مأزق السلطة في الجزائر!

وضع اقتصادي صعب ورفض شعبي للانتخابات

مأزق السلطة في الجزائر!
TT

مأزق السلطة في الجزائر!

مأزق السلطة في الجزائر!

تنظم الجزائر، في 12 يونيو (حزيران) المقبل، انتخابات برلمانية مبكّرة، في أعقاب حل البرلمان في فبراير (شباط) 2021، وسط رفض شعبي لافت؛ إذ توجد قناعة راسخة لدى الملايين، بأن النظام يسعى من خلال الانتخابات إلى فرض غالبية موالية للرئيس عبد المجيد تبون، لتسهيل تنفيذ خريطة الطريق التي وضعها رئيس أركان الجيش سابقاً الماريشال أحمد قايد صالح، المتوفي بسكتة قلبية نهاية 2019. وتتمثل هذه الخطة في الحفاظ على مكانة الجيش في دواليب الدولة، وإبقاء سيطرة جهاز الأمن الداخلي القوي على الحياة العامة. في المقابل، يصار إلى إطلاق بعض العمليات التي تبدو في ظاهرها أنها تلبي مطالب الحراك، كحلّ البرلمان الذي كان قد شاب انتخابه التزوير إبان فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.
هذا، ويُعدّ سجن رموز حكم بوتفليقة، بالنسبة للسلطة، بمثابة تجاوب مع مطالب الشعب الذي ثار ضد الفساد؛ إذ أنزل القضاء، بإيعاز من جهات نافذة في السلطة، عقوبات شديدة برئيسي الوزراء سابقاً أحمد أويحيى وعبد المالك سلال (السجن 12 سنة لكل منهما). وعدد كبير من الوزراء السابقين ورجال الأعمال، تعرضوا للسجن بتهم اختلاس مال عام وسوء تسيير الاقتصاد والاستثمارات. ويطلق على هذه المجموعة وصف «العصابة».
«دولة مدنية لا عسكرية»... شعار جرى ترديده كل يوم جمعة على مدى أكثر من سنتين، من طرف آلاف الجزائريين في شوارع الجزائر العاصمة وأهم المدن الكبيرة، تأكيداً على أن أهم المطالب التي رفعوها عند اندلاع الحراك الشعبي في 22 فبراير 2019 ما زالت قائمة، لأن الجيش وأذرعه الأمنية المسيطرة على الحكم المدني يرفضون التجاوب معها.
واليوم، تبدو السلطة عازمة على إكمال خطتها بتنظيم الانتخابات التشريعية، غير أنها تواجه وضعاً مقلقاً جداً بالنسبة لها، وعلى جميع الأصعدة؛ فعلى الصعيد السياسي، هناك رئيس منتخب بيد أنه يفتقر إلى الشرعية، بحسب منتقدين، إذ لم تكن الانتخابات التي أُجريت يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019 مقبولة من العديد من الجزائريين، وأظهرت نسبة المشاركة المتدنية في هذه الانتخابات ذلك؛ إذ تجنّب ستة من كل عشرة جزائريين صناديق الاقتراع، بل قاطَعَ سكان منطقة القبائل (شرق الجزائر) الناطقين بالأمازيغية الاقتراع بشكل كامل. كذلك شهد استفتاء تعديل الدستور في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 غياباً كبيراً للناخبين، وكان ذلك دالاً على رفض شعبي لمشاريع السلطة.
