«الانسداد» الأميركي ـ الروسي ينعش اقتراح «خطوة ـ خطوة» في سوريا

توقعات في دمشق بقرب برنامج الانتخابات الرئاسية... ومؤتمر بروكسل يجدد شروط «التطبيع» و«الإعمار»

عربات عسكرية أميركية وروسية في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا في مايو 2020 (أ.ف.ب)
عربات عسكرية أميركية وروسية في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا في مايو 2020 (أ.ف.ب)
TT

«الانسداد» الأميركي ـ الروسي ينعش اقتراح «خطوة ـ خطوة» في سوريا

عربات عسكرية أميركية وروسية في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا في مايو 2020 (أ.ف.ب)
عربات عسكرية أميركية وروسية في ريف القامشلي شمال شرقي سوريا في مايو 2020 (أ.ف.ب)

أعاد المؤتمر الدولي للمانحين في بروكسل، سوريا إلى رأس الأجندة الدولية والإقليمية بعد تراجع الاهتمام بها منذ تسلم إدارة الرئيس جو بايدن التي لا تزال في طور المراجعة السياسية بمشاركة المؤسسات الأميركية المختلفة.
في الوقت نفسه، كشف هذا «الاهتمام المؤقت» في الذكرى العاشرة لبدء الأزمة، استمرار الجدار وعدم بلورة تفاهم دولي - إقليمي بسبب تفاقم التوتر بين أميركا وروسيا وانعكاساته المختلفة في ملفات عدة بينها سوريا، المكان الوحيد الذي يقف فيها جيشا البلدين وجها إلى وجه تنظم العلاقة بينهما تفاهمات عسكرية لمنع الصدام، ما أعاد طرح مقاربة «خطوة - خطوة» بين موسكو واشنطن.
- ما هو المشهد من موسكو؟
تدعم موسكو دمشق في خطتها السياسية والمضي قدما في ملفي الانتخابات الرئاسية والإصلاح الدستوري. حسب المعلومات، فإن مجلس الشعب (البرلمان) السوري سيبدأ في 19 الشهر الجاري جلسة برلمانية، يرجح أن تطلق فيها عملية الإعداد للانتخابات الرئاسية، بموجب الدستور الحالي للعام 2012، ونص على أن «يدعو رئيس مجلس الشعب لانتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء ولاية الرئيس القائم في مدة لا تقل عن ستين يوماً ولا تزيد على تسعين يوماً»، علما بأن ولاية الرئيس بشار الأسد تنتهي في 17 يوليو (تموز) المقبل.
كما تضمنت الشروط بأن «لا يقبل طلب الترشيح إلا إذا كان طالب الترشيح حاصلاً على تأييد خطي لترشيحه من 35 عضواً على الأقل من أعضاء مجلس الشعب، ولا يجوز لعضو مجلس الشعب أن يمنح تأييده إلا لمرشح واحد»، حسب الدستور. وزاد: «إذا لم تتوافر الشروط المطلوبة للترشيح سوى بمرشح واحد خلال المهلة المحددة، فيتوجب على رئيس مجلس الشعب الدعوة إلى فتح باب الترشيح مجدداً وفق الشروط ذاتها».
وإلى الآن، لم تظهر مؤشرات لظهور مرشح جديد ولم يعلن رسمياً برنامج الانتخابات ومواعيدها، علما بأن الانتخابات السابقة في 2014، وهي الأولى التي تجري بموجب دستور 2012 شهدت مشاركة مرشحين اثنين، وكانت الأولى التي لم تجر بصيغة الاستفتاء على مرشح واحد منذ عقود.
وتدعم روسيا هذا الاتجاه، وتقول إنه لا علاقة بين الانتخابات الرئاسية المقبلة والإصلاح الدستوري برعاية الأمم المتحدة بموجب القرار 2254، وجدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هذا الاتجاه في خطابه يوم أمس. كما كرر الموقف من ضرورة عدم وجود سقف زمني لعمل اللجنة الدستورية في جنيف. وأقصى ما كان ذهب إليه في جلسات خاصة، أنه في حال حصل إصلاح دستوري يمكن الدعوة لانتخابات رئاسية جديدة بعد الانتخابات المقبلة. وقد توافق دمشق على هذا لأنه يعطي غطاء في الدستور لولاية جديدة أو أكثر للأسد.
