مأزق السلطة في الجزائر!

وضع اقتصادي صعب ورفض شعبي للانتخابات

مأزق السلطة في الجزائر!
TT

مأزق السلطة في الجزائر!

مأزق السلطة في الجزائر!

تنظم الجزائر، في 12 يونيو (حزيران) المقبل، انتخابات برلمانية مبكّرة، في أعقاب حل البرلمان في فبراير (شباط) 2021، وسط رفض شعبي لافت؛ إذ توجد قناعة راسخة لدى الملايين، بأن النظام يسعى من خلال الانتخابات إلى فرض غالبية موالية للرئيس عبد المجيد تبون، لتسهيل تنفيذ خريطة الطريق التي وضعها رئيس أركان الجيش سابقاً الماريشال أحمد قايد صالح، المتوفي بسكتة قلبية نهاية 2019. وتتمثل هذه الخطة في الحفاظ على مكانة الجيش في دواليب الدولة، وإبقاء سيطرة جهاز الأمن الداخلي القوي على الحياة العامة. في المقابل، يصار إلى إطلاق بعض العمليات التي تبدو في ظاهرها أنها تلبي مطالب الحراك، كحلّ البرلمان الذي كان قد شاب انتخابه التزوير إبان فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.
هذا، ويُعدّ سجن رموز حكم بوتفليقة، بالنسبة للسلطة، بمثابة تجاوب مع مطالب الشعب الذي ثار ضد الفساد؛ إذ أنزل القضاء، بإيعاز من جهات نافذة في السلطة، عقوبات شديدة برئيسي الوزراء سابقاً أحمد أويحيى وعبد المالك سلال (السجن 12 سنة لكل منهما). وعدد كبير من الوزراء السابقين ورجال الأعمال، تعرضوا للسجن بتهم اختلاس مال عام وسوء تسيير الاقتصاد والاستثمارات. ويطلق على هذه المجموعة وصف «العصابة».
«دولة مدنية لا عسكرية»... شعار جرى ترديده كل يوم جمعة على مدى أكثر من سنتين، من طرف آلاف الجزائريين في شوارع الجزائر العاصمة وأهم المدن الكبيرة، تأكيداً على أن أهم المطالب التي رفعوها عند اندلاع الحراك الشعبي في 22 فبراير 2019 ما زالت قائمة، لأن الجيش وأذرعه الأمنية المسيطرة على الحكم المدني يرفضون التجاوب معها.
واليوم، تبدو السلطة عازمة على إكمال خطتها بتنظيم الانتخابات التشريعية، غير أنها تواجه وضعاً مقلقاً جداً بالنسبة لها، وعلى جميع الأصعدة؛ فعلى الصعيد السياسي، هناك رئيس منتخب بيد أنه يفتقر إلى الشرعية، بحسب منتقدين، إذ لم تكن الانتخابات التي أُجريت يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019 مقبولة من العديد من الجزائريين، وأظهرت نسبة المشاركة المتدنية في هذه الانتخابات ذلك؛ إذ تجنّب ستة من كل عشرة جزائريين صناديق الاقتراع، بل قاطَعَ سكان منطقة القبائل (شرق الجزائر) الناطقين بالأمازيغية الاقتراع بشكل كامل. كذلك شهد استفتاء تعديل الدستور في مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 غياباً كبيراً للناخبين، وكان ذلك دالاً على رفض شعبي لمشاريع السلطة.
وفي إجراء تصعيدي مقابل، هددت الحكومة بعقوبة تصل إلى 20 سنة سجناً، ضد أي شخص تثبت ضده تهمة «إتلاف أو نزع صندوق الاقتراع أو الإخلال بالاقتراع أو بتعكير صفو عمليات التصويت»، وذلك تحسباً للاستحقاق التشريعي المقبل. ويبدو هذا الوعيد موجهاً أساسا إلى منطقة القبائل (شرق العاصمة)، حيث أظهر قطاع من سكانها، خصوصاً نشطاء تنظيم انفصالي يسمى «حركة استقلال القبائل»، عزمهم على «إفشال عرس السلطة» المتمثل في الانتخابات التي اعتبروها «غير شرعية وحيلة للالتفاف على مطلب الحراك الشعبي الأساسي، وهو تغيير النظام جذرياً».
الجيش... اللاعب البارز في السياسة
الدكتورة داليا غانم، الباحثة الجزائرية في «مركز كارنيغي للسلام في الشرق الأوسط»، تذكر في إحدى دراساتها حول الوضع في الجزائر: «يبدو النظام بواجهتيه العسكرية والمدنية منسجماً في مواجهة الحراك الشعبي. هناك فصائل وتوترات داخل أجنحة الحكم، وكان هذا هو الحال طوال تاريخ الجزائر الحديث. لكن إذا عدنا إلى أحداث سياسية عاشتها البلاد سنرى أنه حتى لو كانت هناك تشنّجات بين فصيل في الجيش والمؤسسة السياسية، يبقى الجيش الوطني الشعبي المؤسسة الأقوى في البلاد، ولاعباً بارزاً في المشهد السياسي الجزائري لطالما فرض سلطته على البلاد، إنما من دون أن يحكمها بشكل مباشر، وسيستمر الوضع على هذا المنوال. ورغم الصراع الداخلي في صفوف المؤسسة العسكرية، يدرك الجيش كيف يتصرف بتماسك دفاعاً عن مصالحه وعن استقرار منظومة الحكم التي يعد عمودها الفقري».
