مساعٍ حكومية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والصحافي

إصلاحات الإعلام الليبي تواجه «إرث الماضي» و«حسابات الخصوم»

رئيس الحكومة الليبية يكرم الصحافي فيصل فخري وخلفه وزير الدولة للاتصال وليد اللافي (منصة الحكومة الإلكترونية)
رئيس الحكومة الليبية يكرم الصحافي فيصل فخري وخلفه وزير الدولة للاتصال وليد اللافي (منصة الحكومة الإلكترونية)
TT

مساعٍ حكومية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والصحافي

رئيس الحكومة الليبية يكرم الصحافي فيصل فخري وخلفه وزير الدولة للاتصال وليد اللافي (منصة الحكومة الإلكترونية)
رئيس الحكومة الليبية يكرم الصحافي فيصل فخري وخلفه وزير الدولة للاتصال وليد اللافي (منصة الحكومة الإلكترونية)

من على منصة التتويج والاحتفال في ليبيا بذكرى «اليوم العالمي لحرية الصحافة»، أتى رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، على ذكر الصحافي إسماعيل أبو زريبة الزوي المحكوم عليه بالسجن 15 سنة من قبل محكمة عسكرية بشرق البلاد، لينكئ بذلك جرحاً غائراً تعانيه المنظومة الصحافية والإعلامية في ليبيا، منذ عقود خلت. ولم ينفك الإعلام الليبي من أسر نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، إذ ظل يكابد خلال السنوات العشر الماضية القيود والقوانين التي تحد من عمل الصحافي والإعلامي، بل وتجرّمه في أحايين كثيرة وتذهب به إلى غياهب السجون، إن لم يكن من «الموالاة».
وفي حفل كبير أحيته الحكومة الليبية بإشراف مكتب وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي، دُعيت إليه شخصيات صحافية وإعلامية وأكاديمية من أقطار عربية عدة؛ أعلن الدبيبة، للمرة الأولى عن حزمة من الإصلاحات المتعلقة بمنظومة الإعلام في ليبيا، بالإضافة إلى تخصيص جائزة سنوية تمنح لأفضل عمل صحافي ليبي.