في غضون ذلك، يواصل المبعوث الأممي غير بيدرسن اتصالاته مع رئيسي وفد الحكومة أحمد الكزبري و«هيئة التفاوض» المعارضة هادي البحرة للوصول إلى اتفاق خطي حول آلية عمل اللجنة وكيفية البدء بصوغ الإصلاح الدستوري، خصوصاً بعدما تسلم الكزبري «توجيهات» للبدء بعملية «صوغ الدستور». وتتضمن الاتصالات الأممية مع الكزبري والبحرة تفاصيل الاتفاق على آلية العمل وإمكانية عقد جلسة جديدة للجنة الدستورية قبل الانتخابات الرئاسية مع مراعاة قدوم شهر رمضان بحدود 13 الشهر الجاري وانعقاد جلسة مجلس الشعب في 19 منه.
وتواصل موسكو هجماتها الدبلوماسية باتجاهات عدة، وتحث دولاً عربية وأوروبية على المساهمة في إعمار سوريا و«التطبيع» مع دمشق بعد استقرار العمليات العسكرية فيها وقرب الانتخابات الرئاسية. كما تواصل عنادها في مجلس الأمن باتجاه عدم التمديد للقرار 2533 الخاص بتقديم المساعدات الإنسانية «عبر الحدود» الذي تنتهي ولايته في 11 يوليو المقبل. وهي تضغط على الدول المانحة لتقديم المساعدات من دمشق والمؤسسات الأممية المقيمة فيها.
- ما هي «المأساة» من واشنطن؟
أول إطلالة لوزير الخارجية الأميركي الجديد أنطوني بلينكن في الملف السوري، كانت من بوابتين: الأولى، ترؤسه اجتماع مجلس الأمن الخاص بـ«المأساة الإنسانية». الثانية، رئاسة مؤتمر وزاري مصغر للتحالف الدولي ضد «داعش». أما بالنسبة إلى مؤتمر بروكسل للمانحين، فإنه فضل إيفاد المندوبة الأميركية ليندا توماس غرينفيلد.
في مجلس الأمن، واجه بلينكن الجانب الروسي بأنه دعا إلى فتح ثلاثة معابر حدودية في باب الهوى وباب السلامة مع تركيا واليعربية مع العراق والعودة إلى الوضع الذي كان سائدا في بداية العام الماضي قبل تمديد القرار الدولي. وقال: «13.4 مليون شخص - اثنان من كل ثلاثة سوريين - بحاجة إلى المساعدة الإنسانية. إن ستين في المائة من السوريين معرضون لخطر الجوع». وزاد: «الطريقة الأكثر فاعلية ونجاعة لتوصيل أكبر قدر من المساعدة لمعظم الناس في الشمال الغربي والشمال الشرقي هي عبر المعابر الحدودية. ومع ذلك، سمح مجلس الأمن بانتهاء الترخيص لمعبرين حدوديين، هما: باب السلام في الشمال الغربي، والذي كان يُستخدم لإيصال المساعدات إلى ما يقرب من 4 ملايين سوري. ومعبر اليعربية في الشمال الشرقي، والذي قدم مساعدات لـ1.3 مليون سوري».
وشكل مجلس الأمن، منصة للصدام الأميركي - الروسي حول «تسييس المساعدات» و«السيادة السورية». وقال بلينكن: «السيادة لم يكن القصد منها أبداً ضمان حق أي حكومة في تجويع الناس، أو حرمانهم من الأدوية المنقذة للأرواح، أو قصف المستشفيات، أو ارتكاب أي انتهاك آخر لحقوق الإنسان ضد المواطنين»، ذلك في رد على نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فرشينين من أن المساعدة العابرة للحدود «تنتهك مبادئ القانون الدولي، لأن الحكومة القائمة لا تناسب الغرب»، وقوله إن عدم دعوة الحكومة السورية إلى مؤتمر بروكسل «تعد إضافي على سيادتها»، وانتقاده «التسييس المتزايد للمساعدات الإنسانية».
هذا الجدل الغربي - الروسي انتقل من نيويورك إلى بروكسل، وطال المساعدات والتمويل والسيادة وعدم دعوة دمشق. لكن المفاجأة السارة، كانت حجم التعهدات المعلنة في ختام مؤتمر المانحين الذي شارك فيه 79 وفداً (52 دولة) و«تأكيد التزام المجتمع الدولي سياسياً وإنسانياً ومالياً نحو الشعب السوري».
