أفلام العام بين الأبيض والأسود والأميركي في مواجهة الأجنبي

يومان على إعلان جوائز الأوسكار

ماريون كوتيار (وسط اللقطة) في مشهد من «يومان، ليلة واحدة»
ماريون كوتيار (وسط اللقطة) في مشهد من «يومان، ليلة واحدة»
TT

أفلام العام بين الأبيض والأسود والأميركي في مواجهة الأجنبي

ماريون كوتيار (وسط اللقطة) في مشهد من «يومان، ليلة واحدة»
ماريون كوتيار (وسط اللقطة) في مشهد من «يومان، ليلة واحدة»

بالنسبة للمخرج مايكل شيمينو، فإن كل جوائز الأوسكار هذه السنة عليها أن تذهب إلى فيلم واحد هو «قنّـاص أميركي». أكثر من ذلك، يدعم ترشيح كلينت إيستوود لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية.
شيمينو يقول عن ثقة: «كل جوائز الأوسكار هذا العام عليها أن تكون من نصيب (قناص أميركي). هذا أفضل فيلم أنجزه إيستوود. لا أعتقد أن مخرجين آخرين، بمن فيهم أنا، كنا سنستطيع تحقيق الفيلم بالنتائج ذاتها. إيستوود رجل فوق العادة. خال من الادعاء».
شيمينو وإيستوود يلتقيان في أكثر من ناحية ليس آخرها أن المخرج المتوقّـف عن الإخراج منذ العام 1996 عندما قدّم فيلمه الأخير (للآن) «مطارد الشمس»، سبق أن نال الأوسكار عن فيلم حربي الشأن، كحال فيلم «قنّـاص أميركي» هو «صائد الغزلان» سنة 1978.
في الواقع ذلك الفيلم نال خمس جوائز أوسكار هي أوسكار أفضل فيلم وأفضل مخرج لجانب أفضل ممثل مساند (كريستوفر وولكن) وأفضل صوت وأفضل توليف. لكن الأهم هو أن «صائد الغزلان» يشابه «قنّـاص أميركي». فقط موقع الحرب يختلف. في ذلك الفيلم فيتنام. في الفيلم الجديد: العراق. لكن المنحى اليميني هو ذاته متمثلا في مفهوم «أولادنا الذين يدافعون عن القيم الديمقراطية وعن الحرية»، هذا قبل أن يستدير إلى اليسار قليلا ليوعز بأن عنف الحروب متأصل في عنف واقع داخل المجتمع الأميركي نفسه.

