«داعش الليبي» يتمركز في درنة وسرت.. ويستخدم إمكانات المتطرفين لإثارة الفزع

(«الشرق الأوسط») ترصد «سوق المصرية» في ليبيا ومحاولة الإخوان «ركوب الموجة»

مطعم في طبرق يديره مصريون («الشرق الأوسط»)
مطعم في طبرق يديره مصريون («الشرق الأوسط»)
TT

«داعش الليبي» يتمركز في درنة وسرت.. ويستخدم إمكانات المتطرفين لإثارة الفزع

مطعم في طبرق يديره مصريون («الشرق الأوسط»)
مطعم في طبرق يديره مصريون («الشرق الأوسط»)

من اللافت للانتباه وجود لافتة في تقاطع طرق بوسط مدينة طبرق في شرق ليبيا، يطلق عليه الليبيون «سوق المصرية». ورغم الظروف الأمنية الصعبة في هذا البلد المضطرب، ورغم إغلاق مصر الحدود ومنع العبور بين البلدين، فإنه يصل إلى هذه المدينة كل يوم العشرات من أبناء المحافظات المصرية بحثا عن فرص عمل، وأشياء أخرى.
وفي زيارة أخيرة قامت بها «الشرق الأوسط» لعدد من المدن الليبية، بدا من اللافتات الموجودة في «سوق المصرية» أن عمليات نقل هذه العمالة وغيرهم من الشبان الغامضين المتسللين من الحدود، تسير على قدم وساق إلى داخل ليبيا بما فيها المدن التي يسيطر عليها المتطرفون مثل درنة وسرت.
وكان يعمل في ليبيا حتى الأيام الأخيرة لحكم معمر القذافي نحو مليوني مصري، لكن العدد تراجع إلى حد كبير أثناء الانتفاضة المسلحة التي دعمها حلف الناتو، وانتهت بمقتل حاكم ليبيا في خريف 2011. وتقول مصادر أمنية ليبية إن «ألوف المصريين ما زالوا يعملون هنا، وأكثرهم ممن رفضوا مغادرة البلاد أثناء أحداث الانتفاضة». وزاد عليهم آلاف آخرون من العمال ممن كانوا يطمحون إلى المشاركة في أعمال إعادة الإعمار، بعد أن تستقر الأوضاع، لكنها لم تستقر.
وتعد طبرق أول بلدة كبيرة تقع على بعد نحو 150 كيلومترا من الحدود المصرية. ويضع مكتب يطلق على نفسه اسم «مكتب طريق السلامة للسفريات»، لافتة كبيرة في وسط طبرق، تشير إلى مكان نقل العمالة الوافدة والمتسللة عبر حدود مصر إلى الغرب حيث مدن بنغازي وسرت وطرابلس. وتشير أيضا إلى إمكانية النقل إلى داخل المدن المصرية، أي إلى مرسى مطروح والإسكندرية والقاهرة.
ويقع مكان تجمع المسافرين في منطقة يطلق عليها «جزيرة شهداء 17 فبراير»، وهي موجودة في شارع فلسطين. ويقول ناصر الجابري، أحد المسؤولين في طبرق عن نقل المسافرين بين مصر وليبيا والذي يعمل في هذا المجال منذ نحو 4 سنوات، إن «عدد القادمين من مصر تراجع إلى حد كبير» منذ حادثة اختطاف المتطرفين في غرب ليبيا 4 دبلوماسيين العام الماضي. ويشير إلى أن المتسللين عبر الحدود المصرية «ليسوا مصريين فقط، ولكن بينهم سوريون وسودانيون ويمنيون وأفارقة من دول مختلفة».
ولا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد المصريين في ليبيا، لكن يرجح أنه يقترب من مائة ألف مصري أو يزيد قليلا. وبدأت كبرى قوافل المصريين العائدين إلى بلادهم في شهر أغسطس (آب) الماضي حين اشتعلت المعارك بين المتطرفين والجيش الوطني الليبي، وما تبع ذلك من احتلال المتطرفين الذين تقودهم جماعة الإخوان الليبية لمطار العاصمة طرابلس الغرب، والكثير من الطرق والمعابر، خاصة معبر «راس جدير» على الحدود مع تونس. كما عاد من معبر السلوم ألوف المصريين الفارين من نيران المعارك.
