فلسفة سيمون فَي الهادمة

صورة لمفكرة عصيّة على التصنيف السياسي

الفيلسوفة الفرنسية سيمون في
الفيلسوفة الفرنسية سيمون في
TT

فلسفة سيمون فَي الهادمة

الفيلسوفة الفرنسية سيمون في
الفيلسوفة الفرنسية سيمون في

تمتعت الفيلسوفة الفرنسية سيمون فَيWeil (1909 - 1943) بقدرة هائلة على التعاطف - وبقدر لا بأس به من المازوخية. بحثت عن الظلام للهروب من الحياة البورجوازية المريحة التي ولدت فيها - أي النموذج نفسه المتجسد في نجاحات اليهود الفرنسيين المندمجين في الجمهورية الثالثة. حين كانت في العاشرة من عمرها، عام 1919، اختفت من شقتها الباريسية ليُعثر عليها بعد ذلك وهي تشارك في مسيرة على شارع سان ميشيل نظمها العمال المضربون، تنشد النشيد اليساري «الإنترناسيونال». وأثناء إجازتها إبان السنة الأخيرة لها في «الإيكول نورمال سوبيريور» (كلية المعلمين العليا) - التي ستتخرج فيها محققة المرتبة الأولى على رفاقها، ومتفوقة على سيمون دي بوفوار - كانت تكد في قارب لصيد السمك في نورماندي. في عام 1932 ذهبت إلى منجم فحم كادت تنهار فيه حين حاولت أن تجرب الحفر بالهواء المضغوط.
لقد تخلت «في» بكل تأكيد عن امتيازاتها عام 1934 حين أخذت إجازة من تدريس الفلسفة في ثانوية ريفية في روانيتو لتعمل في مصانع مختلفة في باريس. هناك تعلمت على نحو مباشر كيف أن «التوقف عن التفكير... هو الطريقة الوحيدة للتخلص من الألم». أسلوبها الأخرق جعل عملها في المصنع صعباً - مع أنه على الأرجح أنقذ حياتها. المهمة القصيرة التي قامت بها مع الدوليين الفرنسيين في الحرب الأهلية الإسبانية (كتبت: «لحسن الحظ أنني قصيرة النظر إلى حد أنه لا يخشى من أن أقتل أحداً، حتى حين أصوب تجاههم») اختُصرت حين وَضَعت قدمها في قدر من زيت الطبخ فاضطرت للعودة إلى باريس.
بعد هروب أسرتها من الغزو النازي لفرنسا تلبستها فكرة النزول بالباراشوت خلف خطوط العدو مع كتيبة من الممرضات. اقتراحها الانتحاري رفضه ديغول بعنف. بدلاً من ذلك كُلفت بإعداد تقارير حول إعادة إعمار فرنسا سياسياً وروحياً. في عام 1943، ماتت نتيجة لمرض السل الذي ضاعفه، حسب تقرير الطب الشرعي، ما فرضته على نفسها من سوء تغذية: رفضت أن تتناول من الطعام ما يزيد على ما كان مسموحاً به في بلادها. سمتها أسرتها «أنتيغوني»، وسماها رفاق صفها «أمر التنانير الإلزامي».
كانت «في» في حياتها القصيرة معلمة أكثر منها كاتبة - في الثانوية، في مجموعات القراءة العمالية، ومع صيادي السمك والفلاحين الذين علمتهم اللغات والأدب حين تنتهي فترة عملهم. ومع ذلك فقد كتبت «في» بحرارة. غير أن أياً مما كتبت تقريباً لم ير النور أثناء حياتها، باستثناء مقالتها الشهيرة والجديرة بذلك «الإلياذة، أو قصيدة القوة»، التي نُشرت إبان عهد فيشي في فرنسا أربعينيات القرن الماضي، التي تظل أكثر أعمالها يسراً للقراءة.
كتبها جميعاً جمعها الآخرون، نظموها من مقالاتها، ومن الملاحظات التي تركتها في عناوين مثل «في انتظار الله» و«الجدية والرحمة» حول لاهوتيتها المتصوفة، و«الحاجة إلى جذور» حول نظريتها السياسية. وقد ذكر مفكرون مختلفون اختلاف ألبير كامي، والبابا بولس السادس، وأيرس مردوخ، وجاك دريدا، وسوزان سونتاغ، وفرانتز كافكا، أنهم تأثروا بها. إنتاجيتها العالية بعد وفاتها - بوصفها مفكرة وأسطورة - يجعلها عصية على التحديد.
يقول روبرت زارتسكي، في كتابه المنتظر الجديد «سيمون فَي الهادمة»: «لقد عاشت سيمون فَي، وعلى نحو نادر في العصر الحديث - بل في كل عصر - في فلسفتها بالكامل». بالاعتماد على السيرة التي أصدرتها سيمون بيترمانت عام 1973، التي لا تزال الأفضل، يقارب زارتسكي، «في»، من خلال «عدد قليل من الموضوعات الأساسية في فكرها التي لا تزال تتردد حتى اليوم» - الأسى، الاهتمام، التجذر، المقاومة والمقدس. هذه الموضوعات توحي بالمساحة المدهشة لعملها، المساحة التي كدستها في 33 عاماً فقط. يضفي زارتسكي بنثره الواضح والسهل تماسكاً على أعمال «في» المتشظية في المجمل. وما يتمخض عنه ذلك هو صورة لمفكرة عصية على التصنيف السياسي التزمت أثناء حياتها وفي كتاباتها أن تكون منفتحة على الواقع الذي لا يطاق من حولها.
