تهاوي الروبل اختبار حاسم لمحافظة البنك المركزي الروسي

إلفيرا نابيولينا في عين الإعصار

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين  لدى اجتماعه بمحافظة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا («نيويورك تايمز»)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى اجتماعه بمحافظة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا («نيويورك تايمز»)
TT

تهاوي الروبل اختبار حاسم لمحافظة البنك المركزي الروسي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين  لدى اجتماعه بمحافظة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا («نيويورك تايمز»)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى اجتماعه بمحافظة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا («نيويورك تايمز»)

كانت إمارات الفزع تتشكل على وجوه المذعورين من الأزمة الاقتصادية خارج غرفة اجتماعات العهد القيصري ذات الثريا في مقر البنك المركزي الروسي. كان سكان موسكو يتحررون في يأس من عبء الروبل الذي يفقد قيمته على نحو متزايد، ويبتاعون، في هوس محموم، أجهزة التلفزيون، وغسالات الملابس، والمعاطف الشتوية، وغيرها من البضائع.
وفي الوقت الذي كانت فيه إلفيرا نابيولينا يتلقى الملاحظات من مساعديه حول انهيار العملة خلال اجتماع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ظلت على نفس منوال خطابها، من حيث تمجيد فضائل انهيار تداول الروبل لمدة عقدين من الزمان وإفساح الطريق أمام قوى السوق.
ويتذكر أحد المصرفيين بعضا من حديثها خلال الاجتماع المغلق فيقول: «كانت رسالتها: إننا لا نستهدف المعدل، سوف يفعل الروبل ما يفعله دوما». ولقد ظل التزام إلفيرا نابيولينا قيد الاختبار بصفة يومية.
تعد السيدة نابيولينا، المنظرة الاقتصادية النحيفة والمولعة بالكتب، من المؤمنين الصارمين بمزايا التغير المرن في سعر الصرف وفي العملة الضعيفة كذلك، إذا ما فرضت قوى السوق ذلك بالطبع. وقد دافعت عن موقفها هذا بابتهاج شديد حتى مع كون الروبل هو ثاني أقل العملات العالمية من حيث الأداء خلال العام الماضي. ولم تفقد أي عملة المزيد من قيمتها إلا عملة روسيا البيضاء التي تحمل ذات الاسم.
قالت إلفيرا نابيولينا للبرلمان الروسي خلال الخريف الماضي: «من المستحيل تماما السيطرة على سعر الصرف مع محاولة الحفاظ على قدر من التوجيه. ليس من الممكن محاربة العوامل العالمية الأساسية. إنه إجراء توازني خادع بالفعل».
ومع اشتداد الاضطرابات، تحافظ أسعار الفائدة المنخفضة على تعويم البنوك، في مقابل التضحية بالروبل. أما رفع أسعار الفائدة سوف ينقذ الروبل، ولكنه يؤدي إلى تعميق الركود الاقتصادي.
عمل البنك المركزي على خفض أسعار الفائدة بصورة غير متوقعة أواخر يناير (كانون الثاني). وتشير تلك الخطوة إلى أن روسيا تتعامل مع المشكلات المصرفية وضعف الأداء الاقتصادي باعتبارها من الأولويات الأكثر إلحاحا من مشكلات الروبل ذاته.