وفي إجراء تصعيدي مقابل، هددت الحكومة بعقوبة تصل إلى 20 سنة سجناً، ضد أي شخص تثبت ضده تهمة «إتلاف أو نزع صندوق الاقتراع أو الإخلال بالاقتراع أو بتعكير صفو عمليات التصويت»، وذلك تحسباً للاستحقاق التشريعي المقبل. ويبدو هذا الوعيد موجهاً أساسا إلى منطقة القبائل (شرق العاصمة)، حيث أظهر قطاع من سكانها، خصوصاً نشطاء تنظيم انفصالي يسمى «حركة استقلال القبائل»، عزمهم على «إفشال عرس السلطة» المتمثل في الانتخابات التي اعتبروها «غير شرعية وحيلة للالتفاف على مطلب الحراك الشعبي الأساسي، وهو تغيير النظام جذرياً».
الجيش... اللاعب البارز في السياسة
الدكتورة داليا غانم، الباحثة الجزائرية في «مركز كارنيغي للسلام في الشرق الأوسط»، تذكر في إحدى دراساتها حول الوضع في الجزائر: «يبدو النظام بواجهتيه العسكرية والمدنية منسجماً في مواجهة الحراك الشعبي. هناك فصائل وتوترات داخل أجنحة الحكم، وكان هذا هو الحال طوال تاريخ الجزائر الحديث. لكن إذا عدنا إلى أحداث سياسية عاشتها البلاد سنرى أنه حتى لو كانت هناك تشنّجات بين فصيل في الجيش والمؤسسة السياسية، يبقى الجيش الوطني الشعبي المؤسسة الأقوى في البلاد، ولاعباً بارزاً في المشهد السياسي الجزائري لطالما فرض سلطته على البلاد، إنما من دون أن يحكمها بشكل مباشر، وسيستمر الوضع على هذا المنوال. ورغم الصراع الداخلي في صفوف المؤسسة العسكرية، يدرك الجيش كيف يتصرف بتماسك دفاعاً عن مصالحه وعن استقرار منظومة الحكم التي يعد عمودها الفقري».
وبجانب هذه المعطيات، تقول الباحثة غانم: «هناك الحالة الصحية للرئيس؛ فالسرّيّة المحيطة بمرضه جعلت الجزائريين لا يثقون به، ولا يؤمنون بأن أي تغيير حصل منذ عزل بوتفليقة يوم 2 أبريل (نيسان) 2019. فقد أمضى تبون، العام الماضي، 3 أشهر في المصحات بألمانيا للعلاج من إصابة بفيروس (كوفيد - 19). وأعاد ذلك إلى الأذهان حالة بوتفليقة في عام 2013، وغياباته المتتالية بسبب مرضه. ولقد تسبب هذا وسيستمر في تعميق الهوة بين الجزائريين في رئيسهم وقادتهم».
وضع اقتصادي مأزوم
على الصعيد الاقتصادي أيضاً، الوضع سيئ للغاية؛ فالجزائريون يواجهون تحديات خطيرة، أولاً بسبب النمو السكاني السريع، وثانياً بسبب الفقر المتزايد، وثالثاً بسبب انتشار البطالة بين الشباب... حيث ليس لدى القوة العاملة المتزايدة أي منظور في قطاع عام مشبع وقطاع خاص لم يولد بعد. وحقاً، تعيش الجزائر حالياً على صفيح ساخن بنتيجة إضرابات عمال قطاعات الصحة والبريد والتعليم والدفاع المدني، الذين يطالبون برفع الأجور، إثر ارتفاع فاحش لأسعار السلع والخدمات، في ظل غياب خطة اقتصادية ناجعة لحل المشاكل المتراكمة.
