مصر والسودان يرفضان عرضاً إثيوبياً بتبادل المعلومات حول «السد»

الخرطوم طالبت باتفاق ملزم مسبقاً... والقاهرة قالت إن قبوله سيُعدُّ إقراراً بالملء الثاني

وزراء خارجية السودان ومصر وإثيوبيا خلال محادثات كينشاسا في 4 أبريل (رويترز)
وزراء خارجية السودان ومصر وإثيوبيا خلال محادثات كينشاسا في 4 أبريل (رويترز)
TT

مصر والسودان يرفضان عرضاً إثيوبياً بتبادل المعلومات حول «السد»

وزراء خارجية السودان ومصر وإثيوبيا خلال محادثات كينشاسا في 4 أبريل (رويترز)
وزراء خارجية السودان ومصر وإثيوبيا خلال محادثات كينشاسا في 4 أبريل (رويترز)

رفضت مصر والسودان عرضاً إثيوبياً بإطلاعهما على تفاصيل الملء الثاني لسد النهضة المقرر إثيوبياً خلال شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) المقبلين، ومشاركتهما المعلومات الفنية المرتبطة بعملية التشغيل.
وفيما تمسكت الخرطوم بضرورة توقيع اتفاق قانوني ملزم مسبقاً مشككة في النوايا الإثيوبية، قالت وزارة الري المصرية، في بيان، إن العرض الإثيوبي يتضمن مغالطات ولا يعكس حقيقة مسار المفاوضات، واعتبرت أن قبوله سيعد إقراراً مصرياً بالملء الثاني.
وقالت وزيرة الخارجية السودانية مريم المهدي، في نشرة وزعتها على الصحافيين عبر وسائط التواصل، إن إثيوبيا عرضت «قبل ساعات» رغبتها في إطلاع السودان، على تفاصيل الملء الثاني لبحيرة السد، في شهري يوليو وأغسطس المقبلين، وفي الوقت ذاته بدئها عملية تفريغ نحو 1.6 مليار متر مكعب من المياه ابتداء من يوم أمس، وذلك لاختبار بوابات سد النهضة. وأعلنت المسؤولة السودانية رفض حكومتها أي مشاركة للمعلومات من دون اتفاق قانوني ملزم، ونددت بالخطوة الإثيوبية، قائلة إن «أي مشاركة للمعلومات دون اتفاق قانوني ملزم، كمنحة أو صدقة من إثيوبيا، يمكن أن تتوقف عنها في أي لحظة كما ترى هي أو تقرر... وهذا أمر شديد الخطورة على مشاريعنا الزراعية وخططنا الاستراتيجية».
وتابعت المهدي: «نعم، سد النهضة عظيم الفائدة للسودان، وهو أمر موثق ومعلوم بالضرورة، ولكن لكي لا تتضرر خزاناتنا، ونجني الفائدة المرجوة من السد، فالأساس أن إثيوبيا ستتبادل معنا المعلومات بشأن الملء أولاً، والتشغيل الراتب لسد النهضة».
واستنكرت الوزيرة ما سمّته إخفاء إثيوبيا لمعلومات الملء الأول في يوليو 2020 الماضي، وقالت: «للأسف إثيوبيا دست عنّا المعلومات الخاصة بالملء الأول العام الماضي في يوليو 2020، والآن تهددنا بملء ثانٍ يمثل ثلاثة أضعاف الأول في حجمه، دون التوصل إلى اتفاق معنا على الملء والتشغيل».
وأرجعت الوزيرة العرض الإثيوبي المفاجئ إلى أنه محاولة لتخفيف الضغط السوداني والإقليمي الدولي، على حكومة أديس أبابا، وشككت في مدى التزام إثيوبيا بذلك، بالقول: «صدقهم يشهد عليه ما يدعونه الآن عن امتلاكهم أراضي في منطقة الفشقة».
وجددت المهدي التأكيد على موقف السودان ومصر الذي يشترط الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم، بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، بما يمكن السودان من وضع التدابير الفنية للحيلولة دون تأثر منشآته المائية بأي تصرفات إثيوبية مفاجئة. وتابعت: «من المهم الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم، بشأن معلومات الملء والتشغيل معاً، ليس دولة واحدة دون الأخرى».