حسب الأرقام الرسمية، فإن التعهدات هي: 4.4 مليار دولار (3.6 مليار يورو) لعام 2021 وتعهدات متعددة الأعوام بملياري دولار (1.7 مليار يورو) لعام 2022 وما بعده. إضافة إلى تقديم مؤسسات مالية دولية ومانحين دوليين 7 مليارات (5.9 مليار يورو) كقروض ميسّرة.
لا تمانع موسكو ودمشق في ذلك لأنه يسهم في «تخفيف العبء» رغم الانتقادات العلنية. لكن المفاجأة غير السارة، قناعة المشاركين وبيان الرئاسة المشتركة من مفوض الشؤون الخارجية والأمنية الأوروبي جوزيف بوريل والمبعوث الأممي غير بيدرسن أن «التقدّم نحو حل سياسي لا يزال بعيد المنال بعد عقد من الصراع» وأن الاشتباكات على خطوط التماس مستمرة رغم «الهدوء الهش» ووقف النار منذ أكثر من سنة.
- ما شروط «التطبيع» و«الإعمار»؟
أيضا، أظهر المؤتمر الخلاف الروسي - الغربي حول الانتخابات الرئاسية السورية واستمرار التزام شروط «التطبيع» و«الإعمار»، إذ أشارت الرئاسة المشتركة إلى أن الحل يكمن في تنفيذ القرار 2254 و«إكمال عملية صياغة دستور جديد، تمهيداً لانتخابات حرّة وعادلة تحت إشراف الأمم المتحدة، يشارك فيها السوريون الموجودون في الشتات»، ما يعني عدم الاعتراف بالانتخابات المقبلة. وكان بوريل قال لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الانتخابات «لن تؤدي إلى التطبيع مع النظام السوري» وإن هذه الرسالة بعثت إلى دول في المنطقة، التي كانت تسلمت «رسالة» مختلفة من الجانب الروسي، تحث على المساهمة بإعمار سوريا لـ«الحفاظ على الدولة وإضعاف إيران».
وإذ أعرب مؤتمر بروكسل واجتماع مناهضة «داعش» عن القلق من ظهور «داعش» في البادية السورية، مناطق سيطرة الحكومة براً والطائرات الروسية جواً، في بداية العام الجاري، فإن الرسالة المشتركة، هي أن «اجتثاث الإرهاب على نحو دائم في سوريا يتطلب تسوية سياسية حقيقية تعالج أسباب الصراع الجذرية»، في وقت «تسوء الظروف الاجتماعية والاقتصادية» جراء عوامل عدة، بينها الفساد والعقوبات.
أما بالنسبة إلى إعمار سوريا، فإن الشرط الأوروبي غير السار لروسيا، لا يزال قائماً، إذ أفادت وثيقة المؤتمر بأن «الدول المانحة والاتحاد الأوروبي يؤكدان أن إعادة الإعمار (في سوريا) والدعم الدولي لتنفيذها سيكونان ممكنين فقط لدى سريان حلّ سياسي موثوق وراسخ ينسجم مع القرار 2254 وبيان جنيف... وحكومة سورية ديمقراطية وجامعة (...) ومحاورين (سوريين) موثوقين وشرعيين وضمانات فيما يتعلّق بتمويل المحاسبة». وأكد أيضا: «سوريا لا تفي حالياً بأي من هذه الشروط».
وأمام الفجوة الكبيرة بين موقفي روسيا وحلفائها من جهة وأميركا وشركائها الأوروبيين والإقليميين من جهة ثانية، أعيد طرح تفعيل مقاربة «خطوة مقابل خطوة» بين واشنطن وموسكو التي كانت اختبرت مرات عدة إلى صيف العام الماضي عبر محادثات سرية بينهما في فيينا. يتضمن العرض القديم - الجديد، استعداد الغرب لتقديم «حوافز» بينها رفع أو تخفيف أو عدم فرض العقوبات وفك العزلة على دمشق مقابل إقدام موسكو على «خطوات إيجابية» في مجال العملية السياسية ودور إيران في سوريا.
بيدرسن كان من أكثر المتحمسين لهذا الاقتراح خصوصاً مع تفاقم التوتر بين موسكو - بوتين وواشنطن - بايدن، لكن الجديد أن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس دعم هذا الاتجاه مع أنه كان غير مقتنع به في ضوء «خيبات» برلين من الحوار السابق بين المستشارة أنجيلا ميركل والرئيس فلاديمير بوتين عن سوريا.



«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
TT

«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)

فرضت الجماعة الحوثية أعباء مالية جديدة على السكان والتجار في مناطق سيطرتها، تحت مبررات مرتبطة بالتحضير لإحياء ما تسميها «ذكرى يوم الولاية»، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر وتداعيات الحرب الممتدة منذ سنوات.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة صعّدت خلال الأيام الماضية حملات التحصيل المالي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفةً التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية بالمساهمة في تمويل الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالمناسبة ذات الطابع العقائدي.

وحسب المصادر، تُنفذ هذه الحملات عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة، تتراوح بين التهديد بفرض عقوبات إدارية أو مالية وبين التعرض لمضايقات متكررة من المشرفين الحوثيين، مما يدفع كثيرين إلى الامتثال خشية التعرض لإجراءات تعسفية قد تؤثر في أعمالهم أو مصادر دخلهم.

وأفاد شهود بانتشار فرق ميدانية تابعة للجماعة في عدد من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية في صنعاء وضواحيها، حيث تتولى جمع ما تصفها الجماعة بـ«المساهمات» أو «التبرعات» لدعم فعاليات «يوم الولاية»، بينما يؤكد السكان أن تلك الأموال تُفرض عليهم بصورة إلزامية.

وتحدث تجار وسكان عن فرض مبالغ مالية متفاوتة حسب حجم النشاط التجاري أو طبيعة الجهة المستهدفة، فضلاً عن إلزام بعض أصحاب المحال التجارية بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التعبوية المصاحبة للمناسبة، بما في ذلك تعليق الشعارات واللافتات وتقديم دعم لوجستي أو مالي للحشود المنظمة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من سياسة متكررة تعتمدها الجماعة لتمويل أنشطتها العقائدية والإعلامية، مستفيدةً من ضعف الرقابة وغياب المؤسسات الرسمية القادرة على حماية القطاع الخاص أو الحد من عمليات الجباية التي تتكرر مع كل مناسبة دينية أو سياسية تتبناها الجماعة.

ويشير هؤلاء إلى أن المناسبات الحوثية تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مواسم موسمية لفرض الإتاوات واستنزاف ما تبقى من السيولة المالية لدى المواطنين والتجار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الأسواق وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ازدياد الأعباء المعيشية

أعرب عدد من التجار اليمنيين عن استيائهم من تكرار فرض المساهمات المالية عليهم لمصلحة قادة الجماعة الحوثية، مؤكدين أن قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم باتت مهدَّدة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء، فضّل استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الجماعة تعود في كل مناسبة لفرض رسوم أو مساهمات جديدة، موضحاً أن الحركة التجارية تشهد تراجعاً كبيراً، في حين تزداد الالتزامات المالية المفروضة على التجار بشكل مستمر.

وأضاف أن رفض الدفع لم يعد خياراً متاحاً للكثيرين، نظراً لما قد يترتب عليه من زيارات متكررة للمشرفين الحوثيين أو مضايقات قد تعطِّل النشاط التجاري وتؤثر في سير العمل.

