كولومبيا: الحكم اليميني يتصدى للاحتجاجات الشعبية بلغة المواجهة

جائحة «كوفيد ـ 19» فاقمت تراكمات سياسية وطبقية وعرقية عديدة

كولومبيا: الحكم اليميني يتصدى للاحتجاجات الشعبية بلغة المواجهة
TT

كولومبيا: الحكم اليميني يتصدى للاحتجاجات الشعبية بلغة المواجهة

كولومبيا: الحكم اليميني يتصدى للاحتجاجات الشعبية بلغة المواجهة

طوال خمسة عقود تصدّرت كولومبيا بلدان العالم من حيث معدّلات العنف والاغتيالات، التي كانت تتوزّع بين المنظمات الإجرامية لتجارة المخدرات، والنزاع المسلّح بين الجيش النظامي وحركة مقاتلي «القوى الثورية المسلحة» التي كانت تسيطر على مناطق شاسعة في البلاد.
إلا أنه في عام 2016 وقّعت الحكومة الكولومبية، برئاسة خوان مانويل كامبوس، الذي حاز يومها جائزة نوبل للسلام، اتفاقاً تاريخياً مع الثوار اليساريين أنهى النزاع الذي كان بدأ مطلع ستينات القرن الماضي. وهذا، بينما كانت كولومبيا تفقد «زعامتها» العالمية كمنصّة لإنتاج المخدرات والاتجار بها، وتبدأ مسيرة واعدة نحو السلم الأهلي والاستقرار وتسجّل معدّلات إقليمية قياسية في النمو الاقتصادي. ولكن في نهاية أبريل (نيسان) الفائت اندلعت موجة من الاضطرابات الاجتماعية احتجاجاً على قانون الإصلاح الضريبي، سرعان ما عمّت جميع المناطق. وأسفرت هذه الاضطرابات عن مواجهات عنيفة جداً بين المتظاهرين وأجهزة الأمن... أوقعت حتى الآن ما يزيد على 50 قتيلاً وآلاف الجرحى والمفقودين، ووضعت البلاد على شفا حرب أهلية مفتوحة.

منذ بداية الاحتجاجات الشعبية الأخيرة يوم أبريل في كولومبيا – ثاني كبرى دول أميركا الجنوبية من حيث عدد السكان – لم تتوقّف الصدامات العنيفة التي انطلقت شرارتها مع المظاهرات الحاشدة المطالبة بإلغاء قانون الإصلاح الضريبي. هذا القانون كان الرئيس اليميني إيفان دوكي قد جعل منه الشعار الرئيسي لولايته، وكان يهدف من ورائه عن طريق زيادة الضرائب، إلى تخفيف أعباء الدين العام الذي تراكم بسبب من جائحة «كوفيد - 19»، وكذلك توجيه رسالة إلى أسواق المال لاستقطاب الاستثمارات الخارجية إلى البلاد.
غير أن النتيجة جاءت عكس المقصود تماماً، واشتعل بركان الرفض لسياسة الحكومة في أوسع احتجاجات شهدتها كولومبيا منذ سبعين سنة. وفي غضون أقل من شهر واحد استقال وزيرا المال والخارجية والمفوّض السامي لاتفاق السلام، وخسرت كولومبيا شرف التصفيات النهائية لبطولة «كأس أميركا» لكرة القدم. بل، أكثر من هذا، أخذت الشركات الأجنبية تلغي مشاريعها الاستثمارية في البلاد التي تقطّعت أوصالها بفعل احتجاجات شعبية ضخمة أدت إلى شلل حركة المواصلات الداخلية، واختناق الاقتصاد، في حين كانت الشرطة والأجهزة الأمنية تمارس قمعاً وحشيّاً ضد المتظاهرين؛ الأمر الذي أدّى إلى تأجيج الصدامات واستدعاء الجيش للحفاظ على الأمن في المدن الكبرى.
بين ليلة وضحاها كانت كولومبيا تحاول النهوض من نزاع داخلي مديد ودموي، إلا أنها استفاقت لتجد نفسها داخل نفق مظلم أعاد إليها أشباح الماضي الذي ظنّ كثيرون أنها طوت صفحته. ومن ناحية أخرى، لئن كانت الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع المتفجّر ما زالت موضع نقاش، فإن ثمّة توافقاً على أن تداعيات الجائحة التي رفعت معدّلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، كانت هي الصاعق الذي اشعل فتيل الاحتجاجات في هشيم اجتماعي راكم الإحباط طوال عقود.