من جهته، قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الموارد المائية والري المصرية، إن مصر رفضت المقترح الإثيوبي الذي يدعو لتشكيل آلية لتبادل البيانات حول إجراءات تنفيذ المرحلة الثانية من ملء سد النهضة. وأضاف أن هذا المقترح جاء في خطاب تلقاه وزير الموارد المائية والري محمد عبد العاطي من نظيره الإثيوبى وتضمن كثيراً من المغالطات والادعاءات التي لا تعكس حقيقة مسار المفاوضات على مدار السنوات الماضية. وأوضح المتحدث الرسمي أن هذا المقترح الإثيوبي يخالف مقررات القمم الأفريقية التي عقدت حول ملف سد النهضة والتي أكدت ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل سد النهضة، مضيفاً أن هذا المقترح لا يعدو كونه محاولة مكشوفة لاستخلاص إقرار مصري على المرحلة الثانية من الملء التي تنوي إثيوبيا تنفيذها خلال صيف العام الحالي حتى لو لم تصل الدول الثلاث إلى اتفاق حول ملء وتشغيل سد النهضة.
وشدد المتحدث الرسمي، في هذا السياق، على أن مصر ترفض أي إجراءات أحادية تتخذها إثيوبيا ولن تقبل بالتوصل إلى تفاهمات أو صيغ توفر غطاءً سياسياً وفنياً للمساعي الإثيوبية لفرض الأمر الواقع على دولتي المصب. واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن مصر متمسكة بضرورة التوصل إلى اتفاق متكامل حول ملء وتشغيل سد النهضة تنفيذاً لأحكام اتفاق إعلان المبادئ المبرم في عام 2015، مضيفاً أن مصر تحلت على مدار عقد كامل من المفاوضات بالمسؤولية وأبدت قدراً كبيراً من المرونة من أجل التوصل إلى اتفاق على سد النهضة يراعي مصالح وحقوق الدول الثلاث، وأنه أصبح الآن على إثيوبيا أن تتخلى عن تعنتها وتبدي الإرادة السياسية اللازمة للتوصل إلى الاتفاق المنشود.
ودعا وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي، أمس، سيلشي بيكيلي، السودان ومصر رسمياً إلى ترشيح منسقين أو مشغلي سدود لتبادل البيانات قبل بدء الملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي خلال موسم الأمطار في إثيوبيا. وأشار الوزير في بيان نشره في حسابه على موقع «فيسبوك» إلى أن هذه الخطوة ستعجل بإعداد الترتيبات المناسبة لتبادل المعلومات، وإجراءات بناء الثقة بين الأطراف الثلاثة لحين اختتام مفاوضات سد النهضة التي تجرى برعاية الاتحاد الأفريقي. وأعربت الحكومة الإثيوبية في الرسالتين عن استعدادها لاستقبال أول اجتماع للمنسقين في أديس أبابا أو بشكل افتراضي. وأشار الوزير الإثيوبي إلى إحراز تقدم في أعمال بناء السد النهضة، مع اقتراب موسم الأمطار، مشدداً على ضرورة أن تعمل الدول الثلاث معنا على ترتيبات اتصال مهمة وفعالة.
وشددت الرسالتان، حسب الوزارة، على أهمية التوقيع فوراً على اتفاق بشأن القواعد والمبادئ التوجيهية للمرحلة الأولى من ملء سد النهضة، وفقاً لإعلان المبادئ المبرم بين الدول الثلاث عام 2015، مضيفتين أن هذه الخطوة تمثل فرصة جيدة لبناء الثقة بين الأطراف.
