شاشة الناقد

شاشة الناقد
TT

شاشة الناقد

شاشة الناقد

• 1-2 The Eight Hundred
• إخراج: غوان هو | Guan Hu
• الصين | حربي (2020)
• ★★
«الثمانمائة» قائم على فصل فعلي من تاريخ الحرب الصينية - اليابانية في النصف الثاني من الثلاثينات. في عام 1937 دافعت حامية صينية تضم 800 جندي عن جزء من مدينة شنغهاي داخل مبنى كان مخزناً كبيراً مؤلفاً من خمسة أو ستة طوابق. أفلام مثل «دافعوا عن وطنهم» لسيرغي بوندارتشوك (1976) حول حصار ستالينغراد، أو «ستالينغراد» لفيودور بوندارتشوك (ابن سيرغي، 2013) تمر بالبال حين مشاهدة هذه الملحمة. لكن هذين الفيلمين والكثير سواهما من تلك التي صُوّرت دفاعاً مستميتاً لحامية ضد غزاة (يمكن ضم «ألالمو» لجون واين، 1960 إليها)، كان لديها الوقت لتسبر غور المقاتلين لجانب مشاهد القتال. هنا ما يقوم به غوان هو، هو حشد هائل من اللقطات وحركات الكاميرا والأصوات المتضاربة (والزاعقة) والقليل من الوقوف لطرح الإنسان في تلك المعمعة طرحاً ممعناً. نعم نرى البذل والتضحية في مواجهة الخوف والخيانة، والعزيمة الوطنية أمام الهزيمة النفسية، لكنها تمر مثل عناوين الصحف أو موجز النشرات.
يتابع السيناريو الأحداث من وقت وصول حامية صينية (من نحو 400 مقاتل قبل انضمام آخرين) كحضور رمزي للصين في هذا المعقل الأخير من المدينة، إلى إدراك المقاتلين أن الجيش الياباني لن يترك هذه الثغرة (الواقعة قرب قسم من المدينة يتبع وجوداً بريطانياً) وشأنها، تمهيداً للمعارك التي تقع بين الاثنين ولبعض الخطوط الرئيسية الأخرى التي تصب في تصوير البطولة الوطنية من دون أن تخون الواقع والتاريخ. الساعة الأولى من الفيلم تحتوي على ارتياب بعض المحاربين بأهمية الدفاع عن الموقع أمام جحافل يابانية خسرت أمامها فيالق عسكرية صينية أخرى.
لكن الفيلم معجوق وضوضائي والكاميرا (ليو كاو) لا تهدأ إلا في مشاهد محدودة. تمر على التفاصيل والمشاهد الكبيرة بالسرعة ذاتها يصاحبها إيقاع مونتاجي لا يترك للمشاهد فرصة التعامل مع ما وراء اللقطة سوى على نحو يسير. فوق كل ذلك شغلٌ كثيفٌ على المؤثرات البصرية والصوتية إلى حد يهدد الدراما ذاتها بالانزواء إلى صف متأخر. الفيلم هو أول فيلم صيني يُصوَّر بنظام (I‪ - ‬MAX) والتجربة على الشاشة العريضة ممتعة، لكنها تجسد كل ما سبق من دور الكاميرا والأصوات في تشكيل فيلم ينتمي إلى التكنولوجيا أكثر من التاريخ. لا بد من الإشارة إلى أنه مباشرة بعد تلك المعركة قام الصيني يينغ يونواي بإنجاز فيلم عن الموقعة ذاتها بعنوان «ثمانمائة بطل» مستمَّدّ من مشاهد وثائقية.