- الوضع مفتوح على كل الاحتمالات
المراقبون داخل كولومبيا وخارجها يجدون راهناً صعوبة كبيرة في التنبؤ بمسار هذه الأزمة المفتوحة على كل الاحتمالات. بل ثمّة من يحذّر من تكرارها قريباً في بلدان أخرى، وبين هؤلاء رئيس الجمهورية الذي يرى نفسه محاصراً من كل الجهات. فمن ناحية، الأسرة الدولية تؤنبه على الإفراط في استخدام العنف ضد المتظاهرين. ومن ناحية مقابلة، يلومه معسكره السياسي على ما يراه «ليونة» في قمع الاحتجاجات... وهذا، بينما تتهمه المعارضة اليسارية بالعجز عن فتح قنوات الحوار لإنهاء النزاع.
حقيقة الأمر، أن دوكي يواجه صعوبة كبيرة في استعادة زمام المبادرة ومحاولة فكّ هذا الحصار السياسي الذي يتعرّض له من كل الجهات في أخطر أزمة عرفتها كولومبيا منذ عقود. والحال، أنه بعدما طلبت الأمم المتحدة فتح تحقيق حول أداء الشرطة والأجهزة الأمنية، والأنباء عن مواكبة عناصرها لمسلّحين مدنيين كانوا يطلقون النار على المتظاهرين، أوفد الرئيس دوكي وزير الخارجية الجديدة مارتا راميريز إلى العاصمة الأميركية واشنطن سعياً وراء احتواء الضرر الدبلوماسي والحصول على دعم الإدارة الأميركية. بيد أن وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن، الذي سبق له أن أعرب عن قلقه من الخسائر البشرية التي وقعت في المواجهات وقدّم تعازيه لأسر الضحايا، شدّد في نهاية لقائه مع نظيرته الكولومبية على «الحق الثابت للمواطنين في التظاهر سلميّاً وعدم التعرّض للعنف على يد الأجهزة الأمنية». وتجدر الإشارة أن الرئيس الكولومبي اليميني كان قد راهن على إعادة انتخاب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب؛ هو ما أدى إلى استياء واسع في معسكر الحزب الديمقراطي الأميركي الذي انتقدت قياداته في الآونة الأخيرة أداء الحكومة الكولومبية في مواجهة الاحتجاجات. ثم إن بعض الساسة الديمقراطيين طالبوا صراحة بوقف المساعدات السخيّة التي تقدّمها واشنطن إلى كولومبيا التي تعتبر إحدى الركائز الأساسية لسياستها في القارة الأميركية.
على صعيد متصل، كان الرئيس دوكي قد توجّه إلى مدينة كالي، ثالث كبرى المدن الكولومبية، بعد العاصمة بوغوتا والمدينة الثانية ميديجين. وكان قد سقط في كالي بنهاية الأسبوع الماضي 14 قتيلاً، وأصيب 98 بجراح، منهم 54 تعرضوا لإصابات بعيارات نارية. ومن ثم، أعلن نشر 7 آلاف من عناصر القوات المسلّحة للحفاظ على الأمن في تلك المدينة التي تحوّلت إلى البؤرة الرئيسة للاحتجاجات. وقال دوكي، إن الدولة «لا يمكن أن تسمح بوجود جُزرٍ في البلاد تعمّها الفوضى». وتعهد بأن «القوات المسلحة ستمنع أعمال التخريب والشغب التي تهدد الأمن والاستقرار»، رافضاً التفاوض مع المتظاهرين حول فتح «معابر إنسانية» وإعادة فتح الطرقات. وأكد بلهجة تصعيدية «إن الحكومة ستلجأ إلى كل الوسائل المتاحة لإنهاء هذا الوضع الذي يشكّل تهديداً لكل المواطنين ويشلّ الحركة الاقتصادية ويدمّر فرص العمل».

