حاكم كاليفورنيا الديمقراطي يدفع ثمن الثقل السياسي لولايته

بعد نجاح الجمهوريين في جمع الأصوات للاستفتاء على عزله

حاكم كاليفورنيا الديمقراطي يدفع ثمن الثقل السياسي لولايته
TT

حاكم كاليفورنيا الديمقراطي يدفع ثمن الثقل السياسي لولايته

حاكم كاليفورنيا الديمقراطي يدفع ثمن الثقل السياسي لولايته

بدءاً من يوم الاثنين، من المقرر أن تباشر سلطات ولاية كاليفورنيا الإجراءات القانونية لعملية سحب الثقة من حاكمها الديمقراطي غافين نيوسوم، في خطوة من شأنها أن تنهي ولايته الأولى قبل سنة من أوانها. وتأتي هذه الخطوة بعد نجاح حملة ضده أطلقتها مجموعات سياسية متعددة الانتماءات، على رأسها جمهوريو الولاية، وكذلك من ناشطين بينهم جماعات من حزب «الخضر» ومدافعون عن المثليين وبعض الديمقراطيين، في جمع أكثر من 1.62 مليون توقيع على عريضة.
جامعو التواقيع دعوا الكاليفورنيين إلى سحب الثقة من الحاكم عبر الرد على سؤالين متصلين: هل ينبغي سحب الثقة من نيوسوم؟ ومن يجب أن يحل محله؟ وإذا صوتت الأغلبية بـ«نعم»، فسيخسر منصبه، بينما سيحدد جواب الناخبين على السؤال الثاني، اسم الحاكم الجديد.
تعرض غافين نيوسوم منصب حاكم ولاية كاليفورنيا، كبرى الولايات المتحدة الأميركية وأغناها، منذ تولى منصبه لاستدعاءات عدة لنزع الثقة منه، غير أنها فشلت كلها. لكن في 21 فبراير (شباط) 2020، قدم أورين هيتلي وهو نائب مسؤول الشرطة في مقاطعة يولو بكاليفورنيا عريضة، تتهم الحاكم بأنه «يفضل المهاجرين غير الشرعيين». وتضيف العريضة التي تعبر عن تيار اليمين المتشدد «أن كاليفورنيا فيها نسبة مشردين وضرائب مرتفعة ونوعية حياة متدنية» وغيرها من التهم. وفي 10 يونيو (حزيران) 2020، وافق أمين الولاية على تقديم العريضة لجمع التواقيع عليها، وهي تتطلب الحصول على 1.49 مليون توقيع لإجراء الاستفتاء.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أنه سبق لولاية كاليفورنيا التي تزايد ولاؤها للديمقراطيين في السنوات الأخيرة، أن شهدت استفتاءً مشابها عام 2003. إذ صوت الناخبون على سحب الثقة من حاكمها الديمقراطي أيضا غراي ديفيس، وانتخبوا بدلاً منه نجم أفلام هوليوود وبطل كمال الأجسام الشهير أرنولد شوارتزنيغر، مرشح الحزب الجمهوري، الذي بقي في منصبه حتى أوائل عام 2011.

معركة «كسر عظم»
هي إذن معركة «كسر عظم» سياسية بين الجمهوريين والديمقراطيين، للسيطرة على أكبر ولاية أميركية، سواءً من حيث عدد السكان أو الحجم الاقتصادي والسياسي، في لحظة يحتدم فيها الانقسام السياسي والحزبي بشكل لم تشهده الولايات المتحدة منذ عقود. إذ أن من شأن السيطرة على كاليفورنيا تغيير الكثير من الاتجاهات السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، في ولاية تقود المعايير التي تعتمدها الكثير من الولايات الأميركية، في مجالات جودة الإنتاج، والطاقة، والبحث العلمي، والموافقات على رخص الشهادات وقضايا البيئة وغيرها من القضايا الاجتماعية، كالعلاقة مع مجتمع المثليين ومع قضية الإجهاض وتعاطي الماريغوانا.
في الواقع، بدأت الحملة لإقالة نيوسوم إبان حكم الرئيس السابق دونالد ترمب، عندما شن الجمهوريون حملة ضده بسبب سياساته المتسامحة تجاه الهجرة والمهاجرين. وهي القضية التي شكلت حجر الزاوية في حملة ترمب والجمهوريين، ولا تزال مندلعة لاعتماد سياسات يمينية أكثر تشدداً تجاه المهاجرين، معتبرين أن كاليفورنيا باتت تشكل ملاذاً آمناً لهؤلاء. وبالتالي، إذا تمكن اليمين الجمهوري من السيطرة على الولاية، فإنه سيعمل على فرض تغييرات كبيرة تطال قوانين الانتخابات وتقسيم الدوائر، بما يسهل السيطرة على أكبر كتلة انتخابية في المجمع الانتخابي (لولاية كاليفورنيا 55 صوتاً فيه). ثم، مع اندلاع أزمة جائحة كوفيد - 19، ركز اليمين حملته ضد نيوسوم منتقداً تدابيره الوقائية وحمله مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي نجمت عن سياسات الإغلاق.
في أي حال، حملة اليمين الجمهوري على غافين نيوسوم ليست بعيدة عن الحملات التي تستهدف حكاماً ومسؤولين ديمقراطيين آخرين، على رأسهم حاكم ولاية نيويورك أندرو كومو، لتعزز الهجمات «التقليدية» المتبادلة وتعمق الأحقاد بين الحزب الحاكم والحزب المعارض.
حتى الساعة لم يجدد موعد الاقتراع لسحب الثقة عن نيوسوم، غير أن التوقعات تشير إلى أن الموعد قد يكون بين أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) وأوائل ديسمبر (كانون الأول) من هذا العام. ومع أن جهود طلب سحب الثقة من حاكم كاليفورنيا اكتسبت زخماً خلال فصل الشتاء، مع تفشي كوفيد - 19 وقرارات الإغلاق الاقتصادي التي فرضها نيوسوم، فإن الناخبين سيدلون بأصواتهم في فترة بات يطغى عليها التفاؤل. ومع نجاح حملات التطعيم وعودة اقتصاد الولاية إلى التعافي، وتسجيلها أدنى معدل إصابة يومية بالفيروس على مستوى البلاد كلها، حدد نيوسوم 15 يونيو (حزيران) المقبل موعدا لإعادة فتح الاقتصاد بالكامل. وإذا ما نجا نيوسوم من السؤال الأول بغالبية أصوات «لا» سينتفي السؤال الثاني، في حين قدرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» أن تكلفة الاستفتاء قد تصل إلى نحو 400 مليون دولار. وللعلم، عام 2003 ترشح أكثر من 100 شخص ليحلوا محل الحاكم غراي ديفيس، لأن الفائز لا يحتاج إلى غالبية أصوات الناخبين. ويكفي أن يحل في المرتبة الأولى في عدد الأصوات مقابل باقي المنافسين ليغدو الحاكم الجديد.

متحولة جنسياً أبرز المتحدين
هذا العام، لا تزال قائمة الترشيحات محدودة، لكن المرشحين الجمهوريين الذين حظوا بأكبر قدر من الاهتمام بعدما أعلنوا ترشحهم، هم كيفن فولكونر رئيس بلدية مدينة سان دييغو السابق، وجون كوكس رجل الأعمال في سان دييغو الذي خسر أمام نيوسوم في انتخابات عام 2018. كذلك حظيت كايتلين جينر، الناشطة الجمهورية اليمينية في مجال الدفاع عن حقوق المتحولين جنسياً باهتمام كبير بعد إعلان ترشحها. وجينر نفسها متحولة جنسياً وهي من نجوم «تلفزيون الواقع»، وكانت قبل تحولها البطل الأوليمبي بروس جينر، زوج والدة الأخوات كيم وكلوي كارداشيان - أيضاً من نجوم «تلفزيون الواقع». ولقد اعتبر الحاكم السابق أرنولد شوارتزنيغر أن لدى جينر فرصة حقيقية للفوز.
ويوم الاثنين أعلن فولكونر في بيان «إن سكان كاليفورنيا ينتهزون هذه الفرصة التاريخية للمطالبة بالتغيير». وأضاف أن «الديمقراطيين والجمهوريين والمستقلين موحدون في دعم الاستفتاء وإعادة ولايتنا إلى المسار الصحيح». وأردف «بصفتي المرشح الوحيد الذي فاز في انتخابات صعبة وأجرى إصلاحات حقيقية، أنا مستعد لقيادة هذه الحركة».

