إيليز ستيفانيك...أقوى امرأة في الحزب الجمهوري بعد إطاحة ليز تشيني

مسيرتها تعكس صعود اليمين الأميركي في عهد ترمب مقابل الليبراليين

إيليز ستيفانيك...أقوى امرأة في الحزب الجمهوري بعد إطاحة ليز تشيني
TT

إيليز ستيفانيك...أقوى امرأة في الحزب الجمهوري بعد إطاحة ليز تشيني

إيليز ستيفانيك...أقوى امرأة في الحزب الجمهوري بعد إطاحة ليز تشيني

في تصويت غير عادي يشبه «رفع الأيدي»، أقال نواب الحزب الجمهوري الأميركي يوم الأربعاء الماضي رئيسة مؤتمر الحزب ليز تشيني، ابنة نائب رئيس الجمهورية الأسبق ديك تشيني، من منصبها القيادي، عقاباً لها على معارضتها للرئيس السابق دونالد ترمب وإصرارها على دحض ادعاءاته بأن انتخابات عام 2020 سرقت منه. ولقد وقع الخيار لخلافتها على النائبة إيليز ستيفانيك، عضو مجلس النواب عن ولاية نيويورك، التي تحظى برضا ودعم ترمب.
في قراءة سياسية، تشير عملية التصويت على إقالة تشيني إلى خطورة وراديكالية التحولات التي طرأت على تقاليد الحزب الجمهوري العريقة، في استسلام غير عادي أمام تيار ترمب، الذي تحوّل بفضل خطابه اليميني الشعبوي إلى ظاهرة لم تعهدها الولايات المتحدة في تاريخها من قبل.
التصويت على إسقاط ليز تشيني اعتبر سابقة «غير ديمقراطية»، في حزب كان ولا يزال يعتبر نفسه إحدى قلاع الديمقراطية. إذ امتنعت الهيئة العامة لنواب الحزب عن تسجيل أسماء مَن صوّت مع إقالة تشيني، ومَن صوت ضدها. غير أنها ذكرت أن النواب صوّتوا بغالبية ساحقة، حفاظاً على صورة «الإجماع» حول «وحدة الحزب». من ناحية ثانية، يشير هذا التصويت أيضاً إلى أن رهان الحزب على الاحتفاظ بوحدته قائم الآن على مدى قدرته على الاحتفاظ بقاعدته الشعبية التي تدين بغالبيتها لترمب، وفق الاستطلاعات، ما يجعله «صانعاً» لمرشحي الحزب في انتخابات 2022 النصفية لتجديد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ.
تشيني التي نجت بسهولة من تصويت مماثل في فبراير (شباط) الماضي، كانت لا تزال تحظى بتأييد كبار قيادات الحزب الجمهوري، على رأسهم زعيم الأقلية في مجلس النواب كيفن مكارثي، الذين حاولوا التوصل إلى تسوية معها ومع ترمب. إلا أنه بعد تمسكها بموقفها وتصعيد ترمب ضغوطه وتهديده العلني بأنه على استعداد لتشكيل حزب جديد، رضخت تلك القيادات لرغبته، مضحية بتقاليد الحزب على أمل استعادة السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ... وطبعاً الرئاسة.
أيضاً، مثّلت إقالة تشيني سابقة في الذاكرة الحديثة فهي المرة الأولى التي يُطاح فيها بزعيم الحزب الجمهوري في الكونغرس من قبل «نواب متدرجين». ولقد خرجت تشيني من الاجتماع المغلق الذي صوّت على إقالتها، متعهدة بلهجة أكثر تحدياً بأنها ستواصل العمل على «منع فوز ترمب مجدداً بالرئاسة». بل قالت حرفياً: «سأبذل كل ما في وسعي للحرص على منع وصوله إلى أي مكان قرب البيت الأبيض. رأينا الخطر الذي لا يزال يشكله حتى الساعة من خلال تصريحاته، ورأينا غياب احترامه للدستور، ومن المهم أن نحرص على أن يكون الشخص الذي ننتخبه وفياً للدستور».