وفشلت الأسبوع الماضي، جولة المباحثات التي جرت بين الدول الثلاث في العاصمة الكونغولية (كينشاسا)، وأرجع كل من السودان ومصر فشل الجولة، إلى ما سمّياه «التعنت الإثيوبي»، ورفضها (إثيوبيا) مقترح البلدين بإشراك وسطاء دوليين، وإصرارها على الملء الثاني لبحيرة السد قبل توقيع اتفاق قانون ملزم. وقال وزير الري المصري، أمس، إن «التعنت الإثيوبي، هو السبب في فشل المفاوضات»، مشيراً إلى «أن مصر والسودان أبديا مرونة كبيرة للتوصل إلى اتفاق (قانوني عادل وملزم) للجميع يلبي طموحات الدول في التنمية».
وتعليقاً على الدعوة الإثيوبية لمصر والسودان، قالت مساعدة وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية، السفيرة منى عمر، إنها «دعوة لمزيد من (المماطلة)، ومحاولة تدل على (عدم تقدير) للجهود السابقة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أنه سبق أن «شُكلت لجان خبراء على مدى العشر سنوات الماضية، فضلاً عن وجود تقارير لمكاتب دولية بموافقة إثيوبيا، التي لم تعترف بهذه التقارير الدولية، رغم موافقة أديس أبابا عليها في البداية». وأوضحت عمر أن «إثيوبيا تريد من هذه الإجراءات التصوير للعالم أنها متعاونة في أزمة (السد)»، مرجحة «عدم تقديم إثيوبيا أي بيانات في هذا الشأن»، قائلة: «سبق لمصر أن طالبت ببيانات وأديس أبابا رفضت»، لافتة إلى أن «التفاهم المطلوب من جانب إثيوبيا، يكون من خلال الالتزام باتفاق المبادئ، الذي وقعت عليه في مارس (آذار) عام 2015، وفيه تعترف أديس أبابا بالتعاون مع مصر والسودان في إدارة المياه، وعدم إلحاق الضرر بدولتي المصب».
يشار إلى أن من بين المقترحات التي ووجهت باعتراض إثيوبي في محادثات كينشاسا، مقترح تشكيل «رباعية دولية» تقودها جمهورية الكونغو الديمقراطية التي ترأس الاتحاد الأفريقي للتوسط بين الدول الثلاث، وتضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. كما رفضت أديس أبابا تطوير العملية التفاوضية وتمكين الدول والأطراف المشاركة في المفاوضات كمراقبين.
ووفق «مجلس الوزراء المصري» أمس، فقد أشار وزير الري المصري إلى «حجم التحديات التي تواجه قطاع المياه في مصر، وعلى رأسها الزيادة السكانية، والتغيرات المناخية، و(الإجراءات الأحادية) التي يقوم بها الجانب الإثيوبي فيما يخص ملء وتشغيل (السد)»، موضحاً أن «وزارة الري تبذل مجهودات كبرى للتعامل مع مثل هذه التحديات، من خلال تنفيذ كثير من المشروعات القومية الكبرى، التي تهدف لزيادة الجاهزية للتعامل مع التحديات المائية، ومواجهة أي طارئ تتعرض له المنظومة المائية».
في السياق ذاته، ناشدت لجنة «حقوق الإنسان» بمجلس النواب المصري (البرلمان)، «المجتمع الدولي بأن يكون له موقف واضح من حق الإنسان المصري في حقوقه المائية (المشروعة)»، وعدم التهاون مع الإجراءات (غير القانونية) التي تتخذها الأطراف الأخرى والتي تهدد بها الأمن والسلم الإقليميين». وبحسب اللجنة في بيان لها، مساء أول من أمس، فإن «(التفاوض العادل والبناء) هو السبيل المثلى في (أزمة السد)، وإن المواقف المتشددة التي تتخذها الحكومة الإثيوبية، في مقابل المقترحات والبدائل التي تقدمت بها مصر والسودان لإيجاد حل (عادل) لتشغيل (السد)، سبب تأزم الوضع في المفاوضات».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.