- تشخيص الحكومة للأزمة
في تشخيص الحكومة اليمينية للأزمة ومسبباتها تأتي في المقام الأول محاولة المعارضة استغلال الظروف المعيشية الصعبة لتحقيق مكاسب سياسية على أبواب الانتخابات المرتقبة في العام المقبل. وفي هذا الإطار، ينبّه دوكي بأن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لجائحة «كوفيد - 19»، «أدّت إلى ظهور حركات شعبوية ومتطرفة وديماغوجية في العديد من البلدان». وبالتالي، حذّر من أن هذه الانفجارات الاجتماعية لن تلبث أن تصل إلى العالم اجمع. وأردف قائلاً «اليوم كان دورنا، لكن في الأشهر والسنوات المقبلة سنشهد حالات مماثلة في بلدان أخرى. لذلك؛ وجب علينا معرفة اين أخطأنا التصرّف، ولكن التردد في تحمّل المسؤولية لهو بمثابة قنبلة موقوتة لن تتأخر في الانفجار».
هذا، كما سبق تشخيص الحكومة، إلا أن القراءة الموضوعية للمشهد الاحتجاجي الكولومبي، الذي أشعل هذه الأزمة، تستدعي استحضار عوامل ومعطيات أخرى لمنع الانزلاق الأخير نحو الفوضى، وعودة المنظمات الإجرامية والمغامرات السياسية المشبوهة التي سيطرت على البلاد في العقود الماضية. إن النداء الذي صدر أواخر أبريل الفائت عن اللجنة المعترضة على الإصلاح الضريبي - والتي تضمّ بشكل أساسي التنظيمات النقابية - سرعان ما أدى إلى تعبئة واسعة بين الشباب والمنظمات الاجتماعية للمتحدّرين من أصول أفريقية وشعوب أصليّة (هنود حمر) لها مطالبها التاريخية الخاصة. وكان لهذه المنظمات والتنظيمات الطلابية الدور الأساسي في ضرب الحصار الاجتماعي الواسع على الحكومة، وإجبارها على سحب مشروع الإصلاح الضريبي من البرلمان، أن هذه الجماعات هي التي دفعت الثمن الأعلى من الضحايا والجرحى في المواجهات العنيفة مع القوى الأمنية.
وثمة شبه إجماع على أن الشرطة كانت أفرطت باستعمال العنف لمواجهة المتظاهرين؛ الأمر الذي أدّى إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، ومن ثم، إلى اتساع دائرة الاحتجاجات التي شملت كل أنحاء البلاد، وتصاعد الانتقادات الشديدة للحكومة... التي وجدت نفسها في عزلة شبه تامة، رغم تراجعها عن مشروع الإصلاحات، وإعلانها مُجبرة القبول بفتح حوار مع المتظاهرين.
وعلى الرغم من أن اللجنة المعترضة على الإصلاحات قد دعت إلى التظاهر وراء مطالب اجتماعية واقتصادية محددة، مثل ضمان دخل أساس لكل المواطنين، وإنهاء التمييز العرقي، وتعزيز مؤسسات الرقابة على الأجهزة الأمنية، فاقم الوضع موقف الحكومة. إذ أصرّت الحكومة اليمينية على تحميل المعارضة السياسية مسؤولية إذكاء نار الاحتجاجات ودفعها نحو أعمال العنف والشغب، متجاهلة مفعول القمع الوحشي الذي مارسته القوى الأمنية المعروفة بانحرافاتها إلى جانب التنظيمات اليمينية المسلّحة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه التنظيمات كانت لعبت دوراً بارزاً وخطيراً في قمع الحركات الثورية واحتجاجات السكّان الأصليين، بتغطية من القوات المسلحة ومن دون أي محاسبة قانونية.

