لبنان: الانهيارات تسابق التسويات

بعد فشل المبادرة الفرنسية

لبنان: الانهيارات تسابق التسويات
TT

لبنان: الانهيارات تسابق التسويات

لبنان: الانهيارات تسابق التسويات

يشبه لبنان اليوم قطاراً فقد مكابحه ويتجه بسرعة قصوى إلى اصطدام يهدد نظامه بعد انهيار قسم من مؤسساته وقطاعاته. إذ فشل اللبنانيون في التقاط حبل النجاة الأخير الذي ألقاه لهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد انفجار مرفأ بيروت في أغسطس (آب) الماضي، والذي تمثل بما عرف بـ«المبادرة الفرنسية» القائمة على فكرة تشكيل حكومة اختصاصيين تسارع لإنجاز إصلاحات تسمح للبلاد بالحصول على مساعدات خارجية.
وعلى الرغم من التداعيات الكارثية للانهيار الاقتصادي المتمادي والضغوط الدولية، التي قادتها فرنسا تحديداً، أخفقت القوى السياسية بالاتفاق على تشكيل حكومة، وبالأخص، بعد تصاعد الخلاف بين المعنيين الأساسيين دستورياً بعملية التشكيل، أي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف، وانقطاع التواصل بينهما منذ أشهر.
وسط الأزمة السياسية اللبنانية المستعصية لوّحت مصادر رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري أخيراً بورقة الاعتذار خلال الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان، الذي هدّد من بيروت بفرض عقوبات إضافية على المسؤولين اللبنانيين للحؤول دون «انتحار جماعي». ومعلوم أنه في محاولة لمضاعفة الضغوط على الطبقة السياسية، فرضت فرنسا الشهر الماضي قيوداً على دخول شخصيات لبنانية تعتبرها مسؤولة عن المراوحة السياسية والفساد. ولكن لم يجر حتى الآن الإفصاح عن هوية هؤلاء الشخصيات أو ماهيّة القيود.
- المبادرة الفرنسية انتهت
الأستاذ الجامعي في العلوم السياسية ميشال دويهي يقول، إن «المبادرة الفرنسية» انتهت ولم يبق منها إلا الاسم منذ التعديلات التي بدأها الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه عليها»، وذلك «من خلال إشراك الطبقة السياسية الفاسدة بحل الأزمة، وانتقاله بعدها للاجتماع والتفاهم مع السياسيين، لا سيما عبر الاجتماعات الأولى في قصر الصنوبر (مقر السفارة الفرنسية في بيروت)». ويتابع دويهي في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إن «المبادرة الفرنسية فشلت عندما قرّر ماكرون الفصل بين السياسة من جهة والاقتصاد والإصلاح من جهة أخرى، ومن ثم رضخ لرفض معظم القوى السياسة طرح الانتخابات النيابية المبكّرة مقابل تشكيل حكومة». وشدّد على أن «الإشكالية في البلد (أي لبنان) بالسياسة وليست بالاقتصاد... باعتبار أن الانهيار الاقتصادي الذي نشهده ليس محصوراً بالسياسات المالية والاقتصادية الخاطئة، بل وبشكل أساسي بالطبقة الفاشلة ومن ثم الفساد والزبائنية وغياب المحاسبة والرقابة».
دويهي يعتبر أن الإدارة الفرنسية تتحمّل مسؤولية ما آلت إليه الأمور «لأنها صدّقت أن هذه الطبقة ستقوم بالإصلاحات المطلوبة، في حين الحقيقة أنها تعي أن الإصلاح في أي قطاع سيشكل نهايتها؛ كونه سينسحب بعدها على كل القطاعات، ثم إن النظام الإيراني بواسطة (حزب الله) لن يعطي فرنسا مكتسبات سياسية... لأنه يفضل أن يتواصل مباشرة مع الأميركيين»، لافتاً إلى أن «الفرنسيين حاولوا أن يرضوا الجميع، في حين أنه لا يمكن لأي مبادرة أن تنجح على هذا الأساس».