وبالتالي، يتوقع الخبراء تفاقم الأزمة الاقتصادية للبلاد وزيادة التضخم وانخفاض قيمة الدينار. وفي ظل الافتقار إلى الشرعية سيكون من الصعب على القيادة الجزائرية الحصول على موافقة المواطنين، وإقناعهم بتحملهم الإجراءات التقشفية من أجل إصلاح القطاع الاقتصادي.
ثم إن إدمان الجزائر للهيدروكربونات سيئ ولا بدائل؛ إذ بينما كان الرئيس تبّون يتحدث عن الغاز الصخري في الجنوب، يرجح مراقبون أن يؤدي ذلك إلى صراع، لأن سكان الجنوب لديهم مخاوف بيئية بشأن هذا الاستغلال. ومن ثم هذا ما يعتبره المراقبون نهاية الدولة الريعية، مع أن القيادة السياسية لم تفكر في ذلك، ولا بدائل لديها. أما قضية تنويع الاقتصاد التي يتحدث عنها تبّون، فهي بالنسبة لمنتقديه مجرد بلاغات لا أكثر.
بالإضافة إلى كل ذلك، في هذا الوضع الصعب، ومع ذوبان مخزون العملة الصعبة، ثمة حاجة متزايدة للإنفاق لمواجهة جائحة «كوفيد - 19». ومع أكثر من 3500 حالة وفاة ونحو 130 ألف حالة مؤكدة، الجزائر تعاني من تحدٍ صحّي خطير. وراهناً، تعتمد الحكومة في إدارة الأزمة الصحية وتعويض الانخفاض الحاد في عائدات تصدير النفط، على احتياطاتها الأجنبية، ومن المرجح أن تستمر في فعل ذلك مع استمرار الجائحة. وما يُذكر أنه على مدى السنوات الست الماضية استنفدت الاحتياطيات بشكل كبير وخطير، إذ انخفضت بمقدار 132 مليار دولار أميركي من 194 مليار دولار في عام 2013 إلى 62 مليار دولار فقط في عام 2020. وحسب الخبراء الاقتصاديين، فستختفي احتياطيات الجزائر بمنتصف عام 2021.
الدكتورة غانم توضح أنه «على مدى عقدين من الزمن، ومنذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1999، كان الجزائريون يأملون في النجاة من الأعمال الإرهابية، لكنهم اليوم يطالبون بالديمقراطية. لم يعودوا مستعدين للتسامح مع الواجهة الديمقراطية المتميزة بانتخاباتها المُنظّم والهيمنة العسكرية على السياسة. ولا يمكن اليوم الحفاظ على العقد الاجتماعي الذي استمر خلال سنوات طويلة، بفضل الخوف وشراء السلم. إن الانتقال إلى نظام يضمن السيادة الشعبية بالجزائر، سيستغرق وقتاً أطول، وسيتطلب إقامة علاقة جديدة بين المدنيين والعسكريين».
إضافة إلى هذا، هناك تحديات إقليمية كبيرة. فالجزائر لا تزال نقطة ساخنة محتملة في موقع استراتيجي للغاية؛ إذ إنها محاطة بليبيا ومالي، وعبر البحر الأبيض المتوسط من أوروبا. وكثيراً ما لوّحت السلطة بـ«المخاطر الخارجية» لتبرير رفضها أي تغيير داخلي، ولا تتردد في اتهام المطالبين بالتغيير بأنهم «عملاء لليد الأجنبية التي تسعى للعبث بالجزائر»، وجعلت من ذلك غطاء لسجن عدد كبير من خصومها، خاصة نشطاء الحراك.

