الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»

حدة الموجة الثانية مرتبطة بالتراخي والتجمعات السياسية والخشية من أخذ اللقاح

الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»
TT

الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»

الهند تخوض حرباً غير مسبوقة ضد «كوفيد ـ 19»

شهدت الهند يومياً، خلال الأيام السبعة الفائتة، وفاة ما يزيد عن 3000 شخص يومياً، وإصابة نحو 350000 شخص بفيروس «كوفيد 19»، ما يجعل الموجة الثانية من الجائحة تبدو أشبه بتسونامي يضرب البلاد. وحقاً سجلت الهند أكبر حصيلة يومية لضحايا الفيروس على الإطلاق على مستوى العالم، محطمة يوماً بعد يوم الرقم القياسي للإصابات. واليوم، تشهد سقوط أكبر عدد من الوفيات اليومية منذ بدء الجائحة.
وفي حين عصفت الجائحة بالفقراء بصورة أساسية خلال الموجة الأولى، انتقل الفيروس هذه المرة إلى المراكز الحضرية، ليضرب أحياء أبناء الطبقة المتوسطة والنخبة، وكذلك أبناء الطبقة العاملة. وفي كل مكان، توجد الآن قوائم انتظار من أجل جميع ما يتعلق بالخدمات الصحية تقريباً، من اختبارات ودخول للمستشفيات، حتى محارق الجثث والمدافن.
وبوجه عام، يبدو الوضع المتعلق بالرعاية الصحية في حالة انهيار، بينما يكافح الناس للحصول على الأدوية والأكسجين. وتتكشف فصول المحنة يوماً بعد آخر أمام الجيل الحالي من الهنود الذي لم تسبق له قط معاينة مثل هذا المستوى من قبل. ففي الشوارع، تكدست أكوام من الجثث، ويواجه الناس صعوبة بالغة في دفن أحبائهم، ويتسارع بناء محارق مؤقتة للجثث.
المؤكد أن الوضع برمته يبدو مظلماً، لكن الملاحظ أن 80 في المائة من حالات الإصابة يأتي من مدينتي دلهي ومومباي وأجزاء من ولايات أوتار براديش وتاميل نادو والبنجاب مع ولايات قليلة أخرى. أما في باقي ولايات الهند وأقاليمها الاتحادية، فيبقى الوضع عموماً تحت السيطرة.
فتح الجحيم أبوابه فجأة أمام سانجانا (17 سنة)، وذلك بإصابة جدتها ووالدها ووالدتها وشقيقها بفيروس «كوفيد 19»، ووجدت الفتاة المراهقة نفسها بمفردها تماماً تسعى بدأب لطلب النجدة. وفي منشور لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كتبت: «أرجوكم ساعدوني. لقد اضطررت لمخالفة القانون وقيادة السيارة لنقل والدتي إلى المستشفى، لكن 3 مستشفيات رفضت استقبالها. اليوم، أقف بالسيارة خارج غوردوارا (مكان للعبادة لدى طائفة السيخ) وقدّمت لوالدتي كمية أكسجين تبرّع بها أحد الأشخاص مجاناً، وآمل أن تبقى على قيد الحياة. أرجوكم ليساعدني أحدكم». وقالت شاهدة عيان: «بعد كثير من التردد من جانب أسرتي، غامرت بالدخول إلى واحدة من مستشفيات (إل إن جيه بي) الشهيرة. وحملت لوحة الإعلانات الرقمية رسالة تقول؛ لا توجد أسرة. نعتذر لكم». داخل المستشفى، لن تستطيع منع نفسك من البكاء بسبب مشاهد العجز والبكاء من حولك من أفراد الأسر المختلفة. تحركات سريعة محمومة ومرضى يلهثون في محاولة لالتقاط الأنفاس.