- تجاهل موضوع السلاح
ويذهب المحلل السياسي سام منسّى أبعد من ذلك، معتبراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «مقتل المبادرة الفرنسية كان بتجاهل ماكرون موضوع سلاح (حزب الله)، وهيمنة الحزب على صناعة القرار في لبنان، والذهاب للاجتماع بممثل عن الحزب هو عبر النائب محمد رعد من دون أن يأخذ بعين الاعتبار أنه إذا أرادت إيران أن تقدّم تسهيلات ما، فهي ستقدّمها للأميركيين وليس للفرنسيين».
ويرى منسّى أن «الانتكاسات الكثيرة والمتسارعة التي أصيبت بها المبادرة الفرنسية جاءت لتقوّض الاستماتة الفرنسية لتحقيق إنجاز انتشال لبنان من أزمته. وهذه استماتة تعتمد، لا شك، على حسابات فرنسية مرتبطة بالدور الإقليمي لفرنسا وعلاقة باريس بطهران... وذلك باعتبار أن جانباً من الهروَلة الأوروبية لدفع واشنطن إلى العودة إلى الاتفاق النووي وتحسين علاقات الولايات المتحدة الأميركية بطهران هدفه تشجيع الاستثمارات الأوروبية، فرنسية وغير فرنسية، في إيران».
في المقابل، بخلاف التقارير عن أن باريس تخلّت عن جهودها والمساعي التي تبذلها في لبنان، نقلت «الشرق الأوسط» أخيراً عن مصادر فرنسية تأكيدها أن باريس «لم تتخلَ عن لبنان»، بل ما زالت ماضية في متابعة أوضاعه، ولكن «وفق منهج مختلف» عما طرحته في المرحلة الأولى. وتضيف، أن هذا المنهج ينطوي على طريقين: فرض عقوبات إضافية من جهة، ومن جهة أخرى الاستمرار في دفع جهود الاتحاد الأوروبي إلى الأمام من أجل التوافق على عقوبات أوروبية جماعية، على الرغم من التردّد الذي أبدته بعض حكومات دول الاتحاد.
- ترقب نتائج المفاوضات
في هذه الأثناء، لا تقتصر تداعيات سقوط «المبادرة الفرنسية» على عملية تشكيل الحكومة التي لا تزال عالقة في عنق الزجاجة؛ إذ ينبّه العميد المتقاعد خالد حمادة، مدير «المنتدى الإقليمي للدراسات والاستشارات» في بيروت، من أن «انتهاء المبادرة الفرنسية وعودة لودريان إلى باريس خالي الوفاض قطعت آخر خطوط التواصل بين لبنان والعالم الغربي، بعدما كانت باريس تسعى لوضع لبنان على قائمة القضايا التي تناقشها الأسرة الدولية». ويرى العميد حمادة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «لبنان أصبح خارج كل ما يتّصل بالقرار الدولي. يضاف إلى ذلك توقف المفاوضات غير المباشرة مع الجانب الإسرائيلي عبر الوسيط الأميركي... وهو نطاق كان يمكن العبور منه لمعالجة الأزمة اللبنانية».
ويضيف حمادة، أن «لبنان بات معزولاً دولياً، هذا بالإضافة إلى أنّ حالة العدمية السياسية والانهيار الاقتصادي وفوضى الأسعار قد تؤدي إلى احتمالات مفتوحة لا نستطيع التنبؤ بها. فبعدما تخلى لبنان عن أبسط مقوّماته كدولة وأضحى يفتقر لأي اهتمام، قد تتجه الساحة اللبنانية نحو شكل من أشكال الانفجار ليس بفعل العاملين الاقتصادي والاجتماعي فقط، إنما أيضاً لتنفيذ أجندة سياسية تستخدم الساحة اللبنانية». ويتابع «ربما سيكون هناك نوع من الاجتهاد من قبل بعض الدول الغربية لإعادة بعض الخصوصية للبنان مقابل تقديمات أخرى ومكاسب لإيران، لكن في كل الأحوال ما يمكن تأكيده أن لبنان تحوّل من دولة إلى ورقة تفاوض». وهنا يستبعد حمادة تماماً أن تؤدّي التطورات في المنطقة إلى «تعويم العهد»، معتبراً أن «العهد (أي رئاسة الرئيس ميشال عون) سقط وانتهى ولا أحد يسعى لتعويمه... فحتى (حزب الله) يريد في المرحلة المقبلة أن يصبح مقبولاً دولياً بمعزل عن تحالفه مع (التيار الوطني الحر)؛ وهو ما يسمح بالاستغناء عن حلفائه المحليين الذين باتوا يمثلون عبئاً وشراكة لا تقدّم له شيئاً».
في سياق موازٍ، بدأ «التيار الوطني الحر» - الذي أسّسه عون - يبني على الحراك الحاصل في المنطقة والمفاوضات الناشطة على أكثر من صعيد ليثبت «نجاح خياراته السياسية». ويبدو أنه يتّجه نحو التشدّد أكثر في عملية تشكيل الحكومة لاعتقاده أن المسارين الدولي والإقليمي للأحداث يصبّان لصالح المحوَر الذي ينتمي إليه ولصالح حليفه «حزب الله». وهنا تعتبر مصادر «التيار» في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن تلويح الحريري بورقة الاعتذار أخيراً «إنما يندرج ضمن إطار قراءته لتطور الأوضاع لصالح اخصامه، لكنه حتى الساعة لا يزال يدرس حجم الخسارات التي سيتكبّدها... وما إذا كان قادراً على استيعابها قبل سنة واحدة من موعد الانتخابات النيابية».
حول هذه النقطة، يرى ميشال دويهي أن «وضع الحريري بات صعباً، خاصة أن مستقبله السياسي لا يبدو واضحاً إذا قرّر الاعتذار مثلاً... وإن البعض سيقرأ بذلك رضوخاً منه للعهد». في حين يعتقد سام منسّى، أن «مشكلة الحريري الأساسية تكمن في كون روح المبادرة الفرنسية غير موجودة أصلاً في تعاطيه مع كل الملف الحكومي». أما الكاتب والباحث قاسم قصير – القريب من بيئة «حزب الله» – فيعتبر أن كل الخيارات والاحتمالات واردة، «فإما التوصل إلى تسوية حكومية بعد عيد الفطر أو الذهاب إلى المزيد من الأوضاع الأمنية في وضع بات مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى بما ستؤول إليه المفاوضات الناشطة في المنطقة»، ويلفت قصير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «المساعي التي بُذلت في الأيام الماضية لصياغة تسوية داخلية اصطدمت بحجم الهوة التي أضحت غير مسبوقة بين بعبدا (عون) وبيت الوسط (الحريري)؛ ما يجعل الجميع مترقباً تسوية دولية أو إقليمية كبرى ينصاع لنتائجها الفرقاء اللبنانيون».
- مصير لبنان
هنا يتحدث البعض عن تسوية داخلية محدودة قد تبصر النور نتيجة تطورات المنطقة، فتكون شبيهة بالتسوية الرئاسية التي أمكن التوصل إليها عام 2016 وأدت إلى انتخاب عون رئيساً للجمهورية، بينما لا يستبعد آخرون أن نكون قد اقتربنا أكثر من أي وقت مضى من إعادة النظر بالنظام ككل.
العميد خالد حمادة يعتقد أن أحداً من اللاعبين الدوليين لا يريد تقسيم لبنان أو تعديل دستوره. ويقول إن «الخلافات الداخلية حول أدوار الطوائف في النظام وحصة كل منها داخل التركيبة، موضوع لبناني بحت لا يتصل إطلاقاً بما يجري تداوله على الساحتين الدولية الإقليمية»، ويستطرد «كيفما كان شكل النظام اللبناني فإن استمرار لبنان في حالة التماهي مع طهران من دون أن يكون له أي حيثية وطنية، سيبقيه فاقداً قراره السياسي والاقتصادي». ثم يشير إلى أن لبنان «دخل مرحلة العدمية السياسية والاقتصادية، ولم يعد هناك مؤسسات صانعة للقرار أو جمهور لبناني ينظر باحترام إلى السلطة السياسية»، موضحاً «نحن مستمرون كدولة مفكّكة إلى أن يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود في المفاوضات الناشطة حالياً، ولا يبدو أن ذلك سيحصل قريباً».
ومن جهته، يعتبر سام منسّى أن «ما نشهده اليوم هو تغيير هوية وبنية البلد الاجتماعية. فالتركيبة المتعارف عليها سقطت تماماً كما لبنان الذي كنا نعرفه، علماً بأن النظام على مستوى الممارسة لا يطبَّق إلا نظرياً منذ الحرب الأهلية من خلال تركيبات تعكس موازين القوى».
مع هذا، لا يبدو منسّى ممن يروّجون لانفجار اجتماعي مقبل، لافتاً إلى أنه «رغم كل الصعوبات التي مررنا ونمرّ بها، من فقدان الودائع وانهيار الليرة وتفجير مرفأ بيروت والدمار الذي خلفه، وكلها تؤشّر لإمكانية الوصول لانفجار اجتماعي، فإنني أستبعد ذلك. لكنني في الوقت عينه أرجح ازدياد الجرائم والسرقات والفلتان والاضطرابات في بعض المناطق. ذلك أن انهيار الوضع الأمني لا يبدو لي حاصلاً؛ لأن هناك سلطة للجيش موجودة ودوره منسَّق مع (حزب الله) ولا وجود لطرف ثان يستطيع خوض المواجهة مع الحزب». ويتابع منسّى، أن «أساس الأزمة اللبنانية هو وجود قوة تابعة لدولة لها مصالحها وأدوارها التي لا شك ستنعكس على لبنان. وميزان القوى اليوم ليس لصالح لبنان الذي نعرفه ولم يعد هناك مِن دور يلعبه بعدما تلاشى الاهتمام الخارجي به، أضف إلى أنه لا أدوات ولا قضية للقوى الأخرى في لبنان».
قصير يقرّ بأن «لبنان يعيش مرحلة انتقالية صعبة»، وهنا يشدد دويهي على أن «الانهيار المالي والاقتصادي يؤدي تلقائياً إلى انهيار اجتماعي في ظل توجه الناس لتناتش السلع والخدمات؛ لأن الدولة لن تكون بعد اليوم قادرة على تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين». ومن ثم، يقول إنه «حتى إبّان الحرب الأهلية (1975 - 1990) لم يعرف لبنان الجوع والمجاعة؛ لأنه كان هناك دولارات تدخل إلى البلد بخلاف ما يحصل اليوم عندما غدا اللبنانيون متروكين لمصيرهم... ولكن رغم كل ذلك نستبعد حرباً أهلية بالتوازي مع توقع ارتفاع معدلات الجرائم والسرقات والعنف».
- أخيراً... ماذا عن الحلول؟
كثيرون ينظرون إلى الانتخابات النيابية المقبلة - المفترض تنظيمها بعد سنة بالتحديد - على أنها ستكون بوابة الخلاص للبنانيين. ويعتقد هؤلاء أنها ستؤدي إلى خرق كبير لقوى ومجموعات المعارضة؛ نظراً إلى أن المناخ العام هو ضد الطبقة السياسية التقليدية منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، تاريخ «الانتفاضة» الشعبية الأخيرة. بيد أن آخرين لا يظنون أن حصولها محسوم لأن القوى السياسية قد تعمد إلى تأجيلها تخوفا من نتائجها، وهو ما يعبّر عنه سام منسى الذي يرى أنه «من السابق لأوانه الجزم حول ما كان تطور الأمور يجعل الانتخابات النيابية موجودة على (أجندة) فريق (الممانعة)، أي الفريق الانقلابي الذي حلف عون – (حزب الله)، وإذا ما كان المطلوب إجراء الاستحقاقات في مواعيدها أو إعادة النظر بنظام وشكل الحكم ككل».
من جانبه، يؤكد دويهي أن «كل الطبقة السياسية الحالية لا تريد أن تخوض انتخابات نيابية لتخوّفها من أن يحاسبها الناس في صناديق الاقتراع... فهي لطالما وظفت القوانين الانتخابية لتجدد شرعيتها لا لضمان انتقال للسلطة»، معتبراً أن «الضغوط الدولية الكبيرة التي بدأت لضمان إجراء الانتخابات في موعدها، والتي تترافق مع ضغوط تمارسها قوى المعارضة في الداخل، خطوات أساسية للتصدي لمخططات قوى السلطة”. ومن ثم، يرى دويهي - كما كثيرون سواه – في الانتخابات المقبلة «آخر فرصة للتغيير السياسي وفق الآليات الدستورية... فهي قد تكون بداية خلاص لبنان. ولكن المطلوب من قوى المعارضة توحيد خطابها المفترض أن يكون مقنعاً ويقدم مشاريع حلول فلا يقتصر على انتقاد الطبقة السياسية».
والجدير بالذكر، أن الوزير الفرنسي لودريان التقى أثناء زيارته الأخيرة إلى بيروت ممثلين عن مجموعات معارضة، شاركت في «انتفاضة” عام 2019، ونقلت هذه المجموعات للمسؤول الفرنسي خشيتها من أن تعمد الطبقة السياسية إلى تأجيل الانتخابات التشريعية المرتقبة في ربيع 2022.
- 5 معضلات شائكة تعمّق الانهيارات
> يتحدث مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت، وهو مبادرة بحثية تهدف إلى دراسة الأزمات في لبنان ورصد تداعياتها واقتراح طرق لمقاربتها، عن خمس قضايا يجب ترقّبها ومقاربتها في المرحلة المقبلة، ولا سيما بعد رفع الدعم عن السلع الأساسية، وبالتالي ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، هي:
- زيادة كبيرة في معدّلي البطالة والفقر. إذ يتوقع أن يؤدّي التدهور الاقتصادي مصحوباً بالتضخّم إلى إغلاق المزيد من المؤسّسات وتوقّف العديد من القطاعات. وهو ما يعني فقدان العديد من فرص العمل، القليلة بالأساس، وارتفاع معدّل البطالة وتدني القوّة الشرائية وارتفاع معدّل الفقر.
- تأزم أوضاع القطاع الصحّي وهجرة العاملين فيه، ما يُهدّد بفشل احتواء جائحة «كوفيد - 19»، وتراجع مستوى الخدمات الطبية، وخسارة لبنان دوره الرائد كـ«مستشفى الشرق الأوسط».
- تدهور مستوى التعليم، وخصوصاً نتيجة تراجع قدرة العائلات على تعليم أبنائها في المدارس والجامعات الخاصّة، ونضوب الموارد المالية المُتاحة للاستدانة ودعم الطلب على هذا التعليم، فضلاً عن تفريغ هذه المؤسّسات الخاصّة من كوادرها وتراجع مستوياتها نتيجة تراجع الأجور وتدحرج الانهيار.
- زيادة التوترات الاجتماعية والعنف ومعدّلات الجريمة، فخلال فترة «الكساد الكبير» عام 1929 في الولايات المّتحدة كان الناس يرمون بأنفسهم من النوافذ انتحاراً نتيجة تنامي معدّلي الفقر والبطالة، في حين نشط عمل المافيات وعصابات الجريمة المنظّمة والسرقات. هذه السيناريوهات تكاد تكون واحدة في معظم المجتمعات التي تشهد أزمات اقتصادية، وهو ما يرجّح حصوله في لبنان أيضاً.
- تنامي النزعات الانفصالية وتعميق سياسات الهوية، باعتبار أنه خلال الأزمات العميقة، تبرز غالباً النزعات القومية والانعزالية، وأخطرها تلك التي تعبّر عنها التنظيمات السياسية اليمينية والشعبوية؛ نظراً لقدرتها على حرف الخطاب العام عن أسباب المشكلة نحو النتائج التي أوصلت إليها، بما يؤدّي إلى تكرار الوقوع في المشكلة نفسها.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