ومنذ تدهور الأوضاع في ليبيا، أصدرت السلطات المصرية تعليمات بعدم السفر، ودعت المصريين الذين يعملون فيها للعودة «إذا رغبوا». وبعد إعلان تنظيم داعش نحر 21 مصريا قبل يومين، جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي نداءه للمصريين بالعودة حفاظا على حياتهم، قبل أن يوجه ضربات عسكرية، بالتعاون مع الجيش الليبي لمواقع المتطرفين قرب درنة وسرت.
ويقول مسؤول أمني في معبر السلوم البري، إن المنفذ مغلق بشكل رسمي، وتقتصر الحركة فيه على شرائح محددة من بينهم المصريون العائدون من ليبيا، أما بالنسبة لليبيين الذين تستثنيهم السلطات ويحق لهم دخول مصر من المنفذ، فيشترط أن يكونوا من الجرحى أو المرضى الموصى بعلاجهم بمصر، أو يكون الليبي متزوجا من مصرية، أو ابنا لأم مصرية، ويلزم في هذه الحالة، كما يقول المصدر الأمني، أن تكون زوجته أو والدته بصحبته.
ورغم كل ذلك، فإن قوات حرس الحدود الليبية ما زالت تتعثر بين حين وآخر في مجموعات من الشبان المغامرين ممن اجتازوا الأسلاك الشائكة على الحدود المصرية - الليبية. ويقول ضابط في حرس الحدود الليبية يدعى سليمان، وهو من منتسبي «كتيبة عمر المختار» التابعة للجيش الوطني: «رغم ضعف إمكانات حرس الحدود الليبي، فإنه تمكن من توقيف مئات المصريين وجنسيات أخرى، بعد تسللهم إلى داخل ليبيا، في الأسابيع الماضية، حيث يجري إعادة المصريين إلى وطنهم بالتنسيق مع قوات حرس الحدود المصرية، وتوقيف الجنسيات الأخرى تمهيدا لإعادتهم إلى بلدانهم».
لم يكن جميع من جرى إلقاء القبض عليهم من المتسللين من الحدود المصرية، يطمحون إلى إيجاد فرص عمل في المدن الليبية، ولكن كان من بينهم متشددون يسعون للانضمام إلى الميليشيات المتطرفة، وفقا للمصدر نفسه، الذي يضيف أنه جرى توقيف ما لا يقل عن 7 سوريين و15 مصريا الشهر الماضي كانوا في طريقهم إلى معقل تنظيم داعش في درنة، وهي أول مدينة تجاور طبرق من ناحية الغرب، وتبعد عنها بنحو 160 كيلومترا.
يبحث غالبية المصريين الذين يتجاهلون تحذيرات وزارة الخارجية في بلدهم من السفر لليبيا، عن فرص عمل تبدو مغرية في هذا البلد الغني بالنفط. فقد تضاعفت أجور العاملين في البناء وأعمال الكهرباء والصرف وتوصيل المياه، وغيرها من الأعمال المتعلقة بترميم المساكن والمنشآت التي تعرضت للتخريب أثناء الانتفاضة المسلحة ضد القذافي التي استمرت 8 أشهر.
أحد سماسرة تجميع العمال المصريين يقول لـ«الشرق الأوسط» في لقاء أخير في طبرق إن ندرة العمالة من جانب، وكثرة المباني المدمرة التي تحتاج لإصلاح من جانب آخر، هو السبب في ارتفاع أجر العامل. وأقرب أنواع العمالة التي يمكنها اجتياز الحدود والدخول إلى ليبيا هي العمالة المصرية التي تبحث عن فرص بعيدا عن الدولة التي تعاني من ديون مالية ضخمة منذ سقوط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك.
وكان أجر عامل البناء في اليوم يتراوح بين 20 و30 دينارا (الدولار كان يساوي نحو دينارين)، إلا أنه ارتفع خلال العام الأخير فقط إلى ما لا يقل عن 70 دينارا. ويضيف أن هذا مبلغ كبير (الدينار يساوي نحو 5 جنيهات مصرية)، و«أعتقد أنه، من وجهة نظر العامل، يستحق المغامرة». ويوجد على الجانب الآخر من الحدود المصرية وكلاء لتجميع العمالة المصرية وتيسير دخولها إلى ليبيا حتى لو كان العامل المتسلل لا يملك سداد أجرة مهربي البشر. وبحسب رواية أحد العمال المصريين ممن التقت بهم «الشرق الأوسط» في طبرق، وهو أصلا من إحدى القرى الفقيرة بمحافظة كفر الشيخ في دلتا مصر، فإن الأمر بسيط..
