اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية

خبراء أميركيون أعدوا لائحة بأهم التقنيات

اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية
TT

اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية

اختراقات 2021: لقاحات مطورة ونظم ذكاء تفاعلي وأجهزة أدق لرصد المواقع الجغرافية

أعد خبراء أميركيون لائحة تضمّ أهمّ التقنيات لهذا العام. بدأ بعضها مثل لقاح الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) في تغيير حياتنا، وأخرى لا يزال أمامها بضع سنوات للبروز.
لقاحات وذكاء تفاعلي
• لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال. لقد حالف الحظّ البشرية أخيراً؛ فقد تبيّن أنّ اللقاحين الأكثر فاعلية في مواجهة فيروس كورونا يعتمدان على الحمض النووي الريبوزي المرسال، هذه التقنية التي يستخدمها الباحثون والعلماء في أعمالهم وأبحاثهم منذ 20 عاماً.
عند بداية جائحة «كوفيد – 19» في يناير (كانون الثاني) 2020، سارع علماء في الكثير من شركات التقنية الحيوية إلى تحويل الحمض النووي الريبوزي المرسال إلى وسيلة محتملة لصناعة اللقاح. وتعتمد لقاحات «كوفيد - 19» الجديدة على تقنية لم تستخدم سابقاً في صناعة الدواء، ولكن يمكنها أن تحدث تحوّلاً في عالم الطبّ، وأن تساعد في تطوير لقاحات مضادّة للعديد من الأمراض المعدية، من بينها الملاريا. وإذا استمرّ فيروس كورونا الحالي في التحوّر، يستطيع العلماء تعديل لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال بسهولة وسرعة. ويعِد هذا المرسال أيضاً بوضع الأساس لتعديلات جينية غير مكلفة لمرض فقر الدم المنجلي ومتلازمة نقص المناعة المكتسبة، بالإضافة إلى مساعدة الجسم البشري على محاربة السرطان على أنواعه.
• ذكاء صناعي متفاعل: «جي بي تي – 3» GPT - 3. تعدُّ النماذج الكومبيوترية الكبيرة لمعالجة اللغة الطبيعية التي تتعلّم القراءة والكلام خطوة كبيرة نحو ذكاء صناعي أكثر تفهّماً وتفاعلاً مع العالم ويعتبر «جي بي تي – 3» أفضل هذه النماذج وأكثرها «ثقافة» حتّى اليوم. تلقّى هذا النموذج تدريباً على نصٍّ يضمّ آلاف الكتب والقسم الأكبر من محتوى شبكة الإنترنت؛ ما جعله قادراً على تقليد النصوص التي يكتبها الإنسان بواقعية غريبة لا تصدّق وحوّله إلى أكثر النماذج اللغوية التي تعتمد على التعلّم الآلي تأثيراً. (انظر: «جي بي تي ـ 3»... نظام ذكاء صناعي بديل عن الكتاب والمؤلفين «الشرق الأوسط» العدد 15358).
ولكنّ «جي بي تي – 3» لا يفهم ماذا يكتب؛ ولهذا السبب، قد يقدّم أحياناً محتوى غير مكتمل وغير منطقي. يحتاج تدريب هذا النموذج إلى كمٍّ هائلٍ من الطاقة الكومبيوترية والبيانات والأموال ويؤدّي إلى إنتاج بصمة كربونية كبيرة وتقييد تطوير نماذج مشابهة للمختبرات الهائلة المصادر. ونظراً إلى أنّ هذا النموذج تلقّى تدريبه على نصٍّ مسحوبٍ من الإنترنت مليء بالمعلومات الخاطئة والانحياز، يميل في معظم الأحيان إلى تقديم نصوصٍ مطعّمة بالتمييز.
ذكاء صناعي متعدّد المهارات. يفتقر الذكاء الصناعي إلى القدرات البشرية التي يتمتّع بها حتّى الأطفال الصغار لتعلّم كيف يسير هذا العالم وتطبيق المعرفة العامّة في أوضاع جديدة.
