شركة لصناعة الألبسة مدعومة من المؤسسة الوطنية للعلوم، وتسعى لحياكة تقنيات شبيهة بأحهزة «فيتبت» (التي ترصد المؤشرات الصحية) في النسيج. وتعتبر هذه التقنية إضافة جديدة على لائحة آخذة في التطوّر من الجهود الهادفة لإحداث ثورة في عالم لملابس التي نرتديها.
أقمشة ذكية
أطلقت الشركة النّاشئة في مدينة بروكلين الأميركية، الشهر الماضي، «قماشها الذكي» الحاصل على براءة اختراع والقابل للغسل في الآلات، كوسيلة جديدة لجمع البيانات الحيوية.
شملت الموجة الأولى من إنتاج الشركة الملابس الرياضية، والفكرة منها السماح للرياضيين بقياس عوامل كالسرعة والقوّة والزخم وغيرها من المقاييس التي ترصدها تقنيات اليوم القابلة للارتداء كالساعات والأساور الذكية.
تهدف الرؤية الأوسع للشركة إلى إدخال هذا النسيج المتقدّم إلى الأسواق الاستهلاكية الكبرى لمراقبة معدّل نبض القلب والتنفّس عبر الملابس التي نرتديها يومياً.
وكشف جورج صان، الرئيس التنفيذي في «نكستايلز» والمسؤول السابق في شركة «بوما» الشهيرة بصناعة الألبسة الرياضية الفاخرة، أنّ «هدفه كان تحويل الخيوط التي نرتديها كلّ يوم إلى عنصر ذكي مستخدم في الملابس اليومية. لذا، عوضاً عن لصق رقاقة كومبيوتر في الجسم، أضافت الشركة هذه الدوائر الذكية إلى الكمّ والقميص والسروال».
استهلّت «نكستايلز» إنتاجها بكمّ يُلبس في الذراع والركبة مصمم لقياس التغيرات الميكانيكية من نقاط بيانية مختلفة موجودة فيه، ويمكن استخدام هذه المعلومات التي يجمعها لتوقّع وتجنّب الإصابات والرضوض، بحسب ما أفاد صان. ليست «نكستايلز» الشركة الأولى التي تحلم بهذا النّوع من الصناعات، ولكنّ خطّ الإنتاج الذي أطلقته هو المقاربة الأحدث في سيل الأفكار الساعية لإحداث ثورة في عالم الأنسجة المستخدمة لتصميم ما يتعدّى الملابس العصرية.
انطلاقة عالمية
في فبراير (شباط) الماضي، منحت آبل براءة اختراع لـ«أزرار قماشية ذكية» قادرة على تشغيل ضوابط التحكّم في ساعات آبل الذكية وهواتف الأيفون وأجهزة الماك بوك. وفي عام 2018 منحت سامسونغ براءة اختراع لـ«ملابس ذكية» يتغيّر لونها حسب الطلب. ولكنّ غوغل تفوّقت على الشركتين بإطلاق قسمٍ خاصٍ للقماش الذكي أسمته «بروجكت جاكوارد» في 2015. بعد سنتين من إطلاقه، وقّع القسم شراكة مع علامة «ليفي» التجارية لتصميم سترة مع تطبيق مرافق تتيح استخدام الملابس للإجابة على الاتصالات. قوبِلت السترة بتقييمات متباينة ولكنّ شركة البحث العملاقة لم تتوقّف عن العمل مع العلامات التجارية، فقد تعاونت العام الماضي مع شركة أديداس لصناعة رباط حذاء خاص بلاعبي كرة القدم المهتمّين بقياس ركلاتهم وقوّة رمياتهم والمسافة والسرعة. واليوم، تعمل مختبرات بحثية عدّة على دفع الأمور إلى المزيد من التطوّر.
ماذا إن أصبح القميص الذي ترتدونه قادراً على استشعار التعرّق وتعديل درجة حرارته؟ أو ماذا إذا استطاع سروالكم ملاحظة تغيّرات خطواتكم وإنذاركم قبل وقوع الإصابات؟ يعتقد الباحثون أنّ المستقبل سيأتي حاملاً معه هذا النّوع من الابتكارات. قد يتطلّب الأمر سنوات، وربّما لعقود، لتصل هذه التقنية إلى المستهلك، ولكنّ أسُسها توضع اليوم بفضل علماء يبتكرون قطعٍ قماشية توسّع الحدود التقنية القائمة.
أقمشة بشاشات
في مارس (آذار)، نشر باحثون من جامعة «فودان» الصينية نتائج دراسة شهدت تطوير قماشٍ إلكتروني قادر على تحويل الألسبة إلى شاشة عرض. ويأمل هؤلاء أن يحوّلوا نشاطهم إلى السوق الاستهلاكية بحلول العام المقبل، بحسب كيبينغ بيي، عالم موادٍ في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس، الذي شارك في إعداد الدراسة.
وفي عام 2019 اخترع باحثون من جامعة ميريلاند قماشاً قادراً على تدفئة الشخص عندما يشعر بالبرد، وتبريده عند شعوره بالحرّ.
يعمل باحثون من معهد ماساتشوستس للتقنية منذ سنوات على رسم مستقبل الأقمشة من خلال ابتكار طرائق جديدة لتصغير حجم البطاريات والميكروفونات والموصلات إلى درجة تتيح لصقها بخيطٍ واحد.
من جهتها، تعتمد «نكستايلز» في مقاربتها لصناعة الأقمشة الذكية على استخدام خيوط متوفّرة في الأسواق وقابلة للغسل في الآلات.