ولا تقتصر الشكاوى على التجار، إذ يقول موظفون في القطاع الحكومي إنهم يتعرضون أيضاً لضغوط للمساهمة في تمويل بعض الفعاليات، رغم استمرار أزمة الرواتب التي تعاني منها شريحة واسعة من الموظفين منذ سنوات.

في السياق ذاته، تؤكد أسر يمنية أن ازدياد الجبايات يفاقم معاناتها اليومية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات الضرورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تكلفة اقتصادية مرتفعة

تُعد مناسبة ما يسمى «يوم الولاية» من أبرز المناسبات التي تحرص الجماعة الحوثية على إحيائها سنوياً، حيث تنظم خلالها فعاليات جماهيرية واسعة وحملات دعائية وإعلامية مكثفة، تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً.

ويؤكد منتقدون للجماعة أن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يجري توفيره عبر جبايات تُفرض على المواطنين والقطاع الخاص تحت مسميات مختلفة، في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي وضعفاً في فرص العمل ومصادر الدخل.

ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الأسعار وفرص التوظيف ومستويات المعيشة.

ويرى هؤلاء أن أي تعافٍ اقتصادي محتمل سيظل محدوداً ما دامت الأنشطة التجارية والاستثمارية تواجه بيئة غير مستقرة تتسم بفرض القيود والإتاوات والتدخلات المتكررة في عمل الأسواق.

ويزعم الحوثيون أن «يوم الولاية» هو اليوم الذي عهد فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بالولاية لعلي بن أبي طالب ولمن ينتسبون إلى ذريته من بعده، والذي يوافق الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، وهو ما يعني -حسب عقيدتهم- الأحقية الدينية والسياسية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في الحكم والسلطة استناداً إلى مزاعم انتسابه إلى ذرية علي بن أبي طالب.

الطوارئ الغذائية

بالتوازي مع هذه التطورات، أطلقت منظمات دولية تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الأمن الغذائي في اليمن، متوقعةً استمرار الأوضاع الحرجة في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بأن مستويات الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، مرشحة للاستمرار حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل في محافظات الحديدة وحجة وتعز الواقعة تحت سيطرة الجماعة، بينما تسود حالة الأزمة الغذائية في معظم المناطق الأخرى الخاضعة لها.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها تدهور بيئة الأعمال، وفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع فرص كسب الدخل، إلى جانب استمرار تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتوقعت الشبكة أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للأسر اليمنية واتساع فجوات الاستهلاك الغذائي، مما سيدفع أعداداً أكبر من السكان إلى تبني آليات تكيف قاسية وغير مستدامة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي يُنذر بإطالة أمد الأزمة الإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.


تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
TT

تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)

على الرغم من أن التوقعات المناخية تشير إلى احتمال تسجيل اليمن خلال الأسابيع المقبلة معدلات أمطار أعلى من المعتاد، فإن المخاوف من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي تزايدت مع الغياب شبه الكامل للأمطار في ذروة الموسم المطري مطلع الشهر الحالي.

وتوقعت تقارير مناخية وزراعية دولية أن تشهد أجزاء واسعة من اليمن خلال يونيو (حزيران) الحالي هطول أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع استمرار موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق؛ وهو ما يثير مخاوف من انعكاسات متباينة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، في ظل أزمة إنسانية متنامية ناجمة عن تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة.

ومع تأكيد منظمات الإغاثة أن أكثر من 18 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي، أوضحت التقديرات المناخية أن يونيو يمثل عادة بداية موسم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، حيث تشهد المرتفعات الغربية والسهول الساحلية أمطاراً متفرقة تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، في حين تبقى المناطق الصحراوية في الشرق والوسط أكثر جفافاً.

وأشار تقرير مناخي حديث إلى أن الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي شهدت غياباً شبه كامل للأمطار أو هطولات محدودة للغاية في معظم المحافظات اليمنية؛ الأمر الذي أوجد ظروفاً غير مواتية لزراعة المحاصيل البعلية وتعافي المراعي الطبيعية.