توجد مقاربة واحدة واعدة لتحسين مهارات الذكاء الصناعي تتجلّى في توسيع حواسه. يستطيع الذكاء الصناعي المجهّز حالياً بالرؤية الكومبيوترية أو التعرّف الصوتي الشعور بأشياء كثيرة ولكنّه لا يستطيع «الحديث» عن ما يراه ويسمعه باستخدام خوارزميات اللغة الطبيعية. ولكن ماذا إذا جمعنا هذه القدرات في نظام ذكاءٍ صناعي واحد؟ هل يمكن أن تبدأ هذه الأنظمة باكتساب ذكاء يشبه الذكاء البشري؟ هل سيصبح الروبوت القادر على الرؤية والشعور والسمع والتواصل مساعداً أكثر إنتاجية للبشر؟
برامج وصناديق بيانات
• خوارزميات التوصية في «تيك توك». منذ إطلاقه في الصين عام 2016، أصبح تطبيق «تيك توك» واحداً من أسرع الشبكات الاجتماعية نمواً، حيث تمّ تحميله مليارات المرّات وجذب مئات ملايين المستخدمين. لماذا؟ لأنّ الخوارزمية التي تزوّد خاصيته «فور يو» (لك) بالطّاقة غيّرت الطريقة التي يكتسب فيها النّاس الشهرة على الإنترنت.
يتّجه الكثير من التطبيقات الأخرى إلى تسليط الضوء على محتوى يجذب اهتمام القسم الأكبر من الجمهور، بينما تعمل خوارزميات «تيك توك» على إخراج صانعِ محتوى جديد من الظلام وتتعامل معه وكأنّها تقدّم نجماً معروفاً، فضلاً عن أنّها تبرع في تغذية مجموعات متخصصة من المستخدمين الذين يتشاركون اهتمامات أو هوية معينة بمحتوى على صلة باختصاصها.
تساهم قدرة صنّاع المستوى الجدد على الحصول على عدد كبير من المشاهدات بسرعة كبيرة والسهولة التي يكتشف بها المستخدمون أنواعاً كبيرة من المحتوى في تحقيق التطبيق الصيني لنموّ مذهل؛ وهذا ما يدفع شركات تواصل اجتماعي أخرى اليوم إلى السعي لإدخال هذه المزايا في تطبيقاتها.
• صناديق أمانٍ للبيانات. تعرّضت معلوماتنا للتسريب والقرصنة والبيع مرّات أكثر بكثير مما يمكننا أن نحصي.
يقدّم صندوق أمان البيانات مقاربة بديلة بدأت بعض الحكومات ببحثها، وهو عبارة عن كيانٍ قانوني يجمع ويدير بيانات النّاس الشخصية بالنيابة عنهم. لا يزال تعريف شكل ووظيفة هذه الكيانات غير واضح، وتوجد أسئلة كثيرة عالقة حولها، ولكنّ هذه الصناديق قد تكون حلاً لمشاكل نعاني منها منذ مدّة طويلة في مجالي الخصوصية والأمن، وفقاً لمجلة «تكنولوجي ريفيو».
بطاريات هيدروجين
• بطاريات معدن – الليثيوم. تُعرف المركبات الكهربائية بأسعارها الباهظة نسبياً، ولا يمكنكم قيادتها لأكثر من بضعة مئات الأميال قبل أن تحتاجوا إلى شحنها من جديد. ترتبط هذه الجوانب السلبية جميعها بشكلٍ مباشر بمحدودية فاعلية بطاريات أيون الليثيوم. ولكنّ شركة ناشئة ذات تمويلٍ كبير في سيليكون فالي تدّعي اليوم أنّها طوّرت بطارية ستزيد رغبة المستهلك العادي بالعربات الكهربائية.
طوّرت شركة «كوانتوم سكيب» ما أسمته بطارية المعدن – الليثيوم، وأظهرت نتائج اختباراتها الأولى، أنّها قادرة على زيادة نطاق سير العربات الكهربائية بنسبة 80 في المائة، فضلاً عن أنّها تتلقّى شحنها بسرعة. وقّعت الشركة الناشئة اتفاقاً مع «فولكس فاغن» التي كشفت عن أنّها ستبدأ في بيع عربات كهربائية تعمل بهذه البطارية الجديدة في عام 2025. وتجدر الإشارة إلى أنّ البطارية لا تزال نموذجاً تجريبياً أصغر بكثير من البطارية التي تحتاجها أي سيّارة.