فترة تدريب «في» لمدة عام في مصانع باريس حولت ميولها الماركسية المبكرة إلى شيء أكثر رهافة - وربما أكثر تطرفاً. كتبت تقول: «ينبغي أن يكون عمل كل إنسان موضوعاً لتأمله»، مستبقة تمييز حنة أرنت بين العمل الذي يحمل معنى والجهد المجرد. وقد قادت هذه المقاربة الروحية للاضطهاد «في» إلى تطوير ما سماه زارتسكي «مفهوماً محافظاً في جوهره، إن لم يكن رجعياً، لـ(الثورة) و(المقاومة)». لم تكن «في» تؤمن بإيجاد شكل جديد من الحياة، وإنما باستعادة وجوه عدة من تلك التي مسحها التصنيع. كانت «في»، بتعبير ت. س. إليوت، «محبة للنظام والطبقية أكثر مما يحبهما معظم الذين يسمون أنفسهم محافظين، وفي الوقت نفسه محبة للناس بصدق يفوق أولئك الذين يسمون أنفسهم اشتراكيين».
كانت الآيديولوجيا بالنسبة لـ«في» أقل أهمية من المعاناة. العمل في المصانع الحديثة - بما فيه من رتابة لا تنتهي، واندفاع جنوني - يُحدث ما سمته le Malheur»»، التي تترجم عادة إلى «affliction»، أسى: حالة «بشعة كما هي الحياة في حقيقتها دائماً، كجذع مقطوع، كاندفاع حشد من الحشرات». إننا نتجاهل بدافع داخلي النظرة الكئيبة لعامل منهك، مثلما نتجاهل الآثار الدموية للحرب - نوعين من العنف المناهض للإنسانية، حسب ما ترى «في». إن القوة، حسب ما تقول في مقالتها حول الإلياذة، «تحول أي شخص يخضع لها إلى مجرد شيء. وعند ممارستها في حدها الأقصى، تحول الإنسان إلى شيء بأشد المعاني حرفية: تحوله إلى جثة». العمل والحرب يدمران الإحساس المركب الذي يجعل منا بشراً.
يحتاج البشر أيضاً إلى أن يشتبكوا في مجتمع - إلى الجذور التي تقتلعها الحداثة والحرب. التجذر يعني المحافظة، كما تقول «في»، «على كنوز بعينها من الماضي وتوقعات بعينها من المستقبل» - المهمة القصوى للشعب، من زاوية تذكر بالفيلسوف الآيرلندي بيرك. (مما يذكر في هذا السياق أن الفيلسوف الإنجليزي روجر سكروتون أدخل «في» في «تراثه العظيم»). الحالة المميزة للحياة الحديثة هي الانفصال عن الجذور - «نوع من الدوار الداخلي» أعمق وأكثر مراوغة من الاستلاب.
يأتي الانفصال عن الجذور من الترحيل المادي المفروض عليها وعلى عائلتها نتيجة للعدوان النازي - لوناً من الاستعمار الروحي الذي رأته متماهياً بالفرنسة التي فرضها الفرنسيون على أهالي مستعمراتهم.
رؤية العالم لدى «في» صارت وبصورة متسارعة أكثر تديناً، وفي ثلاثينيات القرن انجرفت أكثر بعيداً عن نشأتها اليهودية المندمجة و«غير المراعية للعبادات» لتقترب أكثر نحو المسيحية. مع أنها رفضت الانتماء إلى مذهب مسيحي، فقد «انشغلت»، كما يروي زارتسكي، «في حوار رائع وتجريحي غالباً مع المسيحية» انطلاقاً من تجربتها الروحانية في كنيسة رومانيسكية في بلدة أسيسي (الإيطالية) عام 1937، حين شعرت بطاقة مقدسة تدفعها لتجثو للصلاة.
مثل أشياء كثيرة في حياتها، اتخذت المسيحية لدى «في» صفة إنكار الذات - ليس إنكار صلاتها باليهودية فحسب، التي احتقرتها بقسوة بصفتها قوة وحشية وخالية من القداسة في التاريخ، وإنما أيضاً لذاتها هي. «الضرورة الملحة، البؤس، الحزن، العبء الساحق للفقر والجهد الذي ينهكنا، القسوة، العذاب، الموت القاسي، الضغط، المرض - هذه كلها مكونات الحب المقدس كما كتبت «في» واصفة رؤيتها لما يسميه الغنوصيون «التفريغ الروحي» (كينوسيس). «إنه الإله الذي ينسحب منا نتيجة للحب لكي نستطيع أن نحبه». لكي نقترب من المقدس علينا أن نمر بعملية لا تخلق، إلغاء للانفصال الأساسي الذي حدث حين خلق الله العالم. علينا أن نتغلب على الانفصال بالتغلب على أنفسنا.
ليس على المرء أن يكون مسيحياً ليرى القيمة في مسعى «في»، حسب آيرس مردوخ، «أن تخترق حجاب الوعي الأناني وترتبط بالعالم كما هو حقيقة». كما أنه ليس على المرء أن يكون فيلسوفاً ليرى أن لـ(في)، رغم رؤيتها النخبوية (الإيزوتيريكية) للعالم، التزاماً يضعها في مرتبة سقراط من حيث هي أحد الممارسين الكبار للفلسفة بوصفها أسلوب حياة. أنموذج (في) - إن لم يكن معتقدها - يذكرنا في عصر علماني وفرداني ما يعنيه أن يعيش الإنسان من أجل ما يؤمن به».
* مراجعة لكتاب «فَي الهدمية: حياة في خمس أفكار»
تأليف: روبرت زارتسكي
عن مجلة «بروسبكت»



الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».