المغامرة الجبرانية بين التمرد على الواقع وتقويض اللغة السائدة

بعد 90 عاماً على رحيل صاحب «النبي»

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

المغامرة الجبرانية بين التمرد على الواقع وتقويض اللغة السائدة

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

قلّ أن احتل كاتب من الكتّاب المكانة المرموقة والمتفردة التي احتلها جبران خليل جبران في الوجدان العربي، بل العالمي في الوقت ذاته. وهي مكانة لم يتراجع منسوبها بعد رحيل الكاتب اللبناني عن هذا العالم، كما يحدث لكثير من الكتّاب الذين لا يتغذى بريق أسمائهم من فرادة منجزهم الإبداعي نفسه، بل من الضجيج الزائف للآيديولوجيا أو المكانة الاجتماعية أو الترويج الإعلامي. وإذا كان لتحالف الصدف والحظوظ أن يلعب في بعض الأحيان أدواراً غير قليلة في إعلاء هذا الاسم الأدبي أو طمس مكانة ذاك، لفترات محدودة من الوقت، فإن للزمن قواعده ومعاييره المختلفة التي تعيد الأمور إلى نصابها، ولو بعد حين. ولم يكن لصاحب «النبي» أن يحتفظ بكل ذلك الوهج وتلك الأصداء، لولا اجتراحه الجريء للغة طازجة ومشحونة بالصدق وملفوحة بلهب الشعر.
ومع أننا لا نستطيع التقليل من أهمية الصرخة العاتية التي أطلقها جبران في برية الجهل والخنوع العربيين، ولا من أهمية دعوته الجريئة إلى التحرر السياسي والفكري والاجتماعي، فإن علينا الإقرار بالمقابل بأن مثل هذه الدعوة لم تكن امتيازاً جبرانياً خالصاً، بل كان قد سبقه إليها، رواد نهضويون، من أمثال رفاعة الطهطاوي والكواكبي والأفغاني والشدياق ومارون النقاش وشبلي الشميل واليازجيين والبستانيين، سليمان وبطرس، وكثر غيرهم. لكن ما ميّز صاحب «رمل وزبد» عن سواه، هو انتقاله، كما ورد آنفاً، بلغة الضاد من طور إلى طور، بعد أن تسببت بفقرها المدقع إشاحة الدولة العثمانية المتداعية بوجهها عن كل ما يتصل بإنشاء المدارس والجامعات والصروح التربوية والثقافية، ما أطفأ في متون القصائد والنصوص كل أثر للإبداع، وحوّلها إلى منصات للفراغ والحذلقة واللعب الشكلاني.
قد يكون النص الركيك والمليء بالأخطاء الذي صيغت من خلاله «وثيقة أنطلياس» الموقعة عام 1840 من قبل زعماء الطوائف اللبنانية، المتعاهدين يومها على التآزر في مواجهة قوى الهيمنة الخارجية، ليس سوى الترجمة الفعلية للحالة البائسة التي بلغتها اللغة الفصحى؛ حيث نقرأ في مطلع الوثيقة: «إنه يوم تاريخه قد حضرنا إلى مار إلياس أنطلياس نحن المذكورة أسماؤنا به بوجه العموم من دروز ونصارى ومتوله وإسلام المعروفين بجبل لبنان من كافة القرى وقسمنا يمين على مذبح القديس المرقوم وبأننا لا نخون ولا نطابق بضرر واحد منا كلياً بل يكون القول واحد والري (الرأي) واحد». ويكفي أن يتناول المرء أياً من نصوص جبران اللاحقة، ليتبين له أن ما أضافه جبران إلى العربية، على مستويات الحساسية والمعجم والتخييل المجازي والتركيب النحوي، يحملنا على الاعتقاد بأن لغة أخرى، يانعةً ورشيقة وموصولةً بالشرايين، قد وُلدت على يدي الكاتب اللبناني المهجري. إنها لغة تتوهج في كنف الحياة، لا في كنف التقعر والافتعال والتصحر الروحي. وهي لغة تتفتح في داخلها ضروب الفنون كافة، وبخاصة الموسيقى التي أولاها جبران كل عنايته، والتي خاطبها بالقول: «يا خيالات القلب البشري. يا ثمرة الحزن وزهرة الفرح. يا رائحة متصاعدة من طاقة زهور الشعائر المضمومة. يا صائغة الدموع من العواطف المكنونة. يا موحيةَ الشعراء ومنظمةَ عقود الأوزان».