خيوط قطن فولاذية
تستخدم الشركة التي تأسّست في 2018، خيوطاً من أقمشة كالقطن والبوليستر والسباندكس، ومن ثمّ تغطّيها بمادّة واصلة، غالباً ما تكون الفولاذ الصلب، لجمع البيانات. بعد دمجها بالبوليمرات الواصلة، تؤدّي الألياف دور الأسلاك وتصبح قادرة على نقل الإشارات. بعدها، تحيك الشركة هذه الألياف في القماش، وتضع الخيوط فوق بعضها باستخدام تقنيات درزٍ من تطويرها.
في هذا الإطار، قال صان في حديث تناقلته وسائل الإعلام الأميركية: «نحيك هذه الألياف على شكلِ قالب حلوى. نخيط شكلاً ما في الطبقة الأولى، وشكلاً آخر في الطبقة الثانية، وفي طبقات أخرى عدّة، حتّى تصبح الخيوط على شكلِ طرقات سريعة متقاطعة». توضع أجهزة الاستشعار بأسلوب استراتيجي حول القماش، وتُضاف عليها رقاقات بلوتوث بحجم الظفر، مهمّتها إرسال المعلومات إلى الهاتف الذكي أو الكومبيوتر للمعالجة.
تتعاون الشركة، التي تدّعي أنّ أقمشتها حسّاسة لأي حركة يقوم بها المرتدي، مع رياضيين وتبيعهم منتجاتها لقياس درجة انحناء وتمدّد والتواء الخيوط والأقمشة حول الجسم أثناء الأداء، ما يساعدها على استخلاص مقاسات غير ظاهرة للعين المجرّدة كالزخم وعزم الدّوران. تعمل «نكستايلز» أيضاً للحصول على براءات اختراع أخرى لإجراء تخطيط للقلب ومراقبة درجات الحرارة بهدف توسيع وجودها في سوق تقنيات الرشاقة المتّصلة وفي مجالي صناعة المركبات والطبّ.
يستطيع صانعو المركبات استخدام الأقمشة الحسّاسة لمقاعد السيّارات لزيادة التفاعل البشري مع العربة، أو على العجلات لتحسّس التغييرات في الطرقات. تخيّلوا مثلاً أنّ يعرف مقعد سيّارتكم وحده أنّكم تشعرون بالبرد ويبادر تلقائياً إلى تسخينه.
توجد الكثير من الأفكار حول مدى التغيير الذي قد تحدثه الابتكارات التقنية القماشية في العالم، ولكنّ المستهلكين لن يستطيعوا في وقتٍ قريب شراء أي قطعة قماشية تؤدّي مهمّة أكثر تعقيداً من قياس الأداء أو التحكّم بمستوى الصوت في الهاتف الذكي.
يقول الباحثون إنّ العلماء يستطيعون القيام بأمور كثيرة في المختبرات، ولكنّ معظم النتائج التي قد يحصلون عليها سيكون تطبيقها صعب على نطاقٍ واسع بالنسبة للشركات.
لم تكشف «نكستايلز» بعد عن تكلفة الكمّ والبرنامج اللذين طوّرتهما، ولكنّ الرئيس التنفيذي للشركة قال إنّ تقنية شركته مطلوبة وإنّ «معظم الرياضيين البارزين لا يمانعون دفع سعرٍ مرتفع مقابل استخدامها».
استشعار كومبيوتري
وتبيع شركات أخرى في مجال الملابس الرياضية الذكية منتجاتها بأسعارٍ عالية أيضاً. على سبيل المثال، تقدّم شركة «هيكسوسكين» في مونتريال، قميصاً مدعّماً بأجهزة الاستشعار يرافقه جهاز بلوتوث مقابل حوالى 400 دولار، بينما تبيع شركة «مينوتك» الفنلندية حزام «إم بيلت» الذي يراقب العضلات بحولى 1500 دولار.
يعتبر البعض أنّه من الصعب معرفة ما ستؤول إليه الأمور في مستقبل الأقمشة المدعومة بخصائص كومبيوترية. ويبقى أنّ نرى ما إذا كان المستهلكون سيرغبون بارتداء قميصٍ متطوّر مزوّد بأسلاك مدمجة في ظلّ وجود ساعات وهواتف ذكية تقوم بالكثير من المهام أصلاً. وتشير دالفين براون الأميركية المتخصصة بتغطية أهم المبتكرات الجيدة في واشنطن إلى أنه ومع ذلك، وضع معهد ماساتشوستس للتقنية خريطة طريق تشرح احتمالات تطوّر الأقمشة الإلكترونية، بداية مع «الأقمشة الكومبيوترية» أو المواد الليّنة المصنوعة من أليافٍ فردية قادرة على تخزين كمّ كبير من البيانات والطّاقة. يوجد في المعهد اليوم باحثون يركّزون على هذه الجهود، ويوماً ما، قد تصبح هذه الخيوط معزّزة بخوارزميات تستطيع فهم البيانات الجسدية التي جمعتها الملابس. ويقول يويل فينك، أستاذ علوم المواد في معهد ماساتشوستس للتقنية: «تخيّلوا فقط أنّ كلّ الكيميائيات الحيوية التي تخرج من جسمكم تُفرز في ملابسكم، إلّا أنّ كلّ هذه المعلومات تضيع اليوم في آلات غسيل الملابس. ولكن في مرحلة معيّنة، قد يصبح بإمكان القماش الذي ترتدونه تعلّم الإنصات إلى التغييرات الجسدية الطفيفة، وإنذاركم للذهاب إلى الطبيب وإجراء الفحوصات. ستغيّر هذه التطوّرات طريقة تفكيركم بالعناية الصحية.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.