- شرائح المعترضين الواسعة
على صعيد آخر، يتبيّن بوضوح في آلاف المظاهرات التي تعمّ جميع أنحاء كولومبيا أن مشاركة شرائح واسعة ومتنوّعة من الشباب والعاطلين عن العمل والنساء والشعوب الأصلية والجماعات المتحدّرة من أصول أفريقية، لا تعكس فحسب صورة المشهد السياسي أو الانتخابي، بل هي أيضاً نسخة مطابقة ومعبّرة لمشهد الفقر والإحباط والبطالة الذي يخيّم على كولومبيا.
هذا المشهد تفاقم بفعل جائحة «كوفيد - 19»؛ إذ تدلّ الإحصاءات الأخيرة التي أجرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأميركا اللاتينية وحوض البحر الكاريبي على أن نسبة 42 في المائة من سكان كولومبيا يعانون الجوع، وأن نسبة البطالة بين الشباب تجاوزت 25 في المائة. ويضاف إلى ذلك كله، أن اتفاق السلام يتعثّر تنفيذه منذ توقيعه في عام 2016؛ ما يؤدي إلى انفجارات متواصلة لحالات التوتّر الكامنة التي يهدف هذا الاتفاق، أصلاً، إلى معالجتها.
واليوم، يخشى المراقبون الدوليّون - المساهمون في دعم اتفاق السلام التاريخي الذي أنهى أطول نزاع أهلي مسلّح في أميركا اللاتينية – جدياً من أن يؤدي انسداد أفق الخروج من هذه الأزمة إلى انهيار الاتفاق الذي تسعى الأمم المتحدة والقوى الإقليمية للبناء عليه باتفاقات مشابهة في المنطقة.
وحقاً، يحذّر المحللون من عواقب تجريم الاحتجاجات وحصرها في خانة الشغب والتطرّف العبثي والفوضى. أيضاً يحذّرون من عواقب تجاهل المطالب المحقّة التي تهدف إلى تغيير اجتماعي حقيقي بعد عقود طويلة من الإحباط وآلاف الاتفاقات والوعود التي لم تنفّذ. ومن هذا المنطلق، فإنهم يدعون إلى خطة إنقاذ عاجلة تلبّي بعض مطالب المتظاهرين... الذين بات من الواضح أن الحوار وحده ما عاد كافياً لسحبهم من الشوارع. وحول هذه النقطة، تقول كلوديا لوبيز، رئيسة بلدية العاصمة بوغوتا، أن «على الحكومة أن تفتح قنوات الحوار الفعلي سريعا مع الشباب الذين ينزلون كل يوم إلى الشوارع؛ لأن الغالبية بينهم لا تدرس ولا تعمل... وهي التي تتألم وتشعر بالإحباط أمام انسداد آفاق المستقبل ولا تجد من يصغي إليها».
إلا أن رئيس الجمهورية إيفان دوكي، من ناحيته، يجد صعوبة كبيرة في اتخاذ موقف على المسافة ذاتها بين المتظاهرين الذين يعترف بأن معظم مطالبهم محقّ ويعرب عن استعداده للحوار معهم، وبين معسكره السياسي اليميني - المدعوم من قيادات الأجهزة الأمنية والقوات المسلّحة - الذي يدعو إلى التشدّد في قمع الاحتجاجات كونه يرى فيها محاولة من المعارضة والقوى اليسارية لقلب النظام. كذلك، من الصعوبات الإضافية التي يجد دوكي نفسه مضطراً إلى التعامل معها الموقف المعلن لزعيم حزبه الرئيس الأسبق آلفارو اوريبي الذي صرّح أخيراً بأنه «من حق الأجهزة الأمنية والجيش استخدام الأسلحة في مواجهة الاحتجاجات».
ووسط هذه المعمعة، يطالب المتظاهرون منذ أسابيع باستقالة وزير الدفاع دييغو مولانو الذين يحمّلونه المسؤولية الأساسية في القمع الوحشي الذي تعرضت له الاحتجاجات، وفي عشرات الاغتيالات التي طالت العديد من القيادات النقابية والطلابية. وبالتالي، ويشترطون خروجه من الحكومة قبل الجلوس إلى طاولة الحوار. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الشرطة والأجهزة الأمنية في كولومبيا تخضع لسلطة وزير الدفاع لا وزير الداخلية. ولكن بعد استقالة وزيري المال والخارجية والمفوّض السامي لاتفاق السلام، سارع وزير الدفاع، مدعوماً من القيادات العسكرية، إلى الإعلان عن أنه ليس مستعداً للاستقالة، قاطعاً الطريق أمام رئيس الجمهورية لإقالته وافتعال أزمة مع القوات المسلحة وحزبه قبل أشهر من الانتخابات المقبلة.
ثم أن مولانو دافع بشدة عن تدابيره وسياساته عندما مثُل أمام البرلمان في جلسة الثقة التي دعت إليها المعارضة، وقال بنبرة تحدٍ «لن نتساهل مع العنف وفرض الأمر الواقع؛ لأنه مع رماية الحجر الأول تنتهي المظاهرة السلمية». وتابع، محاطاً بالقيادات العسكرية والأمنية بعد رفض البرلمان طلب سحب الثقة «اعتبر هذا القرار بأنه منح ثقة للمؤسسة العسكرية ووزارة الدفاع والأجهزة الأمنية».
ولكن، بينما رأت أوساط أن تأكيد البرلمان على ثقته بوزير الدفاع يخفّف من شدّة الضغط السياسي الذي تخضع له الحكومة منذ بداية الأزمة، يخشى آخرون أن يؤدي القرار إلى تعميق مشاعر الاستنكار والغضب بين المواطنين بسبب وحشيّة القمع الأمني للاحتجاجات، وأن يقضي أيضاً على الآمال الضئيلة بمخرج تفاوضي سريع من الأزمة.


مقالات ذات صلة

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

حصاد الأسبوع في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة

راغدة بهنام (برلين)
حصاد الأسبوع منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان

«الشرق الأوسط» (برلين (ألمانيا))
حصاد الأسبوع تظاهرة احتجاجية في تونس العاصمة (آ ف ب)

مشهد سياسي جديد في تونس... وهوّة آخذة في الاتّساع

بعد 15 سنة من اندلاع الثورة التونسية وسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، تمرّ تونس بـ«مرحلة مفصلية جديدة»، لا تقلّ تعقيداً عن تلك التي عرفتها إبان مرحلة

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع ترمب (آ ف ب/غيتي)

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية،

حمزة مصطفى (بغداد)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.