وبجانب هذه المعطيات، تقول الباحثة غانم: «هناك الحالة الصحية للرئيس؛ فالسرّيّة المحيطة بمرضه جعلت الجزائريين لا يثقون به، ولا يؤمنون بأن أي تغيير حصل منذ عزل بوتفليقة يوم 2 أبريل (نيسان) 2019. فقد أمضى تبون، العام الماضي، 3 أشهر في المصحات بألمانيا للعلاج من إصابة بفيروس (كوفيد - 19). وأعاد ذلك إلى الأذهان حالة بوتفليقة في عام 2013، وغياباته المتتالية بسبب مرضه. ولقد تسبب هذا وسيستمر في تعميق الهوة بين الجزائريين في رئيسهم وقادتهم».
وضع اقتصادي مأزوم
على الصعيد الاقتصادي أيضاً، الوضع سيئ للغاية؛ فالجزائريون يواجهون تحديات خطيرة، أولاً بسبب النمو السكاني السريع، وثانياً بسبب الفقر المتزايد، وثالثاً بسبب انتشار البطالة بين الشباب... حيث ليس لدى القوة العاملة المتزايدة أي منظور في قطاع عام مشبع وقطاع خاص لم يولد بعد. وحقاً، تعيش الجزائر حالياً على صفيح ساخن بنتيجة إضرابات عمال قطاعات الصحة والبريد والتعليم والدفاع المدني، الذين يطالبون برفع الأجور، إثر ارتفاع فاحش لأسعار السلع والخدمات، في ظل غياب خطة اقتصادية ناجعة لحل المشاكل المتراكمة.
وبالتالي، يتوقع الخبراء تفاقم الأزمة الاقتصادية للبلاد وزيادة التضخم وانخفاض قيمة الدينار. وفي ظل الافتقار إلى الشرعية سيكون من الصعب على القيادة الجزائرية الحصول على موافقة المواطنين، وإقناعهم بتحملهم الإجراءات التقشفية من أجل إصلاح القطاع الاقتصادي.
ثم إن إدمان الجزائر للهيدروكربونات سيئ ولا بدائل؛ إذ بينما كان الرئيس تبّون يتحدث عن الغاز الصخري في الجنوب، يرجح مراقبون أن يؤدي ذلك إلى صراع، لأن سكان الجنوب لديهم مخاوف بيئية بشأن هذا الاستغلال. ومن ثم هذا ما يعتبره المراقبون نهاية الدولة الريعية، مع أن القيادة السياسية لم تفكر في ذلك، ولا بدائل لديها. أما قضية تنويع الاقتصاد التي يتحدث عنها تبّون، فهي بالنسبة لمنتقديه مجرد بلاغات لا أكثر.
بالإضافة إلى كل ذلك، في هذا الوضع الصعب، ومع ذوبان مخزون العملة الصعبة، ثمة حاجة متزايدة للإنفاق لمواجهة جائحة «كوفيد - 19». ومع أكثر من 3500 حالة وفاة ونحو 130 ألف حالة مؤكدة، الجزائر تعاني من تحدٍ صحّي خطير. وراهناً، تعتمد الحكومة في إدارة الأزمة الصحية وتعويض الانخفاض الحاد في عائدات تصدير النفط، على احتياطاتها الأجنبية، ومن المرجح أن تستمر في فعل ذلك مع استمرار الجائحة. وما يُذكر أنه على مدى السنوات الست الماضية استنفدت الاحتياطيات بشكل كبير وخطير، إذ انخفضت بمقدار 132 مليار دولار أميركي من 194 مليار دولار في عام 2013 إلى 62 مليار دولار فقط في عام 2020. وحسب الخبراء الاقتصاديين، فستختفي احتياطيات الجزائر بمنتصف عام 2021.
الدكتورة غانم توضح أنه «على مدى عقدين من الزمن، ومنذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1999، كان الجزائريون يأملون في النجاة من الأعمال الإرهابية، لكنهم اليوم يطالبون بالديمقراطية. لم يعودوا مستعدين للتسامح مع الواجهة الديمقراطية المتميزة بانتخاباتها المُنظّم والهيمنة العسكرية على السياسة. ولا يمكن اليوم الحفاظ على العقد الاجتماعي الذي استمر خلال سنوات طويلة، بفضل الخوف وشراء السلم. إن الانتقال إلى نظام يضمن السيادة الشعبية بالجزائر، سيستغرق وقتاً أطول، وسيتطلب إقامة علاقة جديدة بين المدنيين والعسكريين».
إضافة إلى هذا، هناك تحديات إقليمية كبيرة. فالجزائر لا تزال نقطة ساخنة محتملة في موقع استراتيجي للغاية؛ إذ إنها محاطة بليبيا ومالي، وعبر البحر الأبيض المتوسط من أوروبا. وكثيراً ما لوّحت السلطة بـ«المخاطر الخارجية» لتبرير رفضها أي تغيير داخلي، ولا تتردد في اتهام المطالبين بالتغيير بأنهم «عملاء لليد الأجنبية التي تسعى للعبث بالجزائر»، وجعلت من ذلك غطاء لسجن عدد كبير من خصومها، خاصة نشطاء الحراك.