* شخصيات حقيقية
بعيدًا عن شيمينو وآرائه، هناك ستّـون في المائة من المشاهدين الأميركيين الذين استجابوا إلى إحصاء إحدى المؤسسات يفضّـلون فوز «قنّـاص أميركي» على سواه. لكن بين المحترفين والنقاد فإن أسهم «بيردمان» الذي يتناول أزمة ممثل يحاول التمسّـك بأهداب النجاح والعودة إلى عناوين الصحف هو الفيلم المفضّـل أكثر من سواه يتبعه «بويهود». حسب مقال نشرته قبل أيام صحيفة «نيويورك تايمز» يقف «بيردمان» في مقدّمة الاحتمالات بنسبة 66 في المائة يتبعه «بويهود» بنسبة 32 في المائة ما يعني أن فيلم إيستوود يأتي في الخلفية.
لكن هناك مسألة خافية إلى حد قد تقلب هذه التوقّـعات: ليس من بين الأفلام المرشّـحة جميعًا فيلم يتحدّث عن أحوال اليوم السياسية سوى فيلم واحد هو «قناص أميركي»: «ويبلاش» عن معلّم فاشي: «نظرية كل شيء» عن أحداث تقع في عقود. «سلما» عن أحداث عنصرية في الستينات. «ذا غراند بودابست هوتيل» فيلم خيالي عن بلد غير موجود وتاريخ غير محدد، «لعبة المحاكاة» عن أحداث تنتقل من الثلاثينات إلى الأربعينات وما بعد، «بويهود» اجتماعي خاص و«بيردمان» آني لكنه يدور حول ذاتية الممثل.
في وقت بات فيه الأميركي أقل ثقة من حاضره وأكثر عدائية للتطرّف الآتي من بلاد المسلمين، فإنه غير مثير للعجب أن يحظى الفيلم بإيراد يقترب من الـ400 مليون دولار عالميًا بينها 309 ملايين دولار في الولايات المتحدة ذاتها. كذلك ليس من دواعي الاستغراب أن يفوز، إذا ما فاز، بأصوات العدد المطلوب من أعضاء الأكاديمية التي تمنح الأوسكار (نحو ستة آلاف عضو) فهؤلاء أيضًا من الناس الناظرين إلى حال الدنيا والذين قد يجدون في فيلم إيستوود ملاذًا.
كل من «قناص أميركي» و«لعبة المحاكاة» و«سلما» و«نظرية كل شيء» يدور عن شخصيات حقيقية.
فيلم إيستوود عن المجنّـد كريس كايل (كما يؤديه برادلي كوبر) المفتخر بأنه قتل أكثر من 150 عراقيًا، أو «متوحشًا» كما كتب في مذكراته التي تم اقتباس الفيلم عنها.
«سلما» يدور في فلك منتصف الستينات حول كيف واجه مارتن لوثر كينغ (كما يؤديه البريطاني ديفيد أويلوو) الرئيس الأميركي ليندون جونسون (يؤديه عندما تلكأ الأخير في التدخل ضد قرارات حاكم ولاية ألاباما جورج والاس (تيم روث) العنصرية.
«نظرية كل شيء» عن حياة العالم الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ ومن ضمنها علاقته العاطفية وزواجه من المرأة التي أحبّـته (فيليسيتي جونز).
أما «لعبة المحاكاة» فهو عن عبقري الحسابات ألان تورينغ (بندكت كمبرباتش) الذي فك الشيفرة الخاصّـة بالجيش النازي وأنقذ بذلك حياة جنود البحرية البريطانية الذين كانوا هدفًا لضربات ذلك الجيش.

* موضوع مكرر
لكن «قناص أميركي» يطلع من يمين السياسة بينما «سلما» يأتي من يسارها. «قناص أميركي» بالنسبة للكثيرين لسان حال أميركا المحافظة (كشأن المخرج والمنتج إيستوود) ولو أن تحليله بوعي ومن دون إسقاطات جاهزة يؤمّـها الكثيرون، خصوصًا من النقاد العرب، يكشف عن نقد هذا اليمين لذاته في أكثر من مشهد دال. أما «سلما» فهو امتداد للأعمال الليبرالية التي تنتقد الوضع العنصري في أميركا. موضوع انتقده إيستوود بنفسه في «غران تورينو» الذي أخرجه وقام ببطولته سنة 2008 موعزًا بشخصية رجل محافظ ينظر بضيق لتمدد الجنس الآسيوي والأسود إلى حي المدينة الذي كان، سابقًا، مؤلّـفًا من جاليات بيضاء.
ليس أن «سلما» لا يتعامل مع الحاضر، فالأحداث العنصرية التي يجد فيها الأفرو - أميركيون أنفسهم واقعين تحت حقد أبيض، تقع على نحو شبه مستمر، لكن الرأي العام الأميركي أكثر تداولا للوضع السياسي الخارجي وخطر غزو التطرّف الإسلامي من أي موضوع آخر. والحادثة الأخيرة التي ذهب ضحيّـتها شاب وفتاتان مسلمون ما هي إلا انعكاس آخر قام به، لو ثبت الأمر، حاقد على المسلمين يريد أن يقول، بطريقته المدانة والوحشية، كفى! في المقابل، فإن «سلما» يبدو قد صُـنع أساسًا وعينه على الأوسكار. لقد نالها في العام الماضي «12 سنة عبدًا» لستيف ماكوين. ما فات صناع «سلما» أن أعضاء الأكاديمية لا يمنحون أوسكار أفضل فيلم لموضوع مكرر في سنتين على التوالي. يكاد كل ذلك أن يلتقي كما الزجاجة بغطائها: هناك اليوم عدد مرتفع من المرشّـحين غير الأميركيين في الكثير من المسابقات الرئيسية. في الإخراج مورتن تيلدوم عن «لعبة المحاكاة» وهو نرويجي، وأليخاندرو غونزاليز إيناريتو عن «بيردمان» وهو مكسيكي.
في التمثيل الرجالي بريطانيان: بندكت كمبرباتش (لعبة المحاكاة) وإيدي ردماين (نظرية كل شيء). في التمثيل النسائي ثلاثة: الفرنسية ماريون كوتيار (يومان، ليلة واحدة) والبريطانيتان فيسيليتي جونز (نظرية كل شيء) وروزاموند بايك (فتاة مختفية).
قبل عشر سنوات خلت هذه المسابقات من أي فوز لغير أميركي. ففي العام 2005 فاز إيستوود بأوسكار عن «مليون دولار بايبي» التي فازت عنه الأميركية هيلاري سوانك بأوسكار أفضل ممثلة وفاز إيستوود بأوسكار أفضل مخرج (عن ذلك الفيلم) ثلاثة أميركيين (مارتن سكورسيزي، تايلور هاكفورد وألكسندر باين) وبريطاني واحد (مايك لي). في حين أن أوسكار التمثيل الرجالي ذهب للممثل الأسود جايمي فوكس عن دوره في «راي» (عن حياة راي تشارلز) وكان كل المرشّحين المتنافسين لهذه الجائزة أميركيين (ليوناردو ديكابريو، جوني دب، دون شيدل وكلينت إيستوود).

* العنصر الأجنبي
الغزو، هي الكلمة السهلة لوصف تكاثر الأسماء غير الأميركية في حفل هوليوود يحبّـه الملايين على أساس أنه جامع لما هو أفضل ما تطلقه هوليوود. وما يبدو في بال المشرفين على هذه الجائزة هو تعويمها عالميًا لأجل إبقائها الجائزة الدولية الأولى بين كل الجوائز الأخرى التي تتوارد نتائج معظمها في الشهرين الأخيرين من كل سنة.
أمر بلغ مداه عندما خرجت نتائج العام 2009 على نحو خلط الأمور على نحو ملحوظ:
الفيلم الفائز بالأوسكار حينها كان «مليونير الأكواخ» للإنجليزي داني بويل الذي خطف أيضًا أوسكار أفضل ممثل.
الممثلة الفائزة بأوسكار أفضل تمثيل نسائي أول ذهب للبريطانية كايت ونسلت عن دورها في «ذا ريدر».
والممثلة الإسبانية بينيلوبي كروز نالت أوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند عن دورها في «فيكي كريستي برشلونة» لوودي ألن (الذي موّل فيلمه من شركات أوروبية).
في العام 2011 كان الفيلم الفائز بالأوسكار بريطاني أيضًا وهو «خطاب الملك» الذي فاز ممثله البريطاني (كذلك) كولين فيرث بأوسكار أفضل تمثيل رجالي كذلك فاز مخرجه توم هوبر (بريطاني أيضًا وأيضًا) بأوسكار أفضل إخراج. نتائج العام التالي، 2012. لم تكن بعيدة عن هذا التزايد وإظهار حسن الاستقبال للسينمات الوافدة: في العام التالي خطف الأوسكار: «الفنان» الفرنسي نال أوسكار أفضل فيلم. ممثله الفرنسي جان دوجاردان تبوأ أوسكار أفضل ممثل، ومخرجه ميشيل هازانافيشوس (فرنسي من أصل ليتواني) خرج بأوسكار أفضل مخرج.
لكن الأكاديمية بهذا التوسع في النتائج لا تخرج عن قوانينها: كل فيلم مذكور باستثناء الأخير: «الفنان»، كان إنجليزي اللغة (أحد شروط التسابق) أما «الفنان» فكان صامتًا ما أراحه من عناء الانتماء إلى مسابقة أفضل فيلم أجنبي الذي عليه أن يكون ناطقًا بلغة غير إنجليزية وبنسبة الثلثين إلى الثلث إذا ما كان لا بد له أن يتحدّث الإنجليزية قليلا.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».