لا تسدد أي نفقات منذ خروجك من القرية. فقط تسلم نفسك للدليل الذي يحشرك في حافلة أجرة صغيرة إلى قرب الحدود المصرية - الليبية، ومن هناك تبدأ رحلة بالمشي على الأقدام طوال الليل، إلى أن تجتاز السلك الشائك والألغام الأرضية ونقاط الحرس، لتجد نفسك داخل الأراضي الليبية. ومن هناك يتسلمك دليل آخر وينقلك، تحت حراسة من مهربين مسلحين يستخدمون سيارات الدفع الرباعي، إلى مقر لتجميع العمالة في «سوق المصرية» في طبرق. هنا يقوم سمسار العمالة بسداد نفقات الرحلة بأكملها للوكيل الليبي الذي يقوم بالتبعية بإرسال الحصة الخاصة بالوكيل المصري في الجانب الآخر من الحدود. وعلى هذا يبدأ السمسار في تحصيل ما أنفقه عليك من الأجر الذي ستتقاضاه من عملك شهرا بشهر.
«هذه عملية معقدة، لكنها تجري بسلاسة ونظام.. لا يمكننا الاستغناء عن العمالة المصرية»، كما يقول حسين الإدريس، وهو تاجر من مدينة سرت كان يقيم حتى الشهر الماضي في مدينة طبرق، انتظارا لتجميع عمال مصريين متخصصين في أعمال الصرف الصحي في بيوت ثلاثة تملكها عائلته في المدينة التي تعرضت للدمار أثناء محاصرة القذافي فيها في آخر أيامه.
ويضيف أحد المصادر القبلية في سرت أنه رغم اختفاء مظاهر الدولة من المدينة ونزع الميليشيات سلاح القبائل التي فيها عقب مقتل القذافي، «فإنه ما زال يوجد فيها عمال مصريون.. عدة مئات. هؤلاء لم يغادروا حتى بعد أن وقع حادث اختطاف المصريين الواحد والعشرين وذبحهم».
وبالإضافة إلى أعمال البناء، توجد العشرات من القصص عن مصريين رفضوا التخلي عن المواقع التي يعملون فيها في كثير من المدن الليبية بما فيها المدن الملتهبة، مثل الطبيب الذي تحمل ظروف العسف والفوضى التي خلقتها الميليشيات في سرت، وأصر على البقاء من أجل علاج المواطنين الليبيين في مستشفى المدينة، إلى أن قام المتطرفون بقتله هو وأسرته في نهاية المطاف قبل شهر.
وهناك مدير لفندق من الفنادق المتوسطة في طرابلس المضطربة، يرفض العودة إلى مصر، لأنه يعمل في هذا الفندق منذ أكثر من 20 سنة، ويتعامل مع الأمر على أساس أنه هو المسؤول الأول عن الفندق وأنه لا يجوز أن يتخلى عنه على أمل أن تتحسن الظروف.
وتتشابه خيوط تهريب العمالة مع خطوط نقل المقاتلين والمتطرفين الهاربين من بلادهم. ووفقا لقائد في حرس الحدود الليبي، فقد جرى خلال الأشهر الأخيرة توقيف مصريين وجنسيات أخرى كانوا يقصدون مدينة بنغازي للانضمام إلى المتطرفين، ومن بينهم عناصر كانت قادمة مباشرة من مصر والبعض الآخر كان قادما من السودان عبر الأراضي المصرية، و«يجري التعامل معهم عن طريق جهات التحقيق الليبية لمعرفة من يقف وراءهم ومن يقوم بتمويلهم».
ويعتقد مسؤولون أمنيون ليبيون أن ملاحقة المصريين والقبض عليهم من جانب المتطرفين في ليبيا يجري بالتعاون مع متشددين مصريين يعملون مع تلك الميليشيات، من بينهم عناصر من «الإخوان» ومن حركة مصرية تسمى «حازمون» بعض عناصرها يحارب مع تنظيم داعش في سوريا أيضا، مشيرين إلى أن أجر المقاتلين الأجانب في صفوف المتطرفين الليبيين يتراوح بين 100 و500 دينار في اليوم، «وفقا لنوع السلاح الذي يعمل عليه.. هناك فرق بين من يقاتل بالكلاشنكوف ومن يحارب بمدافع 23 مللم». واستجاب آلاف العاملين المصريين في ليبيا لنداءات الدولة التي أطلقتها طوال الأشهر الأخيرة، وبدأت طوابير العودة إلى بلادهم بالفعل منذ أواخر العام الماضي وما زالت جارية حتى الآن. لكن يتوقع أن يزيد العدد بعد مشاهد الرعب التي بثها ما يطلق عليه «داعش ليبيا» بحق الواحد والعشرين مصريا.