نحو 73 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة (الأمم المتحدة)

وفي المقابل، سجلت أجزاء من محافظة إب أمطاراً غزيرة تراوحت بين 40 و60 مليمتراً؛ وهو ما أسهم بصورة مؤقتة في تحسين توفر المياه وتعزيز تغذية بعض المصادر المائية المحلية.

ورغم المخاوف المرتبطة باستمرار الجفاف في مناطق واسعة، أبرز التقرير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) توقعات المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع التي تشير إلى احتمال هطول أمطار فوق المعدلات الطبيعية في أجزاء كبيرة من البلاد خلال الفترة المقبلة؛ وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج الزراعي وتغذية المياه الجوفية إذا استمرت الأمطار بوتيرة منتظمة.

ضغط موجات الحر

في المقابل، حذَّر التقرير الأممي من استمرار الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، لا سيما في المناطق الصحراوية الداخلية بمحافظتي حضرموت والمهرة، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 42 درجة مئوية، في حين يُتوقع أن تسجل المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن درجات حرارة تتراوح بين 35 و40 درجة مئوية.

وأوضح أن موجات الحر المتواصلة قد تؤدي إلى تسارع فقدان رطوبة التربة نتيجة زيادة معدلات التبخر والنتح؛ ما يقلل من الاستفادة الفعلية من مياه الأمطار ويؤثر سلباً في الزراعة البعلية والمراعي الطبيعية وإنتاج الثروة الحيوانية.

كما رجح التقرير أن تتسبب الظروف الجافة في تعطيل أو تأخير عمليات الزراعة في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية، إضافة إلى الحد من نمو المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع الطلب على مياه الري، ويؤدي إلى استنزاف أسرع لرطوبة التربة؛ ما يزيد تكاليف الإنتاج على المزارعين ويضاعف التحديات الاقتصادية التي يواجهها القطاع الزراعي.

تأخر هطول الأمطار يثير مخاوف قطاع الزراعة في اليمن (الأمم المتحدة)

وتوقع معدّو التقرير أن يبقى تعافي المراعي محدوداً خلال الفترة المقبلة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع توفر المراعي الطبيعية وزيادة الضغوط على سبل عيش الرعاة في مناطق واسعة من البلاد.

كما حذَّروا من أن الثروة الحيوانية قد تواجه مستويات أعلى من الإجهاد الحراري ونقصاً في مصادر المياه؛ وهو ما قد ينعكس على صحة الحيوانات وإنتاجيتها، خصوصاً في المناطق الأكثر تعرضاً للجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

ودعا التقرير إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف الإرشادات الزراعية والمناخية للمزارعين والرعاة، ودعم استخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية، إلى جانب التوسع في زراعة الأصناف المقاومة للجفاف وتحسين إدارة الموارد المائية.

وشدَّد على أهمية تخزين المدخلات الزراعية الأساسية والإمدادات البيطرية وأعلاف الطوارئ مسبقاً في المناطق عالية المخاطر؛ لضمان سرعة الاستجابة في حال تفاقمت الظروف المناخية أو تدهورت الأوضاع الإنسانية.

فجوات التمويل

على صعيد متصل، أكد برنامج الأغذية العالمي وجود فجوات تمويلية كبيرة تعيق قدرته على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وتوسيع نطاق الاستجابة الطارئة في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في اليمن.

التوسع في بناء الحواجز المائية باليمن للاستفادة منها خلال موسم الجفاف (الأمم المتحدة)

وقال القائم بأعمال رئيس مكتب البرنامج في مأرب، هابي غود جون، خلال لقائه وكيل المحافظة عبد ربه مفتاح، إن نقص التمويل بات يشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارية البرامج الإنسانية وتوسيع قوائم المستفيدين، خصوصاً بين النازحين داخلياً.

ودعا المسؤول الأممي المجتمع الدولي إلى حشد موارد إضافية لدعم العمليات الإنسانية وضمان استمرار تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية للفئات الأكثر احتياجاً، محذّراً من أن اتساع الفجوة التمويلية قد يفاقم من معاناة ملايين اليمنيين في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.


الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.