تجارب قاسية ومعاناة شديدة
الدكتور سوريش كومار، مدير الشؤون الطبية داخل مستشفى «لوك ناياك»، يقول إنه في خضم الوضع الحاد لفيروس «كوفيد 19» داخل العاصمة نيودلهي، أصبحت جميع أسرة وحدة الرعاية المكثفة مشغولة على مدار الأيام الخمسة الأخيرة. وأكد كومار أنه لم يشهد طوال مسيرته المهنية الممتدة لـ30 سنة مثل هذه الأزمة. وأشار إلى أن بعض الحالات الحرجة من المرضى تحتاج إلى ما بين 40 و50 لتراً من الأكسجين في الدقيقة للحفاظ على مستواه داخل أجسادهم. وفي هذه الأثناء، قال براديب شارما، بينما كان يبكي بلا توقف على أبواب أحد المستشفيات: «لا توجد أسرة داخل المستشفى. لقد جئت هنا لتوّي رفقة شقيقي البالغ 26 سنة. وقد مات والدي الليلة الماضية. لا أدري ماذا أفعل الآن. أما جثمان والدي فجرى حرقه داخل محرقة جماعية».
وعلى مسافة قصيرة، كانت سابا خان (35 سنة) تحاول إعطاء زوجها المصاب تنفساً من الفم للفم، بعدما فرغت أنبوبة الأكسجين التي كان متصلاً بها. وقالت، وهي تبكي: «ماذا يمكنني أن أفعل، إنه يلهث كي يلتقط أنفاسه، وذهب شقيقه لإحضار أنبوبة أكسجين من منشأة لإعادة ملء الأنبوبة. أما المستشفى، فلا تسمح بدخول مرضى لعدم توافر أسرة، لذا نقف هنا بانتظار دورنا. أعلم أنه يمكن أن أصاب أنا أيضاً بالفيروس، لكنني لا أستطيع أن أتركه يموت بهذه الطريقة. لدينا المال اللازم لتغطية النفقات الطبية، لكن لا تتوفر المنشآت الصحية المتاحة».
وفي مختلف أرجاء دلهي، تقابلك مشاهد مؤلمة في كل مكان. ورغم فرض حالة إغلاق كامل بالمدينة منذ أسبوع، تصطف عائلات خارج المستشفيات برفقة مرضى متصلين بأنابيب الأكسجين. وذكر طبيب يعمل بمستشفى «سير غانغا رام» أنه يعمل في القطاعات المخصصة لمرضى «كوفيد 19» منذ أكثر عن سنة، مؤكداً على «وجوب القلق إزاء الموجة الحالية». ويوضح: «على الناس التأكد أننا نفعل كل ما بوسعنا لإنقاذ كل روح. يأتي إليّ بعض أقارب المرضى ويبدأون في البكاء والصراخ والتوسل، الأمر الذي يحطم قلبي». ويتابع: «هذا كله يؤذينا بالتأكيد، فنحن أيضاً لا ندري ماذا يحدث مع أفراد عائلاتنا. إننا نحاول فعل ما بوسعنا بالاعتماد على أي مورد متاح لنا. هذا ليس خطأنا. ولذا، ثبتت إصابة كثير من زملائي بالفيروس من جديد. هذا أمر يفوق طاقتنا».

وضع مروّع داخل المدافن والمحارق
وبالنظر إلى عدد سكان دلهي وضواحيها البالغ 20 مليون نسمة، تشهد العاصمة الهندية واقعاً مخيفاً، ذلك أن الأسر تهرع في مختلف أرجاء المدينة بحثاً عن أسرة في المستشفيات، بينما تنفد النقالات داخل المشارح، وتمتد الأزمة إلى المدافن والمحارق، الأمر الذي يزيد بشاعة الوضع في المدينة. وحقاً، تواجه المحارق في مختلف أنحاء دلهي صعوبة بالغة في التعامل مع الأعداد الضخمة للجثث، ناهيك من اضطرار أهل المتوفين إلى الانتظار لفترات تصل إلى 20 ساعة لتنظيم الجنائز وحرق جثامين أقاربهم. وداخل المدينة يصار إلى حرق عشرات الجثث في ساحة كانت مخصصة أصلاً لانتظار السيارات، لكنها تحولت الآن لمحرقة مؤقتة للجثامين. وفي هذا الصدد، أفاد جيتندر سنغ شانتي، الذي يتولى التنسيق بين ما يزيد عن 100 عملية حرق للجثامين يومياً في موقع بشرق دلهي، أن «الناس يموتون فحسب، إنهم يموتون... ويموتون»!
وفي سياق متصل، تعاني المدافن في مختلف أحياء المدينة من مشكلات مشابهة، فمع وصول مزيد من الجثث إلى مواقع الدفن، اضطر مسؤولون في جبانة «آي تي أو»، وهي واحدة من أكبر المدافن في دلهي، إلى الاستعانة بمعدات حفر من أجل حفر مزيد من القبور. وقال محمد شاميم، المشرف على الجبانة: «... بات مستحيلاً حفر المقابر يدوياً، لأننا نستقبل يومياً ما بين 15 و20 جثة».

أين ومتى وقع الخطأ؟
في ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) الفائتين، أجريت عدة دراسات لاختبار الأجسام المضادة لفيروس «سارس - كوفيد - 2»، التي تعتبر مؤشراً على التعرّض لعدوى سابقة. وخلصت الدراسات إلى أن ما يزيد عن 50 في المائة من المواطنين في مدن كبيرة مثل دلهي ومومباي وتشيناي تعرّضوا للإصابة بالفعل. ودفعت هذه النتائج نحو الظن بأن الجزء الأصعب من الجائحة قد ولى... وأن الموجة التالية ستكون أقل حدة.
وفي حين تركّزت الإصابات إبّان الموجة الأولى بصورة أساسية في أوساط الفقراء (الأحياء الشعبية) داخل المناطق الحضرية، انتقل الفيروس الآن إلى أشخاص كانوا قد عزلوا أنفسهم خلال الموجة الأولى، بينهم أشخاص من المجتمعات الحضرية الأكثر ثراءً، لكنهم بدأوا في الاختلاط أثناء الموجة الثانية. وعن هذا الأمر، شرح مانوج مورهيكار، المتخصص بمجال الأوبئة في تشيناي (مدراس سابقاً) قائلاً: «توحي الدراسات كذلك بأنه على الصعيد الوطني تعرّض 271 مليوناً للفيروس... أي نحو خُمس عدد سكان الهند، البالغ 1.4 مليار نسمة».
ومن ثم، الواضح الآن أن التراخي والشعور بالرضا عن الوضع القائم كانا في رأس أسباب شدة الموجة الثانية القاتلة. وتقف التجمّعات الضخمة في الأماكن المفتوحة والمغلقة، ومنها حفلات الزفاف، وراء المشاهد المروّعة داخل المستشفيات والعيادات الطبية في عموم البلاد مع انهيار المنظومة الصحية تحت وطأة الارتفاع المفاجئ في حالات الإصابة. وهنا يعلّق راتان سنغ غيل، الصحافي البارز، قائلاً إنه «عندما ضربت الموجة الأولى من الفيروس عام 2020. كان هناك عدد غير مناسب من الأسرة والمعدات الطبية على مستوى الهند، كما لم تكن هناك لقاحات. ومع ذلك، نجحت الهند في مواجهة الموجة الأولى. غير أننا اليوم نجد بعد مرور سنة توافر مزيد من المعدات الطبية والأسرة في المستشفيات واللقاحات، لكن من دون أن يكون هناك استعداد كبير لأن أحداً لم يتوقّع حدوث موجة ثانية. وتضاعف الضرر جرّاء إهمال الحكومة وسوء تصرّف الناس، ومنه الشعور بالرضا والتراخي. ثم إنه فور انتهاء الموجة الأولى تقريباً، أعلنت الحكومة الهندية انتصارها على الفيروس، الأمر الذي أدى لخفض مستوى الجدية في التعامل مع الفيروس، بدلاً عن مواصلة الجهود لمكافحته».

الثقة المفرطة والتراخي
وفعلاً، كانت السلطات على درجة بالغة من الثقة، لدرجة أن وزير الصحة هارش فادران أعلن انتهاء حقبة «كوفيد 19» في مارس (آذار) الماضي. وأجرت المفوضية الهندية للانتخابات انتخابات برلمانية في 5 ولايات، هي البنغال الغربية وأسام وكيرالا وتاميل نادو وبونديشيري في خضم الجائحة. ويعتقد كثير من الخبراء أن التجمعات الانتخابية كانت السبب الأول وراء تفشي الجائحة بسرعة كبيرة. وعن هذه النقطة، قال الصحافي طارق بهات: «السياسيون في مختلف الأحزاب يتحملون المسؤولية عن هذا الأمر، ذلك أن فعاليات سياسية ضخمة جرى تنظيمها، ألقى خلالها مختلف السياسيين خطباً، بداية من رئيس الوزراء ناريندرا مودي، إلى زعيم المعارضة راهول غاندي، على مدار الأسابيع الستة الماضية، مع عقد انتخابات في 5 ولايات هندية منذ مارس».
وأضاف بهات: «في خطبهم إلى الآلاف المكدّسين داخل خيم والجالسين بعضهم بجوار بعض، وكثرة منهم لا يضعون كمامات واقية، لم ينطق القادة السياسيون بكلمة واحدة عن السلوك الآمن للوقاية من (كوفيد 19)، الأمر الذي بعث برسالة إلى الحشود تفيد بأن الفيروس بات كابوساً من الماضي». وتابع: «كان باستطاعة مفوضية الانتخابات على الأقل حظر التجمعات الانتخابية. وباستطاعة الأحزاب الامتناع عن توجيه خطابات إلى تجمعات ضخمة لا يلتزم حضورها بوضع كمامات ولا يحافظون على التباعد الاجتماعي. وهكذا، بحلول الوقت الذي انتبهت فيه مفوضية الانتخابات للخطر وأخذت تلوم التجمعات الانتخابية، كان الأوان قد فات».
وللعلم، زاد الطين بلة عندما سمحت الحكومة لملايين المتدينين الهندوس بالاستحمام في نهر الغانج في هاردوار أثناء مهرجان كومبه وميلا، هذا الشهر. ولقد ثبتت إصابة ملك نيبال السابق غيانيندرا شاه وزوجته كومال بالفيروس، ولم يتطلب الأمر مجهوداً كبيراً لمعرفة كيف أصيبا، ذلك أنهما اختارا زيارة كومبه ميلا. وسرعان ما انتشرت صورة للملك السابق وهو عاري الصدر ولا يضع كمامة ويقف وسط مئات الرجال المتدينين على ضفاف نهر الغانج المقدس. ومن جديد، كان هذا الحدث سبباً في تفشي الفيروس بسرعة كبيرة وعلى نطاق واسع. وبعد ذلك، قررت الحكومة تقليص التجمعات الدينية، لكن بعد فوات الأوان أيضاً.
وعلى صعيد آخر، ازداد الوضع سوءاً بسبب الصبغة السياسية التي أضفيت على أزمة «كوفيد 19»، إذ حملت السلطة الاتحادية في دلهي سلطات الولايات المسؤولية، واتهمتها بالغفلة. وفي المقابل، ادعت الولايات أن دلهي لم تستجب لمطالبها بتوفير مزيد من الأكسجين وجرعات اللقاحات. ولكن الوضع تفاقم على أرض الواقع بغض النظر عمّن يتحمل اللوم حقاً. واللافت هنا أن هذه العناصر نفسها هي التي واجهت الفيروس العام الماضي، عندما تعاون رئيس الوزراء الاتحادي مع كبار قادة الولايات وتحمّلوا المسؤولية معاً. واستمر هذا الحال على هذا المنوال حتى ديسمبر (كانون الأول) 2020، إلا أنه منذ عام 2021 سيطرت السياسة على المشهد برمته.
وأخيراً، لا شك أن الجماهير تتحمل هي الأخرى نصيبها من اللوم، وذلك بسبب استخفافها وتجاهلها للتدابير المفروضة لمواجهة الفيروس منذ يناير 2021. وأيضاً لتأثرها بإشاعات كاذبة، وتخوّف كثيرين من تلقّي اللقاح عندما أطلقت الحكومة أكبر حملة تطعيم على الإطلاق خلال مارس، والمؤسف أنه بينما هناك طلب هائل على اللقاحات، فإن المتاح منها ما عاد كافياً.

دعم عالمي مكثّف للهند في مواجهتها الموجة الثانية من الجائحة
> مع خوض الهند مواجهة شرسة ضد الموجة الثانية العاتية من «كوفيد 19»، حظيت البلاد بدعم عالمي ضخم. ونجحت الدبلوماسية الهندية في إدارة هذه الأزمة بنجاح، وتدفقت على البلاد معدات طبية لإنقاذ الحياة، منها أجهزة تنفس وأجهزة تكثيف أكسجين أرسلت من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمملكة العربية السعودية وألمانيا ودولة الإمارات العربية المتحدة وسنغافورة، حتى بهوتان. وفي تعبير عن تضامنهم، تعاون نحو 40 رئيساً تنفيذياً لشركات أميركية كبرى في تشكيل قوة عمل عالمية لحشد الموارد اللازمة لمعاونة الهند لخوض معركتها ضد «كوفيد 19».
المملكة العربية السعودية أرسلت حتى تاريخه 80 طناً مترياً من الأكسجين إلى الهند للتخفيف من أزمة النقص التي تعاني منها الهند جراء الارتفاع القياسي في أعداد المصابين. كذلك، قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إن معدات طبية حيوية، منها مئات من أنابيب الأكسجين، في طريقها الآن إلى الهند، لدعم الجهود المبذولة لتلافي سقوط مزيد من الضحايا للفيروس المروّع.
الولايات المتحدة تولت أيضاً تصدير مواد خام إلى الهند تتسم بأهمية محورية لإنتاج اللقاحات، ما يجعل البلاد استثناءً في ظل قانون الإنتاج الدفاعي الصادر عام 1950. والجدير بالذكر في هذا الصدد، أن الهند من جانبها كانت قدّمت يد العون هي الأخرى لكثير من الدول بتوفير أدوية تسهم في إنقاذ الحياة أثناء الموجة الأولى من الجائحة. وفي بادئ الأمر، أبدت واشنطن ترددها حيال إرسال المواد الخام المطلوبة لإنتاج اللقاحات ضد «كوفيد 19» داخل الهند، لكن مصادر مطلعة أشارت إلى أن سلطات نيودلهي هددت بوقف إمداد الولايات المتحدة بالمواد الخام التي تصدرها الهند للولايات المتحدة لاستخدامها في إنتاج لقاح «مودرنا» الأميركي.
وفي هذا الشأن، أعرب آرون سنغ، السفير الهندي السابق لدى الولايات المتحدة، في تصريحات صحافية، عن اعتقاده بأن «الولايات المتحدة أخطأت في التأخر بتقديم العون للهند وتوفير الدعم لها بمجرد اشتعال الأزمة. وأثار هذا الموقف في أذهان كثيرين ذكريات الحرب الباردة، عندما كان الرأي العام ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكاً غير جدير بالاعتماد عليه».
ومع ذلك، أجرى الرئيس الأميركي جو بايدن اتصالاً هاتفياً برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وتعهد بتوفير «دعم قوي». ومن ناحيته، حثّ مودي بايدن على تأييد مقترح الهند وجنوب أفريقيا داخل منظمة التجارة العالمية بإلغاء حقوق الملكية الفكرية وبراءة الاختراع المتعلقة بلقاحات «كوفيد 19»، وذلك لضمان وصول الدول النامية بسرعة، وبتكلفة معقولة، للقاحات والأدوية الضرورية.
أيضاً، انضمت فرنسا إلى الأصوات العالمية الداعية لدعم الهند، وأرسلت معدات طبية وأكسجين. وأجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتصالاً هاتفياً شخصياً برئيس الوزراء الهندي، ووضع منشوراً بالهندية على صفحته في «فيسبوك» أكد خلاله أن البلدين سينتصران في الحرب ضد الوباء معاً. وقال ماكرون: «تعمل وزاراتنا ومؤسساتنا بجدّية. وتتعاون الشركات الفرنسية معاً. وتشكل روح الوحدة قلب أمتنا، وهي الروح ذاتها التي تقف خلف الصداقة بين بلدينا. وسننتصر في هذا الأمر معاً».
في هذه الأثناء، كثّفت الهند جهودها في مجال التطعيم، مع حصول 170 مليون هندي بالفعل على جرعة واحدة على الأقل من لقاح «كوفاكسين». ولقد صرّح د. أنتوني فاوتشي، المستشار الطبي للبيت الأبيض والخبير الأول بمجال الأوبئة في الولايات المتحدة، إن لقاح «كوفاكسين» الهندي نجح في تحييد «617 سلالة متحوّرة من الفيروس الفتاك».



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.