رؤيتان مختلفتان لكاليفورنيا
في المقابل، دافع خوان رودريغيز، مدير حملة «أوقفوا استفتاء الجمهوريين» في بيان، عن نيوسوم قائلا، إن «هذه الانتخابات ستكون حول رؤيتين مختلفتين لولاية كاليفورنيا». وأضاف «هذا الاستدعاء الجمهوري، المدعوم من قبل القوى الحزبية والموالية لترمب واليمين المتطرف، يهدد قيمنا كمواطني كاليفورنيا، ويسعى إلى التراجع عن التقدم المهم الذي أحرزناه في عهد الحاكم نيوسوم في محاربة كوفيد - 19 ودعم العائلات المكافحة، وحماية البيئة، وقوانين الرقابة على السلاح. ببساطة هناك الكثير على المحك، لكننا سنفوز». غير أن اللافت أن إحصاءً حول الاتجاهات السياسية للموقعين على العريضة التي طالبت بالاستفتاء، أظهر وجود أكثر من 300 ألف ديمقراطي مسجلين على قوائم الحزب رسمياً، من بين الموقعين. وهو ما قد يشكل عينة تهدد نيوسوم، لا سيما إذا أضيف إليها جمهور ما يعرف بمجتمع «الميم» من المتحولين جنسياً والمثليين، وجمهوريو الولاية الذين يطلق عليهم في الأصل لقب «رينو»، وهي اختصار لكلمات إنجليزية تعني «جمهوريون بالاسم فقط».
من جهة ثانية، تشير استطلاعات الرأي تشير أيضاً إلى أن 40 في المائة فقط من ناخبي الولاية قد يشاركون في الاستفتاء، وهو ما قد يكون في مصلحة نيوسوم. كما أن أي مرشح ديمقراطي بارز لم يعلن ترشحه علنا بعد، كي لا يعتبر خيانة له، الأمر الذي قد يسمح لنيوسوم بمواجهة الناخبين مجدداً في انتخابات العام 2022 النصفية المقبلة.

بطاقة شخصية
ولد غافين كريستوفر نيوسوم يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول) 1967 في مدينة سان فرانسيسكو، لأبوين هما تيسا توماس وويليام ألفريد نيوسوم الثالث، ووالده قاض محكمة الاستئناف بالولاية ومحامي شركة غيتي أويل. ثم إن عمة غافين متزوجة من رون بيلوسي، صهر رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي.
نيوسوم قال عن نفسه ذات يوم أنه لم يتمتع بطفولة سهلة. وحقاً، التحق بالروضة والصف الأول في مدرسة نوتردام دي فيكتوار، وهي مدرسة فرنسية أميركية ثنائية اللغة في سان فرانسيسكو حيث خضع لفصول قراءة علاجية بسبب معاناته من حالة عسر القراءة التي لا يزال يعاني منها حتى الآن. وجرى نقله في النهاية بسبب صعوبته في القراءة والكتابة والتهجئة والتعامل مع الأرقام. وطوال فترة دراسته، كان على نيوسوم الاعتماد على مجموعة من الكتب الصوتية والملخصات والتعليم الشفهي غير الرسمي. وهو لا يزال حتى اليوم يفضل تفسير الوثائق والتقارير من خلال الصوت.
في المدرسة الثانوية، لعب نيوسوم كرة السلة والبيسبول (كرة القاعدة) وتخرج في مدرسة ريدوود الثانوية عام 1985. وبسبب مهارته في البيسبول ظهرت صورته على غلاف مجلة «مارين» المستقلة، وحصل على منحة جزئية للتعليم الجامعي، ودرس وتخرج في جامعة سانتا كلارا، وهي إحدى أشهر الجامعات الكاثوليكية في الولايات المتحدة. وبعد تخرجه، أسس متجرا للمشروبات أسماه «بلامب جاك» على اسم اوبرا كتبها صديق للعائلة يدعى غوردون غيتي الذي دخل معه في شراكة كمستثمر. ونما المتجر إلى مجموعة كبيرة تضم 23 شركة يعمل فيها أكثر من 700 عامل، بما في ذلك مصانع مشروبات ومطاعم وفنادق.

كاثوليكي ممارس ومتمرد
يعرف غافين نيوسوم نفسه بأنه كاثوليكي ممارس، لكنه «متمرد كاثوليكي إيرلندي، رغم أنه لا يزال لديه إعجاب كبير بالكنيسة وإيمان قوي جدا». وعندما سئل عن وضع الكنيسة الكاثوليكية (في العام 2008) قال إنها في أزمة، لكنه رغم ذلك يبقى معها بسبب «علاقته القوية بهدف أعظم، وكيان أعلى».
في ديسمبر (كانون الأول) 2001، تزوج نيوسوم من كيمبرلي غيلفويل، وهي مدعية عامة سابقة في سان فرانسيسكو ومعلقة قانونية في عدد من المحطات التلفزيونية مثل «سي إن إن» و«إم إس إن بي سي». إلا نها أصبحت لاحقاً شخصية بارزة ويمينية متشددة في قناة «فوكس نيوز». وفي سبتمبر (أيلول) 2004 أطلقت عليهما مجلة «هاربر بازار» لقب «نيو كينيديز» (آل كنيدي الجدد)، بيد أنهما تقدما في يناير (كانون الثاني) 2005 بطلب طلاق مشترك، بدعوى «الصعوبات الناجمة عن سكنهما المنفصل على الساحلين الشرقي والغربي بسبب حياتهما المهنية». واكتملت معاملات طلاقهما في 28 فبراير 2006.
بعدها، في يناير 2007، كشفت علاقة نيوسوم مع روبي ريبي تورك، زوجة مدير حملته أليكس تورك منذ منتصف عام 2005. وتقدم تورك بطلب طلاق زوجته بعد فترة وجيزة وترك حملة نيوسوم وإدارتها. وفي المقابل كشف عن علاقة بين زوجته السابقة غيلفويل بدونالد ترمب جونيور، ابن الرئيس السابق. وفي سبتمبر 2006 بدأ نيوسوم علاقة مع المخرجة جينيفر سيبل. ثم أعلن أنه سيسعى للعلاج من اضطراب تعاطي الكحول في فبراير 2007، وأعلنا خطوبتهما في ديسمبر العام نفسه وتزوجا في يوليو (تموز) 2008 وأنجبا أربعة أطفال.

البداية مع السياسة
بدأ نيوسوم حياته السياسية عام 1996 عندما عينه عمدة سان فرانسيسكو الديمقراطي ويلي براون للعمل في لجنة إدارة مواقف السيارات والمرور في المدينة. ثم عينه لملء منصب شاغر في مجلس المشرفين في العام التالي، إذ انتخب لاحقا لمجلس الإدارة في أعوام 1998 و2000 و2002.
بعدها خاض منافسة مع مات غونزاليس مرشح حزب «الخضر» المدعوم من التقدميين وكثرة من الديمقراطيين في انتخابات رئاسة بلدية سان فرانسيسكو عام 2003، وفاز نيوسوم بفارق 11 ألف صوت، بفضل دعم من شخصيات وطنية من الحزب الديمقراطي، بما في ذلك بيل كلينتون وآل غور وجيسي جاكسون، رأوا ضرورة الفوز في المدينة بعد خسارتهم الانتخابات الرئاسية عام 2000 وحاكمية الولاية عام 2003. وهكذا، أصبح الرئيس 42 لبلدية المدينة، وكان يومذاك في الـ36 من العمر، أصغر عمدة للمدينة منذ قرن.
ثم عام 2007 أعيد انتخاب نيوسوم بنسبة 72 في المائة من الأصوات، عام 2010 انتخب نائبا لحاكم ولاية كاليفورنيا وأعيد انتخابه في عام 2014، لينتخب عام 2018 حاكماً للولاية ويصبح الحاكم الـ40 لها.
خاض نيوسوم معارك مبكرة منذ بداية عمله السياسي، واكتسب اهتماماً وطنياً عام 2004 عندما وجه كاتب مدينة سان فرانسيسكو بإصدار تراخيص الزواج للأزواج من الجنس نفسه. ثم إنه دعم مشاريع الإسكان من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص لزيادة ملكية المنازل والإسكان الميسور التكلفة في سان فرانسيسكو. وأنجز مشروع تقديم الرعاية والإسكان الداعم والعلاج من تعاطي المخدرات والمساعدة من متخصصي الصحة السلوكية للمشردين بدلاً من المساعدة النقدية المباشرة من برنامج المساعدة العامة للولاية. ووقع على قانون إنشاء «مدينة سان فرانسيسكو الصحية» عام 2007 لتقديم الرعاية الصحية الشاملة لسكان المدينة، لتكون أول مدينة في البلاد تقوم بذلك. وسمي «العمدة الأكثر اجتماعية في أميركا» عام 2010، بناء على تحليل ملفات تعريف وسائل التواصل الاجتماعي لرؤساء بلديات أكبر 100 مدينة في الولايات المتحدة.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.