- ستيفانيك خلفاً لتشيني
ليز تشيني التي أعلنت أنها ستواصل عملها السياسي داخل الحزب وخارجه، كانت من بين أبرز الشخصيات المؤهلة للعب دور قيادي، سواء عبر احتمال توليها منصب رئيسة مجلس النواب، في حال سيطرة الجمهوريين عليه، حتى الترشح لمنصب الرئاسة. غير أن إقالتها بهذا الشكل قد تنعكس على الحزب وتماسكه، على الرغم من قبضة ترمب عليه الآن. كذلك ألقت تصريحاتها، التي لا تزال تلقى صدى في صفوف الحزب الجمهوري، ظلالاً من الشك أيضاً على دور خليفتها إيليز ستيفانيك، التي يتهمها بعض غلاة اليمين بأنها «ليبرالية» للغاية، وقد لا تستطيع «تمثيل 212 نائباً جمهورياً في المجلس». إذ يشير منتقدو ستيفانيك إلى تصويتها ضد تخفيضات ترمب الضريبية عام 2017 ومعارضتها عدداً من مشروعات قوانين أمن الحدود التي كان يضغط ترمب لتنفيذها. وقال النائب تشيب روي من ولاية تكساس عضو كتلة «الحرية» المحافظة: «يجب أن نتجنب تكليف الجمهوريين الذين يقومون بحملتهم الانتخابية بصفتهم جمهوريين، لكنهم يصوتون بعد ذلك لصالح أجندة الديمقراطيين ويدفعون بها بعد أداء اليمين الدستورية». وذهب روي وبعض غلاة المحافظين الآخرين إلى حد الدعوة للإبقاء على منصب تشيني شاغراً، وهي خطوة كان من شأنها السماح لنائبها مايك جونسون (من ولاية كاليفورنيا) الذي وافق على ذلك، أن يشغل دور كبير الجمهوريين في مجلس النواب حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. غير أن المحافظين الآخرين ألقوا بثقلهم وراء ستيفانيك، وأشادوا بمهاراتها في التواصل ودورها في الدفاع عن ترمب خلال أول محاكمة لعزله. وقال النائب جيم جوردان (من ولاية أوهايو)، الرئيس السابق لـ«الحرية» وحليف ترمب المقرب: «لقد حصلت على دعم الرئيس ودعم الزعيم ودعم مسؤول النظام... وأعتقد أنها ستكون على الأرجح رئيسة المؤتمر التالية، أليس كذلك؟»
- يمين محافظ ويسار راديكالي
مراجعة سجلّ ستيفانيك وتاريخها السياسي، قد يسلط الضوء، ليس فقط على التحولات التي جعلت منها الخيار المفضل لترمب، بل على التغييرات التي طرأت على ولاية نيويورك مسقط رأسها وولاية ترمب الأصلية أيضاً.
نيويورك، التي تعد معقلاً رئيساً للديمقراطيين وللجمهوريين «المعتدلين»، شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولين أساسيين؛ صعود ظاهرة اليساريين التقدميين الأكثر راديكالية في صفوف الحزب الديمقراطي، عُبر عنها بانتخاب أشخاص من أمثال آلكساندريا أوكاسيو - كورتيز... مقابل انزياح بعض ليبراليّي الحزب الجمهوري نحو اليمين المحافظ، وهو عبّرت عنه ستيفانيك نفسها.
وفي 12 يناير (كانون الثاني) 2021، أعلنت جامعة هارفارد العريقة؛ حيث تخرجت ستيفانيك في «معهد كنيدي للسياسة» عام 2006، إزالتها من منصبها في اللجنة الاستشارية العليا للمعهد، بسبب «دورها في الترويج لمزاعم كاذبة بوجود تزوير واسع النطاق في الانتخابات الرئاسية». وقال عميد المعهد دوغ إلمندورف في بيان: «إيليز أصدرت تأكيدات علنية عن تزوير الانتخابات الرئاسية ليس لها أساس من الأدلة، وأدلت بتصريحات كاذبة حول إجراءات المحكمة المتعلقة بالانتخابات». وأضاف: «علاوة على ذلك، فإن هذه التأكيدات والبيانات لا تعبر عن الخلافات السياسية، بل تمس أسس العملية الانتخابية التي يُختار عبرها قادة هذا البلد». وذكر إلمندورف أنه طلب من ستيفانيك التنحي، لكنها رفضت ما اضطره لإقالتها، فردّت ستيفانيك ببيان قالت فيه إن جامعة هارفارد «استسلمت لليسار الصاعد».