• Fatima
• إخراج: مارك بونتِكورڤو | Florian Zeller
• ‪البرتغال‬ | دراما (2020)
• ★★★
في شهر أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1917 تراءت السيدة مريم لثلاثة أولاد صغار (هم: لوسيا، وجسينتا، وشقيقها فرنشسكو) من بلدة اسمها فاطمة (تقع في وسط البرتغال) بينما كانوا يرعون الغنم في ريف البلدة. الأولاد كانوا دون الثانية عشرة من العمر والقرية لم تصدّق أقوالهم في البداية. بعد حين وجيز آمن أهل البلدة بالرؤية متلمّسين البَرَكة والشفاء والمعجزات. في الثلاثين من ذلك الشهر أشاع أهل البلدة أنهم شاهدوا الشمس وهي ترتفع وتهبط وتتمايل وتقترب من الأرض لمدة عشر دقائق. هذا بعدما ظهرت السيدة مريم ونددت بغير المؤمنين منهم.
مارك بونتِكورڤو (ابن المخرج ‪جيليو بونتِكورڤو‬ صاحب «معركة الجزائر») يمنح مباركته للحكاية من دون أن يحوّل الفيلم إلى عمل ديني (هناك فيلم أميركي، سنة 1952، بعنوان The Miracle of Our Lady Fatima لجون برام التزم بالقصة الدينية دون جدال). ما يفعله بونتِكورڤو هو عدم الوقوف على الحياد المطلق بل توفير معالجة قصصية تميل إلى تصديق احتمال وقوع الحادثة - الرواية وتنتقد الحكومة المحلّية التي وجدت أن الإيمان مبعث خطر على جهود الدولة السياسية كونه جمع الناس حول الدين لا حول سياسة الدولة.
تبدأ الأحداث في زمن معاصر بوصول بروفسور (هارڤي كايتل) يريد مقابلة لوسيا التي باتت راهبة تعمل وتعيش للكنيسة (سونيا براغا). هي مقابلة بين مؤمنة ومرتاب. هي الدين وهو -إلى حد ما- العلم. بعد قليل ينتقل الفيلم بنا إلى العام المذكور وأحداثه والوضع السائد. كانت الحرب العالمية الأولى ما زالت مندلعة والأهالي يرغبون في السلام ليعود شباب البلدة المجنّدون منها. ظهور مريم العذراء يزيدهم دعاء وتضرّعاً. الانتقال عبر زمانين سلس والفيلم بأسره مُعالج بتفاصيل ثرية وبكاميرا تطلب لنفسها دوراً بصرياً مثيراً. المشاهد المصوّرة من علو (كما في المشاهد الأولى ومشهد آخر في منتصف الفيلم) تحتفي بالمكان وأجوائه معاً.
ومع أن الحوار بين البروفسور والراهبة ذكي ويوجز أفكاره جيداً، إلا أن السقطة الأساسية هنا هي أن معظم الوارد لاحقاً ينتمي إلى لغة اليوم وطريقة الحديث وليس إلى ذلك الأمس. كذلك حين تظهر السيّدة نراها بكامل عدة التجميل: أحمر شفاه ومسحوق وجه وكحل عينين.

• Cruella
‫• إخراج: كريغ غليسبي | Craig Gillespie‬
‫• الولايات المتحدة | كوميديا - أكشن (2021)‬
• ★★
في رحى تقديم حكايات ما قبل الحكايات يأتي «كرويللا» كمسبق لأحداث «101 دلميشن» الذي أنتجته «ديزني» سنة 1996 (إخراج ستيفن هَريك وبطولة غلن كلوز). في ذلك الفيلم شاهدنا شخصية كرويللا المبنية على أنها شخصية خبيثة تسرق الكلاب ذات الفرو الأبيض المبقّع بنقط سوداء لكي تصنع من جلودها ما ترتديه. قاسية هي كاسمها لكنها محبوبة لدرجة أن ذلك الفيلم جمع 326 مليون دولار حول العالم.
«كرويللا» يعود إلى بذور تلك الشخصية. إيما ستون هي صاحبة الاسم ونراها تعيش في لندن السبعينات وسط هيجان جيل البوب ميوزك في تلك الفترة. لا تملك كرويللا أي مواهب خاصّة، لكنها تملك الطموح أن تصبح ذات اسم رنّان في عالم الأزياء وتوكِل إلى رجلين (بول وولتر هاوسر وجووَل فراي) مساعدتها عبر سرقة تصاميم تابعة لأشهر مصممات الأزياء حينها المعروفة باسم البارونة (إيما تومسون). اختيارها للبارونة ليس خالياً من هدف آخر وهو الانتقام لأنها اكتشفت أنها المسؤولة عن مقتل والدتها.
الصراع بين إيما ستون وإيما تومسون يتعالى بعد ذلك. يصوغ الشخصية الجديدة لكرويللا التي لم تكن إلا لصّة صغيرة والآن باتت تشكل خطراً على البارونة وعملها. هذه فحوى الحكاية التي، في أي زمن آخر، كان سيعاد كتابتها أكثر من مرّة لكي يفهم المشاهد، على الأقل، العلاقة بين هذه الكرويللا وتلك التي شاهدناها في «101 دلميشن». عوض ذلك سنطالع حكايات كثيرة تدخل وتخرج على خط الحكاية الأساسية كما لو كانت مستعارة من كتابات متناثرة تم جمعها معاً. النهاية بدورها عبارة عن نهايات كلٍّ منها تقترب من ختام الفيلم ولا تبلغه.