بيد أن أحد أسباب البقاء بالنسبة لقطاع من المصريين يتعلق أيضا بمسألة الحصول على مستحقاتهم من أرباب العمل الليبيين، لأن الحرب والاقتتال بين الفرقاء تسبب في توقف معظم صادرات النفط وشلل عملية نقل الأموال بين المصارف في المدن المختلفة، إلى جانب تعرض التجارة والنقل للموت المؤقت تقريبا، انتظارا لانتهاء الحرب، ففي أواخر 2014، على سبيل المثال، تمكن المتطرفون من الاستيلاء على نحو 300 مليون دولار أثناء نقلها من مصرف طرابلس إلى بنوك بنغازي.
والمشكلة في رجوع المصريين تكمن أيضا في الطرق التي أصبحت صعبة.. إذا كنت في طرابلس، فلن يكون أمامك إلا أحد خيارين، بعد أن توقف مطار طرابلس ومطار معيتيقة عن العمل.. إما أن تتوجه إلى تونس، حيث توجد مشكلات واقتتال بين المتطرفين والجيش على هذا الطريق، أو أن تسلك الطريق إلى الشرق الذي يمر بك، شئت أم أبيت، عبر سرت التي يسيطر عليها المتشددون من «داعش» و«أنصار الشريعة» وما يسمى «الدروع».
وبالنسبة لمن هم في بنغازي، فإن الأمر أيسر قليلا؛ حيث يمكن العبور من الطريق الصحراوي الجنوبي، وصولا إلى طبرق الآمنة، ومنها إلى حدود مصر. وهذا يجنبك المرور من «طريق الاختطاف والذبح» والمقصود به الطريق الساحلي الشمالي الذي تقع عليه مدينة درنة حيث تنظيم داعش الذي أعلنها إمارة خاصة به. لم يبدأ تنظيم «داعش» في ليبيا من فراغ.. القصة بدأت بعد مقتل القذافي. كانت هناك كتيبة يديرها قادة من جماعة الإخوان الليبيين يتركز وجودها في بنغازي اسمها «كتيبة 17 فبراير»، وشعر بعض كوادر الكتيبة أن عددا من «الإخوان» يستخدمونها لمصالحهم، فقرروا الانفصال عنها وتكوين كتيبة أخرى أطلقوا عليها اسم «راف الله السحاتي». ومن رحم هذه الكتيبة الجديدة ظهرت كوادر أخرى أرادت مزيدا من الابتعاد عن سيطرة بعض وجوه «الإخوان»، فانفصلوا، مرة ثانية، عن «راف الله السحاتي» وشكلوا تنظيم «أنصار الشريعة» برئاسة محمد الزهاوي، وهو رجل متطرف كان في شبابه عضوا في فرقة درنة الموسيقية، وقتل في حرب المتشددين مع الجيش في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وبسب علاقة الزهاوي بدرنة، رفع رجل آخر متطرف من المدينة، وكان معتقلا في غوانتانامو، يدعى سفيان بن جومة، راية «أنصار الشريعة» وأصبح ينسق مع الزهاوي في الهجوم على مواقع الشرطة والجيش ومقار الدولة.
ويقول مسؤول أمني ليبي، إنه بعد ثورة المصريين على حكم محمد مرسي وجماعة الإخوان المصرية، بدأ مثل هؤلاء القادة في بنغازي ودرنة يحنون إلى أصولهم الإخوانية، بمساعدة نواب «الإخوان» والمتطرفين في البرلمان الليبي السابق الذين كانوا ينفقون عليهم بسخاء ويسهلون لهم الطرق. ومنذ ذلك الوقت شرعوا في استهداف المصريين للانتقام لـ«الإخوان» في القاهرة.