مراقبة آليات حقوق الإنسان الدولية

وبالإضافة إلى الوضع الاقتصادي الذي يزداد صعوبة، تواجه الجزائر انتقادات شديدة من طرف تنظيمات حقوق الإنسان الدولية، خصوصاً المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، بسبب حدّة تعاملها مع المظاهرات؛ إذ أكد المتحدث باسم المفوضية روبرت كولفيل يوم 11 مايو (أيار) الحالي، أنه منذ استئناف مسيرات الحراك الأسبوعية المناهضة للنظام في الجزائر في 13 فبراير (شباط) الماضي، تلقت الأمم المتحدة تقارير «عن استخدام مفرط للقوة ضد المتظاهرين السلميين، فضلاً عن استمرار الاعتقالات». وأردف: «إننا نحث السلطات الجزائرية على الكف عن استخدام العنف لتفريق المظاهرات السلمية، ووضع حد للاعتقالات التعسفية واحتجاز الأشخاص الذين مارسوا حقهم في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي».
كذلك أوضح المتحدث أنه «في أربع مناسبات في أبريل ومايو، مُنعت المسيرات الطالبية؛ فواصلت السلطات منع الوصول إلى نقاط التجمع في المظاهرات واعتُقل تعسفياً مئات المتظاهرين أو أي شخص تشتبه فيه الشرطة بأنه متظاهر». وأضاف أن «بعض المتظاهرين اعتقلوا، ثم أفرج عنهم بعد إجبارهم على التوقيع على وثيقة تعهد بعدم المشاركة في المظاهرات».
ثم أكد كولفيل أنه «على مدى شهري مارس وأبريل استمرت الملاحقات القضائية ضد النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان والطلاب والصحافيين والمدونين والمواطنين العاديين... وتجري مقاضاتهم على أساس قوانين فضفاضة للغاية، حتى بعد الإعلان عن عفو رئاسي في فبراير من هذا العام».
وحقاً، وفق «اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين»، وهي جمعية تساعد معتقلي الحراك، فإن أكثر من 800 شخص اعتُقِلوا في الأسبوعين الماضيين، خلال مظاهرات الحراك. وجرى اتهام وسجن العديد منهم، وفيما أُفرج عن آخرين، فقد أبقتهم النيابة قيد الملاحقة القضائية.
وعلى مدى الأسابيع الماضية، تعرّض أعضاء الحراك لقمع شديد في العاصمة والمدن الكبرى. ونقلت الفضائيات الأجنبية ومواقع التواصل الاجتماعي، مشاهد الهراوات التي تنهال على رؤوس المتظاهرين، وتعنيف صحافيين واعتقالهم لمنعهم من نقل أخبار الحراك وصوره. وبات رجال الشرطة محل سخط كبير من طرف المتظاهرين، بعدما «رافقوا» مسيرات الحراك شهوراً طويلة بشكل سلمي. وكتب المحلل السياسي محمد هناد، حول «التشدد الأمني» تجاه الحراك: «رغم تواصل المسيرات منذ أكثر من سنتين، وما قد يسمعه أعوان الأمن تارة من عبارات طائشة نتيجة سخط دفين، من المفروض أن يتصرفوا بحسب ما تمليه عليهم الوظيفة والقَسَم الذي أدوه وشعار (الشرطة في خدمتكم)، وكذا روح المواطنة، لأن الشرطة تعمل، أصلاً، بتفويض من الجماعة الوطنية وليس ضدها. معنى ذلك أن قيادات قوات الشرطة بقدر ما تركز على العمل الأمني، يجب أن تركز أيضاً على هذا الجانب، أي من دون قسوة ومع وجوب تفادي إعطاء الانطباع وكأنهم مجرد ميليشيا للسلطة الحالية. هنا، لا بد من لفت انتباه أعوان الشرطة بالزي المدني بوجه خاص: الحق أحقّ بأن يقال، عندما نرى تصرفات بعض أفرادكم تجاه المتظاهرين السلميين يخال لنا وكأننا أمام (بلطجية)»!
قمع المظاهرات السلمية
وبحسب هناد «مع مرور الزمن وتواصل الحراك، ظهر أن قيادة قوات الأمن بدأت تنسى أنها تتعامل مع متظاهرين سلميين يرفضون المواجهة، وأننا في عصر صار التظاهر السلمي من الخصائص الأساسية للمواطنة. لقد ولّى ذلك العهد الذي كان المواطن، أحياناً، يُصفع فيه أمام الملأ، بل وأمام زوجته وأولاده لأتفه الأسباب. من المفروض أن يدرك قادة الشرطة بوصفهم مواطنين أن الحراك عندما يطالب بدولة (مدنية ماشي عسكرية) معناه أنه يرفض دولة القهر مهما كان الشكل الذي قد تتخذه. لذلك، لو استمرت الأمور على هذا الحال، من المحتمل أن يظهر شعار آخر يطالب بدولة (مدنية ماشي بوليسية). بطبيعة الحال، مطلب التعامل مع المتظاهرين باحترافية وإنسانية ووطنية أيضاً، لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان جهاز الشرطة مستقلاً في اتخاذ تدابيره وليس خاضعاً، بشكل ما، إلى أجهزة أمنية أخرى».
ثم أضاف هناد: «مؤكد أن مسيرات الحراك المتواصلة بعزم قد أعيت أعوان الأمن كثيراً؛ فهم بشر. ومع ذلك، يجب أن يدرك هؤلاء جيداً أن هذه المسيرات ليست هي سبب معاناتهم، بل تعنّت السلطة ومُضيُّها في فرض أجندتها من دون اعتبار جادٍّ لمطالب الحراك الشعبي السلمي. لذلك، عوض أن يصبَّ أعوان الشرطة جام غضبهم على الحراك الشعبي، الأحرى بهم أن يتصرّفوا بوصفهم مهنيين ومواطنين أيضاً، ويطالبوا قيادتهم بإيصال معاناتهم إلى السلطة. هذا، وسيكون من شأن مثل هذه المبادرة أن تسهم، هي الأخرى، في ممارسة الضغط على هذه السلطة كي تجد حلاً حقيقياً للأزمة التي ستكون عواقبها وخيمة على الجميع، إن هي طالت».
واختتم بالقول: «مشكلة السلطة الحالية أنها تأبى أن ترى في الحراك الشعبي منعطفاً تاريخياً حاسماً في حياة الأمة الجزائرية، غايته إصلاح منظومة الحكم عندنا في العمق، بعدما استشرى الفساد في جميع أوصالها».

أرقام حول انتخابات البرلمان

> يخوض 25416 مرشحاً انتخابات البرلمان المقررة في 12 يونيو (حزيران) المقبل، ضمن 1500 لائحة ترشيح، منهم 12854 ينتمون لأحزاب و12562 مستقلون، سيتنافسون على 407 مقاعد نيابية، وهو عدد أقل من مقاعد البرلمان السابق، البالغ 462 مقعداً.
هذا، وبلغ عدد اللوائح المترشحة في البداية 2490، رفضت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» عدداً كبيراً منها، على أساس أن المبعدين محل شبهة «ارتباط بأوساط المال الفاسد». وهذه تهمة تضمنتها فقرة في المادة 200 من القانون العضوي للانتخابات المعدّل في مارس الماضي، بعد أقل من شهر من حلّ «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية الأولى).
وطال الإقصاء من الترشح، عدداً كبيراً من كوادر أحزاب شديدة الولاء للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، أشهرها «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي» اللذان كان يملكان الأغلبية في البرلمان السابق.
وبين أبرز من رُفض ترشحهم: أبو الفضل بعجي الأمين العام لـ«جبهة التحرير»، بسبب «عدم أدائه الخدمة العسكرية». ولقد درس القضاء طعوناً تقدمت بها 700 لائحة، وفصل في معظمها لصالح الجهة التي رفضت الترشحات، وهي «سلطة الانتخابات» التي تطعن المعارضة في مصداقيتها، بحجة أنها «خاضعة لإملاءات وزارة الداخلية».
ويتضمن قانون الانتخابات إلزامية المناصفة بين النساء والرجال في اللوائح الانتخابية، مع ضرورة أن يكون سن نصف عدد المرشحين أقل من 40 سنة. وما يلفت في الترشحات كثرة عدد الصحافيين في اللوائح. كما يتضمن القانون حق المعارضة في تشكيل حكومة إذا فازت بالغالبية، من دون أن يتدخل رئيس الدولة في اختيار الشخصية التي تقودها.
وفي المقابل، يشهد الاستحقاق الانتخابي، مقاطعة أحزاب بارزة في المعارضة، هي: «جبهة القوى الاشتراكية» (أقدم حزب معارض أسسه رجل الثورة الراحل حسين آيت أحمد)، و«حزب العمال» بزعامة مرشحة الرئاسة سابقاً لويزة حنون، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» برئاسة محسن بلعباس.
وترى هذه الأحزاب أن شروط المشاركة في الانتخابات غير متوافرة، وأنها «لا تشكل حلاً للأزمة السياسية».
في المقابل، تشارك الأحزاب الإسلامية بقوة في المنافسة، أهمها «حركة مجتمع السلم» بقيادة عبد الرزاق مقري، و«جبهة العدالة والتنمية» برئاسة الشيخ عبد الله جاب الله.



هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)

للمرة الأولى، منذ تشكيل أول حكومة عراقية بعد عام 2003، فتحت الحكومة الحالية برئاسة رجل المال والأعمال علي الزيدي ملفات كانت بين المسكوت عنه أو المتخوف من التعامل معه بصوت مرتفع. وفي غضون «الأيام المائة» التي أكملتها الحكومة أخيراً، تضمّن برنامجها المتضمّن أهم فقرتين وضعهما رئيس الوزراء ضمن أولى أولوياته، وهما: حصر السلاح بيد الدولة، ومحاربة الفساد المالي والإداري المستشري في البلاد. والواقع أن هذا الوضع بات يهدد كيان الدولة نفسه مع وضعها على حافة الإفلاس. من جهة ثانية، في حين يبدو ملف مكافحة الفساد شأناً داخلياً فإن ملف حصر السلاح، بقدر ما هو شأن داخلي يتمثل في العلاقة المتشنجة بين الحكومة وقوى السلاح المنفلت، فله بُعدان؛ أولهما إقليمي يتعلق بطبيعة العلاقة بين العراق وإيران. وثانيهما دولي يتمثل في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة. وبالطبع يبقى هناك قاسم مشترك بين ملف السلاح وطبيعة العلاقة المركّبة العراقية - الأميركية - الإيرانية.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)

يبدو علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي، في وضع مريح على صعيد إيفائه بوعده في البدء بتطبيق فقرتي محاربة الفساد وحصر السلاح من برنامجه الحكومي، إلا أنه بعد تجاوز حكومته فترة «الـ100 يوم» لا يزال يعاني من حصار المواعيد السياسية. والقضية الرئيسة هنا أن الحكومة لا تزال ناقصة 9 حقائب وزارية تدار حالياً بالوكالة بسبب الخلافات بين الكتل السياسية على حصصها من هذه الوزارات.

ومع أن الزيدي لا يبدو مسؤولاً عن إكمال «الكابينة» (التشكيلة) الحكومية التي تحتاج إلى توافق سياسي بين القوى التي فازت بالانتخابات، وحازت على مقاعد برلمانية تؤهلها للحصول على حقائب، تكمن الإشكالية في أن تأخر إكمال «الكابينة» يبقي الحكومة على الحافة؛ إذ إن استقالة أي وزيرين منها، تحت أي ظرف، يفقدها شرعية البقاء، ويبقي رئيس الوزراء محاصراً من القوى السياسية التي يرفض بعضها إكمال الحقائب المتبقية لكي يبقى الزيدي رهينة لضغطه.

من ثم تتبقى القضيتان المتصلتان بفقرتي الفساد والسلاح.

محاربة الفساد

إجراءات محاربة الفساد بدأت منذ أربعة شهور عبر ما سُمي بـ«صولة الفجر» التي اعتقل خلالها عددٌ كبير من النواب والمسؤولين الكبار، كما فرّ وزراء ونواب ومسؤولون كبار آخرون. إلا أنه مع تأخر فتح ملف الموقوفين حالياً، أو إحالتهم إلى المحاكم، فإن بقاءهم خلف القضبان من دون محاكمة بات يُشعر بعض الناس بأن ثمة «مشروع» تسوية مالية معهم.

والواقع، يتزامن مع هذا الحال، مع بدء إجراءات حكومية على صعيد إلقاء القبض على مسؤولين بدرجات متدنّية وإحالتهم إلى القضاء. وهو يعطي انطباعاً بأن حملة محاربة الفساد تحوّلت من محاربة الفساد كـ«منظومة متكاملة»، إلى محاربة الرّشى التي هي أحد أوجه الفساد لا أكثر.

حصر السلاح

أما مسألة حصر السلاح بيد الدولة فقد تحوّلت إلى ملف شائك بعدما تمكّنت إيران ومَن معها من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي من احتواء الأمر عبر تمديد مهلة التعامل مع ملف السلاح، بدلاً من حصره نهائياً بحلول يوم 30 سبتمبر (أيلول) الحالي إلى ما بعد هذا التاريخ.

العصا والعجلة

وسط هذه الوقائع، تسعى الأطراف السياسية إلى وضع مزيد من العِصّي في عجلة رئيس الوزراء الباحث عن إنجاز يحقّقه وسط دعم شعبي قوي من عدد كبير من القوى السياسية والجماهيرية. وبين أبرز الخطوات الهادفة إلى احتواء خطوات الزيدي، محاولات إيجاد ذرائع لتعطيل حملة محاربة الفساد، بحيث تقتصر على الحلقات الوسطى في الدولة.

ومن جهة أخرى، فإن الدخول الإيراني القويّ على مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وجعله ملفاً إقليمياً مرتبطاً بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، أدى إلى تمديد المهلة المقرّرة لحصر السلاح. وهذه محاولة يراد منها إفراغ خطوات الزيدي من محتواها الحقيقي. وللتذكير، كانت الحكومة العراقية قد أعلنت أن موعد حصر السلاح بيد الدولة سيكون يوم 30 سبتمبر (الحالي)، وهو الموعد المقرر لانسحاب التحالف الدولي. لكن إيران دخلت على خط الموقف من الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، وأبرزها «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«حركة أنصار الله الأوفياء»، التي سبق لها أن أعلنت أن «لديها ارتباطاً عقائدياً» مع إيران. وبالتالي، فإن سلاحها يتجاوز الحدود الجغرافية للدول، كونه سلاح «مقاومة»، وفق السردية التي تعتمدها في خطابها السياسي.

نوري المالكي (آ ف ب)

زيارات سريّة ومعلنة

هذا الدخول الإيراني لصالح هذه الفصائل، وتجاهل موعد 30 سبتمبر، تجسّد أولاً في زيارة سرّية – كما هي العادة - لقائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني، تلتها بعد أقل من أسبوع زيارة مُعلنة لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف امتدت لأيام. ثم تبعتها زيارة سرّية أخرى لممثل المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي جرى خلالها «تحديد طبيعة العلاقة» بين العراق وإيران، عبر الضغط على قوى «الإطار التنسيقي» لتبني سياسة أخرى، تختلف عن السياسة التي رسمها رئيس الوزراء الزيدي للتخلص من النفوذ الأجنبي في العراق.

زيارة قاليباف، وفق مصادر عراقية مطلعة، لم تحقق كل أهدافها، وبالأخص، لجهة «تليين موقف الزيدي من مسألة حصر السلاح بيد الدولة». وطبقاً لما كُشف عنه من كواليس اللقاءات والاجتماعات التي عقدها قاليباف، سواءً مع رئيس الوزراء العراقي أو مع قيادات «الإطار التنسيقي»، بحضور الزيدي، فإن الأخير بقي متمسكاً بموعد 30 سبتمبر بسبب؛ كونه ملتزماً مع الجانب الأميركي بهذا الشأن.