مقالات ذات صلة

تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي بمهرجان مصري للأفلام

يوميات الشرق الفنان إبراهيم الحساوي قدم عديداً من الأعمال السينمائية والدرامية (الشرق الأوسط)

تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي بمهرجان مصري للأفلام

أعلن مهرجان «VS-FILM» للأفلام القصيرة جداً، الاثنين، عن تكريم الفنان السعودي إبراهيم الحساوي عن مجمل أعماله.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق عُرض الفيلم ضمن فعاليات مهرجان «لوكارنو» (إدارة المهرجان)

من بيروت إلى غزة... مهند يعقوبي يستعيد أرشيف جوسلين صعب

الفيلم، في نهاية المطاف، لا يتناول جوسلين صعب فحسب، بل يتناولني ويتناول تاريخي أيضاً.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفيلم عُرض ضمن مهرجان سراييفو (إدارة المهرجان)

بليرتا باشولي: «دوا» يرصد أحلام المراهقين وسط الحرب

قالت المخرجة الكوسوفية بليرتا باشولي إن فيلمها «دوا» يرتبط بحياتها الشخصية، إذ تستند حكايته إلى تجربتها خلال الحرب في كوسوفو.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثل مارك روفالو ودبوس عن رينيه غود التي قتلت بالرصاص على يد عميل فيدرالي للهجرة في مدينة مينيابوليس في حفل «غولدن غلوب» في يناير 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

مارك روفالو يرد على «باراماونت» بعد اتهامه بمعاداة السامية

ردّ مارك روفالو على شركة «باراماونت سكاي دانس» الإعلامية بعد أن اتهمته الشركة باستخدام «عبارات معادية للسامية» في انتقاده لصفقة اندماجها مع شركة «وارنر بروذرز».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق جاك تاتي يعرف كم يلزم من الفوضى كي تستقيم الحياة (متروبوليس)

أفلام جاك تاتي في بيروت... «أولو» يعبُر زمن الحداثة

أهم ما في «أولو» أنه خارج المقاس؛ طويلٌ أكثر ممّا يلزم، ومتأخّر عن إيقاع المكان، وغير بارع في تقديم نفسه...

فاطمة عبد الله (بيروت)

مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
TT

مهرجان البندقية السينمائي يضيف وثائقياً عن غزة إلى اختياراته الرسمية

صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)
صورة نشرها مهرجان البندقية السينمائي تظهر مشهدًا من فيلم «نازا» (ا.ب)

أعلن مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، عبر موقعه الإلكتروني أن فيلما وثائقيا عن غزة من إخراج مخرجين إسرائيليين حائزين جائزة الأوسكار، سينضم إلى الاختيارات الرسمية للدورة الثالثة والثمانين للمهرجان التي تقام في الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر (أيلول).

وكان المخرجان يوفال أبراهام وراحيل تسور من بين المشاركين في تأليف الوثائقي الشهير «لا أرض أخرى» (No Other Land) الذي يتناول الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والحائز جائزة أوسكار لأفضل فيلم وثائقي لعام 2025.

ويكشف هذا الفيلم الجديد الذي يحمل عنوان «نازا»، بالتفصيل «الآليات الكامنة وراء المجزرة المخطط لها التي ترتكبها إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة» بحسب ما جاء في بيان مهرجان البندقية السينمائي.