- مدافعة شرسة عن ترمب
بعد وقوف ستيفانيك ضد بعض سياسات دونالد ترمب في بداية عهده، فإنها تحولت إلى أشد المدافعين عنه إبان إجراءات عزله مرتين، عام 2019 وبداية 2021. وفي تحليل أجراه موقع «538» وجد أن ستيفانيك «أيّدت بنسبة 78 في المائة مواقف ترمب في عمليات التصويت التي جرت في مجلس النواب». كذلك دعمت الدعوى القضائية التي رفعت أمام المحكمة العليا لإلغاء هزيمته في انتخابات 2020. لقلب نتائج ولايات ميشيغان وبنسلفانيا وويسكونسن وجورجيا. وزعمت أن «أكثر من 140 ألف صوت جاءت من ناخبين دون السن القانونية ومتوفين وغير مؤهلين» في جورجيا. وأيضاً اتهمت ستيفانيك شركة دومينيون التي تشرف على آلات التصويت بأنها ساهمت في التزوير من بين «نظريات المؤامرة» اليمينية التي راجت. وصوّتت بعد ساعات من اقتحام أنصار ترمب مبنى الكابيتول يوم 6 يناير الماضي، للاعتراض على أصوات المجمع الانتخابي لحرمان جو بايدن من الفوز. وفي إشارة بالغة عن حجم التحوّل الذي طرأ على أفكارها ومواقفها، وبعدما قدمت على رأس 8 جمهوريين مشروع قانون «العدالة للجميع» أمام مجلس النواب عام 2019 - الذي يضمن المساواة للمثليين، ويشمل استثناءات للجماعات الدينية والشركات الصغيرة ذات البنية الدينية - صوتت ضده في فبراير هذا العام.
عام 2018 كانت ستيفانيك تصنف في المرتبة الـ19 بين أكثر أعضاء مجلس النواب الداعمين لتعاون الحزبين، أو ما يسمى سياسة «الباي بارتيزانشيب». غير أن التغييرات التي طرأت على مواقفها السياسية والفكرية والعقائدية، توالت في مسيرة عكست التحولات التي أصابت حزبها وولايتها نيويورك. وهذا الشهر وصفت ستيفانيك ترمب الذي لا تزال تدعوه «الرئيس» بأنه «(أقوى مؤيد) من أي رئيس عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الدستور».
أيضاً، بعدما عارضت ستيفانيك أمر ترمب التنفيذي عام 2017 الذي فرض حظراً مؤقتاً على السفر والهجرة إلى الولايات المتحدة من قبل مواطني 7 دول ذات غالبية مسلمة، رفضت لاحقاً إدانة سياسته بشأن فصل الأسرة. وبدلاً من ذلك، نشرت بياناً صحافياً يهنئه على أمره التنفيذي المتعلق بعمليات الفصل الجديدة واحتجاز العائلات.
- بطاقة الشخصية
إيليز ماري ستيفانيك ولدت في مدينة ألباني، عاصمة ولاية نيويورك، عام 1984. والداها كين وميلاني ستيفانيك، من أصلين تشيكي وإيطالي، ويملكان شركة لبيع ألواح الخشب بالجملة. ولقد تخرجت في أكاديمية ألباني للبنات، وهي مدرسة خاصة مرموقة، والتحقت بجامعة هارفارد لتتخرج فيها عام 2006 ببكالوريوس في العلوم الحكومية بعدما تلقت تنويهاً مشرفاً وجائزة عن القيادة النسائية.
عام 2014، أصبحت ستيفانيك في أول انتخابات نيابية تخوضها، وهي في سن الـ30، أصغر امرأة تُنتخب نائبة في مجلس النواب الأميركي. وهي كاثوليكية، متزوجة من ماثيو ماندا، الذي يعمل في مجال التسويق والاتصالات، منذ 19 أغسطس (آب) 2017. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018 انتقلا إلى شويلرفيل، إحدى ضواحي العاصمة واشنطن حيث يقيمان راهناً.