بحسب التقديرات المتداولة، فإن الزيدي خلال لقاءات خاصة جمعته مع نواب ومسؤولين، ليس في وارد أي تنازل عن تلك المهلة. بل بالعكس، يمكن أن يمضي إلى ما هو أبعد مما تتصوّره القوى السياسية التي تضغط عليه من أجل المهادنة. ثم إنه ليس في وارد تقديم استقالته، على نقيض ما تتمناه بعض القوى المتورطة في الفساد بأمل «خلط الأوراق» من جديد. بل يرجّح المراقبون أن يلجأ رئيس الوزراء إلى الشعب في خطاب صريح، آملاً أن يضعف موقف هذه القوى، وخصوصاًـ إذا دخل على خط دعمه مقتدى الصدر، زعيم «التيار الوطني الشيعي» أكبر كتلة شيعية في البلاد.

الزيدي ليس في وارد أي تنازل عن المهلة الزمنية لحصر السلاح... ولا يفكّر بتقديم استقالته

عالي المقام

إيران، من جهتها، كثّفت ضغوطها على «الإطار التنسيقي»، وعلى الزيدي معاً، وبالأخص، بعد إعادة ترتيب «الإطار التنسيقي» بإضافة عضو جديد لقيادته هو شبل الزيدي، زعيم فصيل «الإمام علي» ورئيس كتلة «خدمات» في البرلمان العراقي، وذلك في أعقاب هروب أحمد الأسدي وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق والقيادي في «الإطار» إثر اتهامه بملفات فساد، واستقالة أبو الولاء الولائي، الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء».

وفي هذا السياق، دخل المرشد مجتبى خامنئي، شخصياً، على الخط، حين أرسل ممثله الخاص، محسن قمّي، بهدف احتواء التداعيات الخاصة بحصر السلاح بيد الدولة الذي يصرّ عليه رئيس الوزراء العراقي. وفي الوقت عينه، حث مبعوث خامنئي قوى «الإطار التنسيقي» على تحاشي وقوع أي صدام بين قوى «الإطار التنسيقي» والفصائل المسلحة التي ترفض تسليم سلاحها إلى الدولة مع نهاية المهلة المقررة.

إيران لا تريد ذرائع للتصادم

الهدف الذي ترمي إليه إيران من خلال اتباع هذه السياسة الجديدة هو عدم منح الحكومة أي ذريعة للتصادم مع الفصائل، وذلك بتشكيل لجان، وبدء مباحثات، ووضع آليات لغرض تسليم السلاح، وتحديد أي سلاح، وما هو المقابل.

هذا يعني التلاعب بالمهلة، ولكن بما لا يؤدي إلى إغضاب الحكومة المرتبطة بتفاهم مع واشنطن، ولا أن يؤدي إلى استفزاز واشنطن التي لا أحد يعرف حدود رد فعلها في حال لم تفِ الحكومة العراقية بمهلة حصر السلاح.

... مخاوف عند «الإطار التنسيقي»

في هذا السياق، يقول الدكتور غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن «(الإطار التنسيقي) يشعر بالمخاطر المترتبة على حصر السلاح، كما يعرف مدى جدية واشنطن في هذا الملف، الأمر الذي جعلها تحاول قدر الإمكان البحث عن منفذ أو طريقة ما للامتناع عن تطبيق حصر السلاح مائة في المائة، لكن في الوقت نفسه يحقق الرضا الأميركي عن العراق».

وأضاف الدعمي أن «قوى (الإطار التنسيقي) تعرف جيداً أيضاً أن حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد يصبّان في النهاية في مصلحة رئيس الوزراء علي الزيدي، بينما لا يريد (الإطار التنسيقي) لأي رئيس وزراء أن يحقق نجاحاً كبيراً. وبالتالي مسموح له أن يحقق نجاحاً محدوداً؛ لكيلا يتفرعن عليهم... بل يظل تحت سيطرتهم».

ثم أوضح أن «(الإطار)، في هذه الحالة، وبقدر ما يريد تجنب تأجيج الوضع مع أميركا فهو في الوقت نفسه لا يريد لرئيس الوزراء أن يبدو بطلاً شعبياً أمام الناس»، مؤكداً أن «هذا السلوك الذي تنتهجه القوى الشيعية ليس مقتصراً على معاملة الزيدي فقط، بل هو سياسة ثابتة اتبعتها مع كل رؤساء الوزراء السابقين، مع أن الفرصة الآن تختلف... حيث الكفة تميل الآن لصالح الزيدي كونه يحظى بدعم شعبي كبير يصعب مقاومته، ومع هذا تجري محاولات للالتفاف عليه».

لا لإسقاط الحكومة

من جانبه، حذّر نوري المالكي، زعيم ائتلاف «دولة القانون»، بعد يوم واحد من زيارة المبعوث الإيراني الرفيع المستوى، من محاولات لإشعال «حرائق» في المشهد السياسي وإرباك الواقع العراقي.

وأكد المالكي، في تصريحات صحافية، دعم «الإطار التنسيقي» لاستمرار الحكومة ورفض تغييرها أو إسقاطها. وقال طبقاً لبيان صدر عن مكتبه، الأربعاء الماضي، إن العراق «يمرّ بمرحلة حساسة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والمسؤولية»، مشيراً إلى وجود محاولات لإرباك المشهد السياسي، في وقت يواصل فيه «الإطار التنسيقي» دعمه للحكومة حرصاً على استقرار البلاد ومصالحها العليا.

ثم شدد رئيس الحكومة الأسبق على ضرورة معالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة، «بعيداً عن التصعيد أو المواجهة»، محذراً من «تحوّل هذا الملف إلى صدام بين الدولة والفصائل سيكون بالغ الخطورة، وقد يهدد استقرار العراق ويفتح الباب أمام مواقف سياسية متباينة».

وأكد المالكي أن أي مواجهة داخلية ستكون «خسارة للعراق بأكمله»، وليس لطرف أو مكون بعينه. وأن من يتصوّر أن أي صراع محتمل سيكون «شيعياً - شيعياً» فهو واهم؛ لأن تداعياته ستطال الدولة والمجتمع وجميع المكونات.