كما سُلطت الأضواء مجددا على استعداد نابيولينا، فيما يبدو بموافقة من الرئيس فلاديمير بوتين، للتراجع عن الدفاع عن الروبل، والذي يعاني حاليا من أسوأ حالات الهبوط منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. والروبل، الذي يتداول حاليا عند 66 نقطة مقابل الدولار، قد فقد ما يقرب من نصف قيمته خلال العام الماضي.
وفي إشارة لجدول محافظة البنك المركزي المزدحم، رفضت الإدارة الصحافية في البنك السماح بمقابلة نابيولينا.
يأتي قرار السماح بسقوط الروبل لقاء تحقيق أهداف اقتصادية أخرى بوصفه واحدة من سياسات الكرملين القليلة الثابتة. في مواجهة أسعار النفط المنهارة والعقوبات الغربية المفروضة على السياسة الروسية تجاه أوكرانيا، فإن سقوط الروبل من الأمور المؤلمة، ولكنها لازمة، كخطوة لإبعاد روسيا عن حظيرة الواردات.
يبدو أن الارتباك قد صار غالبا في مواقع أخرى من الحكومة الروسية. خلال الشهر الماضي، أفرد أنطون جي سيلوانوف، وزير المالية الروسي، ميزانية «مكافحة الأزمة» التي وعد بها منذ فترة طويلة، مطالبا بتخفيضات تقدر بنسبة 10 في المائة. ولكن أليكسي في أوليوكاييف، وزير الاقتصاد، كان قد أعلن في وقت سابق أنه لا حاجة لتنفيذ أية تخفيضات في الميزانية. إن سياسة البنك المركزي تدفع بالبلاد إلى هوة الروبل الضعيف. كما يقول بليز سي إنتين، مدير الحافظة لدى مؤسسة تي سي دبليو: «إذا ما انخفضت قيمة الروبل سريعا، فسوف يكون الأمر عسيرا بحق على البنك المركزي الروسي لعكس الأداء ورفع شعر الفائدة الآن». إن احتضان إلفيرا نابيولينا للروبل الضعيف يدعو إلى تركيز أكثر وضوحا، حيث يُنظر إليه من خلال عدسة تاريخية اقتصادية روسية حديثة.
فهناك سنوات من النمو الاقتصادي أعقبت انخفاض قيمة الروبل منذ عام 1998، حيث أدى الروبل الضعيف إلى تخفيض التكاليف على المصانع والمزارع الروسية. ووفقا لبعض التقديرات، وفر قدرا من انتعاش الاقتصاد أكثر مما وفرته أسعار النفط المرتفعة خلال فترة الرئاسة الأولى للسيد بوتين بين عامي 1999 و2004. تحول الجانب المشرق لانهيار العملية الروسية إلى درس للاقتصاديين الروس من ذلك الجيل، كما أنه يعد تأثيرا كبيرا على البيئة الراهنة هناك. في حين أن البنك المركزي قد غازل الاحتياطي الروسي من العملات الأجنبية للدفاع عن الروبل، كان يمكنه إنفاق المزيد، غير أنه لم يفعل. حيث لا يزال البنك محتفظا بما يقرب من 385 مليار دولار من الذهب واحتياطي العملات الأجنبية.
كانت تلك النقطة التي أشارت إليها إلفيرا نابيولينا في يوم انهيار الروبل إثر حالة الذعر التي صاحبت مبيعات يوم 16 ديسمبر، حيث غادرت إلفيرا نابيولينا الاجتماع مع محللي البنوك التجارية لتعقد مقابلة مع التلفزيون الروسي مما جذب الاهتمام إلى الجانب المشرق من الكارثة، حيث صرحت لـ«تلفزيون 24» الروسي تقول: «علينا أن نتعلم كيفية الحياة في نطاق مختلف. وينبغي على الشعب الروسي توجيه أنفسهم ناحية مصادرنا من التمويل، ومشاريعنا، وإعطاء الفرصة لبدائل الاستيراد».
في روسيا، كانت إلفيرا نابيولينا من المطلعين على بواطن الأمور ومن غير المنتمين إليها في ذات الوقت.
فقد عملت لأكثر من عشر سنوات بالقرب من الدائرة الداخلية وثيقة الصلة بالكرملين، حيث أصبحت عقب خدمتها كوزيرة للاقتصاد، كبير المستشارين الاقتصاديين للسيد بوتين في عام 2012. كما سُميت محافظة للبنك المركزي الروسي في يونيو (حزيران) من عام 2013.
ومع ذلك، وبين زمرة كبار المسؤولين، فإن إلفيرا نابيولينا (51 عاما)، تبرز من كونها امرأة ومن عرق التتار، وليس أقل من دعمها المستمر للسياسات الموجهة نحو السوق في النظام الخاضع لسيطرة الدولة. وهي جزء من فصيل الاقتصاديين الليبراليين في الكرملين، أي من غير المفضلين على نحو متزايد.
يقول إيفان تشاكاروف، كبير الاقتصاديين الروس لدى مجموعة سيتي في موسكو: «بالنظر إلى كل الشكاوى التي طرحها الغربيون حول المؤسسات في روسيا، فإن البنك المركزي هو إحدى المؤسسات التي تعمل بصورة جيدة فعلا. حينما يرتفع الضغط طلبا للتلطيف، فإنهم يشددون قبضتهم بدلا من ذلك».
إحدى النتائج المعجزة لسياسة الروبل الضعيف كانت بقاء ميزانية روسيا، المعتمدة على النفط بشكل كبير، قيد الاتزان على الرغم من الانهيار الساحق لأسعار النفط. وذلك يعود إلى أن سعر النفط وسعر الروبل فقدا سويا 50 في المائة من قيمتهما في نفس الوقت. مما يعني أن برميل النفط الواحد يجلب للكرملين نفس عدد الروبلات التي كان يجلبها قبل عام مضى.
وتم بالفعل تعويم بعض الشركات، على نحو منافٍ للمنطق، نظرا للتوقعات الكئيبة للمستثمرين في روسيا مؤخرا. ومع بقاء التكاليف بالروبل وأرباح التصدير بالدولار، فإن مؤسسة صناعة الصلب سيفرستال تتمتع بسيول نقدية كبيرة، حيث أعادت شراء سندات بقيمة 600 مليون دولار مستحقة السداد خلال العامين المقبلين. كما أن شركة صناعة الصلب الروسية الثانية (إيفراز)، تحاول إعادة شراء سندات بقيمة 750 مليون دولار قبل ميعادها المحدد لهذا العام.
وبالنسبة لمنتقديها، فإن إلفيرا نابيولينا قد خذلت حارسها على أموال الأمة، فقد وصف أحد أعضاء البرلمان الروسي، من حزب روسيا المتحدة الحاكم، البنك المركزي بأنه «عدو الأمة». وأضاف أن الفريق القائم على تحديد سعر الفائدة يقوم بأفعال «شريرة».
ومن غير الواضح إلى أي مدى يمكن لإلفيرا نابيولينا الصمود، حيث يتزايد السخط حول سلبية البنك المركزي. خلال الشهر الماضي، قدمت السيدة كسينيا يوديفا، كبيرة مساعدي السيدة نابيولينا، وخبيرة الاقتصاد المتخرجة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، استقالتها من منصبها كمدير للسياسة النقدية، وقد أفاد بعضهم بأنها قد أجبرت على ذلك. وقد خططت السيدة يوديفا جنبا إلى جنب مع إلفيرا نابيولينا التحول إلى التعويم الحر. وقد شغل منصبها أحد الاقتصاديين، ديمتري تولين، الذي خدم في البنك المركزي للاتحاد السوفياتي.
مع مرور الوقت، قد تنتعش سمعتهم، على حد تصريح روبرت شليغل، أحد أعضاء البرلمان في مقابلة أجريت معه: «إن من لديهم أعباء المسؤوليات الكبرى غالبا ما يعانون مزيدا من الانتقادات».
* خدمة «نيويورك تايمز»