• الهيدروجين الأخضر. اليوم، وبينما تجري الدول حسابات صعبة حول كيفية تحقيق أهدافها المناخية، تزداد أهميّة الهيدروجين الأخضر والحاجة إليه.
لطالما اعتبر الهيدروجين بديلاً محتملاً للوقود الأحفوري؛ لأنّه يحترق بنظافة ولا يبعث ثاني أكسيد الكربون، فضلاً عن أنّه كثيف لناحية الطّاقة ما يجعل منه وسيلة جيّدة لتخزين الطاقة الصادرة من وعن المصادر المتجدّدة. كما يمكن استخدامه لصناعة أنواع وقود صناعية سائلة تحلّ محلّ البنزين والديزل، إلّا أنّ معظم الهيدروجين المنتج حول العالم اليوم يُصنع من الغاز الطبيعي ضمن عملية ملوّثة وتتطلّب طاقة مكثّفة. ولكنّ استمرار تهاوي كلفة الطاقتين الهوائية والشمسية يعني أنّ الهيدروجين الأخضر بات اليوم زهيداً بدرجة كافية لجعله خياراً عملياً.
تتبع وتموضع
• التتبّع الرقمي للاحتكاك. مع بداية انتشار فيروس كورونا حول العالم، بدا التعقّب الرقمي للاحتكاك وسيلة فعّالة للمساعدة. إذ تستطيع تطبيقات الهواتف الذكية استخدام نظم «جي بي إس». والبلوتوث لوضع سجلّ بالأشخاص الذي التقوا أخيراً وإذا تبيّن لاحقاً أنّ أحدهم التقط عدوى «كوفيد - 19»، يستطيع هذا الشخص أن يدخل هذه النتيجة إلى التطبيق الذي سيعلم كلّ من قد يكون تعرّض للفيروس.
• التموضع الفائق الدقّة. الجميع يستخدم نظم «جي بي إس» في شؤونه اليومية؛ لأنّه أحدث تحوّلاً كبيراً في حياتنا وفي الكثير من أعمالنا. صحيح أنّ «جي بي إس» المتوفّر اليوم يتميّز بدقّة عالية على مسافة تتراوح بين خمسة وعشرة أمتار، إلّا أنّ تقنيات التموضع الجديدة الفائقة الدقّة تمنح إحداثيات محدّدة لمسافة سنتمترات أو حتّى مليمترات قليلة. يفتح هذا التطوّر الباب لتطبيقات جديدة تتنوّع بين التحذيرات على الطرقات وروبوتات التوصيل والسيّارات الآلية التي ستتمكّن من التجوّل على الطريق بشكلٍ آمن.
أصبح نظام «بي دو» BeiDou (الدب الأكبر) العالمي للملاحة جاهزاً في الصين في يونيو (حزيران) 2020 ليشكّل جزءاً مما يجعل جميع هذه الاحتمالات متاحة. يقدّم هذا النظام تموضعاً دقيقاً على مسافة 1.5 إلى مترين لأي شخصٍ في العالم. وبفضل استخدامه للتكبير الأرضي، يمكنه أيضاً أن يقدّم دقّة على مسافة لا تتجاوز بضع ملّيمترات. في الوقت الحالي، تشهد تقنية «جي بي إس»، التي يستخدمها النّاس منذ التسعينات، تحديثات مهمّة مدفوعة بأربع أقمارٍ صناعية جديدة لنظام «جي بي إس» الثالث (GPS III) الذي أطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) على أن يستقبل المدار المزيد من الأقمار الصناعية في 2023.
• كلّ شيءٍ عن بعد. أجبرت جائحة «كوفيد – 19» العالم أجمع على الانتقال إلى وضع الحياة عن بعد.
جمعت شركة «سناب آسك» المتخصصة في التعليم الخاص الإلكتروني 3.5 مليون مستخدم في تسعِ دولٍ آسيوية بينما ارتفع عدد مستخدمي تطبيق «بيجوز» الهندي للتعليم إلى نحو 70 مليوناً. ولكن لسوء الحظّ، لا يزال الطلّاب في دولٍ أخرى كثيرة يعانون من الارتباك في صفوفهم الإلكترونية. في الوقت نفسه، أوصلت جهود العناية الصحية الهاتفية المبذولة في أوغندا ودول أفريقية أخرى العناية الصحية للملايين خلال الجائحة. وفي جزءٍ يعاني من نقص مزمن بالأطبّاء من العالم، تحوّلت العناية الصحية عن بعد إلى عاملٍ منقذٍ للحياة.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.