وتابع أن الحكومة و«الإطار التنسيقي» لن يسمحا بانزلاق البلاد إلى اقتتال داخلي، داعياً إلى «بلورة رؤية وطنية وإقليمية واضحة تحول دون تعرض العراق للمخاطر، وتمنع تحوله إلى ساحة لتصفية الصراعات أو تنازع المصالح الإقليمية والدولية، بما يحفظ أمنه وسيادته واستقراره».

«مجلس قيادة» شيعي

في هذه الأثناء، في سياق الترتيبات الجديدة التي «هندستها» إيران، فإن همام حمودي القيادي البارز في «الإطار التنسيقي» وزعيم «المجلس الإسلامي الأعلى» - الذي جعلته إيران صلة الوصل بينها وبين باقي قيادات «الإطار» - أعلن عن تشكيل «مجلس قيادة» شيعي لتفادي اندلاع حرب شيعية - شيعية.

حمودي حذر مما أسماه مسعى لإشعال حرب «شيعية - شيعية»، بالقول إن «هدفها الظاهر حماية المصالح العامة، بينما يكمن باطنها - بحسب وصفه - في زعزعة النفوذ السياسي والاجتماعي الشيعي وإبعاد القوى المؤثرة من مواقعها».

وأضاف حمودي، خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن أعمال مؤتمر «حوار بغداد الثامن» الذي ينظمه المعهد العراقي للحوار، إن «وجود المرجعية العليا والالتزام الديني ووعي أبناء الشعب العراقي بحقيقة المؤامرة الخبيثة (بحسب وصفه) - ستحول دون نجاح أي رهان على حرب شيعية - شيعية... ولن يفلحوا».


هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
TT

هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،

دخلت العائلة المالكة في النرويج عهداً جديداً مع وفاة الملك الواسع الشعبية هارالد عن عمر 89 سنة، وتولي ابنه هاكون، البالغ من العمر 53 سنة، العرش وسط تراجع في شعبية العائلة المالكة متأثرة بعدد من الفضائح، مع أن هذه الشعبية على يبدو تعافت أخيراً. فلقد أظهر استطلاع أجرته هيئة البثّ العام «إن آر كا» بعد وفاة الملك هارالد، قبل أسبوع، أن شعبية العائلة المالكة وصلت إلى 72 في المائة في ارتفاع عن مايو (أيار) الماضي، عندما انخفض التأييد للعائلة إلى أدنى مستوياته، فبلغ 54 في المائة فقط! وطوال فترة حكمه التي امتدت 35 سنة، حظي الملك هارالد الراحل بشعبية عالية بين النرويجيين، وكان ينظر إليه على أنه «جدّ الأمة»، كما وصفه معلقون في النرويج. ومع أن الملك في النرويج لا سلطات فعلية له، فقد نجح بتوحيد البلاد، وكان دائماً يجد الكلام المناسب، حتى في أصعب الأوقات. أكثر من هذا، لم يتنازل هارالد عن العرش رغم أنه عانى في السنوات العشر الأخيرة من عدد من الأمراض المتتالية أثّرت بشكل كبير على صحته. وفي السنوات الأخيرة، هزّت العائلة المالكة عدة فضائح مرتبطة بزوجة ابنه هاكون، الملك الجديد، وابنته الأميرة مارتا لويز، التي تكبر هاكون سناً، لكنها لم ترث والدها على العرش بسبب قوانين قديمة، ما كانت تسمح إلا بتولي الذكور العرش. إلا أنه جرى تغيير القوانين تلك عام 1990 للسماح بالابن أو الابنة الكبرى بأن تصبح ولي العهد، ولكن بقي القانون القديم مطبقاً على أبناء هارالد. وبعد وفاة والده، تولّى هاكون العرش في مراسم متواضعة ألقى خلالها القسم، من دون حفل تتويج بعد إلغائه في النرويج قبل عقد من الزمن.

كان لافتاً غياب زوجة الملك هاكون («هوكون» كما يلفظ الاسم محلياً) عن حفل أدائه القسم غداة وفاة والده. عوضاً عن ميته ماريت، كانت ابنته إنغريد ألكسندرا حاضرة إلى جانبه، وأدّت القسم لتصبح وريثته على العرش.

العائلة الملكية برّرت غياب ميته ماريت بأنها تعاني من مضاعفات بعد إجراء عملية زرع رئة في منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي. وبالفعل، شوهدت الملكة الجديدة تصل إلى مستشفى أوسلو برفقة زوجها الملك، بعيد حفل أدائه القسم، في سيارة «رينج روفر»، قادها هو بنفسه... ومكث معها قرابة الساعة ليغادر ويعود بعد وقت قليل ليأخذها معه.

فضائح «ميته ميريت»

بيد أن غياب الأميرة قد يكون أيضاً مناسباً للعائلة المالكة لإبعاد الأضواء عنها بسبب الفضائح الكثيرة المرتبطة بها منذ سنوات، التي تسببت بدعوات لتجريدها من ألقابها الملكية لأنها «غير جديرة بها». فمنذ سنوات، واسم ميته ماريت بات مرتبطاً بالمليونير الأميركي جيفري إبستين الذي وجد ميتاً في السجن بعد توقيفه بتهم تتعلق الاتجار بالقاصرين لأغراض جنسية من بين تهم أخرى. ولقد كشفت صحف نرويجية منذ عام 2019 عن علاقة صداقة تجمع بين ميته ماريت وإبستين.

وعلى الرغم من أن الملكة أعلنت مراراً أنها قطعت علاقتها به عام 2013، بعد سنتين من تعرفها عليه، فإن المراسلات التي كشف عنها الكونغرس الأميركي أخيراً أظهرت أنها لم تكن تقول الحقيقة. إذ أكّدت تلك الوثائق وجود علاقة صداقة قويّة بينهما وتبادلهما لرسائل شخصية خاصة لسنوات استمرت حتى عام 2014.

وللعلم، اعتذرت ميته ماريت لاحقاً عن علاقتها بإبستين، لكنها نفت علمها بأنه كان مُداناً بجرائم جنسية على الرغم من اعترافها في واحدة من المراسلات التي بعثتها له بأنها بحثت عن اسمه في محرّك «غوغل» وأن النتائج «لم تكن جيدة». وللعلم، أدين إبستين بجرائم جنسية وجرائم احتيال منذ عام 2005، واعتقل كذلك وحكم عليه بالسجن لأشهر عام 2008 مع أنه لم يعتقل في ملف كبير إلا في عام 2019.

فضيحة ثانية...هذه المرة لابنها

وتسببت علاقة ميته ماريت بإبستين بدعوات في الصحافة النرويجية لتجريدها من منصبها ولقبها، أسوة بالأمير أندرو في بريطانيا. واقترح البعض أن يبقى زوجها ملكاً بعد تتويجه، ولكن شرط ألا تُمنح هي اللقب ولا تُمنح أي واجبات ملكية. غير أن ارتباط الملكة الجديد بإبستين جاء وسط فضيحة أخرى ارتبطت بابنها من زوجها الأول قبل زواجها من هارالد. إذ كان ابنها داريوس يخضع لمحاكمة في جرائم اغتصاب وعنف وتهريب مخدرات، أدين فيها لاحقاً وحكم عليه بالسجن لـ4 سنوات... يخدمها الآن في الحبس المنزلي بعد إجباره على ارتداء سوار تعقُّب.

وسط كل هذه الفضائح، اختار هاكون الوقوف إلى جانب زوجته، مقدماً لها كل الدعم. وفي الواقع، فإن تلك الفضائح تعكس تاريخ الزوجين والمشاكل التي أحاطت بهما قبل زواجهما. فهي تنتمي إلى عامة الشعب، وليست ابنة عائلة أرستقراطية، ولكن تلك لم تكن العقبة الأساسية. ذلك أن الملكة سونيا، أم الملك هاكون، وزوجة الملك هارالد، كانت هي أيضاً من عامة الشعب. وكانت الأولى من العامة التي تدخل العائلة المالكة النرويجية.

غير أن تاريخ ميته ماريت، وعلاقاتها السابقة، أثبتت منذ البداية أنها تشكّل تحدّياً لولي العهد آنذاك. فقد تعارفا عام 1999، وتزوّجا بعد ذلك بـ3 سنوات، علماً بأنهما كانا يعيشان معاً قبل زواجهما، ما تسبّب كذلك بانتقادات داخل الكنيسة اللوثرية التي تنتمي إليها العائلة المالكة النرويجية.

حياة غير عادية

للعلم، كان للملكة ميته ماريت ابن يدعى ماريوس، يبلغ من العمر 4 سنوات، عندما تعرّفت على هاكون، أنجبته من رجل أُدين بحيازة مخدرات. وعُرفت ميته ماريت أيضاً بماضيها الصاخب وحياتها المتقلّبة وتعاطيها المخدرات واختلاطها بأشخاص أدينوا لاحقاً بجرائم. بيد أنها قبل زواجها من هاكون، اعتذرت علناً عن ماضيها وأعلنت إدانتها للمخدرات.

وبالنسبة لهاكون، فإنه ظل على إعجابه بها رغم ماضيها الصاخب وانتقادات الصحافة لها، وأعلن قبل زواجهما أنهما حظيا بموافقة والديه، مضيفاً: «ما وجدناه معاً كان قوياً للغاية لدرجة لم أتمكن من التخلي عنه». ومن ثم، رزُق الزوجان بإنغريد ألكسندرا عام 2004، ثم بشقيقها سفيري ماغنوس في العام التالي.

فضلاً عما سبق، ووسط الفضائح الأخيرة، عادت صحة ميته ماريت إلى الواجهة أيضاً، بعدما أعلنت العائلة المالكة عام 2018 عن إصابتها بالتليّف الرئوي المُزمن. وساءت حالتها منذ مطلع العام، ما استوجب إجراء عملية زرع رئة لها خلال يونيو (حزيران) الماضي، يبدو أنها ما زالت تعاني من تبعاتها. وجاء الإعلان عن تدهور صحة ميته ماريت في وقت كانت تجري محاكمة ابنها داريوس وسط تغطية إعلامية كبيرة في النرويج.

الأميرة مارتا لويز... والتنجيم!

من جهة ثانية، يرى متابعون أن ميته ماريت ليست وحدها مصدر القلق بالنسبة للملك هاكون أو تراجع شعبيته، بل أيضاً شقيقته مارتا لويز كذلك. فهي الأخرى تسبب بمتاعب للعائلة المالكة كان آخرها ارتباطها بدوريك فيريت، وهو معلم روحي أميركي، أفريقي الأصل، ومن المؤمنين بنظريات المؤامرة.

ويصف الإعلام النرويجي فيريت بأنه «محتال»، لكن الأميرة مارتا نفسها تتهم الإعلام بأنه «عنصري» ويهاجم زوجها لأنه أسود. وبالفعل، تخلت الأميرة عن لقبها «صاحبة السمو» عام 2022 لكي تتمكن من متابعة مشاريعها التجارية، ولكنها واصلت استخدام لقب «أميرة»، وما زالت في ترتيب ولاية العرش بعد ابنة الملك هاكون.

بل يضاف إلى ما تقدّم، أن مارتا لويز نفسها تتسبب بجدل بسبب تعريفها نفسها بأنها «منجّمة» وتزعم القدرة على الاستبصار والتكلّم مع الملائكة (!)

بالتالي، في عام 2024، أظهر استطلاع للرأي حول مستوى التأييد الشعبي للملكية تراجعه إلى 68 في المائة مقارنة بـ81 في المائة عام 2017، وسمّى المُستطلعة آراؤهم الأميرة مارتا لويز وداريوس ابن ميته ماريت، السببين الرئيسين في تراجع تأييدهم للعائلة المالكة.

هاكون... الاستثناء

في ظل كل ذلك، نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده، بالوحدة والتواضع. وحقاً، تعهّد الملك هاكون نفسه في أول خطاب وجّهه للشعب، بأنه سيتبع طريقه الخاص كما فعل والده قبله، مع التأكيد على الأسس التي بُنيت عليها الملكية الدستورية في النرويج. وأعلن أنه سيبقي على شعار والده «كل شيء للنرويج». وعلّق رئيس الوزراء النرويجي على تولي الملك هاكون العرش بالقول إنه يتشارك كثيراً من الصفات مع والده، خاصة «قدرته على خلق مناخ من الوحدة» بين النرويجيين.

مسؤوليات متزايدة ... ودور منتظر

من ناحية ثانية، مع أن هاكون توجّ ملكاً في ظروف صعبة وتراجع في شعبية العائلة المالكة، فقد ولد وكبر بانتظار يوم يغدو فيه ملكاً. ولقد تحمل في السنوات الأخيرة مسؤوليات متزايدة مع غياب والده كثيراً بداعي المرض، ما جعله متمرّساً أكثر بالدور الأكبر، رغم تشكيك البعض بقدرته على ملء مكان والده الذي كان يحظى بشعبيته كبيرة. واليوم ها هو هاكون الملك الرابع في النرويج بعد إعادة الملكية عام 1905عندما استقلت البلاد عن السويد.

وهاكون هو الابن الوحيد للملك الراحل هارالد وزوجته سونيا، وقد سمي على اسم جده الأكبر هاكون السابع، وهو أيضاً حفيد بعيد للملكة فيكتوريا، ملكة بريطانيا السابقة. ومثل معظم الرجال في العائلة المالكة، لهاكون خلفية عسكرية؛ فقد خدم في البحرية النرويجية بعد تخرجه من الأكاديمية البحرية عام 1995.

ولكن خلافاً لوالده وجدّه، فإن هاكون لم يدرس في جامعة أكسفورد العريقة في بريطانيا، بل اختار عوضاً عن ذلك جامعة كاليفورنيا - بيركلي المرموقة في الولايات المتحدة، حيث درس العلوم السياسية، ثم حصل على درجة الماجستير من مدرسة لندن للاقتصاد (LSE).

ومع أن هاكون كان يعي منذ صغره أنه وريث للعرش النرويجي، فقد وجد مسؤولياته الملكية صعبة في البداية، وكتب في مذكراته التي نشرت عام 2023: «نعم أنا من العائلة المالكة، ولكنني في المدرسة لم أشأ الحديث بالأمر، فقد كان ذلك يشعرني بالقلق». وفعلاً، بخلاف أولاد العائلة المالكة، أرتاد مدرسة عامة من مدارس الدولة في الثمانينات، ما عكس إرادة والديه آنذاك بإعطاء ولديهما نشأة عادية قدر المستطاع. وسريعاً صار هاكون ولي العهد وهو في سن الـ17 فقط عند وفاة جده الملك أولاف الخامس وتتويج أبيه هارالد ملكاً عام 1991.

تفاصيل من حياته العائلية

التقى هاكون بزوجته ميته ماريت عام 1999 في حفل موسيقي بمدينة كريستيانستاند من حيث تتحدر هي. ووصفتها الصحافة آنذاك بـ«سندريلا كريستيانستاند» نظراً لنشأتها المتواضعة هناك. وعلى الرغم من الجدل المحيط بارتباط الأمير بفتاة من العامة لديها ابن يبلغ من العمر 4 سنوات، تزوج هاكون من ميته ماريت عام 2001. وشبّه معلّقون في النرويج علاقتهما بعلاقة الملك إدوارد الثامن الذي تخلى عن العرش البريطاني كي يرتبط بواليس سيمبسون، السيدة الأميركية المطلقة.

آنذاك، تنبأ كثيرون بأن هذا الزواج قد يحمل نهاية العائلة المالكة. وتساءل كثيرون عما إذا كانت حياة ميته ماريت الصاخبة - قبل تعرفها على هاكون - مناسبة لحياة العائلة الملكية. لكنها نجحت بكسب ودّ النرويجيين عندما قدّمت اعتذاراً علنياً عن ماضيها وطلبت فتح صفحة جديدة. ومنذ زواجهما ينظر إليهما على أنهما يمثلان العائلة الملكية الحديثة، ويجيدان التواصل مع النرويجيين العاديين. ولكن شعبيتها عادت للتراجع، تحديداً مع تورط ابنها بقضايا اغتصاب، نفاها كلها، ثم تورّطها هي بعلاقة صداقة مع إبستين. ورغم تكرار العائلة الملكية بأن ماريوس لا يحمل أي ألقاب ملكية، فإن تلك الفضائح عادت وسلّطت الضوء بشكل سلبي على العائلة. وبالتالي، فالتحدّي الماثل أمام الملك هاكون اليوم هو مدى قدرته على إبعاد نفسه عن هذه الفضائح وإعادة الثقة وخلق مناخ وحدة بين النرويجيين كما فعل والده.


رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
TT

رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)

منذ استقلال النرويج عن السويد عام 1905، تعاقب على عرشها أربعة ملوك من سلالة غلوكسبورغ قبل الملك الحالي هاكون الثامن، الذي تولى العرش قبل أيام.

جدير بالذكر أن الملك في النرويج لا يتمتع بسلطات سياسية تنفيذية ولكنه يعتبر رمزاً للبلاد ووحدتها، وبالتالي يعد دوره بروتوكولياً أشبه بدور الملك في بريطانيا.

كان أول ملوك النرويج بعد الاستقلال هاكون السابع الذي تولّى العرش بين العامين 1905 و1957. وتميّز عهده الطويل بترسيخ أركان النظام الملكي الدستوري، وتعزيز الهوية الوطنية النرويجية. وكان من أبرز مفاصل حكمه إبان الحرب العالمية الثانية، عندما رفض التعاون مع الاحتلال النازي، وغادر بلاده إلى بريطانيا مع الحكومة النرويجية، ليغدو رمزاً للمقاومة والوحدة الوطنية.

خلف هاكون السابع ابنه أولاف الخامس الذي تولى العرش بين العامين 1957 و1991. عُرف بشخصيته المتواضعة والقريبة من الشعب. وشهد عهده مرحلة طويلة من الاستقرار والازدهار الاقتصادي، بالتزامن مع اكتشاف النفط والغاز في بحر الشمال، وهو ما ساهم في تحوّل النرويج إلى واحدة من أغنى دول العالم. وفضلاَ عن ذلك اشتهر الملك أولاف بحبه للرياضة والتزلج وبأسلوب حياته البسيط الذي جعله يحظى بشعبية واسعة.

هارالد الخامس، ابن أولاف، الذي توفي قبل أسبوع، ثالث ملوك النرويج. ولقد تولى العرش عام 1991 بعد وفاة والده وبقي في منصبه نحو 35 سنة حتى وفاته. وخلال سنوات عهده واجهت النرويج قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى، بينما عزّز هارالد صورة الملكية باعتبارها مؤسّسة جامعة للنرويجيين. وكان زواجه من الملكة سونيا، وهي من عامة الشعب، علامة على تغيّر المجتمع والملكية النرويجية. ومثل أبيه قبله، عرف هارالد بشخصيّته القريبة من الشعب وكان يتمتع بروح فكاهة جعلته واسع الشعبية. وبالأمس، بعد وفاته خلفه ابنه هاكون الثامن بعدما أمضى عقوداً ولياً للعهد يتأهب لدوره الملكي. وعلى الرغم من أن عهده بدأ للتو، فإن الشعبية الكبيرة التي تمتعت بها العائلة المالكة تراجعت أخيراً إلى حد ما.

الملك الجديد معروف باهتمامه بقضايا البيئة والشباب والتنمية وبخبرته الدولية الواسعة، بجانب كونه أول عاهل نرويجي يتلقى تعليمه الجامعي في الولايات المتحدة، بخلاف أبيه وجده اللذين درسا في جامعة أوكسفورد البريطانية، وهذا على الرغم من الروابط العائلية التي تجمع العائلتين الملكيتين النرويجية والبريطانية.