وسيُعرض الفيلم في 10سبتمبر بحضور المخرجين والمنتجين وصحافيين من «ذي غارديان" البريطانية التي تشارك في الإنتاج.


هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
TT

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)
«الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة. نال شهرة واسعة، وأثرى الأدب العربي، في مصر وخارجها، بحكايات استمدّها من واقع الحياة في بلده. وفي الوقت نفسه، كتب محفوظ قصصاً وسيناريوهات للسينما، لكنه لم يتولَّ بنفسه اقتباس رواياته الأدبية للشاشة، بل ترك هذه المهمة لكتّاب سيناريو آخرين.

خلال مسيرته، اقتبست السينما عدداً كبيراً من رواياته وقصصه، بتوقيع مخرجين كثر. كذلك نهل التلفزيون والإذاعة والمسرح من أعماله، حتى بعد وفاته عام 2006، عن عمر ناهز 94 عاماً.

في عام 2020، قُدّمت مسرحية مقتبسة من روايته «أفراح القبة»، وفي العام التالي قُدّم على المسرح عملا «بين السماء والأرض» و«زقاق المدق»، وقد سبق تحويلهما إلى فيلمين سينمائيين شهيرين.

واقتبس التلفزيون عدداً كبيراً من روايات محفوظ وقصصه في مسلسلات وسهرات وأفلام تلفزيونية، ولا سيما منذ ثمانينات القرن العشرين. أما حضور محفوظ في السينما فبدأ عام 1947، عندما أخرج صلاح أبو سيف فيلم «المنتقم»، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو عن قصة لإبراهيم عبود.

ومن بين الاقتباسات السينمائية المتأخرة لأعماله فيلم «النشوة في نوفمبر» عام 2009، وهو فيلم قصير أخرجته عايدة الكاشف عن قصة قصيرة لمحفوظ، وشاركت مع مصطفى يوسف في كتابة السيناريو والحوار.

«فتوات الحسينية» (أفلام محمد فوزي)

نوع جديد

لم يكن «المنتقم» واحداً من أهم أعمال صلاح أبو سيف، كما أن قصة الفيلم لم تختلف كثيراً عن الميلودرامات التي عرفتها السينما المصرية قبل ذلك التاريخ وبعده. لكنه مثّل بداية علاقة محفوظ بالكتابة السينمائية، وكان نجاح الفيلم كافياً لكي يعيد أبو سيف التجربة عام 1951، من خلال «لك يوم يا ظالم»، المقتبس من رواية «تيريز راكان» للكاتب الفرنسي إميل زولا، والذي شارك محفوظ وأبو سيف في كتابة السيناريو.

بعد ذلك، شارك محفوظ في كتابة سيناريو «ريا وسكينة»، الذي أُنتج عام 1952 وعُرض عام 1953. في عام 1954، شارك محفوظ في كتابة قصة وسيناريو فيلم «الوحش»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف، وقام ببطولته أنور وجدي وسامية جمال، بينما أدى محمود المليجي شخصية «الوحش». وفي العام نفسه، أخرج نيازي مصطفى فيلم «فتوات الحسينية»، الذي شارك محفوظ ومصطفى في كتابة القصة والسيناريو، وكتب السيد بدير حواره، ومن بطولة فريد شوقي وهدى سلطان ومحمود المليجي.

مثَّل «فتوات الحسينية» بداية مبكرة لنوع جديد من الأفلام المصرية التي تدور أحداثها في الحارة الشعبية، وتستمد شخصياتها من بيئتها، بينما تتناول الصراع على الزعامة والسلطة داخل تلك الحارة.

بداية ونهاية (دينار فيلم)

تساؤلات

لم تكن الحارة المصرية، في واقعها وصورتها السينمائية، نسخة مطابقة للحارات الموجودة في عدد من العواصم العربية. كان هناك دوماً «قبضايات» في لبنان وسوريا، وما يوازيهم في العراق وسواه، لكن الحارة المصرية بدت لنا، بوصفنا مشاهدين، أكثر درامية من سواها.