مراقبة آليات حقوق الإنسان الدولية

وبالإضافة إلى الوضع الاقتصادي الذي يزداد صعوبة، تواجه الجزائر انتقادات شديدة من طرف تنظيمات حقوق الإنسان الدولية، خصوصاً المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، بسبب حدّة تعاملها مع المظاهرات؛ إذ أكد المتحدث باسم المفوضية روبرت كولفيل يوم 11 مايو (أيار) الحالي، أنه منذ استئناف مسيرات الحراك الأسبوعية المناهضة للنظام في الجزائر في 13 فبراير (شباط) الماضي، تلقت الأمم المتحدة تقارير «عن استخدام مفرط للقوة ضد المتظاهرين السلميين، فضلاً عن استمرار الاعتقالات». وأردف: «إننا نحث السلطات الجزائرية على الكف عن استخدام العنف لتفريق المظاهرات السلمية، ووضع حد للاعتقالات التعسفية واحتجاز الأشخاص الذين مارسوا حقهم في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي».
كذلك أوضح المتحدث أنه «في أربع مناسبات في أبريل ومايو، مُنعت المسيرات الطالبية؛ فواصلت السلطات منع الوصول إلى نقاط التجمع في المظاهرات واعتُقل تعسفياً مئات المتظاهرين أو أي شخص تشتبه فيه الشرطة بأنه متظاهر». وأضاف أن «بعض المتظاهرين اعتقلوا، ثم أفرج عنهم بعد إجبارهم على التوقيع على وثيقة تعهد بعدم المشاركة في المظاهرات».
ثم أكد كولفيل أنه «على مدى شهري مارس وأبريل استمرت الملاحقات القضائية ضد النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والطلاب والصحافيين والمدونين والمواطنين العاديين... وتجري مقاضاتهم على أساس قوانين فضفاضة للغاية، حتى بعد الإعلان عن عفو رئاسي في فبراير من هذا العام».
وحقاً، وفق «اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين»، وهي جمعية تساعد معتقلي الحراك، فإن أكثر من 800 شخص اعتُقِلوا في الأسبوعين الماضيين، خلال مظاهرات الحراك. وجرى اتهام وسجن العديد منهم، وفيما أُفرج عن آخرين، فقد أبقتهم النيابة قيد الملاحقة القضائية.
وعلى مدى الأسابيع الماضية، تعرّض أعضاء الحراك لقمع شديد في العاصمة والمدن الكبرى. ونقلت الفضائيات الأجنبية ومواقع التواصل الاجتماعي، مشاهد الهراوات التي تنهال على رؤوس المتظاهرين، وتعنيف صحافيين واعتقالهم لمنعهم من نقل أخبار الحراك وصوره. وبات رجال الشرطة محل سخط كبير من طرف المتظاهرين، بعدما «رافقوا» مسيرات الحراك شهوراً طويلة بشكل سلمي. وكتب المحلل السياسي محمد هناد، حول «التشدد الأمني» تجاه الحراك: «رغم تواصل المسيرات منذ أكثر من سنتين، وما قد يسمعه أعوان الأمن تارة من عبارات طائشة نتيجة سخط دفين، من المفروض أن يتصرفوا بحسب ما تمليه عليهم الوظيفة والقَسَم الذي أدوه وشعار (الشرطة في خدمتكم)، وكذا روح المواطنة، لأن الشرطة تعمل، أصلاً، بتفويض من الجماعة الوطنية وليس ضدها. معنى ذلك أن قيادات قوات الشرطة بقدر ما تركز على العمل الأمني، يجب أن تركز أيضاً على هذا الجانب، أي من دون قسوة ومع وجوب تفادي إعطاء الانطباع وكأنهم مجرد ميليشيا للسلطة الحالية. هنا، لا بد من لفت انتباه أعوان الشرطة بالزي المدني بوجه خاص: الحق أحقّ بأن يقال، عندما نرى تصرفات بعض أفرادكم تجاه المتظاهرين السلميين يخال لنا وكأننا أمام (بلطجية)»!
قمع المظاهرات السلمية
وبحسب هناد «مع مرور الزمن وتواصل الحراك، ظهر أن قيادة قوات الأمن بدأت تنسى أنها تتعامل مع متظاهرين سلميين يرفضون المواجهة، وأننا في عصر صار التظاهر السلمي من الخصائص الأساسية للمواطنة. لقد ولّى ذلك العهد الذي كان المواطن، أحياناً، يُصفع فيه أمام الملأ، بل وأمام زوجته وأولاده لأتفه الأسباب. من المفروض أن يدرك قادة الشرطة بوصفهم مواطنين أن الحراك عندما يطالب بدولة (مدنية ماشي عسكرية) معناه أنه يرفض دولة القهر مهما كان الشكل الذي قد تتخذه. لذلك، لو استمرت الأمور على هذا الحال، من المحتمل أن يظهر شعار آخر يطالب بدولة (مدنية ماشي بوليسية). بطبيعة الحال، مطلب التعامل مع المتظاهرين باحترافية وإنسانية ووطنية أيضاً، لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان جهاز الشرطة مستقلاً في اتخاذ تدابيره وليس خاضعاً، بشكل ما، إلى أجهزة أمنية أخرى».
ثم أضاف هناد: «مؤكد أن مسيرات الحراك المتواصلة بعزم قد أعيت أعوان الأمن كثيراً؛ فهم بشر. ومع ذلك، يجب أن يدرك هؤلاء جيداً أن هذه المسيرات ليست هي سبب معاناتهم، بل تعنّت السلطة ومُضيُّها في فرض أجندتها من دون اعتبار جادٍّ لمطالب الحراك الشعبي السلمي. لذلك، عوض أن يصبَّ أعوان الشرطة جام غضبهم على الحراك الشعبي، الأحرى بهم أن يتصرّفوا بوصفهم مهنيين ومواطنين أيضاً، ويطالبوا قيادتهم بإيصال معاناتهم إلى السلطة. هذا، وسيكون من شأن مثل هذه المبادرة أن تسهم، هي الأخرى، في ممارسة الضغط على هذه السلطة كي تجد حلاً حقيقياً للأزمة التي ستكون عواقبها وخيمة على الجميع، إن هي طالت».
واختتم بالقول: «مشكلة السلطة الحالية أنها تأبى أن ترى في الحراك الشعبي منعطفاً تاريخياً حاسماً في حياة الأمة الجزائرية، غايته إصلاح منظومة الحكم عندنا في العمق، بعدما استشرى الفساد في جميع أوصالها».

أرقام حول انتخابات البرلمان

> يخوض 25416 مرشحاً انتخابات البرلمان المقررة في 12 يونيو (حزيران) المقبل، ضمن 1500 لائحة ترشيح، منهم 12854 ينتمون لأحزاب و12562 مستقلون، سيتنافسون على 407 مقاعد نيابية، وهو عدد أقل من مقاعد البرلمان السابق، البالغ 462 مقعداً.
هذا، وبلغ عدد اللوائح المترشحة في البداية 2490، رفضت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» عدداً كبيراً منها، على أساس أن المبعدين محل شبهة «ارتباط بأوساط المال الفاسد». وهذه تهمة تضمنتها فقرة في المادة 200 من القانون العضوي للانتخابات المعدّل في مارس الماضي، بعد أقل من شهر من حلّ «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية الأولى).
وطال الإقصاء من الترشح، عدداً كبيراً من كوادر أحزاب شديدة الولاء للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، أشهرها «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي» اللذان كان يملكان الأغلبية في البرلمان السابق.
وبين أبرز من رُفض ترشحهم: أبو الفضل بعجي الأمين العام لـ«جبهة التحرير»، بسبب «عدم أدائه الخدمة العسكرية». ولقد درس القضاء طعوناً تقدمت بها 700 لائحة، وفصل في معظمها لصالح الجهة التي رفضت الترشحات، وهي «سلطة الانتخابات» التي تطعن المعارضة في مصداقيتها، بحجة أنها «خاضعة لإملاءات وزارة الداخلية».
ويتضمن قانون الانتخابات إلزامية المناصفة بين النساء والرجال في اللوائح الانتخابية، مع ضرورة أن يكون سن نصف عدد المرشحين أقل من 40 سنة. وما يلفت في الترشحات كثرة عدد الصحافيين في اللوائح. كما يتضمن القانون حق المعارضة في تشكيل حكومة إذا فازت بالغالبية، من دون أن يتدخل رئيس الدولة في اختيار الشخصية التي تقودها.
وفي المقابل، يشهد الاستحقاق الانتخابي، مقاطعة أحزاب بارزة في المعارضة، هي: «جبهة القوى الاشتراكية» (أقدم حزب معارض أسسه رجل الثورة الراحل حسين آيت أحمد)، و«حزب العمال» بزعامة مرشحة الرئاسة سابقاً لويزة حنون، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» برئاسة محسن بلعباس.
وترى هذه الأحزاب أن شروط المشاركة في الانتخابات غير متوافرة، وأنها «لا تشكل حلاً للأزمة السياسية».
في المقابل، تشارك الأحزاب الإسلامية بقوة في المنافسة، أهمها «حركة مجتمع السلم» بقيادة عبد الرزاق مقري، و«جبهة العدالة والتنمية» برئاسة الشيخ عبد الله جاب الله.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