الدبيبة، الذي لم يكمل شهره الثاني في الحكم، أصدر 7 توجيهات يمكن قراءتها على نحو يمهد الطريق لفك قيود العمل الإعلامي والصحافي، في مواجهة ترسانة من القوانين المعوّقة التي لم تنفك أيضاً عن تخوفات الأجهزة الأمنية وتربصهم بالعاملين في هذه المهنة، لكن هذه «المنظومة المحلية» تظل تعاني أمام ضربات الإعلام الموجه من الخارج، وهو الأمر الذي وصفه بعض الاختصاصيين لـ«الشرق الأوسط» بأنه يفرض على الحكومة تحديات كبيرة، يدفعها لضرورة مساندة الإعلام المحلي، لكيفية مجابهة إعلام «خصوم السلطة»!
وفي أغسطس (آب) الماضي، وقّع أكثر من 100 صحافي وناشط مدني ليبيا على بيان يدين الحكم الصادر على المصوّر الصحافي إسماعيل الزوي بالسجن 15 سنة من قبل محكمة عسكرية بمدينة بنغازي، وقالوا إن الجهة التي أصدرت الحكم «تتعارض مع المعايير الدولية، ما يجعل إجراءات الحبس والمحاكمة باطلة، لمخالفة الإجراءات القانونية المتعارف عليها»؛ وإنه لا يجوز وفق القانون الليبي محاكمة شخص مدني أمام محكمة عسكرية؛ وهو المعنى الذي أكد عليه الدبيبة خلال إلقاء كلمته في احتفالية «اليوم العالمي لحرية الصحافة».
الإجراءات التي اتخذها الدبيبة، وصفت بأنها بمثابة إعادة لصياغة علاقة الدولة بالمشتغلين في الميديا، وجاءت لتؤكد «الحق في التعبير وانتقاد أداء الحكومة باعتباره حقاً أصيلاً لكل الليبيين، وفقاً للإعلان الدستوري والمواثيق الدولية وتنظمه القوانين المعمول بها ذات العلاقة»، بالإضافة إلى «منع استهداف الصحافيين أو اعتقالهم أو استخدام العنف ضدهم، والالتزام بحمايتهم من المخاطر أثناء تأدية عملهم».
ولقد دعا الدبيبة إلى «العمل على إعادة هيكلة مؤسسات الإعلام والصحافة في ليبيا بما يضمن توسيع دائرة المشاركة في الإدارة ورسم السياسات العامة، من خلال استحداث مجلس للأمناء بالمؤسسات الإعلامية لضمان تمثيل أوسع للنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني»؛ كما وجه بـ«منع اعتقال الصحافيين أو احتجازهم في أي مقر أمني»، معتبرة هذه الأفعال «احتجازاً قسرياً يتعرض مرتكبوها للمساءلة والملاحقة القانونية طالما تجاوز القانون».
ولمنع استهداف العاملين في المجال الإعلامي عقاباً على آرائهم، شدد رئيس الحكومة على منع «أي تضييق على الصحافيين بناء على آرائهم أو بسبب انتمائهم لمهنتهم أو لممارستهم العمل الإعلامي»، فضلاً عن «منع اعتقال أي صحافي أو استخدام العنف معه أثناء تأدية مهامه الصحافية أو التضييق عليه، والتعامل وفق الإطار القانوني المنظم لذلك».
وفضلت إدارة الجائزة منحها هذا العام في دورتها الأولى لمجال الصحافة الرياضية، ونالها الليبي فيصل فخري، الذي كرّمه الدبيبة بـ«جائزة الدولة التقديرية»، كما كرّم عائلة «شهيد الصحافة» محمد سليم دعدوش بـ«وسام الواجب».
وبالنظر إلى توجيهات الدبيبة، رأى الكاتب الصحافي رئيس «هيئة دعم وتشجيع الصحافة» في ليبيا عبد الرزاق الداهش، أن تعهد الحكومة بضمان حرية الرأي «مهم جداً»، ولكن «تظل قدرتها على الوفاء بذلك أهم، في هذا الظرف الليبي». وتابع أن حكومة «(الوحدة الوطنية) لم ترث وضعاً مثالياً، ولهذا لا يمكن إلزامها بما هو مثالي... هناك مشكلات تفاقمت بشكل تراكمي عبر سنوات، ولا يمكن حلها بمجرد اتخاذ قرار من الحكومة».
وذهب الداهش إلى أن التشريعات القائمة «ما زالت متخلفة... ولا توجد نصوص قانونية تضمن حماية حرية التعبير، فضلاً عن عدم وجود ما يتيح الحق للمواطن أو حتى الصحافي الوصول إلى المعلومة، أو ما يؤمن حرية انسياب وتدفق المعلومات»، بل إن المعضلة كما يراها الداهش، أنه «لا توجد حتى مشاريع قوانين تضمن حرية الرأي، فضلاً عن وجود جهاز تشريعي يميل إلى التضييق».