الصراع على زعامة الحي، أو الحارة، في كتابات نجيب محفوظ وفي الأفلام المقتبسة منها، كان عنيفاً في الشكل كما في الجوهر: الضرب بالعصي الغليظة، وإراقة الدماء، والقتل، وفرض الإتاوات، وإجبار النساء على الزواج ممن لا يحببن. وكانت هذه الممارسات جميعاً تندرج تحت الصراع على من يحكم الحارة، بينما كان صاحب السلطة غالباً جائراً.

يدفع ذلك إلى طرح أسئلة عدة؛ من بينها: هل كان الواقع على هذا النحو فعلاً؟ وهل كان نجيب محفوظ قاسياً على شخصياته عموماً؟

ضمن هذا التساؤل، نلاحظ أن أفلاماً مثل «فتوات الحسينية»، و«فتوات بولاق»، و«الفتوة»، و«زقاق المدق»، و«الجوع»، قدّمت نماذج بشرية تتصارع على السلطة والنفوذ. واستمر هذا النوع حتى أواخر الثمانينات، وشمل أيضاً أفلاماً لا علاقة لها بنجيب محفوظ، مثل «السلخانة»، و«شادر السمك»، و«الباطنية».

نلاحظ ذلك في عدد من الأفلام التي كتب نجيب محفوظ قصصها، والتي تصوّر نماذج بشرية سلبية عديدة. ففي «فتوات بولاق» (يحيى العلمي، 1981)، يحتفظ ميمون، الذي يؤدي دوره فريد شوقي، بزعامة الحي، بينما يحيك محروس، الذي يؤدي دوره نور الشريف، خطته لانتزاع الزعامة منه، مستخدماً الوسائل نفسها. وفي «الشيطان يعظ» (أشرف فهمي، 1981)، تدخل الحارة بأكملها في صراع بين سلطتين، تحاول كل منهما قهر الأخرى. وبينهما مكوجي مضطهد، يؤدي دوره نور الشريف، يجد نفسه منجذباً إلى عالم الفتوات، طمعاً في القوة والنفوذ.

أما في «الفتوة» (صلاح أبو سيف، 1957)، الذي شارك محفوظ في كتابة السيناريو، فتؤول الزعامة إلى رجل ثار على السلطة القائمة، لكنه ما يلبث أن يكرر أخطاءها ويمارس أساليبها نفسها.

إدانة

حتى في الأفلام البعيدة عن عالم الفتوات والسلطة والقوة الذكورية والنرجسية العمياء، نجد أن محفوظ أحاط شخصياته بنقاط ضعف واضحة.

يُعدّ «بين السماء والأرض»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1959، نموذجاً لهذا المنهج. كتب محفوظ قصة الفيلم مباشرة للسينما، بينما تولَّى السيد بدير وصلاح أبو سيف كتابة السيناريو والحوار. وتكشف الشخصيات العالقة في المصعد، خلال أحداث الفيلم، عن جوانب سلبية ونقاط ضعف متعددة.

ويقدّم «اللص والكلاب»، الذي أخرجه كمال الشيخ عام 1962 عن رواية محفوظ الصادرة عام 1961، نموذجاً أكثر جدية لهذا الاتجاه. بطله سعيد مهران، الذي يؤديه شكري سرحان، لص يخرج من السجن عازماً على الانتقام. أما الصحافي رؤوف علوان، الذي يؤديه كمال الشناوي، فقد شق طريقه من القاع إلى القمّة بالحيلة والنصب، في حين يشي عليش سدرة، الذي يؤديه زين العشماوي، بسعيد ويتزوج طليقته بعد دخوله السجن.

وفي «بداية ونهاية»، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1960 عن رواية محفوظ، تعاني الشخصيات جميعها من وطأة الفقر ومن نقاط ضعف ذاتية. حتى الأم، التي تؤديها أمينة رزق، والتي وهبت حياتها لأولادها، تفتقر إلى الوعي والقدرة اللذين كان من شأنهما حمايتهم من الانهيار.


شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)
لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

FAR FROM THE TREES

★★★★

> إخراج: ميريتشل كوليل أباريسيو

‫> إسبانيا، بيرو (2026)

> عروض مهرجان لوكارنو‬

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره، فهو أصعب من أن يجذب حتى الباحثين عن سينما مبدعة.