محضر «الفيدرالي» يظهر انقسام المسؤولين بشأن زيادة الفائدة واستمرار الغموض

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)
TT

محضر «الفيدرالي» يظهر انقسام المسؤولين بشأن زيادة الفائدة واستمرار الغموض

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)

أظهر محضر أحدث اجتماعات «الاحتياطي الفيدرالي» أن النقاش داخل البنك المركزي الأميركي أصبح أكثر ميلاً إلى التشديد النقدي، إذ أيّد عدد من المسؤولين رفع أسعار الفائدة في يوليو (تموز)، بينما رأى «العديد» أن تشديد السياسة سيكون ضرورياً إذا لم يتراجع التضخم، في تحول يعكس صعوبة انتقال «الفيدرالي» من مرحلة انتظار خفض الفائدة إلى التعامل مجدداً مع احتمال رفعها.

وكشف محضر اجتماع 28 و29 يوليو، الصادر الأربعاء، أن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة صوّتت بأغلبية 9 مقابل 3 لمصلحة إبقاء سعر الفائدة عند نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة.

وصوّتت لوري لوغان، رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في دالاس، وبيث هاماك، رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، ونيل كاشكاري، رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مينيابوليس، لمصلحة رفع الفائدة ربع نقطة مئوية.

لكن دائرة المؤيدين للتشديد قد تكون أوسع من ذلك. فقد أشار جيف شميد، رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في كانساس سيتي، وألبرتو موسالم، رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في سانت لويس، وهما لم يكونا مصوتين في اجتماع يوليو، لاحقاً إلى أنهما كانا سيؤيدان رفع الفائدة في ذلك الاجتماع.

وارش مترئساً اجتماع اللجنة الفيدرالية (الاحتياطي الفيدرالي)

التضخم يفرض نفسه مجدداً

وكان جوهر النقاش داخل الاجتماع هو المسار غير الواضح للتضخم. وبينما توقع معظم المسؤولين أن تتراجع الضغوط السعرية خلال بقية العام مع انحسار تأثير الرسوم الجمركية والارتفاعات السابقة في أسعار الطاقة، حذّر «العديد» من احتمال بقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول.

ووصف المسؤولون توقعاتهم للتضخم بأنها «شديدة عدم اليقين»، مشيرين إلى أن تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران زاد من ضبابية التوقعات، خصوصاً مع تأثير اضطرابات أسواق الطاقة على الأسعار.

وتعني هذه المخاطر أن «الفيدرالي» لا يستطيع التعامل مع تراجع التضخم الأخير باعتباره اتجاهاً مؤكداً، خصوصاً إذا أدّت أسعار الطاقة المرتفعة إلى إعادة إشعال الضغوط السعرية.

في المقابل، وصف المسؤولون سوق العمل بأنها مستقرة، مع توازن نسبي بين الطلب على العمالة والمعروض منها، فيما واصلوا وصف النمو الاقتصادي بأنه «متين»، مع الإشارة إلى قوة الاستثمار الرأسمالي والإنتاجية.

البيانات بدأت تخفف الضغط على «الفيدرالي»

لكن التطورات الاقتصادية منذ اجتماع يوليو أعطت المسؤولين سبباً آخر للتريث. فقد تراجعت مبيعات التجزئة في يوليو بأكبر وتيرة في أكثر من عام، مع انخفاض مشتريات المستهلكين عبر المتاجر الإلكترونية ومن تجار السيارات، بينما ظل التضخم الأساسي محدوداً.

وفي سوق العمل، خفّض أصحاب العمل الوظائف بصورة مفاجئة في يوليو، كما جرى تعديل بيانات التوظيف في الشهرين السابقين بالخفض، في إشارات إلى أن سوق العمل قد تكون أضعف مما كان يعتقد سابقاً.

وهذه البيانات أعادت بعض التوازن إلى معادلة «الفيدرالي»؛ فالتضخم لا يزال مصدر قلق، لكن تباطؤ النشاط الاقتصادي وضعف سوق العمل يقللان الحاجة إلى رفع الفائدة سريعاً.

وانعكس ذلك مباشرة على الأسواق. فقد تراجعت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) إلى نحو 36 في المائة صباح الأربعاء، بعدما تجاوزت 70 في المائة في نهاية يوليو.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مؤتمر صحافي (رويترز)

وارش تحت ضغط الأسواق

في المقابل، يواجه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش اختباراً متزايداً بشأن قدرته على التواصل مع الأسواق. فقد تعرض لانتقادات واسعة بعد مؤتمره الصحافي عقب اجتماع يوليو، بعدما أخفق، وفق تقييم بعض المستثمرين، في تقديم تفسير واضح لقرار إبقاء الفائدة دون تغيير، كما تجنب الإشارة إلى احتمال رفعها في الأشهر المقبلة.

ودفعت تصريحاته المستثمرين إلى بيع السندات طويلة الأجل، لترتفع عوائدها إلى مستويات تقترب من أعلى مستوياتها في نحو عقدين، وهو ما اعتُبر مؤشراً على تزايد المخاوف بشأن التزام «الفيدرالي» بهدف التضخم البالغ 2 في المائة.

لكن ارتفاع عوائد السندات لم يكن دليلاً صافياً على ارتفاع توقعات التضخم، إذ ارتفع الفارق بين عوائد سندات الخزانة التقليدية والسندات المحمية من التضخم لـ5 سنوات مقبلة بصورة محدودة فقط. وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يشير إلى أن جزءاً من ارتفاع العوائد الطويلة ربما كان مرتبطاً بعوامل أخرى، مثل مخاوف الدين الحكومي والعرض المرتفع من السندات، وليس بتوقعات التضخم فقط.

السندات تضيف بعداً جديداً للمعادلة

وجاءت تحركات سوق السندات الأربعاء لتضيف طبقة أخرى إلى المشهد. فقد تراجعت العوائد طويلة الأجل بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل لدعم السيولة.

ويعني ذلك أن عوائد السندات لم تعد تعكس توقعات السياسة النقدية وحدها، بل تتأثر أيضاً بكمية الإصدارات الحكومية، والطلب على الدين، ومخاوف الاستدامة المالية، وتدخلات الخزانة في السوق.

وهذا يجعل مهمة «الفيدرالي» أكثر تعقيداً؛ إذ يمكن أن تؤدي العوائد المرتفعة في الآجال الطويلة إلى تشديد الأوضاع المالية حتى من دون رفع سعر الفائدة الأساسي، في حين قد يؤدي تدخل الخزانة إلى تخفيف بعض هذه الضغوط.

تغيير محتمل في طريقة عمل «الفيدرالي»

ولم يقتصر اجتماع يوليو على النقاش بشأن أسعار الفائدة. فقد طرح وارش فكرة تقليص عدد اجتماعات اللجنة الفيدرالية من 8 اجتماعات سنوياً إلى 6، بحيث تعقد الاجتماعات بفاصل يقارب شهرين.

وقال وارش إن تقليص عدد الاجتماعات يمكن أن يسمح بتراكم قدر أكبر من البيانات بين كل اجتماع وآخر، ويمنح المسؤولين والموظفين وقتاً أطول لدراسة القضايا الاستراتيجية المتعلقة بالسياسة النقدية.

ولم يتخذ «الفيدرالي» أي قرار بهذا الشأن، كما أكد المحضر أن جدول اجتماعات 2026 لن يتغير.

لكن مجرد طرح الفكرة يكشف أن وارش لا ينظر إلى مستوى الفائدة فقط، وإنما يبحث أيضاً في كيفية إدارة البنك المركزي لعملية صنع القرار والتواصل مع الأسواق.

جاكسون هول... الاختبار التالي

وتأتي أهمية هذه التطورات قبل أقل من أسبوعين من اجتماع جاكسون هول السنوي، حيث من المتوقع أن يلقي وارش أول خطاب له في هذا المنتدى منذ توليه رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» في مايو (أيار).

وستكون الكلمة فرصة لوارش لتوضيح رؤيته بعد محضر كشف عن انقسام واضح داخل اللجنة، وعن قلق واسع بشأن التضخم، وفي الوقت نفسه عن علامات ضعف بدأت تظهر في الاقتصاد وسوق العمل.


ارتفاع مخزونات النفط والبنزين الأميركية وانخفاض نواتج التقطير

صهاريج لتخزين النفط الخام في ولاية تكساس الأميركية (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط الخام في ولاية تكساس الأميركية (رويترز)
TT

ارتفاع مخزونات النفط والبنزين الأميركية وانخفاض نواتج التقطير

صهاريج لتخزين النفط الخام في ولاية تكساس الأميركية (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط الخام في ولاية تكساس الأميركية (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة، بينما انخفضت مخزونات نواتج التقطير، خلال الأسبوع الماضي.

وذكرت الإدارة في تقريرها الأسبوعي، الذي يحظى بمتابعة واسعة في السوق، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت بمقدار 4.4 مليون برميل لتصل إلى 428.8 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 14 أغسطس (آب).

وأضافت الإدارة أن مخزونات النفط الخام في مركز التوزيع بكوشينغ - أوكلاهوما، انخفضت بمقدار 1.3 مليون برميل خلال الأسبوع.

وتابعت الإدارة أن عمليات تكرير النفط الخام ارتفعت بمقدار 216 ألف برميل يومياً، بينما ارتفعت معدلات الاستخدام بنسبة 1 في المائة خلال الأسبوع.

وأعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مخزونات البنزين في الولايات المتحدة ارتفعت بمقدار 0.7 مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 209.4 مليون برميل.

بينما انخفضت مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 1.5 مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 105.6 مليون برميل.

كما ذكرت إدارة معلومات الطاقة أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام انخفض بمقدار 1.75 مليون برميل يومياً.


السندات العالمية تنتعش بعد تحرك الخزانة الأميركية لدعم السوق

رجل ينظر إلى لوحة تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات خارج مكتب وساطة في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
رجل ينظر إلى لوحة تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات خارج مكتب وساطة في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
TT

السندات العالمية تنتعش بعد تحرك الخزانة الأميركية لدعم السوق

رجل ينظر إلى لوحة تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات خارج مكتب وساطة في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
رجل ينظر إلى لوحة تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات خارج مكتب وساطة في طوكيو (أرشيفية - رويترز)

تعافت أسواق السندات العالمية خلال تعاملات الأربعاء، مع تراجع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل من أعلى مستوياتها في عقود، بعدما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات المخصصة لدعم السيولة، في إشارة هدأت المخاوف بشأن الضغوط المتزايدة في سوق الدين العالمية.

وقالت الخزانة الأميركية إنها سترفع حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة الاسمية طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، من ملياري دولار حالياً، في خطوة دفعت عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى الانخفاض بما يصل إلى 10 نقاط أساس، وامتد أثرها إلى الأسواق الأوروبية.

وكان عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً قد ارتفع الثلاثاء إلى نحو 5.34 في المائة، وهو أعلى مستوى له في نحو 20 عاماً، وسط مخاوف متزايدة بشأن التضخم، وارتفاع مستويات الدين الحكومي.

وتراجعت العوائد بعد إعلان الخزانة، إذ انخفضت عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل بما يصل إلى 10 نقاط أساس، بينما تراجعت أيضاً عوائد السندات الحكومية في ألمانيا، وفرنسا، التي كانت قد سجلت في وقت سابق أعلى مستوياتها منذ 15 و18 عاماً على التوالي.

لماذا يهم تحرك الخزانة؟

تكمن أهمية التطورات في سوق السندات طويلة الأجل في أن عوائدها تمثل مرجعاً أساسياً لتسعير عدد كبير من الأصول، وتكاليف الاقتراض في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك معدلات الرهن العقاري، وتمويل الشركات.

وقال جيريمي ستريتش، رئيس استراتيجية العملات لمجموعة العشر لدى «سي آي بي سي»، إن موجة البيع الأخيرة في الجزء الطويل من سوق السندات أصبحت تمثل مشكلة محتملة بالنسبة إلى انتقال تأثيرها إلى فئات الأصول الأخرى، مضيفاً أن وزير الخزانة الأميركي اضطر إلى أخذ هذه المخاطر في الاعتبار، وإجراء تعديلات.

وتراجع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بقوة عقب الإعلان، فيما انخفض الدولار أيضاً.

مشكلة عالمية لا أميركية فقط

ولا تقتصر الضغوط على سوق الدين الأميركية. فقد ارتفعت تكاليف الاقتراض طويلة الأجل من الولايات المتحدة إلى ألمانيا، واليابان، مع قلق المستثمرين بشأن تضخم مستمر، وارتفاع مستويات الدين الحكومي.

وفي اليابان، اقترب عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات من 3 في المائة، وهو مستوى لم يشهده منذ ثلاثة عقود، في تطور يكتسب أهمية خاصة للأسواق العالمية، بعدما اعتمدت أسواق الدين لسنوات على انخفاض أسعار الفائدة اليابانية، وتدفق الاستثمارات اليابانية إلى الخارج.

وقال نيل فيشر، المتخصص الاستثماري لدى «سانت جيمس بليس»، إن الأسواق تواجه سؤالين متوازيين: هل يستمر التضخم عند مستويات مرتفعة لفترة أطول؟ وماذا يعني ذلك لأسعار الفائدة طويلة الأجل؟ وفي المقابل، تبرز تساؤلات حول مدى استدامة الدين الحكومي طويل الأجل في بريطانيا، وأوروبا، والولايات المتحدة.

النفط يزيد الضغوط

وتأتي هذه التطورات في وقت تراجعت فيه الآمال بشأن التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع في الشرق الأوسط، ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بنحو 0.2 في المائة.

ويزيد ارتفاع النفط من مخاطر التضخم، خصوصاً إذا استمر لفترة طويلة، ما قد يضع البنوك المركزية أمام معادلة أكثر صعوبة بين كبح التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي.

وتترقب الأسواق في وقت لاحق الأربعاء صدور محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في يوليو (تموز)، بعدما أبقى البنك أسعار الفائدة من دون تغيير، بينما أثارت تصريحات رئيسه كيفين وارش قلق المستثمرين بسبب عدم تقديمه إشارات واضحة بشأن كيفية استجابة البنك للتضخم المستمر.

الدولار يتراجع والأسواق تتحرك

وفي أسواق العملات، تراجع مؤشر الدولار 0.6 في المائة إلى 99.018، فيما ارتفع اليورو 0.6 في المائة إلى أكثر من 1.64 دولار، واستقر الين عند 158.34 ين للدولار.

وفي الأسهم، ارتفع «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» بنحو 0.4 في المائة في بداية التعاملات الأميركية، بينما استقرت الأسهم الأوروبية على نطاق واسع بعد تراجع حاد في الأسواق الآسيوية، إذ هبطت الأسهم الكورية الجنوبية نحو 6 في المائة في أكبر انخفاض يومي لها خلال ثلاثة أسابيع.

وفي الصين، قفز سهم شركة «يونيتري» لصناعة الروبوتات الشبيهة بالبشر بنحو 460 في المائة في أول جلسة تداول له، بعدما تجاوز الاكتتاب في أسهمها من المستثمرين الأفراد المعروض بأكثر من 8 آلاف مرة.

الإشارة الأهم للأسواق

ورغم أن الخزانة الأميركية أعلنت أن هدفها هو دعم السيولة، فإن سرعة استجابة أسواق السندات تشير إلى أن المستثمرين كانوا بحاجة لإشارة إلى أن السلطات مستعدة للتحرك إذا أصبحت الضغوط على الجزء الطويل من منحنى العائد أكثر حدة.

لكن القرار لا يعالج الأسباب الأساسية لارتفاع العوائد، وفي مقدمتها تزايد الدين، والإصدارات الحكومية، ومخاوف التضخم، وارتفاع أسعار النفط. لذلك يبقى السؤال بالنسبة إلى الأسواق هو ما إذا كانت خطوة الخزانة ستظل أداة محدودة لتحسين السيولة، أم ستتبعها إجراءات أوسع إذا عادت موجة البيع إلى السندات طويلة الأجل.