غير أن الضربات التي تم تسديدها إلى منظمة الإعلام في ليبيا، لم تتوقف عند حقبة معينة. إذ أظهرت دراسة للمركز الليبي لحرية الصحافة، مدى تأثير غياب التنظيم وإهمال الحكومات المتعاقبة لملف قطاع الصحافة والإعلام، بالإضافة إلى غياب الاستراتيجية الوطنية والتشريعات الإعلامية المنظمة، وقلة الجدية في التعامل مع الملاحظات التي يريدها ديوان المحاسبة والهيئة العامة للرقابة الإدارية؛ وتحدثت عما سمته «حالة التخبط والإهمال وتنامي الفساد في وسائل الإعلام العامة المهترئة».
ورصدت الدراسة الميدانية الجوانب المتعددة للأوضاع المالية والإدارية والتقنية والتنظيمية والموارد البشرية والأصول والممتلكات للمؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة بهدف تحديد أوجه الضعف الذي تعانيه والتحديات التي تواجهها للخروج بتصور علمي يقوم على أساس تطوير المشهد الإعلامي الليبي.
أيضاً كشفت الدراسة عن الإمكانات «الضخمة المهدورة التي تقدر بملايين الدينارات، وحالة التكدس الوظيفي للموارد البشرية والتعيينات العشوائية بقطاع الصحافة والإعلام العام»، فضلاً عن «غياب أي رؤية استراتيجية للتنظيم ورفع الكفاءة البشرية وفاعلية وتأثير هذه المؤسسات العامة التي تعاني من الترهل والخلخلة في بنيتها الإدارية».
وذكّر المركز في دراسته «بمدى الحاجة الملحة لإجراء إصلاحات عاجلة بالوسائل الإعلامية العمومية الممولة من الخزانة العامة»، مشيراً إلى أن «عديد الموظفين وكبار المسؤولين في وسائل إعلامية ليبيا لم يتجاوبوا مع باحثيه ورفضوا تقديم أي معلومات تتعلق بالمؤسسات التي يديرونها، ومن بينهم هيئة دعم وتشجيع الصحافة بطرابلس، وراديو ليبيا، والقناة الرسمية، ومركز تطوير الإعلام الجديد».
وقضى 22 صحافياً ليبياً على الأقل منذ «ثورة 17 فبراير (شباط)» عام 2011، لكن أعداداً أكثر من ذلك تعرضت للخطف والاحتجاز مدداً طويلة، فضلاً عن تعرض كثير من العاملين في المجال الصحافي والإعلامي إلى إصابات خطيرة وصلت إلى البتر خلال تأدية عملهم في محاور الاقتتال بالعاصمة. وهنا يلفت الداهش النظر إلى تأثير الانقسام السياسي الذي ساد البلاد منذ عام 2014، قائلاً: «لا يمكن تجاهل ما حدث من انقسامات، ونزاعات مسلحة، ترتب عليها حالة من التشظي المجتمعي، وغياب الثقة، وهذه كلها تحتاج إلى عمل كبير ليس من الحكومة وحدها، بل من كل الأطراف والمؤسسات الليبية».
كذلك تحدث الداهش عن «أضرار غياب الجسم النقابي الفاعل الذي يحتكم إلى قانون خاص»، وقال: «أستطيع أن أكون متفائلاً، ولكن لا يحق لي أن أكون مفرطاً في التفاؤل». وانتهى إلى أن بوسع الحكومة فعل الكثير لصالح حرية التعبير، من خلال «تحسين الحالة الأمنية، وإيجاد تدابير تضمن حرية انسياب المعلومات، ونشر الشفافية بين مؤسساتها، من خلال منح الاستقلالية لوسائل الإعلام الممولة من ميزانية الدولة، وتوفير الدعم للنهوض بالإعلام العمومي، وتشجيع المبادرات الخاصة، في سياق حق الناس في الوصول إلى الحقيقة».
وعلى خطى المسار السياسي الذي أنهى الانقسام بين شرق وغرب ليبيا، اتخذ رئيس المؤسسة الليبية للإعلام، محمد بعيو، قراراً بتوحيد ودمج وكالة الأنباء الليبية في كل من المنطقتين الشرقية والغربية في كيان واحد على مستوى الدولة الليبية، كما كانت عليه قبل الانقسام السياسي. وفي مواجهة ما يُوصف بـ«إعلام الخصوم»، طالب بعيو بدعم «الإعلام الوطني». وللحد من «موجات الكراهية» التي سادت أحايين كثيرة وسائل الإعلام الليبي، شكّل بعيو لجنة لصياغة «مدوّنة أخلاقيات الإعلام الليبي»، تضم 11 شخصية إعلامية معروفة، وتتولى مهمة دراسة وإعداد وصياغة مشروع المدونة، على أن تتضمن الأسس والأصول والضوابط والالتزامات الواجبة في سلوكيات وأخلاقيات «الإعلام الوطني»، بما يسهم في تجسيد القيم السامية العليا، المحددة والموصوفة دينياً وإنسانياً ومجتمعياً ومهنياً. وتحدد منتصف مايو (أيار) الجاري موعداً لعرض مشروع المدوّنة على الإعلاميين والمختصين والمهتمين، في ندوة موسعة تمهيداً لرفعها في صيغتها النهائية إلى جهات الاختصاص لاعتمادها وإصدارها.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.