هو فيلم روائي، لكنه ليس دراما، وليس فيلماً تسجيلياً، وليس زواجاً بين الدراما والتسجيلي، كما بات متوفراً في السنوات الأخيرة بكثرة. ما هو عليه حكاية امرأة مكسيكية اسمها أداليا (أنجليكا كاستيللو)، تعيش في فيينا، لكنها الآن تستكشف غابات بيرو المحاذية لنهر الأمازون. هي بصدد تحقيق تسجيل لصوت مواطني المنطقة ولغتهم التي تشرف على الاندثار. في الوقت نفسه، مهتمّة بلغة الطبيعة وأشجارها، والفيلم يتيح لهذين الاهتمامين (الناس والطبيعة) مشاهد متأنية في فيلم لا يكترث للإيقاع، بل يتقدّم كمركب صغير فوق سطح الماء بهدوء.

هذا هو جزء من توليفة الفيلم. الجزء الآخر يكمن في أنها تعيش في الماضي. تتذكر حياتها حين كانت فتاة صغيرة مع جدَّتها وجدِّها. كانت قد ترعرعت خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي أثرت فيها وفي الشخصيات الأخرى التي واكبتها في تلك السن المبكرة.

تركيب قصَّة على هذه الحبكة صعب، لكن المخرجة تنجح في تأليف فيلم كامل عن حياة بطلته القلقة على مصير الناس والطبيعة، هائمة بين أمس حُرمت منه ومستقبل مجهول.

THE END OF OAK STREET

★★★

> إخراج: ديفيد روبرت ميتشل

‫> الولايات المتحدة (2026) ‬

> عروض: تجارية.

«نهاية شارع أوك» هو فيلم عائلي وفيلم كوارث في آن واحد. ينطلق بتقديم عائلة غير مرتاحة حيال وضعها الحالي ومستقبلها. تعيش في إحدى الضواحي بجانب عائلات أخرى. إيوان مكروغر هو الزوج العاطل عن العمل، الذي على شفير الإدمان على الكحول تحت عبء وضعه. زوجته دنيس (آن هاثاواي) تقوم بكتابة رواية تعكس وضعها، إذ تدور حول زوجة تسعى للانعتاق من الحياة الزوجية والانتقال إلى المدينة، وولداهما لديهما مشاكلهما الصغيرة التي قد تكبر إذا لم تتم معالجتها في الوقت المناسب.

آن هاثاواي في «نهاية شارع أوك» (وورنر برذرز)

الشارع ينتهي بجدار ليس بعيداً كثيراً عن منزل العائلة. المخرج ميتشل يقول في بعض أحاديثه إنه عاش في شارع مماثل ينتهي أيضاً بجدار، وكان يسأل نفسه دوماً، حين كان صغيراً، ما الذي يخفيه الجدار وراءه. في الفيلم، يبدو الجدار فاصلاً بين الحاضر وما قبله. ذلك لأنه في يوم عاصف ينتقل الحي بأسره إلى زمن بعيد، عندما كانت الديناصورات ما زالت حيَّة. فجأة، تغزو الديناصورات الحي بأسره، والجميع يصبحون في خطر، مهدَّدين بالموت بين أنياب تلك الوحوش.

العائلة التي في قلب هذا الفيلم تدرك أن الاتحاد العائلي هو الملجأ الأخير للدفاع عن نفسها أمام العدوان.

في «نهاية شارع أوك»، يُثمر الخطر الداهم عن وحدة مصير بين أفراد العائلة. يكتشف الزوج مسؤولياته، وتنبري الزوجة لقيادة العائلة صوب النجاة. يختار الفيلم الوحدة العائلية كرد على المخاطر المحدقة، وبذلك تصبح الوحوش مجازاً لمخاطر الحياة ذاتها، ومن بينها تفكك الروابط العائلية وتعثر تحقيق الحلم الأميركي. لا توجد قراءة أعمق من هذا المفاد السهل. إنه حل مريح لفيلم لا ينوي تعميق الدلالات، رغبة منه في الدفع باتجاه عنصرَي التشويق والحركة، وتجسيد حالة خيالية حول مواطنين عاديين في ظرف مفاجئ.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز