تهاوي الروبل اختبار حاسم لمحافظة البنك المركزي الروسي

إلفيرا نابيولينا في عين الإعصار

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين  لدى اجتماعه بمحافظة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا («نيويورك تايمز»)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى اجتماعه بمحافظة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا («نيويورك تايمز»)
TT

تهاوي الروبل اختبار حاسم لمحافظة البنك المركزي الروسي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين  لدى اجتماعه بمحافظة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا («نيويورك تايمز»)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى اجتماعه بمحافظة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا («نيويورك تايمز»)

كانت إمارات الفزع تتشكل على وجوه المذعورين من الأزمة الاقتصادية خارج غرفة اجتماعات العهد القيصري ذات الثريا في مقر البنك المركزي الروسي. كان سكان موسكو يتحررون في يأس من عبء الروبل الذي يفقد قيمته على نحو متزايد، ويبتاعون، في هوس محموم، أجهزة التلفزيون، وغسالات الملابس، والمعاطف الشتوية، وغيرها من البضائع.
وفي الوقت الذي كانت فيه إلفيرا نابيولينا يتلقى الملاحظات من مساعديه حول انهيار العملة خلال اجتماع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ظلت على نفس منوال خطابها، من حيث تمجيد فضائل انهيار تداول الروبل لمدة عقدين من الزمان وإفساح الطريق أمام قوى السوق.
ويتذكر أحد المصرفيين بعضا من حديثها خلال الاجتماع المغلق فيقول: «كانت رسالتها: إننا لا نستهدف المعدل، سوف يفعل الروبل ما يفعله دوما». ولقد ظل التزام إلفيرا نابيولينا قيد الاختبار بصفة يومية.
تعد السيدة نابيولينا، المنظرة الاقتصادية النحيفة والمولعة بالكتب، من المؤمنين الصارمين بمزايا التغير المرن في سعر الصرف وفي العملة الضعيفة كذلك، إذا ما فرضت قوى السوق ذلك بالطبع. وقد دافعت عن موقفها هذا بابتهاج شديد حتى مع كون الروبل هو ثاني أقل العملات العالمية من حيث الأداء خلال العام الماضي. ولم تفقد أي عملة المزيد من قيمتها إلا عملة روسيا البيضاء التي تحمل ذات الاسم.
قالت إلفيرا نابيولينا للبرلمان الروسي خلال الخريف الماضي: «من المستحيل تماما السيطرة على سعر الصرف مع محاولة الحفاظ على قدر من التوجيه. ليس من الممكن محاربة العوامل العالمية الأساسية. إنه إجراء توازني خادع بالفعل».
ومع اشتداد الاضطرابات، تحافظ أسعار الفائدة المنخفضة على تعويم البنوك، في مقابل التضحية بالروبل. أما رفع أسعار الفائدة سوف ينقذ الروبل، ولكنه يؤدي إلى تعميق الركود الاقتصادي.
عمل البنك المركزي على خفض أسعار الفائدة بصورة غير متوقعة أواخر يناير (كانون الثاني). وتشير تلك الخطوة إلى أن روسيا تتعامل مع المشكلات المصرفية وضعف الأداء الاقتصادي باعتبارها من الأولويات الأكثر إلحاحا من مشكلات الروبل ذاته.
كما سُلطت الأضواء مجددا على استعداد نابيولينا، فيما يبدو بموافقة من الرئيس فلاديمير بوتين، للتراجع عن الدفاع عن الروبل، والذي يعاني حاليا من أسوأ حالات الهبوط منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. والروبل، الذي يتداول حاليا عند 66 نقطة مقابل الدولار، قد فقد ما يقرب من نصف قيمته خلال العام الماضي.
وفي إشارة لجدول محافظة البنك المركزي المزدحم، رفضت الإدارة الصحافية في البنك السماح بمقابلة نابيولينا.
يأتي قرار السماح بسقوط الروبل لقاء تحقيق أهداف اقتصادية أخرى بوصفه واحدة من سياسات الكرملين القليلة الثابتة. في مواجهة أسعار النفط المنهارة والعقوبات الغربية المفروضة على السياسة الروسية تجاه أوكرانيا، فإن سقوط الروبل من الأمور المؤلمة، ولكنها لازمة، كخطوة لإبعاد روسيا عن حظيرة الواردات.
يبدو أن الارتباك قد صار غالبا في مواقع أخرى من الحكومة الروسية. خلال الشهر الماضي، أفرد أنطون جي سيلوانوف، وزير المالية الروسي، ميزانية «مكافحة الأزمة» التي وعد بها منذ فترة طويلة، مطالبا بتخفيضات تقدر بنسبة 10 في المائة. ولكن أليكسي في أوليوكاييف، وزير الاقتصاد، كان قد أعلن في وقت سابق أنه لا حاجة لتنفيذ أية تخفيضات في الميزانية. إن سياسة البنك المركزي تدفع بالبلاد إلى هوة الروبل الضعيف. كما يقول بليز سي إنتين، مدير الحافظة لدى مؤسسة تي سي دبليو: «إذا ما انخفضت قيمة الروبل سريعا، فسوف يكون الأمر عسيرا بحق على البنك المركزي الروسي لعكس الأداء ورفع شعر الفائدة الآن». إن احتضان إلفيرا نابيولينا للروبل الضعيف يدعو إلى تركيز أكثر وضوحا، حيث يُنظر إليه من خلال عدسة تاريخية اقتصادية روسية حديثة.
فهناك سنوات من النمو الاقتصادي أعقبت انخفاض قيمة الروبل منذ عام 1998، حيث أدى الروبل الضعيف إلى تخفيض التكاليف على المصانع والمزارع الروسية. ووفقا لبعض التقديرات، وفر قدرا من انتعاش الاقتصاد أكثر مما وفرته أسعار النفط المرتفعة خلال فترة الرئاسة الأولى للسيد بوتين بين عامي 1999 و2004. تحول الجانب المشرق لانهيار العملية الروسية إلى درس للاقتصاديين الروس من ذلك الجيل، كما أنه يعد تأثيرا كبيرا على البيئة الراهنة هناك. في حين أن البنك المركزي قد غازل الاحتياطي الروسي من العملات الأجنبية للدفاع عن الروبل، كان يمكنه إنفاق المزيد، غير أنه لم يفعل. حيث لا يزال البنك محتفظا بما يقرب من 385 مليار دولار من الذهب واحتياطي العملات الأجنبية.
كانت تلك النقطة التي أشارت إليها إلفيرا نابيولينا في يوم انهيار الروبل إثر حالة الذعر التي صاحبت مبيعات يوم 16 ديسمبر، حيث غادرت إلفيرا نابيولينا الاجتماع مع محللي البنوك التجارية لتعقد مقابلة مع التلفزيون الروسي مما جذب الاهتمام إلى الجانب المشرق من الكارثة، حيث صرحت لـ«تلفزيون 24» الروسي تقول: «علينا أن نتعلم كيفية الحياة في نطاق مختلف. وينبغي على الشعب الروسي توجيه أنفسهم ناحية مصادرنا من التمويل، ومشاريعنا، وإعطاء الفرصة لبدائل الاستيراد».
في روسيا، كانت إلفيرا نابيولينا من المطلعين على بواطن الأمور ومن غير المنتمين إليها في ذات الوقت.
فقد عملت لأكثر من عشر سنوات بالقرب من الدائرة الداخلية وثيقة الصلة بالكرملين، حيث أصبحت عقب خدمتها كوزيرة للاقتصاد، كبير المستشارين الاقتصاديين للسيد بوتين في عام 2012. كما سُميت محافظة للبنك المركزي الروسي في يونيو (حزيران) من عام 2013.
ومع ذلك، وبين زمرة كبار المسؤولين، فإن إلفيرا نابيولينا (51 عاما)، تبرز من كونها امرأة ومن عرق التتار، وليس أقل من دعمها المستمر للسياسات الموجهة نحو السوق في النظام الخاضع لسيطرة الدولة. وهي جزء من فصيل الاقتصاديين الليبراليين في الكرملين، أي من غير المفضلين على نحو متزايد.
يقول إيفان تشاكاروف، كبير الاقتصاديين الروس لدى مجموعة سيتي في موسكو: «بالنظر إلى كل الشكاوى التي طرحها الغربيون حول المؤسسات في روسيا، فإن البنك المركزي هو إحدى المؤسسات التي تعمل بصورة جيدة فعلا. حينما يرتفع الضغط طلبا للتلطيف، فإنهم يشددون قبضتهم بدلا من ذلك».
إحدى النتائج المعجزة لسياسة الروبل الضعيف كانت بقاء ميزانية روسيا، المعتمدة على النفط بشكل كبير، قيد الاتزان على الرغم من الانهيار الساحق لأسعار النفط. وذلك يعود إلى أن سعر النفط وسعر الروبل فقدا سويا 50 في المائة من قيمتهما في نفس الوقت. مما يعني أن برميل النفط الواحد يجلب للكرملين نفس عدد الروبلات التي كان يجلبها قبل عام مضى.
وتم بالفعل تعويم بعض الشركات، على نحو منافٍ للمنطق، نظرا للتوقعات الكئيبة للمستثمرين في روسيا مؤخرا. ومع بقاء التكاليف بالروبل وأرباح التصدير بالدولار، فإن مؤسسة صناعة الصلب سيفرستال تتمتع بسيول نقدية كبيرة، حيث أعادت شراء سندات بقيمة 600 مليون دولار مستحقة السداد خلال العامين المقبلين. كما أن شركة صناعة الصلب الروسية الثانية (إيفراز)، تحاول إعادة شراء سندات بقيمة 750 مليون دولار قبل ميعادها المحدد لهذا العام.
وبالنسبة لمنتقديها، فإن إلفيرا نابيولينا قد خذلت حارسها على أموال الأمة، فقد وصف أحد أعضاء البرلمان الروسي، من حزب روسيا المتحدة الحاكم، البنك المركزي بأنه «عدو الأمة». وأضاف أن الفريق القائم على تحديد سعر الفائدة يقوم بأفعال «شريرة».
ومن غير الواضح إلى أي مدى يمكن لإلفيرا نابيولينا الصمود، حيث يتزايد السخط حول سلبية البنك المركزي. خلال الشهر الماضي، قدمت السيدة كسينيا يوديفا، كبيرة مساعدي السيدة نابيولينا، وخبيرة الاقتصاد المتخرجة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، استقالتها من منصبها كمدير للسياسة النقدية، وقد أفاد بعضهم بأنها قد أجبرت على ذلك. وقد خططت السيدة يوديفا جنبا إلى جنب مع إلفيرا نابيولينا التحول إلى التعويم الحر. وقد شغل منصبها أحد الاقتصاديين، ديمتري تولين، الذي خدم في البنك المركزي للاتحاد السوفياتي.
مع مرور الوقت، قد تنتعش سمعتهم، على حد تصريح روبرت شليغل، أحد أعضاء البرلمان في مقابلة أجريت معه: «إن من لديهم أعباء المسؤوليات الكبرى غالبا ما يعانون مزيدا من الانتقادات».
* خدمة «نيويورك تايمز»



تراجع واردات النفط لكوريا الجنوبية من الشرق الأوسط بأكثر من 37 % خلال أبريل

ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)
ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)
TT

تراجع واردات النفط لكوريا الجنوبية من الشرق الأوسط بأكثر من 37 % خلال أبريل

ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)
ناقلة نفط بالقرب من ميناء الحديدة باليمن على البحر الأحمر (رويترز)

تراجعت واردات كوريا الجنوبية من النفط الخام من الشرق الأوسط بأكثر من 37 في المائة، على أساس سنوي، خلال أبريل (نيسان) الماضي، وذلك في ظلِّ تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

ووفقاً للبيانات الإحصائية الصادرة عن رابطة التجارة الدولية الكورية، بلغ حجم واردات كوريا الجنوبية من النفط الخام نحو 8.46 مليون طن خلال أبريل الماضي، مقارنة بـ10.96 مليون طن الفترة نفسها من العام الماضي، حسبما ذكرت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية للأنباء.

وبشكل خاص، تراجعت واردات النفط الخام من الشرق الأوسط بنسبة 37.3 في المائة إلى نحو 4.49 مليون طن.

ورغم أنَّ النفط الخام المستورَد من الشرق الأوسط لا يزال يُشكِّل الحصة الأكبر من إجمالي واردات كوريا من النفط الخام، فإنَّ نسبته تراجعت بمقدار 12.1 نقطة مئوية من 65.2 في المائة خلال أبريل من العام الماضي لتصل إلى 53.1 في المائة الشهر الماضي.

كما انخفضت واردات النفط الخام من المملكة العربية السعودية، أكبر مورد للنفط الخام إلى كوريا الجنوبية، بنسبة 37.6 في المائة، لتبلغ نحو 2.146 مليون طن.

كما تراجعت الواردات من العراق والكويت بشكل حاد بنسبتَي 42.4 في المائة و98.2 في المائة على التوالي لتصلا إلى نحو 800 ألف طن ونحو 10 آلاف طن على التوالي. وتوقَّفت واردات النفط من دولة قطر.

ومن ناحية أخرى، زادت واردات النفط الخام من الولايات المتحدة بنسبة 13.4 في المائة لتصل إلى نحو 2.145 مليون طن.

وبذلك تقلَّص الفارق في حجم الواردات بين السعودية والولايات المتحدة إلى نحو ألف طن فقط. وكان الفارق قد بلغ نحو 1.45 مليون طن في مارس (آذار) الماضي.


«المركزي» الأوروبي: نواجه ضغوطاً لرفع الفائدة مع تفاقم أزمة حرب إيران

متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)
متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)
TT

«المركزي» الأوروبي: نواجه ضغوطاً لرفع الفائدة مع تفاقم أزمة حرب إيران

متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)
متسوق يدفع ورقة نقدية من فئة اليورو في سوق بمدينة نيس بفرنسا (رويترز)

أفاد عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، مارتن كوشر، بأن البنك يتجه نحو رفع أسعار الفائدة الشهر المقبل، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام مستدام بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة «بلومبرغ»، الأحد، عن كوشر قوله، على هامش انعقاد اجتماع وزراء المالية الأوروبيين خلال يومي 22 و23 من مايو (أيار) الحالي في نيقوسيا بقبرص، أن التضخم من المرجح أن يكون هذا العام أعلى مما كان متوقعاً من قبل، مما سيؤدي إلى إثارة المخاوف لدى المستهلكين الذين ما زالوا يعانون من صدمة الأسعار السابقة. وفي الوقت نفسه، يظل الاقتصاد مرناً بشكل معقول.

وأوضح كوشر أن «هناك دائماً سيناريوهات ذات احتمالات ضئيلة جدا تؤدي إلى تقييمات مختلفة للوضع، ولكن في الوقت الحالي، تشير جميع الدلائل إلى أننا سنختار بين الإبقاء على أسعار الفائدة أو رفعها».

وأضاف: «من الواضح بالنسبة لي أنه في حال لم يتحسن الوضع، فسيتعين علينا تركيز مناقشاتنا على اتخاذ إجراءات».

وتسببت حرب إيران في صعود أسعار النفط والغاز بشكل حاد، ما انعكس بدوره على باقي السلع، ليرتفع التضخم في معظم منطقة اليورو وحول العالم.

غير أن محاولات جديدة للتوصل لصيغة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، قد تفضي على توقيع مذكرة بالفعل، بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عنها مساء السبت، وأكد عليها وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في تصريحات الأحد.


التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
TT

التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)
منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز)

أكدت النتائج المالية لشركات القطاع العقاري المُدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) متانة الأسس التشغيلية للسوق خلال الرُّبع الأول من عام 2026، رغم تسجيلها إعادة تموضع واضحة في دورة ربحيتها؛ إذ نجحت الشركات في تحقيق مبيعات مليارية تجاوزت 1.75 مليار دولار، وصافي أرباح بلغ 378.42 مليون دولار (1.42 مليار ريال)، وسط تراجع إجمالي للأرباح بنسبة 30.56 في المائة؛ نتيجة تباطؤ وتيرة المضاربات، وتغيُّر دورة الاعتراف المحاسبي بالإيرادات.

ويرى خبراء أنَّ هذه الحركة التصحيحية تعود بشكل رئيسي إلى الإجراءات التنظيمية التي استهدفت رفع كفاءة السوق وتحقيق التوازن؛ مثل تنظيم الإيجارات، وتفعيل رسوم الأراضي البيضاء، وزيادة المعروض، بالتزامن مع تحول واعٍ في سلوك المستهلك الذي أصبح أكثر حذراً وانتقائية، ويركز على جودة المنتَج والقيمة الفعلية.

ورغم هذا الانخفاض، فإنَّ أداء الشركات أظهر تبايناً حاداً يعكس دخول السوق مرحلة «فرز» غربلت النماذج التشغيلية، حيث برهنت المشروعات النوعية على قدرتها في قيادة السوق بنجاح، مدفوعةً بالنمو القوي لشركات قيادية مثل «العقارية» التي قفزت أرباحها بنسبة 251.8 في المائة، و«دار الأركان» بنمو وصل إلى 24.3 في المائة، ما يؤكد انتقال القطاع رسمياً من مرحلة النمو السريع المدفوع بالزخم السعري إلى مرحلة النضج والاستدامة التشغيلية، تماشياً مع مستهدفات «رؤية 2030»، والإنفاق الحكومي المستمر على البنية التحتية.

سيارات تسير في أحد شوارع الرياض (رويترز)

ووفق إعلانات نتائجها المالية في السوق المالية السعودية، سجَّلت 15 شركة من بين 17 عاملة في القطاع، أرباحاً صافية، في حين واصلت شركتا «مدينة المعرفة» و«إعمار» تسجيل خسائر ربعية.

وتصدَّرت شركة «العقارية» أعلى شركات القطاع ربحيةً، خلال الرُّبع الأول، محققة 475.7 مليون ريال (126.7 مليون دولار)، بنسبة نمو وصلت إلى 251.8 في المائة عن الرُّبع المماثل من العام السابق.

وحلّت «دار الأركان» ثانيةً في أعلى شركات القطاع ربحيةً بعد تحقيقها أرباحاً بنحو 260.2 مليون ريال (69.3 مليون دولار) خلال الرُّبع الأول، لتسجل نمواً عن الرُّبع المماثل من العام السابق بنسبة 24.3 في المائة. في حين حلَّت شركة «سينومي سنترز» في المرتبة الثالثة، رغم انخفاض نمو أرباحها بنسبة 8 في المائة، محققةً نحو 202.5 مليون ريال (53.9 مليون دولار).

وانخفضت مبيعات شركات قطاع إدارة وتطوير العقارات المدرجة في السوق المالية السعودية، خلال الرُّبع الأول من 2026 بنسبة 4.45 في المائة، حيث بلغ إجمالي مبيعاتها نحو 1.57 مليار دولار (5.89 مليار ريال) مقارنةً بمبيعات تجاوزت 1.64 مليار دولار (6.16 مليار ريال) خلال الرُّبع ذاته من العام الماضي.

أحد مشروعات «دار الأركان» (موقع الشركة)

وحقَّقت «دار الأركان» أعلى مبيعات بين شركات القطاع بإيرادات بلغت 1.16 مليار ريال (309 ملايين دولار)، وبنسبة نمو وصلت إلى 24.8 في المائة. وجاءت «جبل عمر» ثانيةً بمبيعات وصلت إلى 739.17 مليون ريال (197 مليون دولار) رغم تراجعها بشكل طفيف بنحو 1.1 في المائة عن مبيعات الرُّبع الأول من العام الماضي. في حين حلت «البحر الأحمر» ثالثةً في أعلى المبيعات بين شركات القطاع العقاري بتحقيقها إيرادات تجاوزت 631 مليون ريال (168 مليون دولار)، وبانخفاض عن الرُّبع المماثل من العام السابق بنحو 9.9 في المائة.

إعادة تموضع محاسبي

وفي تعليق على نتائج شركات القطاع، يرى الخبير والمهتم بالشأن العقاري، عبد الله الموسى خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط» أنَّ تراجع أرباح شركات العقار المدرجة في السوق المالية السعودية لا يعدُّ سلبياً بقدر ما هو إعادة تموضع في دورة الربحية داخل القطاع، مرجعاً هذا التراجع في الأرباح إلى 5 أسباب، تتمثل في تغيُّر دورة الإيرادات والاعتراف المحاسبي، حيث إن النتائج المالية لقطاع التطوير العقاري لا تُقرأ دائماً بمنطق القطاعات التشغيلية المستقرة نفسه؛ كون توقيت تسليم المشروعات والاعتراف بالإيرادات قد يصنع فروقات حادة بين رُبع وآخر، لذلك فإنَّ جزءاً من التراجع قد يكون فنياً أكثر من كونه ضعفاً تشغيلياً.

وأرجع السبب الثاني إلى تباطؤ المضاربة في السوق العقارية وتحولها للواقعية، خصوصاً في مدينة الرياض، والتي تمرُّ السوق فيها بمرحلة انتقال من التسعير المدفوع بالمضاربة إلى التسعير المرتبط بالقيمة الحقيقية والطلب الفعلي، وهذا بطبيعته يضغط على الهوامش الربحية لبعض الشركات التي استفادت سابقاً من بيئة أكثر سخونة.

وعزا السبب الثالث إلى ارتفاع تكلفة التمويل والتشغيل، مضيفاً أنَّ أثر تكلفة التمويل المرتفعة السابقة ما زال حاضراً على المشروعات العقارية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والبناء والتنفيذ، وهو ما يضغط مباشرة على الربحية.

وزاد بأن «هناك اختلافاً في نماذج الأعمال داخل القطاع ما بين شركات التطوير، وشركات المراكز التجارية، وشركات الضيافة العقارية، حيث إن لكل منها محركات مختلفة، ولذلك نشاهد شركات تنمو بقوة مثل (العقارية) و(دار الأركان)، بينما تتراجع أخرى بشكل حاد».

وأرجع السبب الخامس إلى ارتفاع قاعدة المقارنة في 2025، حيث إنَّ بعض الشركات كانت قد حقَّقت نتائج استثنائية في فترات سابقة؛ نتيجة تخارجات أو مبيعات نوعية، وبالتالي المقارنة السنوية تبدو قاسية.

العاصمة السعودية (رويترز)

ويتوقَّع الموسى أن تشهد المرحلة المقبلة 3 فئات واضحة بين شركات القطاع، وهي شركات مرنة وقوية مالياً ستستفيد من إعادة ترتيب السوق، خصوصاً التي تملك مخزوناً جيداً، وتدفقات نقدية مستقرة، ونموذج بيع واضحاً. وشركات تعتمد على الزخم السعري أكثر من التشغيل الحقيقي وهذه قد تواجه ضغوطاً أكبر. وشركات الدخل التشغيلي المتكرِّر مثل الأصول المدرة والمراكز التجارية، وستكون أكثر استقراراً نسبياً، مضيفاً أنَّ القطاع بشكل عام يمرُّ بمرحلة فرز ونضج، وانتقال من سوق تكافئ السرعة إلى سوق تكافئ الكفاءة والانضباط التشغيلي، وهي مرحلة صحية للقطاع على المديين المتوسط والطويل.

استدامة على المدى الطويل

من جانبه، قال الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنَّ نتائج شركات القطاع العقاري خلال الرُّبع الأول تؤكد أنَّ السوق تمر بمرحلة إعادة توازن طبيعية بعد سنوات من النمو السريع والارتفاعات الكبيرة في الأسعار، أكثر من كونها مرحلة تراجع مقلقة.

ورأى أنَّ انخفاض أرباح شركات القطاع بنسبة 30 في المائة، يعود لعوامل متداخلة عدة؛ أبرزها ارتفاع المعروض العقاري، وتراجع وتيرة المضاربات، وارتفاع تكلفة التمويل، إضافة إلى الإجراءات التنظيمية التي استهدفت رفع كفاءة السوق وتحقيق التوازن، مثل تنظيم الإيجارات، وتفعيل رسوم الأراضي البيضاء، وزيادة المعروض في بعض المناطق الرئيسية. كما أنَّ سلوك المستهلك تغيَّر بشكل واضح، حيث أصبح المشتري أكثر حذراً وانتقائية، ويركز على جودة المنتَج والموقع والخدمات والقيمة الفعلية، وهو ما فرض ضغوطاً على الشركات التي كانت تعتمد على التسعير المرتفع أو المبيعات السريعة.

وأضاف الزهراني أنَّ النتائج المالية لبعض الشركات الكبرى مثل «العقارية» و«دار الأركان» أظهرت أنَّ المشروعات النوعية والدخل المتنوع والحوكمة الجيدة ما زالت قادرةً على تحقيق نمو وربحية حتى في ظلِّ ظروف السوق الحالية.

ويتوقَّع الزهراني أن تستمر ربحية شركات القطاع العقاري خلال الفترة المقبلة وسط حالة من التوازن والهدوء النسبي على المدى القصير، مع بقاء الضغط على بعض هوامش الأرباح، لكن النظرة المتوسطة والطويلة للقطاع لا تزال إيجابيةً جداً بدعم المشروعات الكبرى، وبرامج «رؤية 2030»، والنمو السكاني، وفتح السوق أمام الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب استمرار الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والتطوير العمراني، مضيفاً أن السوق العقارية السعودية تنتقل تدريجياً من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة النضج والاستدامة، وهي مرحلة صحية ستعزِّز جودة المشروعات، وترفع كفاءة السوق على المدى البعيد.