بعد التخرّج في هارفارد، انضمت ستيفانيك إلى إدارة الرئيس جورج بوش الابن، وعملت في طاقم مجلس السياسة الداخلية، في مكتب جوشوا بولتون ثاني رئيس جهاز للبيت الأبيض في إدارة بوش. وعام 2012 ساعدت في إعداد «المنصة» الجمهورية، مديرة لوسائل الإعلام الجديدة للجنة الاستكشافية الرئاسية. كما عملت باحثة في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ومبادرة السياسة الخارجية. وخلال 2012، أشرفت على التحضير لمناظرة المرشح لمنصب نائب الرئيس بول ريان إبان انتخابات ذلك العام. وبعد خسارة المرشح الجمهوري ميت رومني وريان الانتخابات أمام باراك أوباما وجو بايدن، عادت إلى نيويورك لتعمل مع والديها.
في أغسطس 2013، أعلنت ستيفانيك ترشحها لانتخابات مجلس النواب الأميركي عام 2014 عن المنطقة 21 في نيويورك، وهي المنطقة التي سيطر عليها الجمهوريون لمدة 100 سنة على التوالي، قبل انتخاب الديمقراطي بيل أوينز في انتخابات خاصة عام 2009. محتفظاً بها حتى عام 2014. بعدما أعلن عزوفه عن الترشح. ولقد هزمت ستيفانيك منافسها الجمهوري مات دوهيني في الانتخابات التمهيدية. ثم واجهت أرون وولف مرشح الحزب الديمقراطي ومات فونيسييلو مرشح حزب «الخضر»، لتفوز عليهما جامعة 55 في المائة من أصوات الناخبين وتعيد سيطرة الجمهوريين التاريخية على المنطقة 21.
وعام 2016 ترشحت مجدداً من دون منافس جمهوري، وأعلنت عن دعمها لترمب بعد فوزه بترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية ذلك العام. وفازت في انتخابات نوفمبر 2016 جامعة 66 في المائة من الأصوات. وعام 2017 أعلن سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة جون بولتون - الذي عيّنه لاحقاً ترمب مستشاره للأمن القومي خلال فترة «شهر العسل» بينهما - دعمه وتأييده لإعادة انتخاب ستيفانيك في انتخابات 2018 النيابية، مشيداً بعملها في لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، و«مواقفها الصلبة» في دعم موازنة وزارة الدفاع التي رفعها ترمب بشكل كبير في ذلك العام. وأعيد انتخابها بـ56 في المائة من الأصوات، وفي انتخابات 2020، كررت ستيفانيك انتصاراتها جامعة 59 في المائة من الأصوات.
من جهة أخرى، عُينت ستيفانيك في يناير 2015 في لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، بعدما انتخبها النواب «المتدرجون» الجدد لتمثلهم في لجنة السياسات، وتولت منصب نائبة رئيس اللجنة الفرعية للجاهزية، التابعة للجنة القوات المسلحة. وفي بداية عام 2017 انتخبت رئيساً مشاركاً لما يعرف بـ«مجموعة الثلاثاء»، وهي تجمع الجمهوريين المعتدلين في مجلس النواب الأميركي. وفي ذلك العام، قادت عمل اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري لاختيار مرشحي الحزب في انتخابات مجلس النواب للعام 2018.
أخيراً، على الصعيد الاجتماعي، مع أن ستيفانيك تُعد من «مؤيدي الحياة» وتعارض الإجهاض وتمويله من أموال دافعي الضرائب، فإنها كانت تدعو الحزب الجمهوري لكي يكون أكثر تفهماً للمواقف الأخرى بشأن هذه القضية. ومع ذلك، خلال عام 2017 انضمت إلى حزبها في تأييد قانون حماية الجنين من الألم، وصوتّت مع حزبها في ذلك العام أيضاً على إلغاء قانون الرعاية الصحية المعروف باسم «أوباما كير».



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.