على أن المشروع النهضوي الجبراني لم يكن له أن يتحقق من خلال الموهبة وحدها، حتى لو تغذت مخيلته الشاهقة من الجذور الينبوعية الموغلة في قِدمها لغابة الأرز، وللمنحدرات السيفية السحيقة لوادي قاديشا، بل من ذلك التكامل الخلاق بين الإقامة والرحيل، بين أمومة الجذور وأنوثة الأمواج ؛ حيث تمكن صاحب «الأرواح المتمردة»، متنقلاً بين بوسطن ونيويورك وباريس وغيرها من المدن، أن يحقق للغة العربية قيامتها الموعودة، وأن يوائم بنجاح بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب وكشوفه الثقافية المختلفة. هكذا بدت التجربة الجبرانية، بمثابة دحض تلقائي لمقولة كيبلينغ الشهيرة «الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان»، مؤكدة بذلك على أنه يمكن لشجرة المعرفة الإنسانية أن تعطي أفضل الثمار، في ظل تنوع التربة وتعدد مصادر الغذاء والمناخ والضوء، تماماً كما حدث من قبل مع التجربتين الهيلينية والأندلسية، وما كرسته زمن جبران تجربة الأدب المهجري، وما أكدته في وقت لاحق المغامرة الرائدة لشعر الحداثة العربي.
أما الذين يأخذون على جبران عدم التفاته الكافي إلى موجبات البلاغة العربية التقليدية، وصولاً إلى وقوعه في بعض الأخطاء النحوية والصرفية، فهم يجانبون الحقيقة تماماً، لأن اللغة عند جبران لم تعد معادلاً للتصنيم النحوي والقواعد الجامدة والمحسنات المتعسفة والتنقيط اللفظي البهلواني، بل باتت معادلاً للحياة نفسها في تألقها أو انطفائها، في اكتظاظها بالعتمة والألم، كما في تحالفها مع الفرح والفتنة وبراعم الجمال. وهؤلاء أيضاً ينسون أو يتناسون، أن تجديد اللغات المختلفة لا يتم بالقطع على أيدي النحاة وحراس التنميط البلاغي ومفتي التقعر اللفظي والأسلوبي، بل كان دائماً وما يزال مهمة الشعراء والمبدعين، الذين يختبرون اللغة بالقلب والحدس والحساسية المرهفة. والأدل على هذا الرأي هو ذهاب جبران نفسه في مقالة له إلى الاعتراف بأنه «لم يلجأ إلى القواميس العربية أكثر من مرات ست في حياته، وأنه لم يدرك استخدامه للغة العربية بشكل يختلف عن الآخرين، قبل أن يخبره الآخرون عن ذلك».
لقد عرف جبران كيف يصغى بانتباه شديد إلى تحولات عصره وإيقاعاته وأسئلته المؤرقة. فهو لم يتوانَ، في الشطر المشرقي من التأثرات، عن النهل من ينابيع الكتاب المقدس، وخاصة «نشيد الأناشيد» وبعض أسفار العهد القديم، ومن الصيغ الإنجيلية ومناخات القرآن الكريم. كما لم يتوانَ عن التفاعل، في الجانب الغربي، مع رسوم وليم بلايك وأدبه المناهض لبلادة العقل، والقائم على البصيرة وحدوسها الكاشفة، أو مع الهندسة الجمالية والروحية لمنحوتات رودان، أو مع أدب نيتشه ذي النزوع الديونيزي المعتمد على قوة العصب والانبثاق الفطري للرؤى والأشكال، والمنادي بالنزوع الشهواني ومبدأ الإنسان المتفوق. وهو ما بدت تمثلاته واضحة في كثير من مؤلفات جبران، وخاصة في «العواصف» و«الأرواح المتمردة» و«المجنون». ومع ذلك فجبران الكاره للجمود والباحث عن التحول، لم يكن ليستكين في كنف أحد، حتى كنف منجزه الشخصي السابق. وهو ما يفسر افتراق «النبي» عن «زرادشت» حين قرر النزول عن ظهر الأعاصير، لكي يؤسس مملكة الرجاء الوادع ومدن الهدوء الحكيم. كما أن نقمة جبران على نظام الإكليروس المسيحي وما يستتبعه من مظاهر البذخ والبطش والفساد، لم تجعله بأي حال مناوئاً للمسيح نفسه، كما فعل نيتشه.
ثمة بالطبع من يأخذ على جبران تشتته وترحّله المستمر بين الفنون، ورغبته في أن يكون الناثر والروائي والقاص والرسام والمفكر والفيلسوف والشاعر في آن واحد، الأمر الذي حرمه من التركيز على فن بعينه، وجعله غير قادر على الذهاب بكل منها إلى تخومها الأخيرة. ومع أن هذا التوصيف ليس بعيداً من حيث المبدأ عن الحقيقة، فإن على الآخذين به أن يدركوا بالمقابل، أن الفنون المختلفة التي قاربها جبران كان يحركها لهب واحد، وشغف غير محدود بالخروج من دوامة الانحطاط والتقوقع الظلامي، فضلاً عن أن مثقفاً ومبدعاً متعدد المواهب كجبران، يجب أن ينظر إليه كصاحب مشروع ثقافي وتنويري متعدد الوجوه والتجليات، وكمبتكر لغة وأسلوب جديدين، قبل أي شيء آخر. وهو ما يؤكده قوله عن نفسه في إحدى مقالاته: «أنا لست مفكراً، أنا خالق أشكال».
وككل «خالق أشكال» واجه جبران على امتداد حياته القصيرة كثيراً من العنت والغربة وسوء الفهم. وهو ما عكسه قول ماري هاسكل عنه بأنه «كان يقيم في ظل إله غريب». وإذا كانت الوحشة والمنفى والاغتراب الوجودي، هي من بين العلامات الفارقة لمغامرة الحداثة، فإن في سيرة جبران ونصوصه ومكابداته الروحية القاسية، ما يجعل منه أحد أبرز الرموز المؤسسة للحداثة العربية الأولى، ولاستتباعاتها اللاحقة فيما بعد. وهو ما تؤكده نصوص كثيرة، من بينها قوله في «العواصف»: «أنا غريب في هذا العالم. أنا غريب وقد جبتُ مشارق الأرض ومغاربه فلم أجد مسقط رأسي، ولا لقيت من يعرفني ويسمع بي».
لقد كان جبران في المحصلة الأخيرة أقرب إلى روح الشاعر منه إلى الفيلسوف أو المفكر السياسي والمصلح الاجتماعي. على أن شاعريته العالية، في رأيي، تتبدى عبر نصوصه النثرية المختلفة، أكثر مما تتبدى في قصائده الموزونة التي رغم سلاستها الرشيقة لم تقدم أي إضافة حقيقية إلى شعرية أسلافه أو معاصريه. وهو أمر يمكن تفسيره بأن نثر جبران المفرط في موسيقاه وثرائه التخييلي، لم يترك لشعره المنظوم ما يفعله أو يضيفه إليه. ولا ينأون كثيراً عن الحقيقة أولئك الذين أطلقوا على بعض نصوص جبران النثرية تسمية «الشعر المنثور»، كما فعل جرجي زيدان وميخائيل نعيمة وتوفيق صايغ وآخرون. كما أن بعض الإشراقات الأدبية الجبرانية لم ترهص بقصيدة النثر وحدها، بل أرهصت كذلك بما أُطلق عليه فيما بعد تسمية «النص المفتوح» الذي يصهر الفنون، بقدر ما يصهر الأزمنة كلها، في بوتقة واحدة، كما في قوله مخاطباً الحرية بلسان خليل الكافر: «من منبع النيل إلى مصب الفرات يتصاعد نحوك عويل النفوس، متموجاً مع صراخ الهاوية. ومن أطراف الجزيرة إلى جبهة لبنان تمتد إليك الأيدي مرتعشة بنزع الموت. ومن شاطئ الخليج إلى أذيال الصحراء ترتفع نحوك الأعين مغمورة بذوبان الأفئدة. فالتفتي أيتها الحرية وانظرينا».



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.