لكن، وبعد أن خسرت جماعة الإخوان الليبية الانتخابات وخرجت من حكم ليبيا هي الأخرى، الصيف الماضي، بدأت تستعين بالمتطرفين ممن خرجوا من عباءتها، لاستهداف المصريين على أساس أنهم مؤيدون للرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يؤيد بدوره السلطة الجديدة في ليبيا ممثلة في البرلمان والجيش الوطني بقيادة اللواء خليفة حفتر وحكومة عبد الله الثني.
ووفقا للمصادر الأمنية والعسكرية الليبية، وفرت جماعة الإخوان الليبية مسارات لتهريب الأسلحة والمتطرفين لتلك التنظيمات والعمل على تقويتها من أجل محاربة السلطة الجديدة في البلاد. وتضيف أن أحد طرق التواصل بين «أنصار الشريعة» التي تحولت إلى موالاة «داعش»، و«إخوان ليبيا»، تمر عبر قيادي مسؤول عما يسمى «قوات الدروع»، ويدعى وسام بن حميد. وتضيف أن بن حميد شارك مع الزهاوي في الحرب ضد الجيش في بنغازي وسرت، ويعد من المحرضين ضد المصريين في ليبيا.
ويشرف على عمليات المتطرفين في ليبيا قيادات إخوانية أخرى من بينهم زعماء لـ«كتيبة 17 فبراير» وقادة ما يسمى «قوات فجر ليبيا» وعناصر من «كتائب الدروع» إضافة لقادة «أنصار الشريعة» الذين يرفع قطاع منهم راية «داعش» علانية، إلى جانب جماعة «أنصار الحق» التي تضم موالين لتنظيم القاعدة ويديرها قادة من جماعة الإخوان في الجنوب الليبي تحت اسم «القوة الثالثة».
وتضيف المصادر الأمنية والعسكرية الليبية أن «(داعش ليبيا) ليست أكثر من مجاميع تنتمي أساسا للتنظيمات المشار إليها والتي يقودها من أعلى قادة من الإخوان، تحت هدف واحد هو محاربة الجيش الليبي»، مشيرة إلى أن أماكن هؤلاء المتطرفين موجودة في درنة وفي المناطق الجبلية المحيطة بها والوديان الواقعة في جنوب المدينة. أما المواقع الأخرى لهذه المجاميع المسلحة، فتوجد في ضاحيتين على الأقل في مدينة بنغازي، وهما القوارشة وسيدي فرج، وهما محاصرتان في الوقت الراهن من قبل الجيش الليبي. وهناك مجاميع أخرى في بلدة صبراتة قرب الحدود الليبية – التونسية، أي على مسافة ليست بعيدة عن قاعدة الوطية العسكرية التي يديرها الجيش الليبي. كما توجد مجموعات من المتطرفين في مناطق سوق الجمعة وأبو سليم في العاصمة طرابلس، إضافة إلى ما يسمى «القوة الثالثة» في سبها جنوبا. وفي القاهرة، أفادت مصادر مسؤولة أن جماعة «إخوان ليبيا» تحاول منذ خسرت الحكم في ذلك البلد، طرق أبواب السلطات المصرية، لكي يكون لها دور في حكم ليبيا مستقبلا، «إلا أن مصر لا تتعامل مع المتطرفين والإرهابيين». واستغلت مواقع إلكترونية تابعة للتنظيم الدولي للإخوان (يضم إخوانا من مصر وليبيا وعربا وأجانب) حادث ذبح المصريين الذين اختطفوا في سرت، ورد القوات المسلحة المصرية على المتطرفين، في محاولات لتشويه السلطات المصرية.
ويقود عمل المتطرفين في ليبيا مجموعة نواب سابقين من المتشددين المنتمين لكل من جماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» وتنظيم القاعدة. وأعاد هؤلاء تحت قوة السلاح عقد جلسات البرلمان السابق الذي أصبح يقتصر على الموالين لهم وعلى نحو 10 من النواب الجدد المنتمين للمتطرفين أيضا. ويقول مسؤول عسكري ليبي في مقابلة معه أثناء زيارته للقاهرة أمس: «هؤلاء يحاولون إقناع الغرب بأنهم يريدون محاربة (داعش ليبيا).. من المثير للسخرية أنهم هم من يسهلون للمتطرفين الذين يسمون أنفسهم (داعش) العمل في المدن الليبية. الذي يتعاون مع (داعش) الذي كان اسمها (أنصار الشريعة) ومن يجتمع معها في ما يعرف بـ(مجلس ثوار بنغازي) ومجالس الميليشيات الأخرى، هم قادة من الإخوان».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.